LOGINالفصل الثاني وعشرون.
في صباح اليوم التالي، كانت المكتبة غارقة في هدوءها المعتاد. تسللت أشعة الشمس عبر النوافذ العالية، لترسم خطوطًا ذهبية فوق رفوف الكتب القديمة. كانت آريا تسير بين الرفوف وهي تحمل كتابين بين ذراعيها. ابتسمت وهي تهمس لنفسها: "لا أصدق أنني وجدت كل هذه الكتب..." وقفت أمام أحد الرفوف العالية. كان هناك كتاب لفت انتباهها منذ الأمس، لكنه كان بعيدًا عن متناول يدها. نظرت حولها. ثم سحبت السلم الخشبي الصغير وأسنَدته إلى الرف. صعدت درجة... ثم ثانية... حتى وصلت إلى الأعلى. وقفت على أطراف أصابعها وهي تمد يدها. "قليلًا فقط..." لامست أطراف أصابعها الكتاب. لكنها لم تستطع سحبه. تنهدت، ثم مدت جسدها أكثر. "هيا..." وفي اللحظة التي أمسكت فيها الكتاب... انزلقت إحدى قدميها عن الدرجة. اتسعت عيناها. "آه!" اختل توازن السلم بأكمله. بدأ يميل ببطء... ثم سقط. أغمضت آريا عينيها غريزيًا، وهي تنتظر ارتطامها بالأرض. لكن... لم تشعر بأي ألم. بل شعرت بذراع قوية تلتف حول خصرها، وأخرى تسند ظهرها. فتحت عينيها ببطء. كان لوسيان. كان يحملها بسهولة، وكأنها لا تزن شيئًا. ظل ينظر إليها بصمت، بينما بقيت هي تحدق فيه بعدم استيعاب. كانت خصلة من شعرها البني قد انسدلت فوق وجهها. رفعها لوسيان بهدوء خلف أذنها. وقال بنبرة هادئة، لكنها تحمل شيئًا من العتاب: "يبدو أنكِ تحبين الوقوع." رمشت آريا عدة مرات. "أنا... لم أقصد." وصلت الفكرة إلى لوسيان قبل أن تكمل. "يا إلهي... ليس مرة أخرى!" "هل أموت من السقوط أم من الإحراج؟!" كادت حرارة وجهها تحرقها من شدة الخجل. "ولماذا دائمًا ينقذني بهذه الطريقة؟!" ابتسم لوسيان ابتسامة صغيرة جدًا. "لأنكِ لا تنظرين أين تضعين قدميك." شهقت آريا. "أنت... قرأت أفكاري مجددًا!" "لم أقرأها..." قال بهدوء. "لقد سمعتها." وضعت يدها على وجهها باستسلام. "لا يوجد فرق..." أطلق لوسيان زفرة خافتة تشبه الضحكة. ثم أنزلها برفق حتى وقفت على قدميها. لكن ما إن لامست الأرض... تعثر كعب حذائها بدرجة السلم المقلوبة. مال جسدها للأمام مرة أخرى. وقبل أن تسقط... أمسكت دون تفكير بطرف معطف لوسيان. فتوقفت الحركة. أصبح الاثنان قريبين جدًا من بعضهما. رفعت آريا رأسها ببطء. كانت عيناها تلتقيان بعينيه مباشرة. "لا تنظري طويلًا..." "لا تفكري..." "لا تقولي إنه وسيم..." أغلق لوسيان عينيه للحظة وهو يحاول ألا يضحك. ثم قال بنبرة هادئة: "أظن... أنكِ بحاجة إلى سلم أقل ارتفاعًا." رفعت آريا إصبعها باحتجاج وهي ما تزال ممسكة بمعطفه. "السلم ليس المشكلة." رفع حاجبه. "بل فضولي." ساد الصمت لثانية... ثم انفجر الاثنان بضحكة خفيفة في الوقت نفسه. توقفت آريا فجأة، وقد اتسعت عيناها بدهشة. لقد ضحك... وهي أيضًا ضحكت معه. وكانت تلك... أول لحظة شعرت فيها أن القصر الأسود لم يعد مخيفًا كما كان في يومها الأول. ....... استمرت ضحكتهما الخفيفة لثوانٍ، قبل أن يسود الصمت بينهما من جديد. تنحنحت آريا بخجل وهي تفلت طرف معطفه بسرعة. "آسفة..." هز لوسيان رأسه بهدوء. "لا بأس." انحنى والتقط السلم الخشبي، ثم أعاده إلى مكانه وكأن شيئًا لم يحدث. أما آريا، فانحنت بدورها والتقطت الكتاب الذي كادت تسقط بسببه. نظرت إلى غلافه، ثم ابتسمت بانتصار. "على الأقل... لم أسقط من أجل لا شيء." وصلت الفكرة إلى لوسيان. "الحمد لله أن الكتاب لم يتمزق... أما أنا فلا بأس." أغمض عينيه للحظة وهو يقاوم الابتسام. لاحظت آريا تعابير وجهه، فضيقت عينيها. "أنت... سمعت شيئًا، أليس كذلك؟" أجاب بهدوء: "ربما." تنهدت