Share

٣١.دفءٌ يشبه الحلم

Author: أ.أ
last update publish date: 2026-05-28 07:23:29

استيقظت ثراء على شعورٍ غريب بالطمأنينة.

ليس لأنها نامت جيدًا، بل لأن شيئًا ما كان يحيط بها طوال الليل… شيء دافئ وهادئ جعل نومها أعمق من المعتاد، كأن روحها أخيرًا وجدت المكان الذي تنتمي إليه.

فتحت عينيها ببطء.

ضوء الصباح الرمادي كان يتسلل عبر الستائر، والمدينة خلف النافذة ما تزال نصف غارقة في هدوء الفجر.

تحركت قليلًا فوق السرير، ثم توقفت فجأة.

قلبها بدأ ينبض أسرع.

ذلك الشعور…

شعور أن أحدًا كان يحتضنها قبل لحظات فقط.

رفعت يدها نحو عنقها ببطء.

ما تزال تتذكر دفء أنفاس قرب بشرتها.

أغمضت عينيها للحظة طويلة، ثم همست بصوت بالكاد سمعته:

“آسري…”

ساد الصمت.

لكن الغرفة لم تبدُ فارغة تمامًا.

وكأن الهواء نفسه يحتفظ بوجوده.

جلست فوق السرير ببطء، وشعرها الطويل ينساب فوق كتفيها، بينما بقي قلبها معلقًا بذلك الإحساس الغامض الذي لم يعد يفارقها.

كانت تعرف أنها ينبغي أن تخاف.

أن تصدق الطبيب.

أن تعتبر كل ما يحدث مجرد أوهام صنعتها وحدتها الطويلة.

لكنها لم تعد قادرة.

لأن قلبها كان يعرفه.

حتى إن اختفى.

حتى إن لم يجبها.

كانت تشعر به بطريقة لا يستطيع العقل تفسيرها.

مرّ النهار هادئًا على غير العادة.

لأول مرة منذ أسابيع لم تستيقظ على كوابيس، ولم تشعر بذلك الثقل الخانق داخل صدرها.

حتى ليان لاحظت الأمر حين جاءت لزيارتها عصرًا.

وقفت تتأملها باندهاش خفيف وهي تضع أكياس الطعام فوق الطاولة الصغيرة داخل المطبخ.

“تبدين أفضل اليوم.”

ابتسمت ثراء ابتسامة خافتة.

“هل أبدو كذلك فعلًا؟”

“قليلًا على الأقل.”

جلست ليان أمامها وهي تعقد ذراعيها.

“كما أنكِ تناولتِ الطعام أخيرًا، وهذا إنجاز عظيم.”

ضحكت ثراء بخفة للمرة الأولى منذ أيام.

ضحكة قصيرة وهادئة، لكنها حقيقية.

راقبتها ليان طويلًا، ثم قالت بحذر:

“هل ما زلتِ… ترينه؟”

خفضت ثراء عينيها نحو كوب الشاي بين يديها.

وظلت صامتة للحظات.

ثم همست:

“لا.”

لكن بعد ثانية أضافت بهدوء:

“…أشعر به فقط.”

عقدت ليان حاجبيها.

“وكيف يكون ذلك؟”

بحثت ثراء عن الكلمات، لكنها لم تعرف كيف تصف الأمر.

كيف يمكنها شرح شعورٍ يشبه الحنين إلى وطن لم تعش فيه يومًا؟

كيف تصف دفئًا يحيط بها كل ليلة دون أن ترى صاحبه؟

تنهدت بخفوت.

“لا أعرف.”

ثم رفعت عينيها نحو النافذة.

“لكنني حين أناديه… أشعر أن شيئًا داخلي يهدأ.”

راقبتها ليان بصمت، وكأنها لا تعرف إن كان ينبغي أن تقلق أم تتعاطف.

ثم غيرت الموضوع بلطف.

“هل رسمتِ شيئًا جديدًا؟”

أومأت ثراء برأسها.

“تعالي.”

دخلتا المرسم معًا.

رائحة الألوان والزيت ملأت المكان، وضوء الغروب البرتقالي كان ينساب فوق اللوحات المبعثرة في كل زاوية.

لكن ليان توقفت فور دخولها.

الجدار المقابل أصبح ممتلئًا برسومات جديدة.

كلها لآسر.

لكن هذه المرة لم يكن يبدو ككائنٍ مخيف يخرج من الظلام.

بل كرجل حقيقي.

هادئ.

حزين.

