تسجيل الدخولسارة
جلستُ على الأرضية العشبية المبللة أمامه، وكنتُ أبتسم بتوتر شديد كأنني بالفعل في مواجهته حيًا. تنفستُ الصعداء ببطء وزفرتُ الهواء الساخن، وهمهمتُ بصوت خفيض كأنني أحادثه: "مرحبًا أبي.. ليس لدي أي فكرة عما أفعله هنا في هذا الوقت، لكنني تذكرتُ الآن أنني كنتُ أشاهد في بعض المسلسلات الدرامية كيف تأتي البطلة إلى شاهد قبر والديها لتتحدث معهما بحرية.. أجل، فأنا أعتبر والدتي قد ماتت أيضاً بالنسبة لي، وهذا المشهد يحدث بالطبع قبل أن تقع الأحداث الخارقة للعادة في القصة، كأن تقع البطلة في غرام مصاص دماء، أو تطاردها المستذئبات والساحرات، ثم تعثر أخيراً على حب حياتها الذي يخلصها من كل شيء..." قطعتُ حديثي إثر تحديق سيدة في الأربعينيات من عمرها تقريبًا بي، كانت تضع زهور بيضاء على شاهد قبر جديد بالقرب من قبر أبي. نظرت إليّ بريبة واستغراب، ثم تلافتني متحركة للخلف خوفًاةمني على الأرجح بسبب كلامي المفكك. لم أهتم بنظراتها، وعدتُ ببصري المجهد إلى شاهد القبر الحجري: "بالطبع أنا لا أنتظر شيئا خرافيًا من هذا القبيل يا أبي، ولا جئتُ هنا لأتحدث عن أحداث حياتي الجديدة؛ لم أفعل ذلك من قبل وبالتأكيد لن أفعل الآن.. أنا هنا فقط من أجل لا شيء.. حقيقةً ليس لدي شيء هام لأقوله، لا أُلقي عليك أي لوم عما مررتُ به من بؤس، فأنتَ رحلت ولم تكن تعلم أنك ذاهب قبل أن تجعل حياتي سعيدة، أليس كذلك؟ بالتأكيد لو كنتَ تعلم الموعد لما تركتَ الأمور تسوء كما آلت إليه.. ولا يمكنني أن أخبرك بأنني أحبك لأنك رحلت مبكرًا جدًا، قبل أن تمنحني ما يجعلني أتعلق بك، لكن إن أردتَ الاستماع إلى شيء لطيف ومختلف؛ فقد قابلتُ شخص لطيف يدعى سام، لا يذهب عقلك نحو فكرة البطل الخيالي الذي سيغير كل شيء ويُعيد البطلة إلى الحياة ويطبب عقدها النفسية، لأنه ببساطة غير موجود في الواقع.. كما تعلم، العقد النفسية لا تُشفى يا أبي؛ تتفاقم أحيانًا وتخبو أحيانًا أخرى لكنها لا تزول للأبد، أنا هنا في الحقيقة لأنني أردتُ أن أجعلك ترى أنني لستُ غاضبة منك أو حاقدة على غيابك." لوحتُ له بيدي كأنه يراني عبر شاشة زجاجية، كأنني أسجل مقطع فيديو في عرض ميلودرامي أمام نفسي، لكنني أردتُ الحديث فقط دون أن يقاطعني أحد؛ أردتُ صب أفكاري على شخص لن يجيبني أو يحكم عليّ. "أنا بخير على أي حال، أُقاتل في معاركي التي لم أكن سبب في اندلاعها، ولستُ غاضبة منك، ولم أتحول إلى شخص حاقد يود الانتقام من الجميع لأنه لا يملك شيئا أفضل ليفعله، أشعر بالتعب والسوء العميق ولكنني بخير، وهذا تحديدًا ما لا يفهمه أي شخص آخر في هذا العالم." عدتُ أسير في الشوارع الهادئة وحدي. اشتريتُ شطيرة لحم بقري دافئة وأكلتها على مهل مع زجاجة كولا باردة، ثم عدتُ أدراجي إلى المنزل سيراً على الأقدام لتقطيع الوقت. كانت الشمس في جانب السماء تعلن هبوطها البطيء نحو الغروب، وقد تخطت الساعة الخامسة وخمساً وعشرين دقيقة عندما وصلتُ إلى منطقتنا. مع اقترابي من البناية، رأيتُ سيارة سام متوقفة بوضوح أمام منزلي. كان يجلس على غطائها الأمامي كأي شاب عابث ينتظر صديقته لتهبط من منزل والديها، يرتدي نصف بدلة رسمية أتوقع أن نصفها الآخر ملقى في السيارة. حين أصبحتُ في مرمى بصره، تخلى عن جلسته ووقف سريعاً أمام السيارة، ولوح لي بعينيه المتعبتين: "مرحباً." صمتَ لحظة كأنه يفكر في ترتيب كلماته، ثم صبّ استفهامه القلق بسرعة: "أين كنتِ طوال هذا الوقت؟ ولماذا لا تجيبين عن رسائلي لتطمئنيني عليكِ؟" اعتَدتُ على مدار يومين عقب اجتماعي مع صديقه ومديره المالي الأحمق أن أطمئنه عني برسالة قصيرة، لكنني لم ألمس هاتفي منذ خروجي من لقاء رئيس اللجنة الناشف. اتجهتُ لأجلس فوق مقدمة السيارة كي أُريح قدمي المصابتين بالإرهاق، فتركني منتظرًاةإجابتي: "لم أستطع التركيز في العمل إطلاقًا لذا خرجت، تجولاتُ في الشوارع طويلًا حتى وصلتُ إلى المقبرة التي يرقد فيها أبي، وصنعتُ ميلودراما رخيصة أمام نفسي لكن دون بكاء أو دراما، ولم أنظر في حقيبتي أو هاتفي طوال الوقت." رفع حاجبيه بغضب مكتوم، واقترب خطوة ليعنفني على تصرفي على ما أعتقد، لكنه تراجع ورأيتُ لسانه يدور على جانب فكه الداخلي؛ إنه منهك جدًا للمجادلة العقيمة، دفع الأمر بعيد عن الشجار مردفاً: "لا بأس الآن، لكنني أرغب في الاطمئنان عليكِ طوال الوقت، لذا عليكِ النظر في هاتفكِ ورسائلي كل ساعة على الأقل." نظرتُ نحوه بامتنان عميق لرعايته الدافئة التي تشملني تماماً، ثم هَزَزتُ رأسي بالنفي وأنا أنظر إلى قدمي المجهدتين: "أنتَ لستَ مضطرًا لخوض كل هذا العناء معي." أمال رأسه لينظر في عينَيّ المباشرتين، وطرفَ أهدابه للحظة هامسًا بحنية: "أعلم ذلك، لكنني راغب في ذلك بكامل إرادتي." أنا كتلة مجهدة ومشحونة لأي علاقة إنسانية، لكنه يرحب بي وبكل عيوبي كما لم يفعل أحد من قبل. رفعتُ عينَيّ إليه وأنا أسأله: "أليس لديك أي سؤال حول ما نُشر؟" لم يكن استفهامًا أو تعجبًا، بل جملة متوقعة خرجت مني دون سيطرة أو إدراك. رأيتُ علامات الإجهاد الشديد فوق وجهه وفي نبرته التي تنهاني عن جرح نفسي: "دعي هذا الموضوع جانبًا الآن أرجوكِ، لا داعي للنبش فيه." أرخيتُ أهدابي بامتنان صادق لموقفه النبيل. استند إلى مقدمة السيارة بجانبي وشاركني الصمت اللذيذ لدقائق طويلة، ثم قال ببطء ونبرة خافتة: "بالمناسبة، سوف نسافر صباح يوم السبت القادم." العشاء مع عائلته! كيف سقط هذا الموعد الهام من ذاكرتي المشتتة؟ لمستُ كتفه المجهد يستدير نحوي بجسده كاملًا: "هل لا تزال هذه فكرة جيدة في ظل هذه الظروف؟" "ولمَ لا تكون كذلك؟" رفع حاجبيه تعجبًا، فأطبقتُ شفتيّ للحظة ثم تخبطتُ في التفسير والتردد: "أعني.. ما حدث مؤخرًا والأخبار المنتشرة في كل مكان، ورغبة جايسون الظاهرة في إنهاء عقدي وإبعادي.. بالمناسبة لو قالها لي بشكل مباشر لكان ذلك أفضل بكثير." ابتسم بجانب فمه بتهكم، وبدا أنه تذكر ما حدث بيننا وبين صديقه فعلق بإعجاب واضح: "أظن أنكِ جعلتِه يتحاشى حضوركِ أو مواجهتكِ تمامًا، كما أن هذه دعوة شخصية من صاحب المؤسسة نفسه، وأنا واثق أنها لا تزال قائمة لأنكِ مرحب بكِ دائماً في بيتنا." هززتُ رأسي بابتسامة خافتة؛ إنه لا يعرف جايسون على الأطلاق، لا يعرف أي الرجال، ولم يكن هذا مكاني او موضعي لاخبره. فكرت في الرفض