LOGINالفصل الثامن
كانت الشمس تميل نحو الغروب عندما ظهرت عربة والد آريا عند مدخل قرية إيفرهيل. بدت الخيول مرهقة بعد رحلة طويلة، أما هو فكان يبدو أكثر إرهاقاً منها. كانت ملابسه لا تزال رطبة من أمطار الليلة الماضية، ووجهه شاحباً على نحوٍ أثار انتباه كل من رآه. ألقى بعض الجيران التحية عليه، لكنه اكتفى بإيماءة بسيطة دون أن يتوقف للحديث. كان شارد الذهن، وكل خطوة يخطوها نحو منزله كانت تبدو أثقل من سابقتها. "كيف سأخبرها؟" كان ذلك السؤال يلاحقه منذ أن غادر القصر الأسود. كلما تذكر عيني لوسيان الحمراوين، شعر بقشعريرة تسري في جسده. لم يكن يشك للحظة أن ذلك الرجل سينفذ تهديده إن أخلف وعده. توقف أمام باب منزله لعدة ثوانٍ، وأخذ نفساً عميقاً قبل أن يفتحه ببطء. ما إن دخل حتى سمع صوت آريا يخرج من المطبخ. "أبي؟!" أسرعت نحوه وعلى وجهها ابتسامة ارتياح. "أخيراً عدت! لقد أقلقتني كثيراً." اقتربت منه لتساعده في خلع معطفه، لكنها توقفت فجأة عندما رأت ملامحه. كانت عيناه متعبتين، ووجهه شاحباً، وكأنه لم ينم منذ أيام. عقدت حاجبيها بقلق. "هل أنت بخير؟" ابتسم ابتسامة باهتة وهو يحاول إخفاء اضطرابه. "أنا بخير... الطريق كان طويلاً فقط." لم تصدقه. عرفت والدها جيداً، وكانت تستطيع معرفة متى يخفي شيئاً عنها. قالت وهي تنظر إليه مباشرة: "أنت تكذب." ارتبك للحظة ثم أشاح بنظره بعيداً. "قلت لك إنني بخير." لم ترد إحراجه، فاكتفت بالإيماء. "حسناً... سأحضر لك العشاء." جلست معه بعد دقائق على الطاولة الخشبية الصغيرة، وبدأت تضع الطعام أمامه، لكنه لم يمد يده إليه. ظل يحدق في الفراغ بصمت. لاحظت آريا ذلك، فسألته بلطف: "ألم يعجبك الطعام؟" انتبه إلى صوتها وكأنه عاد إلى الواقع. "لا... يبدو لذيذاً." لكنه لم يتناول سوى بضع لقيمات، ثم وضع الملعقة جانباً. ازدادت حيرة آريا. منذ متى يفقد والدها شهيته؟ بعد انتهاء العشاء، نهضت تجمع الأطباق، بينما بقي هو جالساً في مكانه، ينظر إلى النار المشتعلة في المدفأة. كانت صورة لوسيان لا تفارق مخيلته. "أمامك أسبوع واحد..." أغمض عينيه بقوة. "ماذا سأفعل؟" لو أخبر آريا بالحقيقة، فلن توافق أبداً على الذهاب معه. ولو رفض تنفيذ الاتفاق... فسيموت. وفجأة شعر بيدٍ دافئة تستقر فوق كتفه. رفع رأسه ليجد آريا تقف خلفه وهي تبتسم ابتسامة صغيرة. "أبي..." نظر إليها بصمت. قالت برقة: "مهما كان الذي حدث معك في رحلتك... لا تتحمله وحدك." شعر بوخزة مؤلمة في قلبه. كم تمنى لو يستطيع إخبارها بكل شيء. لكنه لم يستطع. رفع يده وربت على رأسها بحنان. "لا تقلقي... كل شيء سيكون على ما يرام." ابتسمت له، لكنها شعرت أن كلماته لم تكن سوى محاولة لطمأنتها. وفي تلك الليلة... وقفت آريا أمام نافذة غرفتها، تراقب الغابة البعيدة التي يختبئ خلفها القصر الأسود. لا تعرف لماذا... لكنها شعرت أن شيئاً ما داخل تلك الغابة قد بدأ يقترب من حياتها أكثر فأكثر. أما في الغرفة المجاورة، فلم يستطع والدها أن يغمض عينيه ولو للحظة واحدة. كان يعد الأيام... بل الساعات... حتى تنتهي المهلة التي منحها له سيد القصر الأسود. ......... في وقتٍ متأخر من الليل، لم تستطع آريا النوم. كانت صورة والدها الشاحب لا تفارق ذهنها، كما أن تصرفاته الغريبة منذ عودته جعلت قلبها ينقبض كلما تذكرتها. تنهدت بهدوء قبل أن تخرج من غرفتها متجهة نحو غرفة والدها. طرقت الباب بخفة. "أبي... هل ما زلت مستيقظاً؟" لم يصلها أي رد. فتحت الباب ببطء، لتجده جالساً أمام النافذة، ينظر إلى ظلام