Share

٣٧.حين يصبح الخوف حبًا

Author: أ.أ
last update Petsa ng paglalathala: 2026-05-28 09:16:55

لم تنم ثراء تلك الليلة.

حتى بعد أن غفت ليان في الخارج، وحتى بعد أن هدأ المطر، وحتى بعد أن خمدت أصوات المدينة تمامًا…

بقيت مستيقظة بين ذراعي آسر.

تفكر.

كلماته ما زالت تدور داخل رأسها بلا رحمة.

“قد أموت.”

كلما تذكرتها شعرت بشيء ينهار داخل صدرها.

كانت مستلقية فوقه، بينما يده تمر ببطء داخل شعرها الطويل، في محاولة صامتة لطمأنتها.

لكنه كان يشعر بها.

يشعر بأنفاسها غير المنتظمة.

وبطريقة تشبثها بقميصه وكأنها تخشى أن يختفي إن أرخَت قبضتها قليلًا.

همست أخيرًا بصوت خافت:

“أخبرني بالحقيقة.”

خفض عينيه نحوها.

“أي حقيقة؟”

رفعت رأسها ببطء حتى أصبحت تنظر مباشرة داخل عينيه الفضيتين.

“كم نسبة أن تموت؟”

ساد الصمت.

صمت طويل ومؤلم.

وكان ذلك أسوأ جواب ممكن.

شعرت بثقل داخل قلبها.

أما آسر…

فأغمض عينيه للحظة قصيرة قبل أن يقول:

“لا أعرف.”

ارتجفت أنفاسها.

لكنه تابع بهدوء:

“ذلك الطقس لم يُستخدم منذ قرون.”

“ولماذا؟”

نظر إليها طويلًا.

ثم قال بصوت منخفض:

“لأن حاكم السُدُم لا يُسمح له بالمغادرة.”

شعرت بالقشعريرة تسري داخل جسدها.

كانت تعرف أن عالمه خطير.

مظلم.

لكنها للمرة الأولى تدرك حجم السلاسل التي تربطه به.

قالت بخوف:

“وإذا حاولت؟”

ظهرت ابتسامة صغيرة مريرة فوق شفتيه.

“سيعتبرني السُدُم خائنًا.”

“والسُدُم…؟”

رفع يده ببطء ولمس خدها.

“ليس مكانًا يا ثراء.”

توقفت أنفاسها.

أما هو فتابع:

“إنه كيان حي.”

شعرت ببرودة خفيفة تزحف داخلها.

“كيان… حي؟”

أومأ ببطء.

“السُدُم تختار حاكمها. تمنحه القوة، ثم تربطه بها حتى يصبح جزءًا منها.”

خفض عينيه للحظة.

“وأنا كنت مرتبطًا بها لقرون.”

همست بخوف:

“إذن… هل ستسمح لك بالرحيل؟”

نظر إليها طويلًا.

ثم قال بصوت جعل قلبها يبرد:

“لا.”

ساد الصمت.

ثقل خانق ملأ الغرفة.

أما ثراء…

فشعرت للمرة الأولى بخوف حقيقي من المستقبل.

لكن رغم ذلك…

مدّت يدها ببطء، وأمسكت وجهه بين كفيها.

أجبرته أن ينظر إليها.

“إذن لا تفعلها.”

عقد حاجبيه قليلًا.

“ثراء—”

قاطعتْه فورًا.

“لا أريدك أن تخاطر بحياتك.”

اقتربت أكثر حتى أصبحت جباههما متلامسة.

“يكفيني أنك هنا.”

أغمض عينيه للحظة.

وكلماتها كانت تعذبه أكثر مما تريحه.

لأنه لأول مرة…

يريد شيئًا لنفسه.

يريد حياة معها.

يريد الاستيقاظ قربها كل يوم دون خوف من أن يُسحب مجددًا إلى عالمه.

لكن الثمن…

قد يكونها هي.