وعيناه تنظران إلى ثراء في كل لوحة بطريقة جعلت قلب ليان ينقبض دون أن تفهم السبب.

اقتربت من إحدى الرسومات ببطء.

كانت تُظهر ثراء نائمة فوق سريرها، بينما يجلس آسر خلفها محتضنًا إياها بين ذراعيه.

وجهه مدفون قليلًا داخل شعرها.

وكأنه يجد راحته الوحيدة قربها.

همست ليان بدهشة:

“تفاصيله تبدو حقيقية بشكل مخيف…”

وقفت ثراء قرب اللوحة، تحدق فيها بصمت طويل.

ثم قالت بخفوت:

“لأنني أحفظه جيدًا.”

التفتت إليها ليان.

“لكن… إذا لم يكن موجودًا فعلًا، فكيف يستطيع عقلك رسم كل هذه التفاصيل؟”

ارتجفت أنفاس ثراء.

هذا السؤال نفسه كان يطاردها كل ليلة.

لكنها لم تجد له جوابًا.

حين حلّ الليل…

عادت الوحدة مجددًا.

كانت ثراء مستلقية فوق سريرها، بينما ضوء القمر الفضي يغمر الغرفة بهدوء حزين.

المدينة في الخارج غارقة في الصمت، والريح تداعب الستائر برفق.

أغمضت عينيها ببطء.

ثم همست:

“آسري…”

لا رد.

ابتسمت ابتسامة صغيرة باهتة.

“أتعلم؟ بدأت أعتاد غيابك.”

لكن قلبها آلمها فور قولها.

لأنها لا تعتاد شيئًا.

بل تشتاق أكثر كل يوم.

استدارت فوق السرير، وسحبت الغطاء حولها، ثم أغمضت عينيها محاولة النوم.

بعد دقائق…

شعرت به.

ذلك الدفء الهادئ مجددًا.

أنفاس بطيئة قرب شعرها.

وإحساس بذراع تلتف حول خصرها بحذر شديد.

تسارعت أنفاسها فورًا.

لكنها لم تفتح عينيها هذه المرة.

خافت أن يختفي إن فعلت.

بل تحركت ببطء شديد داخل ذلك الاحتضان الخفي، حتى استقر ظهرها أكثر ضد الصدر الدافئ خلفها.

وفي اللحظة نفسها…

شعرت بالذراع تشتد حولها قليلًا.

شهقت بخفوت.

وقلبها بدأ يرتجف بعنف.

ثم همست وعيناها مغلقتان:

“آسري…”

ساد الصمت لثوانٍ طويلة.

طويلة جدًا.

ثم…

شعرت بأصابع تمر ببطء داخل شعرها.

برفق شديد.

كأن صاحبها يخشى أن يؤذيها حتى بلمسة.

ارتعشت أنفاسها.

ولأول مرة منذ اختفائه…

امتلأت عيناها بالدموع.

“لقد اشتقت إليك…”

خرجت الكلمات هامسة وضعيفة.

لكن الحرارة خلفها ازدادت قليلًا.

وكأن شخصًا ما شدّها إليه بصمت.

ابتسمت وسط دموعها.

ولم تحاول الالتفات.

لم تعد تريد تفسيرًا.

ولا تريد معرفة إن كان حقيقة أم حلمًا.

كل ما أرادته…

أن يبقى.

في الجانب الآخر من الظلال…

كان آسر يحتضنها بصمت.

وعيناه معلقتان بوجهها النائم.

شعرها الناعم بين أصابعه، وأنفاسها الهادئة قرب صدره، جعلاه يشعر بشيء لم يشعر به منذ قرون طويلة.

السكينة.

لكنها كانت سكينة مؤلمة.

لأنه يعرف أنه لا ينبغي أن يكون هنا.

ومع ذلك…

لم يستطع الرحيل.

حين همست باسمه بذلك الصوت المشتاق…

شعر قلبه يضعف بالكامل.

“آسري…”

أغمض عينيه للحظة.

كم يبدو اسمه مختلفًا حين يخرج من شفتيها.

كأنه ليس الحارس المرعب للسُدُم.

بل رجلٌ عادي…

تشتاق إليه امرأة تحبه.

ضمّها إليه أكثر قليلًا، ثم دفن وجهه قرب شعرها الأسود الطويل.

واستنشق أنفاسها ببطء.

هادئة.

دافئة.

وحقيقية.