الغابة بصمت. استدار إليها عندما سمع خطواتها، وحاول أن يرسم ابتسامة على وجهه. "لماذا لم تنامي بعد؟" اقتربت منه وجلست على الكرسي المقابل. "كنت أستطيع أن أسألك السؤال نفسه." ساد الصمت بينهما للحظات. قالت آريا بصوت هادئ: "أنت لست بخير... ومنذ عدت إلى المنزل وأنت تخفي شيئاً عني." خفض الرجل رأسه، بينما تشابكت أصابعه من شدة التوتر. "آريا..." "من فضلك... لا تكذب علي." أغمض عينيه للحظة طويلة، ثم أطلق زفرةً ثقيلة. "لقد... ارتكبت خطأ." عقدت حاجبيها. "أي خطأ؟" بدأ يحكي لها كل ما حدث. كيف ضل طريقه بسبب العاصفة، وكيف قادته قدماه إلى القصر الأسود، وكيف فُتحت البوابة أمامه من تلقاء نفسها. كانت آريا تستمع إليه بصمت، بينما ازداد شحوب وجهها مع كل كلمة. "القصر... الأسود؟" أومأ برأسه ببطء. "نعم." ابتلعت ريقها بصعوبة. "وأنت... دخلته؟" "لم يكن لدي خيار." ثم تابع حديثه، وأخبرها عن الطعام والغرفة والهدوء الغريب الذي خيّم على القصر، إلى أن وصل إلى لحظة تحطم الجوهرة الحمراء. ارتجفت يداه وهو يتذكر تلك اللحظة. "ظهر أمامي فجأة..." همست آريا: "مصاص الدماء؟" رفع رأسه إليها. "نعم... كان حقيقياً." اتسعت عيناها بصدمة، وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها. لم تعد القصص التي سمعتها منذ طفولتها مجرد خرافات. أكمل والدها بصوت مكسور: "كان سيقتلني." وضعت يدها على فمها دون أن تشعر. "لكنني... توسلت إليه." توقف عن الكلام، وكأنه لم يعد يملك الشجاعة لإكمال اعترافه. همست آريا بقلق: "ثم ماذا حدث؟" انهمرت دمعة من عينه للمرة الأولى منذ سنوات. "أنقذت نفسي..." رفع نظره إليها، وصوته يكاد يختنق. "...بثمنٍ لم يكن من حقي أن أدفعه." شعرت آريا بأن قلبها بدأ يخفق بقوة. "ماذا تقصد؟" أطرق رأسه خجلاً. "وعدته... بأن تأتي ابنتي إلى القصر... لتعمل خادمة لديه مقابل أن يتركني حياً." ساد صمت ثقيل داخل الغرفة. كانت آريا تحدق في والدها غير مصدقة ما سمعته. أما هو، فلم يجرؤ حتى على النظر في عينيها. "سامحيني..." قالها بصوت مرتجف. "كنت خائفاً... لم أرد أن أموت... لكنني في اللحظة نفسها لم أرد أن أخسرك." بقيت آريا صامتة لعدة ثوانٍ، وعيناها تمتلئان بالدموع. لم تكن تعرف... هل تغضب؟ أم تشفق على الرجل الذي يجلس أمامها منهاراً، وقد أجبره الخوف على اتخاذ أصعب قرار في حياته.لم تعرف إليان كم من الوقت مرّ. ثانية؟ دقيقة؟ أم سنوات؟ لم يكن هناك شيء يمكنها أن تستخدمه لقياس الزمن. فجأة… شعرت بالأرض تحتها. فتحت عينيها ببطء. كان أول شيء رأته ضوءًا رماديًا باهتًا، لا يشبه ضوء الشمس ولا ضوء القمر. رفعت رأسها. كانت مستلقية على سطح حجري أملس، تحيط به ضبابات خفيفة تتحرك ببطء وكأنها تتنفس. حاولت أن تتذكر ما حدث. الباب. الضوء. فالوريان. أليكس. توقفت أنفاسها لحظة. "أليكس؟" لم يجبها أحد. رفعت جسدها بسرعة وجلست. نظرت حولها. لا شيء. مكان واسع وغريب، لا جدران واضحة له، ولا سماء حقيقية فوقه. في الأعلى كانت هناك مساحات من الضوء الداكن تتحرك ببطء، مثل سماء ممزقة يظهر خلفها شيء لا يمكن وصفه. وفي الأسفل… كانت الأرض تبدو كأنها من الحجر، لكن عند النظر إليها جيدًا كانت بعض أجزائها شفافة، وتحتها كانت تمر صور غريبة. لقطة لمدينة. ثم غابة. ثم قصر. ثم مكان آخر لم تعرفه. اختفت الصورة. ثم ظهرت أخرى. حدقت إليان فيها. "ما هذا…؟" وفجأة سمعت صوتًا بالقرب منها. "إليان!" استدارت بسرعة. كان أليكس مستلقيًا على الأرض على بعد أمتار قليلة. بدأت إليان بالركض نحوه.
