LOGINالفصل التاسع والثلاثون.
استيقظت آريا في ذلك الصباح بطريقة مختلفة تمامًا. فتحت عينيها، وبقيت تحدق بالسقف لثوانٍ قبل أن تتذكر التاريخ. وفجأة جلست في سريرها. "اليوم..." اتسعت ابتسامتها. "إنه عيد ميلادي!" قفزت من السرير بحماس، ثم توقفت عندما تذكرت شيئًا. لم يكن هناك أحد في القصر يعرف. جلست على طرف السرير، وأسندت ذقنها إلى يديها. "ولا حتى نيكس..." تنهدت. "ماذا سأفعل اليوم؟" بدأت تفكر بصوت عالٍ. "ربما أصنع كعكة صغيرة لنفسي... أو أزين غرفتي." ثم ضحكت. "يا إلهي، سأحتفل بعيد ميلادي وحدي." لم تكن تعرف أن شخصًا كان يمر في الممر خلف بابها. توقف لوسيان للحظة. وصل إليه صوتها بوضوح. "أتمنى لو كان أبي هنا..." تغيرت ملامحه قليلًا. ثم تابع طريقه دون أن يصدر صوتًا. لكن شيئًا واحدًا أصبح واضحًا في ذهنه: لن يمر هذا اليوم كأي يوم آخر. --- مر النهار بهدوء. وعندما حل الليل، كانت آريا في غرفتها ترتب شعرها عندما طرقت نيكس الباب. "ادخلي." دخلت نيكس وهي تحمل صندوقًا كبيرًا وفستانًا مطويًا بعناية. رفعت آريا حاجبها. "ما هذا؟" ابتسمت نيكس. "كل عام وأنتِ بخير." تجمدت آريا. "أنتِ... تعرفين؟" اقتربت نيكس وعانقتها. "بالطبع." ضحكت آريا، وعانقتها بقوة. "شكرًا!" ثم فتحت الصندوق. كان بداخله فستان أنيق بلون أزرق داكن، بتفاصيل بسيطة وناعمة. رفعت آريا الفستان أمامها. "إنه جميل جدًا!" قالت نيكس: "والأجمل أنه اختير خصيصًا لك." نظرت إليها آريا. "من اختاره؟" ابتسمت نيكس بمكر. "السيد." احمر وجه آريا فورًا. "لوسيان؟" "نعم." خفضت آريا عينيها وهي تخفي ابتسامتها. بعد قليل ارتدت الفستان، ثم وقفت أمام المرآة. كان مناسبًا لها تمامًا. قالت بدهشة: "كيف عرف مقاسي؟" ضحكت نيكس. "لوسيان يلاحظ أشياء أكثر مما تظنين." زاد احمرار وجه آريا. --- عندما نزلت إلى القاعة، كانت الإضاءة خافتة، وريفِن يجلس قرب آلة موسيقية. أما لوسيان فكان واقفًا في منتصف القاعة. نظر إليها. وتوقف للحظة. ثم قال بهدوء: "عيد ميلاد سعيد، آريا." ابتسمت. "شكرًا." بدأ ريفِن بالعزف. ومد لوسيان يده إليها. ترددت لحظة، ثم وضعت يدها في يده. بدأ الاثنان يتحركان ببطء مع الموسيقى. كانت آريا متوترة في البداية، لكنها سرعان ما بدأت تبتسم. وفجأة... شعرت أن قدميها لم تعودا تلامسان الأرض. "لوسيان؟!" نظرت حولها بدهشة. لم يعودا في القاعة. كانا فوق القصر، والسماء مفتوحة حولهما، والنجوم تلمع في كل مكان. استخدم لوسيان قوته ليحلق بها فوق الأشجار. ضحكت آريا بدهشة. "نحن نطير!" نظر إليها. "أدركت ذلك." ابتسمت ثم نضرت إلي القمر المضيء. "اقترب أكثر من القمر!" نظر إلى السماء، ثم ارتفع قليلًا. اتسعت عينا آريا وهي تنظر إلى القمر القريب. "إنه جميل..." بقيت للحظات صامتة، تستمتع بالمشهد. ثم عادا ببطء إلى الأرض. وما إن وقفت آريا حتى ابتسمت وقالت: "أنت محظوظ جدًا." رفع لوسيان حاجبه. "محظوظ؟" "نعم! تستطيع التحول إلى ضباب، وخفاش، وتستطيع الطيران..." ثم أشارت إليه. "وتعيش آلاف