Share

42

last update publish date: 2026-08-21 21:05:45

الفصل الثاني والأربعين.

بعد أن انتهت آريا من ترتيب المنزل، عادت إلى غرفة والدها لتطمئن عليه مرة أخرى.

كان لا يزال نائمًا، لكن ملامحه بدت أهدأ من قبل.

اقتربت منه، وسحبت الغطاء فوق كتفه، ثم همست:

"تصبح على خير يا أبي."

فتح عينيه قليلًا.

"وأنتِ أيضًا يا صغيرتي."

ابتسمت له، ثم خرجت وأغلقت الباب بهدوء.

في الصالة، كان ريفِن جالسًا قرب النافذة، وقد بدا عليه التعب.

نظرت إليه آريا وقالت:

"ألا تريد النوم؟"

"أنا بخير."

ضيقت عينيها.

"أنت تقول هذا كثيرًا."

ابتسم.

"وأنتِ تقلقين كثيرًا."

ضحكت بخفة، ثم جلست على المقعد المقابل له.

ساد الصمت للحظات.

كانت القرية هادئة بشكل غير معتاد.

لا أصوات للناس، ولا ضجيج العربات، وحتى الرياح بدت وكأنها توقفت.

قالت آريا وهي تنظر من النافذة:

"غريب... القرية هادئة جدًا."

نظر ريفِن إلى الخارج.

"ربما لأن الليل تأخر."

ثم أضاف:

"اذهبي للنوم. سأبقى مستيقظًا."

رفعت حاجبها.

"أنت متأكد؟"

"نعم."

ابتسمت.

"حسنًا، أيها الغراب."

رمقها بنظرة.

"قلت لكِ لا تناديني هكذا."

ضحكت وهي تنهض.

"تصبح على خير."

"وأنتِ أيضًا."

دخلت آريا غرفتها، وأغلقت الباب خلفها.

بدلت ملابسها، ثم جلست أمام المرآة تفك شعرها.

انسدل شعرها البني الطويل فوق كتفيها، فتنهدت وهي تنظر إلى انعكاسها.

"يا له من يوم..."

تذكرت والدها.

ثم تذكرت القصر.

وتذكرت لوسيان.

توقفت.

"أتساءل ماذا يفعل الآن."

سرعان ما هزت رأسها.

"لا، لا... قلت لن أفكر فيه."

ابتسمت لنفسها.

ثم تمددت على السرير.

لكن النوم لم يأتِ مباشرة.

كانت أفكار كثيرة تدور في رأسها.

هل سيغضب لوسيان لأنها لم تعد؟

هل والدها سيتحسن؟

وماذا كان ذلك الشعور الغريب الذي انتابها عندما أخبرته أنها ستبقى؟

بعد وقت طويل، بدأت عيناها تثقلان.

وأخيرًا غطت في نوم عميق.

---

مرّت ساعات.

كان القمر قد ارتفع عاليًا في السماء.

المنزل غارقًا في الظلام.

ريفِن بقي في الصالة، وقد غلبه النعاس أخيرًا.

أما آريا فكانت نائمة بهدوء.

ثم...

فتحت عينيها فجأة.

لم تعرف لماذا استيقظت.

بقيت تحدق بالسقف.

كان قلبها ينبض بسرعة بسيطة.

جلست ببطء.

"ما هذا؟"

أصغت.

لا شيء.

ثم سمعت صوتًا خافتًا جدًا من الخارج.

صوتًا بدا وكأنه يأتي من مكان بعيد.

"آريا..."

تجمدت.

اتسعت عيناها.

جلست مستقيمة.

"من هناك؟"

لم يجب أحد.

ثم جاء الصوت مرة أخرى.

أوضح هذه المرة.

"آريا..."

شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.

نظرت نحو النافذة.

كان الستار يتحرك ببطء رغم أن النافذة مغلقة.

ثم...

ظهر ظل غامض خلف الزجاج.

حبست آريا أنفاسها.

وبقيت تحدق فيه، غير قادرة على الحركة.

وفي مكان آخر بعيد جدًا...

فتح لوسيان عينيه فجأة.

وضع يده على صدره، وشعر بذلك الإحساس الغريب نفسه.

همس دون أن يعرف لماذا:

"آريا..."

---

ظلّت آريا جالسة على سريرها، تحدّق بالنافذة دون أن ترمش.

الظل خلف الزجاج لم يتحرك.

رفعت يدها ببطء، وسحبت الغطاء حول كتفيها.

ثم همست:

"ريفِن...؟"

لم يجب أحد.

