تسجيل الدخولسارة
لم يهتم أحد بما أريد ولم يسألني شخصٌ عن رغبتي في شيء قبلًا، لم أذهب إلى السينما مع أحد قبلًا، لا أحبذ قول هذه المعلومة كثيرًا، لا أرغب بظهوري كمجرد بائسة مثلًا وإن كنت لا أشعر بالبؤس من فعل الأشياء بمفردي فعلًا، لا تستطيع أن تستمتع مع أشخاص لا يربطك بهم خيط تفاهم واحد. الحقيقة أنني اعتدتُ العزلة حتى صارت جزءاً من تكويني، وصنعتُ من جدران وحدتي درعاً متيناً يحميني من ثقل التوقعات البشرية وخيبات الأمل المتكررة؛ فأن تكون وحيداً بشرطك الخاص أفضل بمئات المرات من أن تسجن نفسك برفقة روح مغتربة عنك لا تفهم لغتك. لكن الوقوف هنا اليوم، وسط هذا الصخب الملون والأنوار الراقصة لردهة السينما، جعلني أكتشف غواية جديدة ومربكة لم أعهدها من قبل؛ غواية أن يتنازل أحدهم طواعية عن مساحته الخاصة ليقاسمكِ تفاصيل صغيرة، تافهة وعابرة، كاختيار فيلم أو مراقبة المارة. علقت بشفتي طيف ابتسامة هامسة بصدق غمرني: "سوف أحب هذا أيضًا." أمسك أناملي وقادني للداخل وتركني لدقيقة ليبتاع تذكرتين، كنت أراقبه من بعيد، نحيف طويل لكن جسده عضلي، شعره غزير بني، وإن أخبرت أحداً أن هذا الصبي هو محامٍ مشهور سوف يسخر منك ناعتًا إياك بالكاذبة السيئة، كان يبدو شابًا جدًا ووسيمًا وسامة لطيفة. كانت حركاته تتسم بخفة عفوية لافتة، تخلو تماماً من ذلك الجمود والتكلف القانوني الصارم الذي يرتديه عادة في قاعات المحاكم؛ ثقته بنفسه لم تكن صاخبة أو مستفزة، بل كانت هادئة ومريحة، تجبر كل من في المكان على تتبعه بنظراتهم دون أدنى مجهود منه، وكأنه يملك جاذبية فطرية لا تحتاج إلى تصنع. انتشر في الفترة السابقة تعبير الوسامة المظلمة، حيث أبطال الروايات العاطفية أصحاب العيون الزرقاء والشعر الأسود أما سام فكان ينتمي للجانب الأبيض، وسامة طفل ممن يظهرن في إعلانات الأطفال. كان قد قطع نصف الطريق إليّ وارتسمت ابتسامة عابثة مغرورة سعيدة على محياه نتيجة تأملي له، رفعت حاجبي بغرور مصطنع والتففت أنظر بعيدًا، كان صوت ضحكته قريب مني بينما تعليقه الساخر العابث يملأ حيز الهواء: "لا داعي للإحراج، نصف الفتيات هنا ينظرن نحوي." "سوف تنفجر من الغرور". صمت لحظة واستدرت له طاوية ذراعي أمامي: "توقف عن العبث بشعرك وسوف يتوقف الجميع عن النظر إليك." هز رأسه يعيدها قاصدًا تلك المرة: "أنها تعجبك ولا أريدك أن تتوقفي عن النظر إليَّ." قبل أن يتسنى لي مجادلته جذبني من يدي إلى حيث المقهى المعد للانتظار يمين الردهة، وقفنا أمام العارضة الزجاجية وأصر على أن أختار كل ما أريد، لذا طلبت صودا وابتاع معها علبة ضخمة من الفشار ومقرمشات وشرائح بطاطس وحلوى وشوكولاتة لدرجة أنني قهقهت جاذبة أنظار الجمع حولنا: "لا إنسان يستطيع تناول كل هذا دفعة واحدة، وإن فعلناها سوف نقضي بقية الليلة في الحمام وليس بطريقة مثيرة." قهقه بصوت مرتفع للغاية، هدأ بعد ثوان يترفع بنظره مبتعداً: "لن أرد عليكِ." "لأنكِ لا تملك رداً." تجاهلني فضحكتُ أكثر بلا سبب، استندت على الحائط كي أهدأ ورفعت عيني