LOGINالفصل الثاني " رقصة فوق نصل الحقيقة"
أصبحت الغرفة خالية تماما بعد ان خرج عمران وصوفيا وتركاها وحدها لا تفهم شيئا, وحدها مع تلك الصورة التي تحمل نسخة أخري منها ..
إقتربت منها بخطى متعثرة تتأملها مرة أخري , تشبهها لدرجة مخيفة .
لمحت مراه صغيرة لها يد مزخرفة بزخارف ذهبية تشبه التي تحيط الصورة المعلقة علي الحائط .
تناولتها بأيد مرتجفة تتأمل ملامحها مرة أخري ربما أخطأت وربما تجد حلا لهذا اللغز!
أخذت نظراتها تجوب بين تلك الصورة و إنعكاس ملامحها في المرآة .
لم يزدها الأمر سوي حيرة تفوق حيرتها التي ألجمتها أمام ذلك الشخص الذي لا تعلم حتى إسمه!
دققت النظر بعين خبيرة في التصميم , عملها الذي تعشقه ويبدو أنها لن تعود له مجددا .
لحظة !
ثمة أمر مختلف ثمة فرق لا يظهر في خطوط الوجه بل فيما يسكن روحها,
تلك النظرة الباردة المتعالية التي تحملها صاحبة الصورة التي تدعى "ميرا" , لا تتطابق بأي شكل من الاشكال مع نظرة عينيها !
تلك النظرة التي تحمل خوفًا وكبرياء يرفض الخضوع.
لكن كيف تثبت هذا ! كيف تثبت شيئًا لا يُري! كيف تقنع ذلك الغامض المخيف أن ثمة إختلاف قوي بينهم , كيف تقنع من لا يريد أن يري الحقيقة , هو فقط يريدها حتى لو مزيفة !
شعرت باليأس بدأ يتسلل الي قلبها فلملمت حزنها وخطت ببطء الي السرير , جلست تضم ركبتيها الي صدرها بألم و تيه لا تعلم ما ستؤول اليه الأمور في هذا المكان البارد.
.......
دخل عمران غرفة مكتبه وأغلق الباب بهدوء يتنافي مع الغضب المستعر بدواخله
وقف لحظات صامتًا , وعيناه مثبتتان على نافذة تمتلك حائط بأكمله لا يري بهما شيئًا , إلا أنه لم يكن يري سوى تلك العينين التي تحمل روحًا غريبة لم يرها من قبل !
طرقت صوفيا الباب ثم دخلت بخطوات رصينة , تحمل فنجان قهوة يخصه وحده , وضعته بهدوء على المكتب ثم اقتربت منه وهي تعلم أنه ليس في حالٍ جيد .
كانت تراقب إنفعالاته منذ أن دخل الغرفة و رأي " جُمان" لمحت في عينيه إضطراب متخبط لا يظهر إلا نادرًا من رجل يحمل من الذكاء والقوة والثقة ما لا يحمله رجل آخر!
قالت بصوت منخفض
: "شكيت إنها مش ميرا , صح ؟"
التفت إليها ببطء, وكأن السؤال أصاب فكرة تحوم في رأسه يحاول طردها
:" محصلتش قبل كدة إنها قدرت تخدعني بالشكل دة !"
تأملت وجهه للحظة ثم قالت بابتسامتها المعتادة
:" يمكن لأنها مش ميرا فعلًا"
لاحت عينيه بنظرة غامضة ولمع فيهما ذلك البريق الذي لا يسمح لأحد بقراءة ما يدور خلفه وكم يجيد هو ذلك!.
قطع حديثهم صوت هاتفه الذي التقطه من جيبه ثم وضعه علي أُذنه يستمع الي الاخر بتركيز و نظرة عيناه تلبست غشاءها الأسود بنظرة قاتمة.
أغلق الهاتف و ألقاه بإهمال على المكتب ثم استدار حوله ببرود , إعتلى كرسي عرشه بهدوء واضعًا ساقًا فوق الأخري بأريحية و أمسك فنجان قهوته يرتشفه ببطء ثم قال بصوت غامض
:"خلاص ما بقاش يفرق هي مين !"
تحدثت صوفيا محاولة وضع الحقيقة نصب عينيه
:" يعني إنت عارف الحقيقة بس مش عايز تصدقها !"