همس بصوت منخفض جدًا، بالكاد لامس روحها:

“وأنا اشتقت إليكِ أكثر…”

لكن ثراء كانت قد غرقت في النوم أخيرًا.

بينما بقي آسر مستيقظًا طوال الليل…

يحتضنها كأن العالم كله يتوقف عندها وحدها.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٥.ما تخفيه الأرواح

    مرّ يومان.يومان كاملان دون مطاردة.دون معارك.دون ظهور للملك القديم.ودون أن تهتز الغابة بين العالمين تحت أقدام جيشٍ قادم من السُدُم.ومع ذلك...لم يشعر أحد بالراحة.لأن الجميع كانوا يعلمون أن الهدوء الحالي ليس سلامًا.بل انتظار.انتظار لشيء مجهول يقترب ببطء.استيقظت ثراء على دفء مألوف.دفء أصبح جزءًا من صباحاتها.فتحت عينيها ببطء.لتجد نفسها كما اعتادت خلال الأيام الأخيرة.بين ذراعي آسر.كانت رأسها فوق صدره.وإحدى ذراعيه تحيط خصرها بإحكام.أما الأخرى فكانت فوق شعرها وكأنه حرسها طوال الليل.ابتسمت دون وعي.ثم رفعت رأسها قليلًا.تأملت وجهه.ذلك الوجه الذي حاولت رسمه مئات المرات.الوجه الذي لاحق أحلامها لأشهر طويلة.الوجه الذي غير حياتها كلها.بدت ملامحه هادئة أثناء النوم.هادئة بشكل يناقض الرجل الذي يستطيع إسقاط مدينة كاملة إذا غضب.مدت أصابعها نحو خده بحذر.لكن قبل أن تلمسه...أمسك يدها.دون أن يفتح عينيه.ابتسمت فورًا."كنت مستيقظًا."قال بصوت ناعس:"منذ ربع ساعة تقريبًا."ضحكت بخفة."وتتظاهر بالنوم؟"فتح إحدى عينيه."كنت أستمتع.""بماذا؟"اقترب منها أكثر حتى كادت أنفاسه تلامس وجهها

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٤.حين ينكسر الحاكم

    ابتسم الملك القديم.رغم أن يد آسر كانت تطبق على عنقه بقوة كافية لتحطيم جبل.رغم أن الظلال الفضية والسوداء كانت تعصف بالمكان كله.رغم أن الأرض نفسها بدأت تتشقق تحت أقدامهما.ابتسم.وكأنه انتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل.أما آسر...فلم يعد يشبه نفسه.كانت عيناه مضيئتين بالكامل.فضة نقية تحترق داخل العتمة.والغضب الذي يملأه لم يعد غضب رجل.بل غضب عالم كامل.قال بصوت جعل الهواء يرتجف:"أنطق اسم أمي مرة أخرى... وسأجعلك تتمنى لو بقيت ميتًا."ضحك الملك القديم.ضحكة هادئة.مستفزة.ثم نظر مباشرة إلى ثراء الواقفة خلف آسر.وكأن يد آسر حول عنقه لا تعنيه."هل ترين؟"همس لها."هذا هو الوجه الحقيقي الذي لم تريه لكِ بعد."شعرت ثراء بقشعريرة.لكن ليس خوفًا.بل غضبًا.لأنها أدركت شيئًا.ذلك الرجل يحاول استفزاز آسر عمدًا.يحاول دفعه إلى فقدان السيطرة.يحاول تحويله إلى الوحش الذي كانه يومًا.فخطت خطوة للأمام.رغم صرخة سيرين:"ثراء لا!"لكنها لم تتوقف.رفعت رأسها بثبات.ونظرت مباشرة إلى الملك القديم.ثم قالت:"أنت خائف منه."ساد الصمت.حتى آسر التفت إليها.أما الملك القديم...فتوقفت ابتسامته لثانية واحدة.ث