السنين!" قال بهدوء: "هل تحسدينني؟" ضحكت آريا. "قليلًا." ابتسم لوسيان. "إذن يمكنك أن تحاولي." رفعت حاجبها. "أحاول ماذا؟" "أن تكتشفي بنفسك." ضحكت. "لو كان الأمر بهذه السهولة، لكنت أصبحت مصاصة دماء منذ زمن." نظر إليها لوسيان للحظة. ثم قال: "لا." توقفت عن الضحك. "ماذا؟" أدار نظره نحو القمر. "لا أريدك أن تصبحي مثلي." سكتت آريا. ثم ابتسمت بهدوء. ولم تعرف لماذا شعرت أن تلك الجملة كانت... أجمل هدية حصلت عليها في عيد ميلادها. --- --- بقيت آريا واقفة بجانب لوسيان، تنظر إلى القمر للحظات. ثم التفتت إليه فجأة. "لوسيان؟" "همم؟" "هل صحيح أن مصاصي الدماء لا ينامون مثل البشر؟" نظر إليها باستغراب خفيف. "نحن ننام." "لكنكم تعيشون آلاف السنين." "ليس جميعنا." اقتربت منه قليلًا. "وماذا تأكلون غير الدم؟" "بعض الأطعمة البشرية." اتسعت عيناها. "حقًا؟!" أومأ. "لكنها لا تمنحنا الطاقة نفسها." سكتت لحظة، ثم سألت بفضول: "وهل الشمس تؤلمكم فعلًا؟" "نعم." "حتى لو بقيت تحتها لثوانٍ؟" "يمكنني تحملها لفترة قصيرة، لكن ليس طويلًا." فكرت آريا قليلًا. ثم ابتسمت بمكر. "إذن لو أردت إزعاجك، كل ما علي فعله هو فتح الستائر؟" نظر إليها لوسيان ببرود. "جربي." ضحكت بسرعة. "لا، شكرًا! أحب حياتي." ابتسم لوسيان بخفة. ثم سألته: "وهل كل مصاصي الدماء يستطيعون التحول إلى ضباب وخفافيش؟" "ليس الجميع." "وأنت؟" "أستطيع." نظرت إليه بإعجاب. "أريد أن أتعلم الطيران." "أنتِ بشرية." "أعرف." ثم أضافت بحماس: "لكن ربما تستطيع أن تعلمني!" نظر إليها طويلًا. "هذه ليست مهارة يمكن تعليمها." عبست. "أنت دائمًا تفسد أحلامي." قال بهدوء: "لكنني أستطيع أن آخذك معي مرة أخرى." اختفت العبوسة من وجهها فورًا. وظهرت ابتسامة واسعة. "حقًا؟" أومأ. "إذا لم تخافي." رفعت ذقنها بثقة. "أنا لا أخاف." نظر إلى عينيها. ثم قال: "أنتِ كنتِ تصرخين قبل قليل." احمر وجهها. "كنت متفاجئة!" ضحك لوسيان بخفة. وهذه المرة... ضحكت آريا معه.الفصل المئة حلّ الليل أخيرًا على القصر الأسود. كانت أروقته هادئة، والأنوار الخافتة المعلقة على الجدران ترسم ظلالًا طويلة على الأرض. بعد يوم طويل... كان الجميع قد عادوا إلى غرفهم. أما آريا، فكانت لا تزال مستيقظة. جلست على السرير، تنظر إلى طفلتها الصغيرة النائمة في سريرها القريب. كانت إليان هادئة جدًا. وجهها الصغير مسترخٍ، وشعرها الأسود يحيط برأسها، بينما كانت يداها الصغيرتان تتحركان أحيانًا تحت الغطاء. ابتسمت آريا. لم تستطع التوقف عن النظر إليها. دخل لوسيان الغرفة وهو يحمل صينية صغيرة. قال: "أحضرت لكِ شيئًا تأكلينه." التفتت إليه. "لم يكن عليك أن تتعب نفسك." وضع الطعام بالقرب منها. "أنتِ بحاجة إلى الطعام." ثم نظر إلى إليان. ابتسم. "وهي أيضًا بحاجة إلى أن تبقى أمها بخير." ضحكت آريا. "أصبحت شديد الاهتمام." رفع حاجبه. "أصبحتِ أنتِ وطفلتنا أهم شيء عندي." نظرت إليه آريا بابتسامة دافئة. ثم قالت: "هل تستطيع أن تبقى معها قليلًا؟" "بالطبع." لكن قبل أن تتحرك... سمع لوسيان صوتًا خافتًا من الخارج. توقف. قالت آريا: "ماذا؟" نظر نحو الباب. "يبدو أن شيئًا سقط في المم