دون النظر إليها أكمل ارتشاف قهوته بتلذذ و رأسه تضرب بها الأفكار بقوة ثم قال
:" حتى لو كانت جُمان .. من دلوقتي لازم تتعلم تكون ميرا "
لم يكن في نبرته شك، ولا في نظرته قابلية للتفاوض , بل قرار نهائي لا رجعة فيه.
لم يتركها في حيرتها طويلًا فقطع عليها تفكيرها حين قال
:" جدي حيوصل القصر على نهاية الإسبوع ، وما ينفعش يجي يلاقي حاجة ناقصة وبالذات ميرا. "
أنهى جملته وهو ينظر إليها فعلمت أن لا مجال للتراجع وأن الأمر صار حتميًا
أومأت صوفيا برأسها وقد أدركت أن الأمر الآن تعدي مرحلة التساؤلات و أن ظهور ميرا الآن هو أمر غير قابل للنقاش
اتخذ عمران قراره , وسواء كانت جُمان او ميرا فلن تكون سوي ما يحتاجه هو !
.......
في البهو الكبير المشترك بين الثلاثة قصور التي تضم عائلات أبناء عثمان عزام، كانت تفوح رائحة القهوة العربية بالهيل، ممزوجة بعطر فرنسي نفاذ، "عالية هانم" زوجة " نصر " الابن الأصغر للجد عثمان الذي توفي في حادث أليم يجمعه بأخيه الأكبر رضوان والد عمران. تجلس بإستقامة ملكية في ثوبها الكحلي المخملي، وبجانبها "روان"
تلك الفراشة الهادئة التي لونت القصر القاتم بجمالها، كانت آخر أحفاد عثمان من أصغر أبناءه، تولت الرعاية من الجميع ولكن عمران كان له النصيب الأكبر في رعايتها والاهتمام بها، فكانت صغيرته التي رباها على كتفه.
كانت تعبث بأطراف فستانها الوردي الناعم وخصلات شعرها البنية تطاير حولها بفعل الهواء البارد.
: "الفطار جاهز، عاليا هانم"
قالتها الخادمة سيلي بلكنتها العربية الغير منظمة.
ردت عاليا
: "تمام سيلي، روحي بلغيهم إن الفطار جاهز"
أومأت لها سيلي بطاعة وهمت بالإنصراف فأسرعت عاليا توقفها قائلة
: "عمران بك صحى ولا لسة ؟"
كادت أن تجيب ولكن صوت خطواته علي الدرج هو من أجاب.
وما كادت أن لمحته حتى رسمت ابتسامة دافئة على ثغرها مفعمة بالود والترحاب المبالغ فيه وقالت بنبرة ناعمة
: " أهلًا بسيد القصر, كانت سفرية طويلة المرة دي "
وقف عمران عند نهاية الدرج، واضعا يديه في جيبي بنطاله، وارتسمت على شفتيه ابتسامة مجاملة باردة، هو يفهمها جيدًا ويفهم ألاعيبها ويفهم أيضًا أنها تخشاه!
هرولت روان إليه دون تكلف فرمقها بابتسامته الهادئه الخاصة بها وحدها، تلك الفتاة التي تعلق بها منذ ولادتها، يعتبرها ابنته التي ولدت بعد وفاة والدها ليحل هو محله.
حرر كفيه من جيب بنطاله وأحاط رأسها ثم قبلها بحنو فسبقته قائلة برقتها المعهودة
:" وحشتني أوي يا أبيه ."
:" انتِ كمان يا صغنن"
قالها برزانة وصدق، فاستغلت عاليا الموقف وتدخلت قائلة
:" ما بقتش صغيرة يا عمران ،دي في تانية جامعة ، والكل بيشهد بجمالها وعقلها ورقتها "
اتجه عمران ببطء الي مائدة الفطور وهو يقول بمكر مخفي
:" رغم ان شهادة الكل ورأيهم ما يفرقوش معايا ولا معاها في حاجة ، بس دة طبيعي دي آخر حفيدة لعثمان عزام "
ثم أكمل بهدوء
:" لكن بالنسبة لي ، هتفضل صغيرة للأبد"
تابعت عاليا وهي توميء برأسها معلنة عن وصول الرسالة المبطنة، فقالت
: " سمعنا أن ميرا رجعت هي كمان إمبارح ، ليه منزلتش معاك تفطر معانا ؟! "
التزم بثبات يتقنه ورد بهدوء من شيمه
:" تعبانة من السفر ، ومزاجها مش أحسن حاجة "
:" تعبانة ولا بتتعالى علينا كالعادة !"