باستسلام. "سأعتاد على هذا يومًا ما..." ثم حملت الكتاب واتجهت إلى إحدى الطاولات القريبة من النافذة. جلست بهدوء، بينما بقي لوسيان واقفًا غير بعيد عنها، يتصفح كتابًا آخر. لم يمضِ وقت طويل حتى لفت انتباه آريا عنوان محفور بحروف فضية على الغلاف. "القصر الأسود... وعادات التزاوج بين السلالات القديمة." رمشت بدهشة. "عادات... التزاوج؟" شعرت بالفضول يزداد، ففتحت الكتاب ببطء. في الصفحات الأولى كانت هناك رسومات قديمة للقصر، ولأفراد من عائلة لوسيان عبر الأجيال. ثم توقفت عند فصل كُتب في أعلاه بخط أكبر: "عروس القصر الأسود." همست دون شعور: "عروس القصر الأسود..." بدأت تقرأ بصوت منخفض. «"تتناقل السلالة القديمة نبوءة منذ قرون، تقول إن آخر فرد يحمل دم العائلة سيقوده القدر إلى عروس ليست من دمه... ولا من عالمه."» اتسعت عيناها. أكملت القراءة. «"ستكون بشرية القلب، لكنها ستغيّر مصير السلالة، وسيُربط مصيرها بمصير آخر وريث للقصر الأسود..."» توقفت للحظة. ثم قلبت الصفحة بسرعة. «"ويُقال إن اجتماع..."» لكن قبل أن تكمل الجملة... امتدت يد من جانبها. وأُغلق الكتاب بهدوء. رفعت آريا رأسها بسرعة. كان لوسيان يقف بجانبها. أخذ الكتاب من بين يديها بسهولة. عبست آريا وهي تعقد ذراعيها. "كنت أقرأ." نظر إليها بهدوء. "أعرف." "إذن لماذا أخذته؟" لم يجب مباشرة. أغلق الكتاب، ثم مرر أصابعه على غلافه القديم. "لأن هذا الكتاب ليس مخصصًا لك." عبست أكثر. "ولماذا؟" ساد الصمت للحظات. ثم قال بنبرة هادئة: "بعض الصفحات... من الأفضل ألا تُقرأ الآن." نهضت آريا من مكانها. "لكنني لم أصل حتى إلى النهاية." "كنت على وشك معرفة ماذا سيحدث!" وصلت الفكرة إلى لوسيان. خفض نظره قليلًا. كان يعلم تمامًا ما كُتب في الصفحة التالية... ويعلم أيضًا أن الوقت لم يحن بعد لتعرف آريا أن النبوءة لا تتحدث عن أي فتاة مجهولة... بل عن بشرية ستصبح محور مصير القصر نفسه. رفع الكتاب بين يديه وقال بهدوء: "حين يحين الوقت..." ثم نظر إليها مباشرة. "...سأكون أنا من يخبرك بكل شيء." وقفت آريا تنظر إليه بعبوس واضح، ثم نفخت خديها بانزعاج وهي تتمتم: "أنتم مصاصو الدماء تحبون الغموض كثيرًا." ولأول مرة منذ بداية حديثهما... ارتسمت على وجه لوسيان ابتسامة صغيرة، قبل أن يستدير حاملًا الكتاب ويبتعد بين رفوف المكتبة، بينما بقي فضول آريا يزداد مع كل خطوة ابتعد بها.لم تعرف إليان كم من الوقت مرّ. ثانية؟ دقيقة؟ أم سنوات؟ لم يكن هناك شيء يمكنها أن تستخدمه لقياس الزمن. فجأة… شعرت بالأرض تحتها. فتحت عينيها ببطء. كان أول شيء رأته ضوءًا رماديًا باهتًا، لا يشبه ضوء الشمس ولا ضوء القمر. رفعت رأسها. كانت مستلقية على سطح حجري أملس، تحيط به ضبابات خفيفة تتحرك ببطء وكأنها تتنفس. حاولت أن تتذكر ما حدث. الباب. الضوء. فالوريان. أليكس. توقفت أنفاسها لحظة. "أليكس؟" لم يجبها أحد. رفعت جسدها بسرعة وجلست. نظرت حولها. لا شيء. مكان واسع وغريب، لا جدران واضحة له، ولا سماء حقيقية فوقه. في الأعلى كانت هناك مساحات من الضوء الداكن تتحرك ببطء، مثل سماء ممزقة يظهر خلفها شيء لا يمكن وصفه. وفي الأسفل… كانت الأرض تبدو كأنها من الحجر، لكن عند النظر إليها جيدًا كانت بعض أجزائها شفافة، وتحتها كانت تمر صور غريبة. لقطة لمدينة. ثم غابة. ثم قصر. ثم مكان آخر لم تعرفه. اختفت الصورة. ثم ظهرت أخرى. حدقت إليان فيها. "ما هذا…؟" وفجأة سمعت صوتًا بالقرب منها. "إليان!" استدارت بسرعة. كان أليكس مستلقيًا على الأرض على بعد أمتار قليلة. بدأت إليان بالركض نحوه.