أو حياته.

أو الاثنان معًا.

في الصباح…

اضطرت ثراء للتصرف بشكل طبيعي أمام ليان.

وذلك كان أصعب مما توقعت.

لأن عقلها بالكامل كان عالقًا في كلمات آسر.

كانت تجلس أمام المائدة تحتسي القهوة بصمت، بينما ليان تراقبها بشك واضح.

“أنتِ شاردة جدًا اليوم.”

انتبهت ثراء بسرعة.

“هاه؟ لا… فقط لم أنم جيدًا.”

ضيقت ليان عينيها.

“أمتأكدة أنكِ بخير؟”

قبل أن تجيب…

شعرت بلمسة خفيفة فوق كتفها.

خفيفة جدًا.

لكنها تعرفها.

آسر.

كان يقف خلفها.

غير مرئي.

يحاول طمأنتها.

أغمضت عينيها للحظة قصيرة، ثم تنهدت بهدوء.

“أنا بخير حقًا.”

راقبتها ليان طويلًا.

ثم ابتسمت أخيرًا.

“حسنًا… بما أنكِ بخير، ستخرجين معي اليوم.”

اتسعت عينا ثراء.

“ماذا؟”

“لن أقبل الرفض.”

تأوهت ثراء بخفة.

أما آسر…

فشعرت ببرودة خفيفة في الهواء.

ابتسمت دون وعي.

لقد فهمت فورًا.

هو لا يحب خروجها كثيرًا.

بعد الظهر…

كانت ثراء وليان تتجولان داخل معرض فني جديد افتُتح مؤخرًا.

الجدران البيضاء الممتلئة باللوحات، ورائحة الألوان الزيتية، والإضاءة الهادئة…

كل شيء جعل ثراء تشعر براحة خفيفة.

كانت تتحرك ببطء بين اللوحات بينما ليان تتحدث بحماس بجانبها.

لكن قلب ثراء كان منشغلًا بشيء آخر.

أو بشخص آخر.

شعرت به طوال الوقت.

يقف قربها داخل الظلال.

يراقبها بصمت.

وفي كل مرة تقترب من لوحة معينة…

كانت تشعر بأنفاسه قرب أذنها.

حتى توقفت أخيرًا أمام لوحة ضخمة لرجل يجلس وحيدًا وسط الظلام.

حدقت فيها طويلًا.

ثم همست دون وعي:

“تشبهك.”

وفي اللحظة نفسها…

شعرت بيد خفية تلامس أطراف أصابعها برفق.

ارتجفت أنفاسها.

أما ليان فالتفتت إليها باستغراب.

“قلتِ شيئًا؟”

انتبهت ثراء بسرعة.

“لا… فقط أعجبتني اللوحة.”

لكن الحقيقة…

أن قلبها كان يخفق بعنف.

لأن آسر كان هنا.

قريبًا جدًا.

حين عادتا مساءً…

بدت ليان أكثر اطمئنانًا.

وهذا ما أرادته ثراء.

أن تعود حياتها طبيعية.

أو على الأقل…

تبدو كذلك.

بعد أن غفت ليان أخيرًا داخل غرفة الضيوف…

دخلت ثراء مرسمها بهدوء.

وأغلقت الباب خلفها.

ثانية واحدة فقط…

وظهرت الظلال.

ثم خرج آسر منها ببطء.

تنفست فور رؤيته.

كأنها كانت تنتظر تلك اللحظة طوال اليوم.

اقترب منها مباشرة.

وعيناه تتفحصان وجهها بصمت.

“أنتِ متعبة.”

ابتسمت بخفوت.

“وأنت قلق.”

مدّ يده نحوها.

وحين لامست أصابعه وجنتها…

أغمضت عينيها تلقائيًا.

يا إلهي…

كيف أصبحت لمسته وحدها قادرة على تهدئتها بهذا الشكل؟

همس آسر:

“كنت أراقبكِ طوال اليوم.”