قالتها بمكر لمحه بنبرتها ، فتابع فطوره بهدوء وقال
:" إديتك سبب وإديتني سبب تاني ، اختاري واحد منهم وسلمي بيه "
نظرت روان بتوتر بينهما فقد رأت تغير ملامح والدتها ورد عمران القاطع الذي يتناول طعامه بهدوء كالعادة.
فقالت ببراءة وهي تضع يدها على كتفه
:" احنا عايزين نطمن عليها بس يا أبيه ، هي كويسة مش كدة ؟!"
ربت عمران على يديها الموضوعة على كتفه وأومأ لها قائلًا
:"هي بخير ، ما تقلقيش يا رو "
ابتلعت عاليا الضيق بحلقها، فابتسمت قائلة
:" نتمني نشوفها قريب "
لم يكلف نفسه عناء الرد بل أومأ لها في صمت، أسرعت روان تقول لتكسر حاجز السكون القاتم الذي أطبق علي الأجواء من حولهم
:" فين هديتي اللي جبتهالى معاك من روما ؟
عبست بطفولية عندما لم يأتها رده فتذمرت قائلة
:" إوعى تكون نسيت يا أبيه ، هزعل بجد "
إبتسامة هادئة تلألأت في عينيه وهو يرى صغيرته عاقدة ذراعيها كالأطفال ببراءة لم تلوثها بعد تجارة العائلة التي يشوبها الكثير من الشبهات فقال
:"شنطة كاملة ليكي لوحدك هتلاقيها في أوضتك "
صفقت بيدها فرحة وهرولت الى أعلى وهي تقول
:" أنا كنت متأكدة ، لا يمكن تنسى اللي قولتلك عليه "
لم يكن أحد منهم ينتبه إلى النظرة المشتعلة من الطرف الآخر للبهو , تلك العيون الصقرية التي تلتهم المشهد بنيران حارقة , كان يراقب يد روان المستقرة على كتف عمران ويشعر بشيء حاد ينهش في صدره, لم تكن تعلم ان توددها لغيره يشعل غيرة في صدره لا يعلم كيف يخفيها , تلك الغيرة التي تتخفى في غضب أعمى يكاد يحرق ما حوله , ولم تعلم أيضا انها ليست مجرد ابنة عم , إنها الشيء الوحيد الذي يخشى خسارته , الشيء الوحيد الذي لا يقبل ان يشاركه فيه أحد،
بل هي نقطة الضعف الوحيدة لرجل ظن دوما ان ليس له نقطة ضعف "سيف عزام"
......
لف سيف رقبته يمينًا ويسارًا كمن يستعد لنزال قاتل ، اقترب بخطواته الثابتة والقى تحية باردة ثم إنضم لعمران وعاليا على مائدة الإفطار ، أمسك بدورق المياة وسكب في كوب موضوع أمامه وقال
:" حمد لله على سلامتك عمران ، ويارب تكون حققت الصفقة الجديدة بنجاح .. كالعادة "
أنهى كلمته بمكر لم يخفى على الآخر بينما عاليا تتابع ما يحدث ببرود وإهتمام وقالت
:" أكيد .. ومن إمتى وعمران بيعمل صفقات مش ناجحة ، طول عمره شايل العيلة على كتافه ."
رمقها سيف بنظرات مستخفة فهي لا تعلم شيء عن تجارتهم سوى ما يظهر أمام الجميع ، قطع عمران تفكيرهم حينما قال بثقة
:" ما تقلقش يا سيف كل حاجة تمام فعلا كالعادة ، المهم بس لما يجي الوقت وتشيل مكاني تكون قدها !"
إبتسامة غامضة شقت جمود وجهه الجليدي وقال بلهجة ذات مغذى
:" لا من الناحية دي اطمن قدها .. وإنت عارف كدة كويس "
أومأ له عمران بثبات ونهض من مكانه واقفًا بثقة أغلق ذر بدلته وغادر بخطواته المتملكة ورأسه يضج بأفكار نارية لا تهدأ .