بعد انتهاء الفطور، بدأت القاعة تفرغ شيئًا فشيئًا. عاد ريفين إلى أجنحة القصر، وذهبت نيكس لتبحث عن كريس، بينما بقي لوسيان مع آريا لبعض الوقت يتحدثان بهدوء. أما إليان… فلم تكن لديها أي رغبة في سماع المزيد عن القلادة. ولا عن الغابة. ولا عن الطرقات الثلاث التي سمعتها في الليلة الماضية. كانت بحاجة إلى شيء يجعل رأسها يهدأ. لذلك اتجهت نحو المكتبة. دفعت الباب ببطء، ودخلت. كان المكان هادئًا. الشمس لم تكن قوية بسبب الغيوم، لذلك بقيت الإضاءة داخل المكتبة ناعمة، تسقط على رفوف الكتب القديمة وتُظهر ذرات الغبار الصغيرة التي تتحرك في الهواء. اختارت إليان كتابًا كبيرًا من أحد الرفوف، ثم جلست على المقعد القريب من النافذة. فتحت الكتاب. وبدأت تقرأ. مرّت الدقائق. ثم ساعة. وكان كل شيء هادئًا. حتى إن صوت المطر البعيد جعلها تنسى القلادة للحظات. لكن فجأة… تحرك شيء قرب الباب. رفعت عينيها. كان أليكس. دخل بهدوء، وأغلق الباب خلفه. نظر إليها. "عرفت أنك هنا." رفعت الكتاب قليلًا. "وأنا عرفت أنك ستجدني." اقترب وجلس على المقعد المقابل. "لماذا هربتِ من القاعة؟" "لم أهرب." رفع حاجبه. "حقًا؟
بعد وقت قصير، اجتمع الجميع حول طاولة الفطور الطويلة في القاعة الرئيسية. كانت المائدة ممتلئة بالأطباق المختلفة، بينما راحت رائحة القهوة والخبز الدافئ تنتشر في أرجاء المكان. كان المطر لا يزال يهطل خارج النوافذ العالية، لكن صوت قطراته أصبح أكثر هدوءًا من الليل السابق. جلست كريستين في مكانها المعتاد، وإلى جوارها ريفين ونيكس. وكان كريس يجلس بجانب والدته نيكس، محاولًا الوصول إلى طبق موضوع في الجهة الأخرى من الطاولة. كان لا يزال صغيرًا، فهو ابن نيكس وريفين، وكان أليكس أخاه الأكبر. أما أليكس فكان يجلس بالقرب من إليان. ولم يمضِ وقت طويل حتى ظهرت إليان عند مدخل القاعة. كانت قد بدلت ملابسها وجففت شعرها، وارتدت ثوبًا أسود بسيطًا، بينما بقيت قلادتها حول عنقها. وما إن دخلت حتى رفعت آريا رأسها. "أخيرًا." ابتسمت إليان. "قلت لكِ إنني سأبدّل ملابسي." قالت آريا: "وأنا سعيدة لأنكِ فعلتِ." جلس لوسيان أولًا، ثم اقتربت إليان وجلست بجانبه مباشرة. لاحظ كريس الأمر. نظر إلى أليكس. ثم إلى إليان. ثم قال: "أعتقد أن إليان اختارت مكانها." سمعته إليان. "طبعًا." ضحك كريس. "كنت أعرف." قالت آريا:
انفتح باب غرفة الموسيقى ببطء. دخلت إليان أولًا، وخلفها أليكس. كانت الغرفة مضاءة بمصابيح ذهبية ناعمة، تنعكس أضواؤها على الأرضية الخشبية اللامعة وعلى الآلات الموسيقية المنتشرة في أرجائها. وفي الجهة المقابلة، كانت آريا تجلس أمام البيانو. كان شعرها منسدلًا على كتفيها، وأصابعها تتحرك فوق المفاتيح بهدوء، فتخرج منها نغمات هادئة امتزجت مع صوت المطر في الخارج. لكن ما إن رفعت عينيها ورأت إليان… حتى توقفت أصابعها. توقفت الموسيقى. ساد الصمت. نظرت آريا إلى ابنتها لثانيتين كاملتين. ثم نهضت من