فتحت عينيها ونظرت إليه.

“أعرف.”

ظهرت ابتسامة صغيرة فوق شفتيه.

“وكيف؟”

اقتربت منه أكثر.

ثم همست قرب شفتيه:

“لأنني أشعر بك دائمًا.”

شيء داخل عينيه اهتز بعنف.

ثم جذبها نحوه فجأة.

اصطدمت بصدره وهي تضحك بخفة.

أما هو…

فأحاط خصرها بقوة ودفن وجهه داخل عنقها.

“آسري…”

تنفس ببطء قرب بشرتها.

ثم قال بصوت منخفض أجش:

“حين تقولين أشياء كهذه… يصبح من الصعب عليّ التفكير بعقلانية.”

ارتجف قلبها.

رفعت يديها ببطء وأدخلت أصابعها داخل شعره الأسود الناعم.

فأغمض عينيه فورًا.

وكأنه يستسلم للمسة لم يعرف مثلها من قبل.

قالت بخفوت:

“إذن لا تفكر.”

رفع رأسه ببطء.

وعيناه أصبحتا أكثر ظلمة.

“أتعلمين خطورة ما تقولينه؟”

ابتسمت برقة.

“أنت لن تؤذيني.”

تجمد للحظة.

لأنها قالتها بثقة مطلقة.

ثقة لم يمنحه إياها أحد يومًا.

فرفع يده ولمس شفتيها بإبهامه برفق شديد.

ثم همس:

“لا… لن أفعل.”

وقبلها.

ببطء أولًا.

قبلة طويلة ناعمة جعلت أنفاسها تذوب بالكامل.

لكن شيئًا ما داخل آسر كان ينهار كلما اقترب منها.

كلما شعر بها داخل ذراعيه.

كلما سمع صوتها يناديه بذلك الحنان.

لأن رغبته في البقاء معها كانت تكبر بشكل مرعب.

شعرت ثراء بيده تنزلق إلى ظهرها، تقربها أكثر حتى التصقت به تمامًا.

أما قبلاته…

فأصبحت أعمق تدريجيًا.

أكثر شوقًا.

كأن غياب ساعات قليلة كان كافيًا ليجعله يشتاق إليها حد الجنون.

حين ابتعد عنها أخيرًا…

كانت أنفاسها مضطربة بشدة.

أما هو…

فأسند جبينه إلى جبينها وهمس:

“أنتِ تجعلينني أنسى من أكون.”

ابتسمت بخفوت.

“ومن تكون؟”

نظر داخل عينيها طويلًا.

ثم قال:

“وحشًا… وجد قلبه متأخرًا جدًا.”

شعرت بألم خفيف داخل صدرها.

فرفعت يدها ولمست وجهه برقة.

“أنت لست وحشًا.”

ضحك بخفوت مرير.

“لو رأيتِ ما فعلته عبر القرون…”

قاطعتْه بهدوء:

“لكنني أرى ما تفعله معي الآن.”

توقفت أنفاسه.

أما هي…

فاقتربت أكثر ثم همست:

“تجعلني أشعر أنني محبوبة.”

أغمض عينيه بعنف.

وكأن كلماتها أصابته في أضعف نقطة داخله.

ثم فجأة…

احتضنها بقوة شديدة.

حتى شعرت بأنفاسه المضطربة قرب عنقها.

“ثراء…”

همس اسمها بصوت متعب.

“لا تنظرين إليّ بهذه الطريقة.”

“أي طريقة؟”

رفع رأسه ببطء.

وعيناه مليئتان بشيء مخيف.

شيء يشبه الاحتياج.

“كأنكِ ترين إنسانًا يستحق الحب.”

شعرت دموعها تتجمع فورًا.

فأمسكت وجهه بين يديها.

“لأنك تستحقه فعلًا.”