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٣.الرجل الذي عاد من الموت

    لم تنم ثراء تلك الليلة.حتى بعدما هدأت النار داخل المدفأة، وحتى بعدما غطّت العتمة الكوخ والغابة معًا…ظل عقلها مستيقظًا.كلمات آسر.نظرة سيرين.اسم الملك القديم.كل شيء كان يضغط فوق صدرها بثقل غريب.كانت مستلقية فوق الفراش الخشبي الصغير داخل الغرفة، بينما الضوء الفضي المتسلل من النافذة ينساب فوق الأرض بهدوء بارد.أما آسر…فلم يكن بجانبها.شعرت بذلك فورًا.فتحت عينيها ببطء، ثم اعتدلت قليلًا تنظر حولها.الغرفة فارغة.لكن رائحته…ما تزال هنا.رائحة المطر والدخان البارد.وضعت يدها فوق صدرها تحاول تهدئة ذلك القلق الذي بدأ يتسلل إليها.ثم نهضت بهدوء.خرجت من الغرفة بخطوات بطيئة حتى وصلت إلى الصالة الصغيرة داخل الكوخ.وهناك…رأته.كان واقفًا خارج الكوخ قرب البحيرة السوداء.ظهره إليها.والمطر الفضي الخفيف يتساقط فوق شعره الأسود الطويل.توقفت للحظة تتأمله بصمت.حتى من بعيد…كان يبدو وحيدًا بشكل مؤلم.فتحت الباب بهدوء وخرجت إليه.وفور أن اقتربت—قال دون أن يلتفت:“كان يجب أن تنامي.”ابتسمت بخفة.“وأنت؟”ساد الصمت.ثم قال بهدوء:“الحراس لا ينامون كثيرًا.”اقتربت أكثر حتى وقفت بجانبه.كانت البحير

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٢.الأشياء التي لا يقولها الحراس

    استمرت النار مشتعلة داخل المدفأة الحجرية، ترسل وهجًا ذهبيًا خافتًا فوق جدران الكوخ الداكنة.لكن رغم دفئها…ظل التوتر يملأ المكان.كانت ثراء تجلس قرب النافذة بصمت، بينما الضباب الفضي بالخارج يتحرك ببطء بين الأشجار السوداء.أما آسر…فكان واقفًا في الجهة المقابلة، ذراعاه معقودتان، وعيناه لا تفارقان سيرين منذ لحظة دخولها.وكأن وجودها هنا وحده نذير كارثة.لاحظت سيرين نظرته أخيرًا.ثم قالت ببرود هادئ:“إن استمريت بالنظر إليّ هكذا، سأعود وأتركك تواجه المجلس وحدك.”أغمض آسر عينيه للحظة بضيق واضح.“أنتِ لا تأتي إلى هنا إلا حين تكون الأمور سيئة.”رفعت حاجبها.“لأنك دائمًا تجعل الأمور سيئة.”كادت ثراء تبتسم لولا القلق المسيطر على قلبها.كان واضحًا أن هذه طريقتهم المعتادة في الحديث.حدة تخفي خلفها خوفًا حقيقيًا على بعضهم.اقتربت سيرين من الطاولة الخشبية ببطء، ثم وضعت شيئًا صغيرًا فوقها.خاتم فضي أسود غريب.تجمد آسر فور رؤيته.أما ثراء…فشعرت بطاقة باردة تخرج منه.“ما هذا؟”أجابتها سيرين بهدوء:“خاتم تتبع.”اقترب آسر ببطء.عيناه أصبحتا أكثر ظلمة.“لمن؟”ساد الصمت لثانية.ثم قالت سيرين:“وُجد داخل

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤١.الغابة التي تسمع الخوف

    لم تكن الغابة بين العالمين مكانًا يشبه أي شيء عرفته ثراء من قبل.حتى الهواء بدا مختلفًا.أثقل.أبرد.ومحمّلًا بشيء خفي يجعل القلب متوترًا دون سبب واضح.كانت الأشجار السوداء العملاقة تمتد بلا نهاية، جذوعها ملتوية كأنها كائنات حيّة تجمدت أثناء صراخٍ أبدي، بينما الضباب الفضي يتحرك فوق الأرض ببطء كالماء.لا شمس.لا قمر.فقط نور باهت مجهول المصدر يغمر المكان.أما الصمت…فكان مرعبًا.صمت يجعل صوت أنفاسها يبدو عاليًا جدًا.وقفت ثراء قرب آسر دون أن تشعر، حتى كادت تلتصق به.ولأول مرة منذ عرفته…لاحظت أنه متوتر فعلًا.ليس غضبًا.ولا حذرًا عاديًا.بل توتر حقيقي.كانت عيناه تتحركان باستمرار بين الأشجار، والظلال تحت قدميه لا تهدأ لحظة.همست بخفوت:“آسري…”نظر إليها فورًا.وكأن صوتها وحده قادر على إعادته إليها مهما كان غارقًا في أفكاره.“هل أنتِ بخير؟”رغم خوفها…ابتسمت بخفة.“يجب أن أكون أنا من يسألك هذا.”اقترب منها فورًا.ثم رفع يده ولمس خدها برفق شديد، وكأنه يحتاج التأكد أنها أمامه فعلًا.“طالما أنتِ بخير… يمكنني تحمل أي شيء.”ارتجف قلبها بعنف.حتى هنا…حتى في هذا المكان المخيف…ما يزال ينظر إل