بعد انتهاء الفطور، بدأت القاعة تفرغ شيئًا فشيئًا. عاد ريفين إلى أجنحة القصر، وذهبت نيكس لتبحث عن كريس، بينما بقي لوسيان مع آريا لبعض الوقت يتحدثان بهدوء. أما إليان… فلم تكن لديها أي رغبة في سماع المزيد عن القلادة. ولا عن الغابة. ولا عن الطرقات الثلاث التي سمعتها في الليلة الماضية. كانت بحاجة إلى شيء يجعل رأسها يهدأ. لذلك اتجهت نحو المكتبة. دفعت الباب ببطء، ودخلت. كان المكان هادئًا. الشمس لم تكن قوية بسبب الغيوم، لذلك بقيت الإضاءة داخل المكتبة ناعمة، تسقط على رفوف الكتب القديمة وتُظهر ذرات الغبار الصغيرة التي تتحرك في الهواء. اختارت إليان كتابًا كبيرًا من أحد الرفوف، ثم جلست على المقعد القريب من النافذة. فتحت الكتاب. وبدأت تقرأ. مرّت الدقائق. ثم ساعة. وكان كل شيء هادئًا. حتى إن صوت المطر البعيد جعلها تنسى القلادة للحظات. لكن فجأة… تحرك شيء قرب الباب. رفعت عينيها. كان أليكس. دخل بهدوء، وأغلق الباب خلفه. نظر إليها. "عرفت أنك هنا." رفعت الكتاب قليلًا. "وأنا عرفت أنك ستجدني." اقترب وجلس على المقعد المقابل. "لماذا هربتِ من القاعة؟" "لم أهرب." رفع حاجبه. "حقًا؟
بعد وقت قصير، اجتمع الجميع حول طاولة الفطور الطويلة في القاعة الرئيسية. كانت المائدة ممتلئة بالأطباق المختلفة، بينما راحت رائحة القهوة والخبز الدافئ تنتشر في أرجاء المكان. كان المطر لا يزال يهطل خارج النوافذ العالية، لكن صوت قطراته أصبح أكثر هدوءًا من الليل السابق. جلست كريستين في مكانها المعتاد، وإلى جوارها ريفين ونيكس. وكان كريس يجلس بجانب والدته نيكس، محاولًا الوصول إلى طبق موضوع في الجهة الأخرى من الطاولة. كان لا يزال صغيرًا، فهو ابن نيكس وريفين، وكان أليكس أخاه الأكبر. أما أليكس فكان يجلس بالقرب من إليان. ولم يمضِ وقت طويل حتى ظهرت إليان عند مدخل القاعة. كانت قد بدلت ملابسها وجففت شعرها، وارتدت ثوبًا أسود بسيطًا، بينما بقيت قلادتها حول عنقها. وما إن دخلت حتى رفعت آريا رأسها. "أخيرًا." ابتسمت إليان. "قلت لكِ إنني سأبدّل ملابسي." قالت آريا: "وأنا سعيدة لأنكِ فعلتِ." جلس لوسيان أولًا، ثم اقتربت إليان وجلست بجانبه مباشرة. لاحظ كريس الأمر. نظر إلى أليكس. ثم إلى إليان. ثم قال: "أعتقد أن إليان اختارت مكانها." سمعته إليان. "طبعًا." ضحك كريس. "كنت أعرف." قالت آريا:
انفتح باب غرفة الموسيقى ببطء. دخلت إليان أولًا، وخلفها أليكس. كانت الغرفة مضاءة بمصابيح ذهبية ناعمة، تنعكس أضواؤها على الأرضية الخشبية اللامعة وعلى الآلات الموسيقية المنتشرة في أرجائها. وفي الجهة المقابلة، كانت آريا تجلس أمام البيانو. كان شعرها منسدلًا على كتفيها، وأصابعها تتحرك فوق المفاتيح بهدوء، فتخرج منها نغمات هادئة امتزجت مع صوت المطر في الخارج. لكن ما إن رفعت عينيها ورأت إليان… حتى توقفت أصابعها. توقفت الموسيقى. ساد الصمت. نظرت آريا إلى ابنتها لثانيتين كاملتين. ثم نهضت من مكانها. "إليان!" ابتسمت إليان. "أمي." اقتربت