وللمرة الأولى منذ قرون طويلة…

شعر آسر بأن قلبه يؤلمه من شدة المشاعر التي يحملها.

بعد منتصف الليل…

كانت ثراء جالسة فوق الأريكة داخل المرسم، بينما رأسها فوق فخذ آسر.

وكان يقرأ أحد الكتب القديمة التي وجدتها داخل مكتبة والدها الراحل.

أما هي…

فكانت تراقبه بصمت.

وتشعر بشيء دافئ جدًا داخل صدرها.

لم تعتد هذا.

وجود شخص معها.

شخص يبقى.

شخص يلمسها بحنان بدلًا من العنف.

وفجأة قالت:

“آسري؟”

خفض عينيه نحوها.

“همم؟”

ابتسمت بخفوت.

“هل يمكنني أن أطلب شيئًا؟”

أغلق الكتاب فورًا.

“كل شيء.”

ضحكت بخفة.

“أريد أن أعرف المزيد عنك.”

ساد الصمت للحظة.

ثم مرر يده داخل شعرها ببطء.

“ليس هناك الكثير.”

رفعت حاجبها.

“رجل من عالم آخر يقول إنه ليس هناك الكثير؟”

ظهرت ابتسامة خافتة فوق شفتيه.

ثم قال بهدوء:

“وُلدت داخل السُدُم.”

أصغت له باهتمام كامل.

أما هو…

فبدأ يحكي لأول مرة.

عن العتمة.

عن الحروب.

عن القرون الطويلة التي عاشها بلا شيء سوى القوة والدم.

وعن الوحدة التي أكلته ببطء حتى توقف عن الشعور بأي شيء.

لكن حين تحدث عن ثراء…

تغير صوته تمامًا.

أصبح أهدأ.

أدفأ.

“ثم ظهرتِ أنتِ.”

شعرت بقلبها يرتجف.

أما هو فتابع وهو ينظر إليها مباشرة:

“وفجأة… صار لديّ سبب لأريد الحياة.”

امتلأت عيناها بالدموع.

فابتسمت له بحنان شديد.

ثم همست:

“إذن عش.”

نظر إليها طويلًا جدًا.

ثم انحنى ببطء…

وقبّل جبينها قبلة طويلة هادئة.

وكأنها وعد.

أو صلاة.

أو ربما…

بداية شيء أكبر من الاثنين معًا.

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٥.ما تخفيه الأرواح

    مرّ يومان.يومان كاملان دون مطاردة.دون معارك.دون ظهور للملك القديم.ودون أن تهتز الغابة بين العالمين تحت أقدام جيشٍ قادم من السُدُم.ومع ذلك...لم يشعر أحد بالراحة.لأن الجميع كانوا يعلمون أن الهدوء الحالي ليس سلامًا.بل انتظار.انتظار لشيء مجهول يقترب ببطء.استيقظت ثراء على دفء مألوف.دفء أصبح جزءًا من صباحاتها.فتحت عينيها ببطء.لتجد نفسها كما اعتادت خلال الأيام الأخيرة.بين ذراعي آسر.كانت رأسها فوق صدره.وإحدى ذراعيه تحيط خصرها بإحكام.أما الأخرى فكانت فوق شعرها وكأنه حرسها طوال الليل.ابتسمت دون وعي.ثم رفعت رأسها قليلًا.تأملت وجهه.ذلك الوجه الذي حاولت رسمه مئات المرات.الوجه الذي لاحق أحلامها لأشهر طويلة.الوجه الذي غير حياتها كلها.بدت ملامحه هادئة أثناء النوم.هادئة بشكل يناقض الرجل الذي يستطيع إسقاط مدينة كاملة إذا غضب.مدت أصابعها نحو خده بحذر.لكن قبل أن تلمسه...أمسك يدها.دون أن يفتح عينيه.ابتسمت فورًا."كنت مستيقظًا."قال بصوت ناعس:"منذ ربع ساعة تقريبًا."ضحكت بخفة."وتتظاهر بالنوم؟"فتح إحدى عينيه."كنت أستمتع.""بماذا؟"اقترب منها أكثر حتى كادت أنفاسه تلامس وجهها