للحظة أمامي بينما صوت ضحكته يصلني، رأيت على شاشة عرض صغيرة إعلانات ضوئية، إعلان لفيلم يبدو كنوعية أفلام الفتيات لكن بشيء من الغموض والقتامة "جحيم جبرائيل"، رغم أن اسمه يوحي بقصة رعب أكثر من قصة رومانسية لكن مكتوب على اللوحة أنها قصة حب محفوفة بالرغبة المظلمة والغموض. ضيقت عيني ووجدتني أهمس: "هل تعرف سبب انجذاب الفتيات لتلك النوعية من الأفلام؟". استدار ينظر لما أنظر إليه، استغرق لحظة ثم عاد ينظر إليّ مستفهمًا فأجابته ببساطة: "لأنها تصنع من أجلهن." صمت لحظة أتابع لقطات متتابعة من الفيلم على اللوحة مستطردة: "صناع تلك النوعية يعرفون جيدًا أن جمهورهم من النساء، لذا يستغلون كل نقاط ضعفهن، ماذا؟ رجل وسيم وثري لأنني بالتأكيد لا أحبذ دخول فيلم يحدثني عن قصة حب رجل عادي يعاني ماليًا وإلا تركتها وهرعت أطالب بأموالي." توقفت للحظة عندما سمعت ضحكته، بادلته ابتسامة هَزْلية: "عقدة سوداء أو سر خارق للطبيعة أو ماضي مظلم، البطلة التي سوف تغير كل شيء وسوف تقلب الحياة رأسًا على عقب، القبلات وممارسة الحب وأماكن التصوير الخيالية، الكوميديا الطفيفة والفراق ثم العودة؛ إنهم يستغلون كل نقطة ضعف لأي فتاة ليحملوها على المشاهدة لأن الحياة لا تمنح رجلاً مثالياً وقصة خيالية كل يوم." رفعت كتفيّ متنهدة: "لا بد أن تعترف أن الحياة لا ترمي بإدوارد مصاص الدماء الوسيم جدًا في الطريق كل يوم ." هز رأسه موافقًا: "أعتقد أنك على حق". ابتسمتُ باتساع مردفة: "لأن الواقع الذي نعيشه يمنحنا عادة حكايات مبتورة وغير مكتملة، رجالاً عاديين مثقلين بالهموم اليومية والروتين القاتل، وقصصاً تنتهي بؤساً قبل أن تبدأ خلف جبال من فواتير الكهرباء المرتفعة وإيجار السكن المتراكم. السينما في النهاية هي الملاذ الشرعي الوحيد لنستعير عبر شاشاتها حياة مثيرة ليست لنا، ولنعوض بها شح الواقع وجفافه." نظر إليّ بعينين التمعت في عمقهما نظرة فاحصة وذكية، وكأنه يحاول العثور على تلك النغمة الحزينة والمستترة خلف فلسفتي الساخرة المعتادة، صمت لثوانٍ ثم قال بنبرة دافئة، خفيضة وتحمل قدراً من التحدي: "وهل تبحثين أنتِ أيضاً عن ملاذ سحري كهذا، أم تكتفين دائماً بمشاهدة الحياة من مقعد المتفرج الآمن؟" "دائمًا ما أكون." قلتها ضاحكة وتحركت أساعده في حمل الأشياء، سرت معه حتى القاعة وجلسنا متجاورين، كانت القاعة لكبار الشخصيات، مريحة وأنيقة والمقاعد كبيرة وبجانب كل مقعد مسند خشبي لوضع الطعام والمشروبات. استرخيت تزامنًا مع صوت هاتف سام المرتفع، أخرجه وتبدلت ملامح وجهه مع رؤية هوية المتصل، انقطع الاتصال بينما يضعه على الوضع الصامت وقبل أن يدخله لجيب سترته أضأت الشاشة من جديد، تغضنت ملامحه بانزعاج وهو يرفع الهاتف يجيب بنزق امرأة ما تدعى "كارولين"، فحركت رأسي للأمام بحاجبين متعانقين واستفهام لا يمكنني تجاهله. رنين هذا الاسم الأجنبي في تلك اللحظة الحميمة كان كقطرة حبر أسود بارد سقطت فجأة في كوب ماء رائق لتفسد صفاءه. التوتر المفاجئ الذي تيبّس في فكه، والنبرة الحادة والنزقة