ترددت لحظات، ثم مدت يدها نحو المصباح الصغير بجانب السرير وأضاءته.

اختفى الظل.

تجمدت آريا.

نظرت إلى النافذة مرة أخرى.

لم يكن هناك أحد.

نهضت بحذر واقتربت منها، لكنها توقفت قبل أن تلمسها.

كان الزجاج باردًا بشكل غريب.

ثم لاحظت شيئًا جعل قلبها يخفق.

على سطح النافذة ظهرت علامة حمراء لم تكن موجودة من قبل.

خطوط ملتوية تشكل رمزًا غريبًا، وكأن أحدهم رسمه بإصبعه.

تراجعت آريا خطوة.

"ما هذا...؟"

وفجأة سمعت صوتًا خلفها.

"آريا؟"

شهقت واستدارت بسرعة.

كان ريفِن واقفًا عند الباب.

نظر إليها باستغراب.

"لماذا أنتِ مستيقظة؟"

أشارت إلى النافذة.

"كان هناك شخص!"

اقترب ريفِن بسرعة ونظر إلى الخارج.

لم يرَ أحدًا.

لكن عندما وقعت عيناه على العلامة الحمراء، تغيرت ملامحه.

"ابتعدي عن النافذة."

نظرت إليه.

"أنت تعرف هذا الرمز؟"

صمت.

"ريفِن؟"

قال أخيرًا:

"لا أعرف."

عرفت آريا فورًا أنه يكذب.

"أنت تعرف."

لم يجب.

اقترب من النافذة ومد يده نحو الرمز، لكنه توقف قبل أن يلمسه.

ثم قال بجدية:

"سنغادر هذا المنزل مع أول ضوء."

اتسعت عينا آريا.

"لكن أبي—"

"سيأتي معنا."

"إلى أين؟"

نظر إليها.

"إلى القصر."

تجمدت آريا.

"لوسيان؟"

أومأ ريفِن.

"هناك سيكون أكثر أمانًا."

---

وفي القصر الأسود...

كان لوسيان لا يزال واقفًا أمام النافذة.

لم يستطع العودة إلى النوم.

كان يشعر بشيء غريب، وكأن خيطًا غير مرئي يربطه بآريا.

دخلت نيكس الغرفة بسرعة.

"لوسيان."

التفت إليها.

"ماذا حدث؟"

"هناك شيء في القرية."

صمت.

ثم أضافت:

"ريفِن أرسل لي إشارة."

اقترب لوسيان منها.

"هل آريا بخير؟"

هزت رأسها.

"حتى الآن."

لم يحتج إلى سماع المزيد.

اتجه نحو الباب.

قالت نيكس:

"إلى أين؟"

"إلى القرية."

"الآن؟"

توقف لحظة.

ثم قال:

"إذا كان هناك شيء يستدعي خوف ريفِن، فلن أنتظر حتى الصباح."

وفي اللحظة التي فتح فيها الباب...

انطفأت جميع شموع القصر دفعة واحدة.

ساد الظلام.

رفع لوسيان رأسه ببطء.

وعلى الجدار المقابل، ظهر للحظات نفس الرمز الأحمر الموجود على نافذة آريا.

تغيرت ملامحه.

"هذا مستحيل..."

كانت تلك العلامة من الماضي.

من زمن عائلته.

ومن أسرار كان يعتقد أنها اختفت إلى الأبد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عروس القصر لأسود    100

    الفصل المئة حلّ الليل أخيرًا على القصر الأسود. كانت أروقته هادئة، والأنوار الخافتة المعلقة على الجدران ترسم ظلالًا طويلة على الأرض. بعد يوم طويل... كان الجميع قد عادوا إلى غرفهم. أما آريا، فكانت لا تزال مستيقظة. جلست على السرير، تنظر إلى طفلتها الصغيرة النائمة في سريرها القريب. كانت إليان هادئة جدًا. وجهها الصغير مسترخٍ، وشعرها الأسود يحيط برأسها، بينما كانت يداها الصغيرتان تتحركان أحيانًا تحت الغطاء. ابتسمت آريا. لم تستطع التوقف عن النظر إليها. دخل لوسيان الغرفة وهو يحمل صينية صغيرة. قال: "أحضرت لكِ شيئًا تأكلينه." التفتت إليه. "لم يكن عليك أن تتعب نفسك." وضع الطعام بالقرب منها. "أنتِ بحاجة إلى الطعام." ثم نظر إلى إليان. ابتسم. "وهي أيضًا بحاجة إلى أن تبقى أمها بخير." ضحكت آريا. "أصبحت شديد الاهتمام." رفع حاجبه. "أصبحتِ أنتِ وطفلتنا أهم شيء عندي." نظرت إليه آريا بابتسامة دافئة. ثم قالت: "هل تستطيع أن تبقى معها قليلًا؟" "بالطبع." لكن قبل أن تتحرك... سمع لوسيان صوتًا خافتًا من الخارج. توقف. قالت آريا: "ماذا؟" نظر نحو الباب. "يبدو أن شيئًا سقط في المم