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٠.حين يصبح الحب تهديدًا للعالم

    بعد رحيل كيان…لم يعد الصمت داخل المرسم مريحًا كما كان.أصبح ثقيلًا.حادًا.كأن الكلمات التي تركها خلفه ما زالت عالقة داخل الجدران نفسها.“لن يسمحوا ببقائها حية.”كانت الجملة تدور داخل عقل ثراء بلا توقف.أما آسر…فكان واقفًا قرب النافذة منذ دقائق طويلة دون أن يتحرك.ظهره إليها.والظلال تتحرك ببطء حول قدميه.تعرف هذا الصمت.إنه صمته حين يكون غارقًا في التفكير.أو الغضب.أو الخوف.اقتربت منه ببطء.ثم توقفت خلفه مباشرة.“آسري…”لم يجب فورًا.لكنها رأت كتفيه ينخفضان قليلًا بمجرد سماع صوتها.فرفعت يدها ولمست ظهره برفق.“انظر إليّ.”أغمض عينيه للحظة طويلة.ثم استدار أخيرًا.وكانت تلك أول مرة ترى فيها هذا القدر من الإرهاق داخل ملامحه.كأن القرون كلها هبطت فوق كتفيه دفعة واحدة.همست بخفوت:“هل ما قاله كيان صحيح؟”ساد الصمت.ثم قال أخيرًا:“نعم.”شعرت بانقباض داخل صدرها.لكنها تماسكت.“إذن سنجد حلًا.”ضحك بخفوت مرير.ليس سخرية منها…بل من نفسه.“أنتِ لا تفهمين يا ثراء.”اقترب خطوة منها.وعيناه تحملان شيئًا مؤلمًا جدًا.“السُدُم لا تترك ما تعتبره ملكًا لها.”ارتجفت أنفاسها.“وأنت؟”خفض عينيه لل

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٣٥.للمرة الأولى… صار لديه وطن

    بدأت ثراء تعتاد وجوده.ليس كحلمٍ عابرٍ يظهر ليلًا ثم يختفي مع الفجر…بل كجزءٍ حقيقي من حياتها.كأن آسر كان دائمًا هنا، في مكانٍ خفي داخل روحها، ثم قرر أخيرًا أن يصبح مرئيًا لقلبها.وفي المقابل…بدأ آسر يعتاد شيئًا لم يعرفه طوال عمره.الهدوء.في الصباح التالي، استيقظت ثراء متأخرة قليلًا.وحين فتحت ع

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٣٤.ما يشبه الحياة

    حين استيقظت ثراء في صباح اليوم التالي…للحظة قصيرة جدًا، ظنت أن ما حدث الليلة الماضية لم يكن سوى حلم آخر.حلم طويل، جميل، وقاسٍ بما يكفي ليترك قلبها فارغًا بعده.لكنها شعرت فورًا بشيء دافئ يلتف حول خصرها.وتوقفت أنفاسها.فتحت عينيها ببطء شديد.ضوء الصباح الخافت كان ينساب عبر الستائر، يغمر الغرفة بل

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٣٣.أخيرًا… وجدتك

    لم تنم ثراء تلك الليلة.منذ عودتها من المطعم، وذلك الإحساس لم يفارقها.الإحساس بأنه كان هناك.قريبًا جدًا.يتحرك داخل الظلال المحيطة بها، يراقبها بصمته المعتاد، بأنفاسه الباردة التي تحمل دائمًا رائحة المطر والدخان.كانت تجلس قرب نافذة غرفتها، تضم ساقيها إلى صدرها، بينما تتساقط قطرات المطر فوق زجاج

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٣٢.رائحة المطر والدخان البارد

    مرّت الأيام التالية بهدوء غريب.هدوء لم تعتده ثراء منذ أن دخل آسر حياتها… أو ربما منذ أن بدأ يطارد أحلامها قبل أن تعرف اسمه حتى.لم تظهر كوابيس جديدة.ولم تعد تسمع همسات مخيفة في الظلام.فقط ذلك الشعور الخافت بوجوده.وجود هادئ يحيط بها كل ليلة دون أن تراه.وأغرب ما في الأمر…أنها بدأت تتعلق بذلك ال

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status