التي حاول كتمانها وابتلاعها دون جدوى، جعلا الهواء الدافئ بيننا يصبح ثقيلاً، مشحوناً، وبارداً فجأة كأجواء كانون. تلاشت بهجة الفشار والصودا والضحكات الطفولية في ثانية واحدة، وعادت روحي لتتخذ وضعية الحذر والدفاع المألوفة لدي؛ فالحياة كعادتها لا تترك لنا بقعة ضوء واحدة دون أن تطاردها بظلال معتمة ومربكة، وسام، على ما يبدو خلف وسامته الطفولية، يملك ظلاً خاصاً وسراً ثقيلاً يدعى كارولين.سارة تمالكت مشاعري وحاولت شغل عقلي بالإجابة والتحليل الفلسفي: "أجل، يمكننا القول إنها نوعًا ما قصص مخصصة للفتيات، لكنها لم تكن مفهومة أو منطقية بالنسبة لي في البداية، لم أكن أفهم كيف يمكن للشخص أن يقع في الحب الحقيقي أكثر من مرة في نفس الوقت، ولكنني الآن أستطيع رؤية وفهم ما رأته البطلة في الشرير." أمال رأسه الوسيم نحوي ينخرط معي بكل جوارحه في حديثي الذي يراه تافهًا لكنه يحبه لأنني من أقوله: "وهو؟ ماذا رأت فيه؟" تنهدتُ بعمق مسترجعة أفكاري وتحليلاتي الخاصة التي لم أشاركها سابقًا مع أي شخص في حياتي لأنني ببساطة لا أملك أي شخص مقرب يستمع لي، شعرتُ بسعادة غامرة ودفيء لأنني أخيرًا سوف أقولها لشخص يهتم: "الرجل الجيد والمثالي يمكنه أن يضحي بنفسه ويسكب دمه لأجل حبيبته وكي ينقذ العالم من الدمار، لكن الرجل السيء والشرير يمكنه ببساطة أن يضحي بالعالم بأكمله ويحرقه دون تردد لأجل حبيبته فقط؛ وهذا النوع النادر من الأنانية المفرطة والمطلقة يجذب الفتيات بشدة نحو الخطر والعلاقات السيئة المعقدة." همهم يفكر في كلامي بعمق وذراعه لا تضغطني أو تقيد حركتي لكنها تحيط جَسدي بلطف شديد كأنه يحميني، وسألني
سارة جلسنا من جديد لنشاهد العرض الثاني، الذي كان مشابها ومكررًا ككل الأفلام الرومانسية التجارية التي تتحدث عن التوأم ووقوعهما في حب نفس الشخص واختياره المعقد لواحدة منهن في النهاية، لكنه كان يحتوي هذه المرة على لمسة بوليسية وجريمة غامضة، والتي أظنها باتت موجودة أيضًا في كل تلك النوعية من الأفلام لجذب الجمهور. وعلى الرغم من ذلك التكرار، كان الفيلم ممتع ومسلي، وهذه أحدى الأشياء والفنون الكلاسيكية التي ترحبين بتكرارها لأنها تمنحكِ شعورًا ممتعًا وبسيطًا بشكل ماانتهى العرض الثاني وقادني من يدي نحو الخارج، الطقس كان منعشًا ولطيفًا في الخارج وملئ بأصوات المدينة الصاخبة والحركة النيونية. وصلنا للسيارة وانطلق بها سام في الشوارع المضاءة إلي مطعم شهير للوجبات السريعة يناسب ذوقي البسيط. جلسنا متقابلين على طاولة خشبية جانبية بعدما طلب سام إلينا الطعام والبطاطس المقلية، همهمتُ بتساؤل مفاجئ لأكسر الصمت:"أتساءل حقًا.. ماذا حدث للحمام الذي قمت بإصلاحه سابقًا في شقتنا؟"أكفهر وجهه وتغيرت ملامحه تمامًا حينما انتهيت من سؤالي، وحدجني بنظرة مستاءة ومضحكة في آن واحد:"أرجوكِ، أتركي التفكير في الحمام ومش