آريا بسرعة، لكنها لم تحتضنها. بل بدأت تنظر إليها من الأعلى إلى الأسفل. شعرها مبلل. فستانها مبلل. أطرافه تقطر ماء. حتى حذاؤها كان يحمل آثار الطين. رفعت آريا يديها إلى رأسها. "ماذا فعلتِ؟!" رمشت إليان. "ماذا؟" "انظري إلى نفسك!" رفعت إليان عينيها إلى ثوبها. ثم قالت ببساطة: "كنت تحت المطر." "أعرف أنكِ كنتِ تحت المطر!" أشارت آريا إلى ملابسها. "لكن لماذا بقيتِ هكذا؟" ضحكت إليان. "لأنني لم أجد وقتًا لتبديل ملابسي." وضعت آريا يدها على جبينها
بدأ القصر الأسود يلوح بين الأشجار، كتلةً داكنة تتخللها ومضات البرق، بينما كانت إليان ولوسيان يقتربان منه تحت المطر المنهمر. كانت الأغصان المبتلة تنحني فوق رأسيهما، وتترك على كتفيهما قطرات باردة تنساب ببطء، فيما راحت الريح تعصف بأطراف ثيابهما. توقفت إليان لحظة عند البوابة، ومسحت قطرات المطر عن جبينها، ثم ألقت نظرة إلى فستانها المبلل الذي التصق بساقيها. تنهدت. "أمي ستقتلني." نظر إليها لوسيان. "لماذا؟" أشارت إلى فستانها. "لأنني عدت وأنا على هذه الحال." نظر لوسيان إلى نفسه، ثم إليها. "أنا أيضًا مبلل." رفعت حاجبها. "أنت لا يهمك الأمر." ابتسم. "هذا صحيح." انفتحت البوابة بصوت معدني عميق، كأن القصر نفسه كان يرحب بعودتهما. دخلا، وتبعتهما رائحة الحجر الرطب والخشب القديم، بينما ظل هدير المطر يتردد خلفهما في أروقة المدخل. وبمجرد أن خطت إليان خطواتها الأولى داخل الردهة، لمحت ريفين واقفًا قرب إحدى النوافذ العالية، يتفحص شيئًا في يده. كان ضوء البرق يتسلل عبر الزجاج الملون، فيرسم على وجهه ظلالًا متقطعة. تغير وجهها فورًا، وظهرت على شفتيها ابتسامة واسعة. "عمي ريفين!" رفع ريفين رأسه، ث
كانت الدنيا تمطر بغزارة. تساقطت قطرات المطر بين أغصان الأشجار الكثيفة، وراحت أوراق الغابة تهتز تحت تأثير الرياح الباردة، بينما غطّى الضباب كل شيء من حوله. كان ضبابًا كثيفًا. يتحرك بسرعة بين الأشجار، ويلتف حول الجذوع، ثم يختفي خلف الأغصان قبل أن يظهر في موضع آخر. وفي وسط ذلك الضباب… كانت هناك فتاة تركض. لم تكن خطواتها عادية. كانت أسرع من أن تراها العين البشرية بوضوح. كان شعرها الأسود الطويل يتطاير خلفها مع كل حركة، بينما كان فستانها الداكن يتحرك بفعل الرياح والمطر. كانت إليان. لكن إليان التي اعتادت العائلة رؤيتها في القصر لم تعد تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تركض خلف والدها في الممرات. لقد بلغت العشرين الآن. وأصبحت قدرتها على استخدام قوتها أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. كانت تتحرك بين الأشجار بخفة، فتتوقف للحظة، ثم تختفي من موضعها لتظهر في موضع آخر. كانت تعرف هذه اللعبة جيدًا. لعبة اعتادت أن تخوضها مع لوسيان منذ أن كانت أصغر سنًا. وكانت تصر في كل مرة على أمر واحد… أنها ستفوز. وهذه المرة أيضًا، كانت قد خططت لكل شيء. ابتسمت وهي تقفز فوق جذع شجرة ساقط، ثم هبطت بخفة على الأرض