  • عروس القصر لأسود    99

    الفصل التاسع والتسعين ظلّ لوسيان جالسًا بجانب آريا، وعيناه معلقتان بالطفلة الصغيرة التي كانت نائمة بهدوء بالقرب منها. إليان... ابنته. كان لا يزال عاجزًا عن استيعاب الكلمة. ابنته. هو الذي عاش آلاف السنين معتقدًا أن حياته ستبقى كما هي، وجد نفسه الآن ينظر إلى كائن صغير جدًا يستطيع أن يغيّر كل شيء بداخله. مد يده مرة أخرى. تردّد قبل أن يلمسها. كان يخشى أن تكون حركته قوية أكثر من اللازم. لاحظت آريا تردده، فابتسمت رغم تعبها. "لوسيان..." رفع عينيه إليها. "نعم؟" قالت بهدوء: "احملها." نظر إلى الطفلة. ثم إليها. "هل أنتِ متأكدة؟" ابتسمت. "إنها ابنتك." كانت تلك الجملة وحدها كافية. مد لوسيان ذراعيه بحذر شديد. ساعدته آريا على نقل إليان إليه، وبعد لحظات أصبحت الطفلة الصغيرة بين ذراعي والدها للمرة الأولى. توقف لوسيان تمامًا. لم يتحرك. كانت إليان مستلقية بهدوء، رأسها الصغير قريب من صدره، ويداها الصغيرتان مختبئتان داخل الغطاء. نظر إليها وكأنه يرى شيئًا لم يره من قبل. رفع إحدى يديه ووضعها خلف رأسها بحذر. ثم قال بصوت منخفض: "إنها صغيرة جدًا." ضحكت آريا. "طبعًا." ظل ينظر إ

  • عروس القصر لأسود    98

    الفصل الثامن والتسعين مع مرور الوقت... بدأ أمر غريب يحدث داخل القصر الأسود. أمر لم يكن أحد يتوقعه. فقد بدأ كريس يقترب من لوسيان. في البداية، كان الأمر بسيطًا. كان يجلس في الغرفة نفسها التي يجلس فيها لوسيان، ثم بدأ يترك ألعابه بالقرب منه، وبعد ذلك صار يذهب إليه كلما أراد شيئًا. حتى إن آريا وقفت بدهشة عندما طلب كريس من لوسيان، للمرة الأولى، أن يحمله. كان لوسيان جالسًا في المكتبة، يقلب صفحات أحد الكتب، عندما اقترب منه كريس. وقف أمامه، وظل ينظر إليه للحظات، ثم مد ذراعيه. "لوسيان." رفع لوسيان عينيه. "نعم؟" "احملني." تجمد لوسيان للحظة، ثم أغلق الكتاب وحمله بين ذراعيه. استقر كريس بسهولة، وأسند رأسه إلى كتفه، وكأنه اعتاد ذلك منذ سنوات. كانت آريا واقفة عند الباب، فابتسمت وقالت: "يبدو أن العم المخيف قد اختفى." نظر لوسيان إليها. "يبدو ذلك." رفع كريس رأسه وقال بجدية: "لوسيان ليس مخيفًا." ضحكت آريا. "حقًا؟" أومأ. "لوسيان صديقي." توقف لوسيان، ونظر إلى كريس، ثم ظهرت على وجهه ابتسامة حقيقية. "صديقك؟" "نعم." وضم الطفل ذراعيه حول عنقه. ومنذ ذلك اليوم... أصبح الاثنان لا ي