سارة "جارتي، تقطن أسفلي بطابقين في نفس البناية، وكل ما في الأمر أنه حدث سوء تفاهم ما بيننا مؤخرًا." نظرتُ بعيدًا نحو الفراغ بينما أهرس أسناني ببعضها من شدة الغيرة والضيق، فسوء التفاهم الذي يشير له بإشارة يد عابرة لا يوحي على شيء بريء أبدًا، فقلت بنبرة حادة: "لا تخبرني، الأمر لا يعنيني." "توقفي عن تصرفات الأطفال هذه الآن أرجوكِ، فأنا لم أقصد أبدًا أنكِ متطفلة أو شيئًا من هذا القبيل، أنا أريد أن أخبركِ بكل شيء، لكن كل ما في الأمر أنني خشيتُ أن أعطيكِ فكرة سيئة عني في بداية علاقتنا وتظنين أنني لاعب عابث." حاز حديثه الصريح وتراجعه على انتباهي وفضولي بالكامل، فالتفتُّ إليه وسألته بنبرة أهدأ: "ماذا فعلتَ معها إذن؟" هز رأسه بابتسامة متوترة ومرتبكة، نظر بعيدًا وهربت عيناه مني لِلحظات كأنه يرتب كلماته، وضع يده الحرة في جيب سرواله واقترب خطوة أكثر مني كما لو أنه سوف يخبرني بسر خطير ومكتوم: "كارولين كانت تقطن بالبناية لفترة طويلة قبل أن أقطن بها أنا." قاطعتُه بتهكم واضح متبعة دربه في الهمهمة والسخرية: "أجل؛ فهمت.. لماذا لا تمنحني نبذة صغيرة ومفصلة عن سيرتها الذاتية وحياتها الشخصية أيض
سارة انتهى سام من مكالمته تزامنًا مع خفوت الإضاءة التدريجي في القاعة الكبيرة، وبدء عرض الإعلانات التجارية والمقاطع التشويقية التي تسبق الفيلم عادة. ابتلعتُ سؤالي الفضولي الذي كاد يفلت من بين شفتيّ، واسترخيتُ أكثر في مقعدي المخملي الوثير محاولة التظاهر بالهدوء. الجو الدافئ في الداخل جعلني أنزع السترة السكرية الصوفية الثقيلة لِأتحرر من دفئها الخانق، وانعكست الإضاءة الخافتة الملونة المنبعثة من الشاشة الكبيرة على بلوزتي الفيروزية الحريرية وخصلات شعري البني المنسدلة، فأنرتني كقارورة عسل صافية تلمع في الظلام، فجعلني هذا المشهد أنكمش في مقعدي أكثر برهبة وارتباك.شعرتُ فجأة أنني محط أنظار الجميع بلا سبب واضح، الممرات كانت تعج بالحركة والبعض يلتف لينظر لي بنظرات فضولية غامضة ثم يعاود النظر للشاشة الضخمة المستطيلة، لكن سام لم يكن يكترث بكل ما يدور حوله؛ بل كان ينظر نحوي باستمرار بابتسامة عذبة وصادقة تصل لِأعماق عينيه الدافئتين. وشعرتُ برهبة حقيقية تجتاح جوارحي، حتى أنني فكرتُ للحظة مجنونة أن أركض بعيدًا وأهرب من هذا الموعد العاطفي الذي بدأ يأخذ منحى شخصيًا لا أفضله ولم أعتد عليه قط في حياتي ال
الظلام كان يلف الممر الخلفيَّ الموصل بين مبنى الفتيان ومبنى البنات المنفصل تمامًا في الزاوية الغربية من المدرسة الداخلية. كانت النوافذ الزجاجية العالية تعكس ضوء القمر الشاحب، مانحةً المكان طابعًا قوطيًّا باردًا يتناسب مع الفراغ العاطفيِّ الذي يسكن صدري. كنتُ أستند بجسدي العضليِّ النحيل على الجدار الإسمنتيِّ البارد، خصلات شعري الأسود المتمرد تلامس جبهتي، وعيناي البنيتان تراقبان خيال "كلير" وهي تتسلل بخفةٍ ورعبٍ من بوابات مبنى الفتيات لتصل إليّ. كلير كانت فتاةً من طبقة أرستقراطيةً، جميلةً من عائلةٍ رفيعةٍ في لندن، لكنني لم أكن أشعر تجاهها بأيِّ شيءٍ؛ لم يكن هناك حبٌّ، ولا إعجابٌ، ولا حتى شرارة اهتمامٍ حقيقيةٍ. بالنسبة لي، كانت هذه اللقاءات السرية مجرد وسيلةٍ بيولوجيةٍ بحتةٍ لتفريغ شحنات الغضب المكتوم والضغط النفسيِّ الخانق الذي يفرضه عليّ هذا السجن الاختياريُّ بضواحي لندن، بعيدًا عن أيِّ روابط قد تجعلني ضعيف. وصلت كلير أمامي، وأنفاسها المتلاحقة الدافئة كانت تصطدم بصدرية سترتي المدرسية، ونظرت إليّ بعينيها اللامعتين اللتين تحاولان قراءة لا مبالاتي وبرودى المعتادتين. دون أيِّ مقد