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٤.حين ينكسر الحاكم

    ابتسم الملك القديم.رغم أن يد آسر كانت تطبق على عنقه بقوة كافية لتحطيم جبل.رغم أن الظلال الفضية والسوداء كانت تعصف بالمكان كله.رغم أن الأرض نفسها بدأت تتشقق تحت أقدامهما.ابتسم.وكأنه انتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل.أما آسر...فلم يعد يشبه نفسه.كانت عيناه مضيئتين بالكامل.فضة نقية تحترق داخل العتمة.والغضب الذي يملأه لم يعد غضب رجل.بل غضب عالم كامل.قال بصوت جعل الهواء يرتجف:"أنطق اسم أمي مرة أخرى... وسأجعلك تتمنى لو بقيت ميتًا."ضحك الملك القديم.ضحكة هادئة.مستفزة.ثم نظر مباشرة إلى ثراء الواقفة خلف آسر.وكأن يد آسر حول عنقه لا تعنيه."هل ترين؟"همس لها."هذا هو الوجه الحقيقي الذي لم تريه لكِ بعد."شعرت ثراء بقشعريرة.لكن ليس خوفًا.بل غضبًا.لأنها أدركت شيئًا.ذلك الرجل يحاول استفزاز آسر عمدًا.يحاول دفعه إلى فقدان السيطرة.يحاول تحويله إلى الوحش الذي كانه يومًا.فخطت خطوة للأمام.رغم صرخة سيرين:"ثراء لا!"لكنها لم تتوقف.رفعت رأسها بثبات.ونظرت مباشرة إلى الملك القديم.ثم قالت:"أنت خائف منه."ساد الصمت.حتى آسر التفت إليها.أما الملك القديم...فتوقفت ابتسامته لثانية واحدة.ث

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٣.الرجل الذي عاد من الموت

    لم تنم ثراء تلك الليلة.حتى بعدما هدأت النار داخل المدفأة، وحتى بعدما غطّت العتمة الكوخ والغابة معًا…ظل عقلها مستيقظًا.كلمات آسر.نظرة سيرين.اسم الملك القديم.كل شيء كان يضغط فوق صدرها بثقل غريب.كانت مستلقية فوق الفراش الخشبي الصغير داخل الغرفة، بينما الضوء الفضي المتسلل من النافذة ينساب فوق الأرض بهدوء بارد.أما آسر…فلم يكن بجانبها.شعرت بذلك فورًا.فتحت عينيها ببطء، ثم اعتدلت قليلًا تنظر حولها.الغرفة فارغة.لكن رائحته…ما تزال هنا.رائحة المطر والدخان البارد.وضعت يدها فوق صدرها تحاول تهدئة ذلك القلق الذي بدأ يتسلل إليها.ثم نهضت بهدوء.خرجت من الغرفة بخطوات بطيئة حتى وصلت إلى الصالة الصغيرة داخل الكوخ.وهناك…رأته.كان واقفًا خارج الكوخ قرب البحيرة السوداء.ظهره إليها.والمطر الفضي الخفيف يتساقط فوق شعره الأسود الطويل.توقفت للحظة تتأمله بصمت.حتى من بعيد…كان يبدو وحيدًا بشكل مؤلم.فتحت الباب بهدوء وخرجت إليه.وفور أن اقتربت—قال دون أن يلتفت:“كان يجب أن تنامي.”ابتسمت بخفة.“وأنت؟”ساد الصمت.ثم قال بهدوء:“الحراس لا ينامون كثيرًا.”اقتربت أكثر حتى وقفت بجانبه.كانت البحير

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٢.الأشياء التي لا يقولها الحراس