بأدب، ولكن ما كنتُ قادرة على الرفض بعد أن اتصل بي السيد كوران شخصيًا ودعاني بحرارة. نظرتُ إلى سام لأؤكد الموعد النهائي: "في الثامنة صباحًا؟" هز رأسه موافقًل وتشاركنا الصمت الساكن من جديد، حتى عمّ الظلام أرجاء الشارع. نزلتُ عن مقدمة السيارة بهدوء وأشرتُ إليه بيدي أودعه: "شكرًاةلقدومك يا سام، هذا يعني لي الكثير في هذا الوقت بالتحديد." عانقني بدفء ثم منحني قبلة رقيقة فوق جبهتي، وانتظرني واقفاً حتى اختفيتُ تمامًا داخل بوابة المنزل، قبل أن أسمع صرير عجلات سيارته ينطلق مبتعداً في العتمة. كان الداعم الوحيد في هذا العالم القاسي الذي يهتم بي حقاً.. كان الوحيد الذي يفكر في مشاعري قبل أي شيء آخر، والوحيد الذي يحاول جاهدًا وبتأنٍ هدم جدار عزلتي الصلب.روسيل هاند في أعلى نقطة في الفضاء المعلوم نعرف أن الكواكب تدور حول المجرة، وفي النقطة الأقل الأرض تدور حول الشمس، وفي النقطة الأقل يحاوط الأوزون الأرض، وفي النقطة الأقل تتجمع الغيوم والسحب بين طبقات السماء السبعة، ومع كل هذا الإعجاز العلمي الذي يشغل محطات ووكالات وعلماء، هناك آخرون يربطون حركة الكواكب بالأبراج ومقدار الحظ ومعاكسات النحس وفشل العلاقات وانتعاشها، يطلقون على أنفسهم علماء أيضا لهم برامج ولقاءات وكتب ومساحات صحافية، وكل هذا في العلن أما يحدث معها هي فيكون نصيبه الخفاء. رغم سيطرتها على النصيب الأكبر من كل هذا، رغم أنها تعلم مدي انتظارهم لكل حرف تكتبه، مدي ما يشعرون به وهم في فراشهم منتشون دون انتشاء حقيقي، مدي تلهفهم أن يصبح كل هذا في شريط سينمائي أو مسلسل تليفزيوني يومي، ورغم كل هذا لا تنال سوي التوبيخ والسُباب في العلن. ابتسامة ساخرة شقت سحابة دخان لفافتها الذهبية الرفيعة، السُباب تصلها عبر طبقة الدخان هذه، غيمة رمادية تبهتها وتبعدها، وسيجارة تلو سيجارة وغيمة تتسع، رمادية تسيطر على عينيها حتى أصبحت تكاد لا تراه، العادة تبهت رونق الشيء حتى تصبح رؤيته كمثل رؤية انعكاس
سام اقتربت من الحافة ترفع أصبعها في وجهي بمزاح: "لكن عليك اكتشاف طرق جديد للإثارة، ربما يجب عليك قراءة بعض الكتب من المكتبة المعلقة هناك." ابتسمت دون أستدير للمكتبة، أعرف ما تحتويه تلك المكتبة الصغيرة المعلقة على الحائط، وضعت أمامي طبق من المعجنات والفطائر وكوب من القهوة، لفلفة بيض وجبن وكوب عصير لها، استندت على الحافة بذراعيها واقتربت مني تسمي العناوين التي قرأتها: "مرتفعات وذرينج والحب المحرر وعشيق الليدي تشارلي ومجتمع النبلاء..." صمتت لحظة و أخفضت صوتها بتسلية واضحة: "وكتب رومانسية ساخنة؟ ما هذه التنوع الفريدة بين الكلاسيكية والرومانسية المظلمة، هل أنت واحد من مليونيرات القصص المعقدين." أطلقت ضحكة عالية وقضمت قطعة من الشطيرة أمامي، التفت لتجلس بجانبي ورفعت العصير ترشفت بضع رشفات، أردت التفسير إليها ولا أعلم لماذا رغبت في أن أشرح لها، غريبة هذه الرغبات التي لا تفهمها لكنك تريد تنساق لفعلها: "بعض الكتب كانت لوالدتي فهي تحب الكلاسيكيات الأدبية." صمت لحظة ثم تابعت تحت أنظارها المنتبهة: "والبعض الآخر كانوا لحبيبتي السابقة روسيل، ولم أعادهم لها." رقبتُ صمتها وهزة رأسها فو