الفصل التاسع والتسعين ظلّ لوسيان جالسًا بجانب آريا، وعيناه معلقتان بالطفلة الصغيرة التي كانت نائمة بهدوء بالقرب منها. إليان... ابنته. كان لا يزال عاجزًا عن استيعاب الكلمة. ابنته. هو الذي عاش آلاف السنين معتقدًا أن حياته ستبقى كما هي، وجد نفسه الآن ينظر إلى كائن صغير جدًا يستطيع أن يغيّر كل شيء بداخله. مد يده مرة أخرى. تردّد قبل أن يلمسها. كان يخشى أن تكون حركته قوية أكثر من اللازم. لاحظت آريا تردده، فابتسمت رغم تعبها. "لوسيان..." رفع عينيه إليها. "نعم؟" قالت بهدوء: "احملها." نظر إلى الطفلة. ثم إليها. "هل أنتِ متأكدة؟" ابتسمت. "إنها ابنتك." كانت تلك الجملة وحدها كافية. مد لوسيان ذراعيه بحذر شديد. ساعدته آريا على نقل إليان إليه، وبعد لحظات أصبحت الطفلة الصغيرة بين ذراعي والدها للمرة الأولى. توقف لوسيان تمامًا. لم يتحرك. كانت إليان مستلقية بهدوء، رأسها الصغير قريب من صدره، ويداها الصغيرتان مختبئتان داخل الغطاء. نظر إليها وكأنه يرى شيئًا لم يره من قبل. رفع إحدى يديه ووضعها خلف رأسها بحذر. ثم قال بصوت منخفض: "إنها صغيرة جدًا." ضحكت آريا. "طبعًا." ظل ينظر إ
الفصل الثامن والتسعين مع مرور الوقت... بدأ أمر غريب يحدث داخل القصر الأسود. أمر لم يكن أحد يتوقعه. فقد بدأ كريس يقترب من لوسيان. في البداية، كان الأمر بسيطًا. كان يجلس في الغرفة نفسها التي يجلس فيها لوسيان، ثم بدأ يترك ألعابه بالقرب منه، وبعد ذلك صار يذهب إليه كلما أراد شيئًا. حتى إن آريا وقفت بدهشة عندما طلب كريس من لوسيان، للمرة الأولى، أن يحمله. كان لوسيان جالسًا في المكتبة، يقلب صفحات أحد الكتب، عندما اقترب منه كريس. وقف أمامه، وظل ينظر إليه للحظات، ثم مد ذراعيه. "لوسيان." رفع لوسيان عينيه. "نعم؟" "احملني." تجمد لوسيان للحظة، ثم أغلق الكتاب وحمله بين ذراعيه. استقر كريس بسهولة، وأسند رأسه إلى كتفه، وكأنه اعتاد ذلك منذ سنوات. كانت آريا واقفة عند الباب، فابتسمت وقالت: "يبدو أن العم المخيف قد اختفى." نظر لوسيان إليها. "يبدو ذلك." رفع كريس رأسه وقال بجدية: "لوسيان ليس مخيفًا." ضحكت آريا. "حقًا؟" أومأ. "لوسيان صديقي." توقف لوسيان، ونظر إلى كريس، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة حقيقية. "صديقك؟" "نعم." وضم الطفل ذراعيه حول عنقه. ومنذ ذلك اليوم... أصبح الاثنان لا ي
الفصل السابع والتسعين مرت بضعة أيام أخرى... وظلت سرعة نمو كريس تدهش الجميع. في كل مرة كانت آريا تستيقظ فيها وتذهب لرؤيته، كانت تلاحظ فيه أمرًا جديدًا. ففي أحد الأيام، أصبح قادرًا على الوقوف وحده مدة أطول. وفي اليوم التالي، بدأ يركض لمسافات قصيرة. وبعد يومين فقط... بدأ يتحدث أكثر. كانت نيكس جالسة في الحديقة، وكريس إلى جانبها، بينما كان ريفين يحاول ترتيب بعض الأشياء القريبة منهما. قالت نيكس: "كريس، تعال إلى أمك." ركض الطفل إليها فورًا. "أمي!" فتح ريفين ذراعيه. "وماذا عن أبيك؟" توقف كريس. ونظر إليه. ثم ابتسم وركض نحوه. "أبي!" ضحك ريفين بسعادة. "أخيرًا!" حمل ابنه بين ذراعيه ورفعه قليلًا. "هل سمعتما؟ لقد قال: أبي!" قالت نيكس: "سمعتها." ثم ضحكت. "لقد احتجتَ إلى وقت طويل." قال ريفين: "المهم أنه قالها." بدأ كريس يضحك، ثم مد يديه باتجاه نيكس. "أمي!" أنزل ريفين ابنه. ركض كريس نحو نيكس واحتضن ساقها. ابتسمت وهي تمرر يدها على شعره. كان متعلقًا بها كثيرًا... وبريفين أكثر مما توقعا. كان يحب البقاء بالقرب منهما، ومراقبتهما، والذهاب مع ريفين أينما ذهب. لكن مع مرور
الفصل السادس والتسعين مرت الأيام بهدوء داخل القصر الأسود، لكن الهدوء هذه المرة لم يكن يعني أن كل شيء بقي كما هو. فمنذ ولادة كريس، أصبح للقصر صوت جديد. صوت طفل صغير. في البداية، كان كريس لا يفعل سوى النوم. كانت نيكس تجلس قربه لساعات، تراقب حركاته الصغيرة، بينما ريفين يقف بجانبها وكأنه لا يزال غير مصدق أنه أصبح أبًا. كان كل شيء هادئًا... إلى أن مرّت عدة أسابيع. وفي صباح أحد الأيام، دخلت آريا غرفة نيكس، فوجدتها تحمل كريس بين ذراعيها. ابتسمت آريا. "صباح الخير." نظرت إليها نيكس وابتسمت. "صباح الخير." اقتربت آريا من الطفل. "كيف حال صغيرنا؟" قالت نيكس: "إنه بخير." مدت آريا إصبعها نحو يده الصغيرة. لكن فجأة... أمسك كريس بإصبعها بقوة. ضحكت آريا. "انظروا إليه!" اقترب ريفين بفخر. "إنه قوي." نظرت إليه نيكس. "طبعًا قوي." ثم أضافت: "لقد بدأ يكبر بسرعة." رفعت آريا رأسها. "بسرعة؟" أومأت نيكس. "أسرع مما توقعت." لكن آريا لم تفهم معنى كلامها بعد. --- مرت بضعة أسابيع أخرى. وفي أحد الصباحات... كانت آريا تمشي في ممرات القصر برفقة لوسيان. كان لوسيان يسير بجانبها كعادته،
الفصل الخامس والتسعين مرت عدة أيام منذ أن عرف لوسيان أن آريا تحمل طفله. ومنذ ذلك اليوم، تغيّر شيء فيه بشكل واضح. لم يعد يتركها تفعل أي شيء وحدها. إذا نهضت من السرير، كان يسألها فورًا: "إلى أين تذهبين؟" وإذا قالت إنها ستذهب إلى المطبخ، كان يجيب: "سأرافقك." وإذا حاولت حمل أي شيء، حتى لو كان كتابًا صغيرًا، كان يأخذه منها فورًا. في البداية كانت آريا تجد الأمر لطيفًا... لكن بعد عدة أيام بدأت تشعر أن الأمر مبالغ فيه قليلًا. كانت جالسة في إحدى قاعات القصر تقرأ كتابًا، بينما كان لوسيان واقفًا بالقرب من النافذة. وضعت علامة بين صفحات الكتاب ونهضت. في اللحظة نفسها التفت إليها. "إلى أين؟" نظرت إليه بدهشة. "سأجلس هناك فقط." وأشار إلى المقعد القريب منها. "يمكنك الجلوس هنا." ضحكت. "لوسيان، أنا لم أصبح عاجزة." اقترب منها. "أعرف." "إذن لماذا تتصرف وكأنني سأختفي إن ابتعدت عنك ثلاث خطوات؟" صمت لحظة. ثم قال بجدية: "لأنك أنتِ وطفلنا أصبحتما أهم شيء لدي." توقفت آريا. ثم ابتسمت رغمًا عنها. "أنت تعرف كيف تجعلني لا أستطيع الاعتراض." ابتسم لوسيان. "إذن اجلسي." ضحكت وهي تعود إلى