    استمرت النار مشتعلة داخل المدفأة الحجرية، ترسل وهجًا ذهبيًا خافتًا فوق جدران الكوخ الداكنة.لكن رغم دفئها…ظل التوتر يملأ المكان.كانت ثراء تجلس قرب النافذة بصمت، بينما الضباب الفضي بالخارج يتحرك ببطء بين الأشجار السوداء.أما آسر…فكان واقفًا في الجهة المقابلة، ذراعاه معقودتان، وعيناه لا تفارقان سيرين منذ لحظة دخولها.وكأن وجودها هنا وحده نذير كارثة.لاحظت سيرين نظرته أخيرًا.ثم قالت ببرود هادئ:“إن استمريت بالنظر إليّ هكذا، سأعود وأتركك تواجه المجلس وحدك.”أغمض آسر عينيه للحظة بضيق واضح.“أنتِ لا تأتي إلى هنا إلا حين تكون الأمور سيئة.”رفعت حاجبها.“لأنك دائمًا تجعل الأمور سيئة.”كادت ثراء تبتسم لولا القلق المسيطر على قلبها.كان واضحًا أن هذه طريقتهم المعتادة في الحديث.حدة تخفي خلفها خوفًا حقيقيًا على بعضهم.اقتربت سيرين من الطاولة الخشبية ببطء، ثم وضعت شيئًا صغيرًا فوقها.خاتم فضي أسود غريب.تجمد آسر فور رؤيته.أما ثراء…فشعرت بطاقة باردة تخرج منه.“ما هذا؟”أجابتها سيرين بهدوء:“خاتم تتبع.”اقترب آسر ببطء.عيناه أصبحتا أكثر ظلمة.“لمن؟”ساد الصمت لثانية.ثم قالت سيرين:“وُجد داخل

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤١.الغابة التي تسمع الخوف

    لم تكن الغابة بين العالمين مكانًا يشبه أي شيء عرفته ثراء من قبل.حتى الهواء بدا مختلفًا.أثقل.أبرد.ومحمّلًا بشيء خفي يجعل القلب متوترًا دون سبب واضح.كانت الأشجار السوداء العملاقة تمتد بلا نهاية، جذوعها ملتوية كأنها كائنات حيّة تجمدت أثناء صراخٍ أبدي، بينما الضباب الفضي يتحرك فوق الأرض ببطء كالماء.لا شمس.لا قمر.فقط نور باهت مجهول المصدر يغمر المكان.أما الصمت…فكان مرعبًا.صمت يجعل صوت أنفاسها يبدو عاليًا جدًا.وقفت ثراء قرب آسر دون أن تشعر، حتى كادت تلتصق به.ولأول مرة منذ عرفته…لاحظت أنه متوتر فعلًا.ليس غضبًا.ولا حذرًا عاديًا.بل توتر حقيقي.كانت عيناه تتحركان باستمرار بين الأشجار، والظلال تحت قدميه لا تهدأ لحظة.همست بخفوت:“آسري…”نظر إليها فورًا.وكأن صوتها وحده قادر على إعادته إليها مهما كان غارقًا في أفكاره.“هل أنتِ بخير؟”رغم خوفها…ابتسمت بخفة.“يجب أن أكون أنا من يسألك هذا.”اقترب منها فورًا.ثم رفع يده ولمس خدها برفق شديد، وكأنه يحتاج التأكد أنها أمامه فعلًا.“طالما أنتِ بخير… يمكنني تحمل أي شيء.”ارتجف قلبها بعنف.حتى هنا…حتى في هذا المكان المخيف…ما يزال ينظر إل

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٤٠.حين يصبح الحب تهديدًا للعالم