سام حظيت بنوم متقطع منهك وعضلات متيبسة متألمة وأحلام لم تتركني طوال الليل. لقد كنت قديس كي أمنع نفسي عن معانقتها، تنفست بعمق رائحتها التي تعبق الغرفة، وفكرت في مقدار ما لا أعرفه عنها، كم يحتاج التعامل معها من قدرة على المواصلة، هل سوف أستطيع التعامل مع أشواكها أم سينتهي الأمر بي مليء بالكدمات. أفكر في حبيبتي السابقة، وكم كانت سطحية وبسيطة وتحافظ على حدود العلاقة المثالية التي تقرأها في الروايات الرومانسية الحديثة لأنها واحدة ممن يكتبوها، لم تكن علاقة جيدة أبدًا ولكن في بعض الأحيان مريحة، حياة دون عقبات وعُقد، دون مسافات تضطر لسيرها حتى تصل، لكنها فارغة هشة من الداخل، بلا معني أو مذاق، بلا طائل غير إفراغ حاجتك كما تستخدم المرحاض، لكن مع سارة الوضع مختلف أكثر حياة، أكثر صلابة وحقيقة وامتلأ، ربما نفصه بالعقبات، وفي الحقيقة لا أعرف حدود قدرتي للتعامل مع العقبات والعقد. أطرت عن رأسي التفكير حول حبيبتي السابقة، وسوء ما انتهي الأمر به، ربما يعود الأمر لأنها تعيش في ذات المدينة، والتواجد هنا بالقراب منها ومن المكان الذي جمع غالبية علاقتنا يجعلني أتذكر تفاصيلها وأفكر بها كثيرًا. زفرت
سام تحاشيت النظر للفراش وذهبت للجهة اليمنى وفتحت الخزانة، لم أجد شيئا عدا السراويل القصيرة وبعض الكنزات القطنية، لعنت من بين أسناني ورحت أفتش عن سروال يصلح لأن يراه الطبيب صامويل وزوجته والأهم أن ترتديه سارة ، ابتسمت بجانب بفمي على ما سوف يحدث، العلاقة بين ثيابي وبينها تتطور أكثر من علاقتي بها.سحبت السروال الأزرق الغامق وكنزة بيضاء قطنية، قدمتهم للطبيبة التي كانت تقف في المنتصف، أما هي تحت أغطية الفراش كليًا، خرجت مسرعًا للخارج وأغلقت الباب خلفي، اتجهت لحافة المطبخ وجلست على المقعد العالي موجهًا نظري للممر حيث الغرفة. الآن فهمت سبب نظرات الطبيب في الصيدلية، ابتسمت بسخرية لغبائي بينما أغلق عيني وأضغط صدغي بأصابعي."ليست العطلة التي رغبت بها ها؟"فتحت عيني أنظر للطبيب الجالس على الأريكة أمامي، ابتسمت ساخرًا من تعليقه، الآن فهمت سبب كونه فضل أن تأتي زوجته فهي سوف تتعامل أفضل منه في تلك الأمور. "لا."همهمت بنفي غير مفهوم، مطي جسده على الأريكة واسترخي قليلًا، ابتسم بينما يعلق:"فقط لا تثيرها أو تغضبها، وافق على كل شيء تقوله بلا اعترض وسوف يمر الأمر جيدًا."همهمت موافقًا بسخرية، أليس هذ
سامفي لحظات السعادة والراحة تشعر أن كل شيء بخير تمامًا، لن يحدث أي شيء يعكر صفو السعادة.تلك واحدة من الحقائق التي لا تقبل المجادلة، ولحظات السعادة أكثر الأشياء فانية، في لحظة كنت سعيد بما حدث بيني وبين سارة رغم تشتتها الذي أقدمها على هذا، لكنها تجاوبت معي بكل حواسها، ولم أحاول أن أفكر في السبب أو النتيجة لكل ذلك، لكن فجأة العشاء العائلي اللذيذ أصبح من جهة والدي تقييم ومن جهة والدتي أسئلة بلا توقف. والدتي مهتمة بأخبار المجتمع ورغبت في معرفة المزيد عنها، بفضول ظلت تحفر بعمق في حياة سارة الشخصية والتي أنا نفسي لم أعرف عنها تقريبًا شيء ذات أهمية، وانتهى العشاء بردها القاطع