أما الآخر فكان يرمق إنسحابه بنظرات كالصقر وهو يعلم أن النزال مع عمران ليس هينًا أبدًا ،نزال على السلطة وآخر يخص القلب وملكته !
كان عداد السرعة يتجاوز الـ 140 كم/ساعة، والإطارات تصرخ بعنف مع كل منعطف حاد يسلكه على الطريق الصحراوي المهجور. لم يكن سيف يرى الطريق أمامه؛ بل كان يرى وجه "روان" وهي تنكمش في مقعدها، وعيناها الهاربتان اللتان أكدتا له كل المخاوف التي زحفت إلى صدره.أطبق بكلتا يديه على مقود السيارة بقوة جعلت مفاصل أصابعه تبيض، وعضلات فكه تتحرك بعصبية مفرطة. كانت كلمات عالية هانم المسمومة تتردد في أذنيه كصدى مرعب لا يريد التوقف: «دي فرصتك الكبيرة والوحيدة عشان تقربي منه وتلفتي انتباهه يا روان.. الساحة فاضية لكِ».تمتم سيف بالكلمات بصوت أجش ومختنق، ثم ضرب مقود السيارة بقبضته بعنف أحدث صوتاً مدوياً داخل مقصورة السيارة. الغيرة لم تكن تحرقه فحسب، بل كانت تهين كبرياءه. طوال عمره يرى عمران كالجدار الذي يقف في طريق طموحه وطموح والدته نرمين، والآن، الفتاة الوحيدة التي يراقبها بهوس، الفتاة التي يثور جنونه لمجرد أن تبتسم في وجه شخص آخر، تُدفع دفعاً لتكون في أحضان رجل آخر!أبطأ سرعة السيارة فجأة وصفّها على جانب الطريق بتهور، تاركاً المحرك يزمجر في الفراغ. أرجع رأسه للخلف وأغلق عينيه، يتنفس بصعوبة وأنفاسه الساخنة تخ
السفرة الأساسية الفخمة داخل القصر الكبير، حيث كانت الأواني الفضية والبلور الصافي يعكسان كبرياء المكان، جلست نرمين هانم على الطاولة ببرودها المعتاد بعد مغادرة سيف. كانت تتابع بعيون صقرية ما يحدث داخل القصر؛ لم يكن هادئاً كالعادة بل يضج بالحركة والنشاط، وهناك تقف صوفيا تتابع حركة الخدم في غياب ميرا التي كانت عادة تتولى الاستعدادات اللازمة لاستقبال الجد عثمان.أشارت نرمين بسبابتها نحو صوفيا التي كانت تقف بالقرب من البهو وتوجه الخدم بوقار، ونادتها بنبرة هادئة: — صوفيا.. تعالي دقيقة من فضلك.تقدمت صوفيا بخطوات متزنة، تحني رأسها باحترام حذر يخفي خلفه عقوداً من الخبرة في قراءة وجوه عائلة عزام. وقفت على مسافة مناسبة وقالت بصوت هادئ: — تحت أمرك يا نرمين هانم.أخذت نرمين رشفة بطيئة من شايها، وعيناها الصقريتان تراقبان تعبيرات وجه صوفيا بدقة، ثم مالت للأمام قليلاً وقالت بنبرة خفيضة، غلفتها بابتسامة ناعمة: — شايفة حركة غريبة في القصر على غير العادة..ردت صوفيا بثبات: — أكيد.. عمران بيه إدانا أوامر إن كل حاجة تكون على أكمل وجه لاستقبال عثمان بيه.ساد صمت قصير، رتبت فيه نرمين أوراقها، ثم رفعت رأسه