    بعد رحيل كيان…لم يعد الصمت داخل المرسم مريحًا كما كان.أصبح ثقيلًا.حادًا.كأن الكلمات التي تركها خلفه ما زالت عالقة داخل الجدران نفسها.“لن يسمحوا ببقائها حية.”كانت الجملة تدور داخل عقل ثراء بلا توقف.أما آسر…فكان واقفًا قرب النافذة منذ دقائق طويلة دون أن يتحرك.ظهره إليها.والظلال تتحرك ببطء حول قدميه.تعرف هذا الصمت.إنه صمته حين يكون غارقًا في التفكير.أو الغضب.أو الخوف.اقتربت منه ببطء.ثم توقفت خلفه مباشرة.“آسري…”لم يجب فورًا.لكنها رأت كتفيه ينخفضان قليلًا بمجرد سماع صوتها.فرفعت يدها ولمست ظهره برفق.“انظر إليّ.”أغمض عينيه للحظة طويلة.ثم استدار أخيرًا.وكانت تلك أول مرة ترى فيها هذا القدر من الإرهاق داخل ملامحه.كأن القرون كلها هبطت فوق كتفيه دفعة واحدة.همست بخفوت:“هل ما قاله كيان صحيح؟”ساد الصمت.ثم قال أخيرًا:“نعم.”شعرت بانقباض داخل صدرها.لكنها تماسكت.“إذن سنجد حلًا.”ضحك بخفوت مرير.ليس سخرية منها…بل من نفسه.“أنتِ لا تفهمين يا ثراء.”اقترب خطوة منها.وعيناه تحملان شيئًا مؤلمًا جدًا.“السُدُم لا تترك ما تعتبره ملكًا لها.”ارتجفت أنفاسها.“وأنت؟”خفض عينيه لل

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٣٠.الرجل الذي لم يعد موجودًا

    مرّت ثلاثة أيام.ثلاثة أيام كاملة منذ أن استيقظت ثراء داخل غرفتها، منذ أن أخبرها الطبيب أن ما عاشته ربما لم يكن سوى هلاوس صنعتها وحدتها الطويلة وطفولتها المحطّمة.ثلاثة أيام…ولم يظهر آسر.في البداية رفضت التصديق.كانت متأكدة أنه سيعود.سيخرج من الظلال كما يفعل دائمًا، بعينيه الفضيتين ونظرته التي ت

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٢٩.هل كنتِ تحلمين فقط؟

    ساد الصمت.ذلك الصمت الثقيل الذي أعقب اختفاء ثيريس كان أشد وطأةً من صرخات الحاكم نفسه، وأقسى من انهيار السماء فوق السُدُم.كانت ثراء ما تزال جاثية فوق السطح الأسود، تحدّق في الفراغ الذي تلاشت فيه ثيريس منذ لحظات، وكأن روحًا كاملة قد انتُزعت من داخلها.السماء بدأت تستعيد هدوءها ببطء.الشق العظيم أخذ

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٢٨.هذه المرة… لن أتركه وحده

    خرجت العين الأولى للحاكم من البوابة.عين هائلة بحجم مدينة كاملة.فضية بالكامل.بلا جفن.بلا رحمة.وفور أن فتحت…توقف السُدُم عن التنفس.السماء تشققت أكثر.الأبراج البعيدة بدأت تنهار كأن وجود ذلك الكائن وحده يكسر قوانين العالم.أما الكائنات في الشوارع…فسقطت على الأرض تصرخ وهي تغطي عيونها.حتى داغر

  • عينان من فضة وظل لا ينام   ٢٧.الحاكم الذي يلتهم العوالم

    “الحاكم يستيقظ…”خرجت الكلمات من كيان كأنها اعتراف بالموت.أما ثراء…فلم تستطع إبعاد عينيها عن اليد العملاقة الخارجة من البوابة.كانت ضخمة بشكل يستحيل على العقل استيعابه.سوداء بالكامل.لكن داخل جلدها…مئات العيون الفضية تتحرك ببطء.تفتح وتغلق معًا.تراقب العالم.وتبتسم.شعرت ثراء بالغثيان فورًا.و

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status