لكل سؤال قادم لن تستطيع أن تراوغ إجابته، قالت جملة مختصرة كافية ليصمت كل من على الطاولة، أنها لا تستطيع المراوغة، وليست من هواة الكذب فماذا أستطيع أن أقول لها وأمي هي التي فتحت أشياء ما يجب عليها أن تخوض فيها، أنا لا أنكر كوني أكثر من راغب في معرفة كل شيء عنها لكن ليس وسط كل هذا الحشد من الناس، كنت أخوض تلك العلاقة، إن كان يصح تسميتها بذلك، ببطء وحذر، كان على أن لا أثير حفيظتها الدافعية التي تسبق أي شيء فيها، كان
سارة كانت همهمات الموافقة على حديثي واضحة حول الطاولة، لكن صوت السيد كوران كان الأطغى والأعلى: "عظيم! عظيم جدًا! لدي رغبة شديدة في الجلوس والتحدث معكِ حول هذا المشروع بتفصيل أكبر." تدخل سام فورًا بصوت حاسم يذود عني: "ليس اليوم يا أبي، لقد كنا على الطريق لمدة عشر ساعات كاملة وسارة منهكة تمامًا." رد والده: "ولكنني سأعود اليوم ليلاً إلى لندن." علقتُ بنبرة هادئة على كليُهما: "سأكون متواجدة دائمًا لمناقشة العمل." فتدخلت والدته سوزان، محاولةً بأدب أرستقراطيّ حثي على المكوث في قصرهم طوال العطلة، وحظيت بابتسامة موافقة من زوجها، بينما كانت ابنتها تيا تشجع الأمر باندفاع محرج. حاول سام التملص بذكاء؛ فهو يعرف تمامًا أنني سأضطر للمكوث في فندق هنا اليوم على الأقل، وما كنتُ قادرة ذهنياً ولا جسدياً على العودة فورًا إلى لندن. وحين أعلنتُ رغبتي الواضحة والقاطعة في الجلوس في فندق قريب، لم يحاولوا ثنيي بإصرار مجددًا، ومضت بقية العشاء في أحاديث جانبية متعددة بينهم، أما أنا فكنتُ أتنفس الصعداء بصعوبة كمن نجا من مقصلة استجواب عائليّ محكم. بعد العشاء، كنا نجلس جميعًا في الحديقة الخارجية، حول طا
سارة لا تصدق رجل يتكلم عن نفسه، لأن ما أن يبدأ الرجل في الحديث عن نفسه، مدحها وتفخيمها وسرد أساطيره الأسطورية يعني أنه كاذب. "سام"لم يتكلم عن نفسه أمامي، لم يعد لي مميزاته ولم يخيفني من عيوبه في بادرة باتت رومانسية مظلمة شهيرة، لكنني لازلت في حيرة تصديقه أو لا في رغبته لمساعدتي دون توقع مني شي
جايسون لارج الصدى الرتيب لضربات قبضتي المتلاحقة والعنيفة على كيس الملاكمة الجلديِّ الضخم كان الصوت الوحيد الذي يكسر سكون هذه الصالة الرياضية المغلقة والخاصة في قلب لندن. الوقت تجاوز الثامنة مساءًا، والأضواء النيون البيضاء المسلطة من السقف العالي كانت تمنح المكان طابعًا إسمنتيًّا باردًا يشبه تمام
سام أنا لا أعتقد أن الشراب يناسبني لأعود له، كان جموح الجامعة و بعده فشل اختيار العلاقات والتحطم السيء، ومن ثم جنون العمل الذي من شأنه جعلك لا تلتفت حولك لتصل إلى ما تصبو إليه في وقت قصير، بعد أن تصل تتراجع قليلًا لتكتشف أنك يجب أن تحظى بحياة، كنت محظوظ كفاية لأنني اكتشفت هذا مبكرًا في العشرينات
سام قاطعتني بحدة : "لا تفعل؛ إذا لم أعثر أنا على هذا العمل المثالي الذي يوفر لي كل المال الذي أحتاجه وساعات طويلة من الراحة، على الأرجح لن أعمل به." كانت متمسكة باستقلالها بشدة، ولن تتزحزح عنه أبدًا، وتزداد شراسة حينما يقترب الحديث من هذه الدائرة، كان علىَّ أن أحترم استقلالها لكن كيف لا أحاول