مكانها. "إليان!" ابتسمت إليان. "أمي." اقتربت آريا بسرعة، لكنها لم تحتضنها. بل بدأت تنظر إليها من الأعلى إلى الأسفل. شعرها مبلل. فستانها مبلل. أطرافه تقطر ماء. حتى حذاؤها كان يحمل آثار الطين. رفعت آريا يديها إلى رأسها. "ماذا فعلتِ؟!" رمشت إليان. "ماذا؟" "انظري إلى نفسك!" رفعت إليان عينيها إلى ثوبها. ثم قالت ببساطة: "كنت تحت المطر." "أعرف أنكِ كنتِ تحت المطر!" أشارت آريا إلى ملابسها. "لكن لماذا بقيتِ هكذا؟" ضحكت إليان. "لأنني لم أجد وقتًا لتبديل ملابسي." وضعت آريا يدها على جبينها
بدأ القصر الأسود يلوح بين الأشجار، كتلةً داكنة تتخللها ومضات البرق، بينما كانت إليان ولوسيان يقتربان منه تحت المطر المنهمر. كانت الأغصان المبتلة تنحني فوق رأسيهما، وتترك على كتفيهما قطرات باردة تنساب ببطء، فيما راحت الريح تعصف بأطراف ثيابهما. توقفت إليان لحظة عند البوابة، ومسحت قطرات المطر عن جبينها، ثم ألقت نظرة إلى فستانها المبلل الذي التصق بساقيها. تنهدت. "أمي ستقتلني." نظر إليها لوسيان. "لماذا؟" أشارت إلى فستانها. "لأنني عدت وأنا على هذه الحال." نظر لوسيان إلى نفسه، ثم إليها. "أنا أيضًا مبلل." رفعت حاجبها. "أنت لا يهمك الأمر." ابتسم. "هذا صحيح." انفتحت البوابة بصوت معدني عميق، كأن القصر نفسه كان يرحب بعودتهما. دخلا، وتبعتهما رائحة الحجر الرطب والخشب القديم، بينما ظل هدير المطر يتردد خلفهما في أروقة المدخل. وبمجرد أن خطت إليان خطواتها الأولى داخل الردهة، لمحت ريفين واقفًا قرب إحدى النوافذ العالية، يتفحص شيئًا في يده. كان ضوء البرق يتسلل عبر الزجاج الملون، فيرسم على وجهه ظلالًا متقطعة. تغير وجهها فورًا، وظهرت على شفتيها ابتسامة واسعة. "عمي ريفين!" رفع ريفين رأسه، ث
كانت الدنيا تمطر بغزارة. تساقطت قطرات المطر بين أغصان الأشجار الكثيفة، وراحت أوراق الغابة تهتز تحت تأثير الرياح الباردة، بينما غطّى الضباب كل شيء من حوله. كان ضبابًا كثيفًا. يتحرك بسرعة بين الأشجار، ويلتف حول الجذوع، ثم يختفي خلف الأغصان قبل أن يظهر في موضع آخر. وفي وسط ذلك الضباب… كانت هناك فتاة تركض. لم تكن خطواتها عادية. كانت أسرع من أن تراها العين البشرية بوضوح. كان شعرها الأسود الطويل يتطاير خلفها مع كل حركة، بينما كان فستانها الداكن يتحرك بفعل الرياح والمطر. كانت إليان. لكن إليان التي اعتادت العائلة رؤيتها في القصر لم تعد تلك الطفلة الصغيرة التي كانت تركض خلف والدها في الممرات. لقد بلغت العشرين الآن. وأصبحت قدرتها على استخدام قوتها أكثر وضوحًا من أي وقت مضى. كانت تتحرك بين الأشجار بخفة، فتتوقف للحظة، ثم تختفي من موضعها لتظهر في موضع آخر. كانت تعرف هذه اللعبة جيدًا. لعبة اعتادت أن تخوضها مع لوسيان منذ أن كانت أصغر سنًا. وكانت تصر في كل مرة على أمر واحد… أنها ستفوز. وهذه المرة أيضًا، كانت قد خططت لكل شيء. ابتسمت وهي تقفز فوق جذع شجرة ساقط، ثم هبطت بخفة على الأرض