  • عروس القصر لأسود    97

    الفصل السابع والتسعين مرت بضعة أيام أخرى... وظلت سرعة نمو كريس تدهش الجميع. في كل مرة كانت آريا تستيقظ فيها وتذهب لرؤيته، كانت تلاحظ فيه أمرًا جديدًا. ففي أحد الأيام، أصبح قادرًا على الوقوف وحده مدة أطول. وفي اليوم التالي، بدأ يركض لمسافات قصيرة. وبعد يومين فقط... بدأ يتحدث أكثر. كانت نيكس جالسة في الحديقة، وكريس إلى جانبها، بينما كان ريفين يحاول ترتيب بعض الأشياء القريبة منهما. قالت نيكس: "كريس، تعال إلى أمك." ركض الطفل إليها فورًا. "أمي!" فتح ريفين ذراعيه. "وماذا عن أبيك؟" توقف كريس. ونظر إليه. ثم ابتسم وركض نحوه. "أبي!" ضحك ريفين بسعادة. "أخيرًا!" حمل ابنه بين ذراعيه ورفعه قليلًا. "هل سمعتما؟ لقد قال: أبي!" قالت نيكس: "سمعتها." ثم ضحكت. "لقد احتجتَ إلى وقت طويل." قال ريفين: "المهم أنه قالها." بدأ كريس يضحك، ثم مد يديه باتجاه نيكس. "أمي!" أنزل ريفين ابنه. ركض كريس نحو نيكس واحتضن ساقها. ابتسمت وهي تمرر يدها على شعره. كان متعلقًا بها كثيرًا... وبريفين أكثر مما توقعا. كان يحب البقاء بالقرب منهما، ومراقبتهما، والذهاب مع ريفين أينما ذهب. لكن مع مرور

  • عروس القصر لأسود    96

    الفصل السادس والتسعين مرت الأيام بهدوء داخل القصر الأسود، لكن الهدوء هذه المرة لم يكن يعني أن كل شيء بقي كما هو. فمنذ ولادة كريس، أصبح للقصر صوت جديد. صوت طفل صغير. في البداية، كان كريس لا يفعل سوى النوم. كانت نيكس تجلس قربه لساعات، تراقب حركاته الصغيرة، بينما ريفين يقف بجانبها وكأنه لا يزال غير مصدق أنه أصبح أبًا. كان كل شيء هادئًا... إلى أن مرّت عدة أسابيع. وفي صباح أحد الأيام، دخلت آريا غرفة نيكس، فوجدتها تحمل كريس بين ذراعيها. ابتسمت آريا. "صباح الخير." نظرت إليها نيكس وابتسمت. "صباح الخير." اقتربت آريا من الطفل. "كيف حال صغيرنا؟" قالت نيكس: "إنه بخير." مدت آريا إصبعها نحو يده الصغيرة. لكن فجأة... أمسك كريس بإصبعها بقوة. ضحكت آريا. "انظروا إليه!" اقترب ريفين بفخر. "إنه قوي." نظرت إليه نيكس. "طبعًا قوي." ثم أضافت: "لقد بدأ يكبر بسرعة." رفعت آريا رأسها. "بسرعة؟" أومأت نيكس. "أسرع مما توقعت." لكن آريا لم تفهم معنى كلامها بعد. --- مرت بضعة أسابيع أخرى. وفي أحد الصباحات... كانت آريا تمشي في ممرات القصر برفقة لوسيان. كان لوسيان يسير بجانبها كعادته،

  • عروس القصر لأسود    95

    الفصل الخامس والتسعين مرت عدة أيام منذ أن عرف لوسيان أن آريا تحمل طفله. ومنذ ذلك اليوم، تغيّر شيء فيه بشكل واضح. لم يعد يتركها تفعل أي شيء وحدها. إذا نهضت من السرير، كان يسألها فورًا: "إلى أين تذهبين؟" وإذا قالت إنها ستذهب إلى المطبخ، كان يجيب: "سأرافقك." وإذا حاولت حمل أي شيء، حتى لو كان كتابًا صغيرًا، كان يأخذه منها فورًا. في البداية كانت آريا تجد الأمر لطيفًا... لكن بعد عدة أيام بدأت تشعر أن الأمر مبالغ فيه قليلًا. كانت جالسة في إحدى قاعات القصر تقرأ كتابًا، بينما كان لوسيان واقفًا بالقرب من النافذة. وضعت علامة بين صفحات الكتاب ونهضت. في اللحظة نفسها التفت إليها. "إلى أين؟" نظرت إليه بدهشة. "سأجلس هناك فقط." وأشار إلى المقعد القريب منها. "يمكنك الجلوس هنا." ضحكت. "لوسيان، أنا لم أصبح عاجزة." اقترب منها. "أعرف." "إذن لماذا تتصرف وكأنني سأختفي إن ابتعدت عنك ثلاث خطوات؟" صمت لحظة. ثم قال بجدية: "لأنك أنتِ وطفلنا أصبحتما أهم شيء لدي." توقفت آريا. ثم ابتسمت رغمًا عنها. "أنت تعرف كيف تجعلني لا أستطيع الاعتراض." ابتسم لوسيان. "إذن اجلسي." ضحكت وهي تعود إلى

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status