هز توماس رأسه بتفهمٍ، وسألني بفضولٍ وهو يفرك يديه طلباً للدفء: "وكيف تمكنتَ من الصمود طوال هذه السنوات إذن؟ كيف تحولتَ من ذلك الطفل العنيف والمشاغب الذي حطم نصف أثاث المهجع، إلى هذا الشخص الصارم الهادئ الذي يخشى الجميع مواجهة قبضته؟" التفتُّ إليه ببطءٍ، ونظرتُ في عينيه مباشرةً قائلًا بنبرةٍ قاطعةٍ تحمل ظلام خفيًّا: إدوارد لارج "لقد تأقلمتُ يا توماس؛ لأنني أدركتُ أن العنف العشوائيَّ والشغب الطفوليَّ لن يوصلا أفعالي إلى نتيجةٍ حقيقية، لقد جعلني جايسون سجينًا هنا كي يصمتني ويبعدني عن مخططاته في صورة نظيفة، فقررتُ أن أتحول إلى وحشٍ منظمٍ، استخدمتُ غضبي كوقودٍ لبناء هذا الجسد العضليِّ النحيل، وحولتُ مشاجراتي إلى دروسٍ في السيطرة، لقد تظاهرتُ بالقبول والتكيف طوال السنوات الماضية فقط لأصل إلى السن التي تمنحني الحق في التمرد القانونيِّ." "أنت تقصد سن الثامنة عشرة؟" سأل توماس بصوتٍ خفيضٍ يملأه الذهول من نظراتي المظلمة. "بالتأكيد." أجبتُهُ وأنا أرمي عقب السيجارة أرضًا وأسحقه بحذائي بعنفٍ مدروسٍ: "أنا على مشارف الثامنة عشرة الآن مثلا تمامًا، وأيام الحبس الاختياريِّ في هذه الضواحي أوشكت على
جايسون لارج الصدى الرتيب لضربات قبضتي المتلاحقة والعنيفة على كيس الملاكمة الجلديِّ الضخم كان الصوت الوحيد الذي يكسر سكون هذه الصالة الرياضية المغلقة والخاصة في قلب لندن. الوقت تجاوز الثامنة مساءًا، والأضواء النيون البيضاء المسلطة من السقف العالي كانت تمنح المكان طابعًا إسمنتيًّا باردًا يشبه تمام
سام أنا لا أعتقد أن الشراب يناسبني لأعود له، كان جموح الجامعة و بعده فشل اختيار العلاقات والتحطم السيء، ومن ثم جنون العمل الذي من شأنه جعلك لا تلتفت حولك لتصل إلى ما تصبو إليه في وقت قصير، بعد أن تصل تتراجع قليلًا لتكتشف أنك يجب أن تحظى بحياة، كنت محظوظ كفاية لأنني اكتشفت هذا مبكرًا في العشرينات
سام قاطعتني بحدة : "لا تفعل؛ إذا لم أعثر أنا على هذا العمل المثالي الذي يوفر لي كل المال الذي أحتاجه وساعات طويلة من الراحة، على الأرجح لن أعمل به." كانت متمسكة باستقلالها بشدة، ولن تتزحزح عنه أبدًا، وتزداد شراسة حينما يقترب الحديث من هذه الدائرة، كان علىَّ أن أحترم استقلالها لكن كيف لا أحاول
سام ضحكت بينما نسير تجاه الباب الخشبي الذي يمثل نصف قوس، فتحته وتركتها لتمر مبتسمة، كانت تتابع تأمل المكان حيث إضاءته الخافتة وطقسه الفاتر نوعًا، طاولاته الموضوعة على طول صفان وهناك مسافة بين كل طاولة وأخرى، وفي آخره نافذة العرض الزجاجية الموضوع داخلها أصناف من الحلوى، وضعت يدي على كتفيها ثم أشرت