قطع هذا السكون خطوات سريعة ومرحة، حيث انضم إليه ابنه آدم الذي كان يرتدي سترته مستعداً ليرحل إلى نوبته. جلس آدم على المقعد المقابل لوالده بعفوية، ماداً يده ليلتقط قطعة من الخبز المحمص وهو يقول بابتسامته ذات الدم الخفيف المعتاد: — صباح الخير يا بابا.. الروب الصوف ده مخليك شبه لوردات الإنجليز اللي بنشوفهم في التليفزيون ، ناقصك بس غليون وتبدأ تحكم العالم من هنا!تحسنت ملامح محمود وتلاشت لاماته المعتادة، فهز رأسه بإعجاب بنكتة ابنه المقرب لقلبه، وأخذ رشفة من قهوته قائلاً بنبرة دافئة: — صباح النور يا دكتور.. سيبك من الروب بتاعي دلوقتي، وقولي أخبار المستشفى وشغلك إيه؟ الظاهر إن الطوارئ واخدة كل وقتك لدرجة إننا بقينا بنشوفك في القصر بالصدفة.رد آدم وهو يبتلع لقمته ويضحك بصوت خافت: — المستشفى بقت بيتي الأول يا بابا، الطوارئ هناك مبترحمش.. دكاترة رايحين ودكاترة جايين، وحالات تخليك تصحصح غصب عنك. بس أهو، بنحاول ننقذ ما يمكن إنقاذه عشان الإنسانية.. وعشان البرستيج برضه!ضحكا معاً بصوت مسموع، وكانت الأجواء بين الأب وابنه تفيض بالدفء التلقائي، حتى قطعت تلك اللحظة خطوات حازمة، ذات إيقاع منتظم وأرس
في تمام الرابعة فجراً، كان السكون يلف الجناح الشرقي ككفن دافئ، والظلام لم ينسحب بعد من زوايا الغرفة. استيقظت جُمان. لم يكن استيقاظاً عادياً، بل انتفاضة وعي تدرك أن زمن الرفاهية قد انتهى، وأن الساعات القادمة لا ترحم المترددين.نهضت من فراشها، وتوجهت بخطوات ثابتة نحو غرفة الملابس الملحقة بالجناح. وقفت أمام الخزانة الهائلة الممتدة بجدرانها الخشبية الداكنة، وتأملت مئات الفساتين والقطع الفاخرة المنسقة برتابة باردة. لم تعد تتأملها بعيون جُمان المبهورة، بل تطلعت إليها بتركيز حاد، كقائد يختار سلاحه لمعركة مصيرية.مدت يدها، ومررت أصابعها بين الأقمشة الحريرية والمخملية الصاخبة، مستحضرةً كل الفيديوهات والصور التي حفظتها لميرا. اختارت فستاناً مخملياً أسود مطرزاً بخيوط ذهبية عند الصدر والأكمام، قطعة تفيض بالجرأة والكبرياء. ارتدته ببطء، ومع كل زر تغلقه، كانت تشعر وكأنها تغلق باباً على ماضيها، وتتخيل نفسها ميرا بجد؛ امرأة لا تخاف أحداً، وتأخذ ما تريد بقوة حضورها.تراجعت خطوة، ونظرت إلى انعكاس صورتها في المرآة الطويلة. لم يتبقَ سوى اللمسة الأخيرة. جلست أمام طاولة الزينة، وأمسكت بالفرشاة والمثبت. بدأت
خرجت روان من مكتب عمران بخطوات هادئة، والابتسامة المريحة التي غمرت وجهها إثر حديثها معه بدأت تتلاشى تدريجياً وهي تغلق الباب الرصاصي برفق. يكفيها دائماً أن تلجأ لعمران، الرجل الذي تولى تربيتها ورعايتها منذ صغرها، لتشعر أن الدنيا أقل تعقيداً وأنها في مأمن من أجواء القصر الخانقة.استدارت لتكمل طريقها عبر الممر الطويل، لكن خطواتها تجمدت فجأة، وانقبضت أسفل معدتها برعشة توتر مألوفة.في نهاية الممر، حيث الظلال تعانق الجدار الرخامي البارد، كان سيف يقف.كان يعقد ذراعيه أمام صدره بجمود، وعيناه الحادتان والمشحونتان بنبرة غامضة ومخيفة مثبتتان عليها كالصقر. روان، بطبيعتها الرقيقة والبريئة، كانت تشعر دائماً بالخوف والتهيب من سيف؛ عصبيته غير المبررة، وغموضه الدائم، ونظراته التي تعجز عن فهمها، كلها أشياء كانت تجعلها تتلعثم في وجوده وتتحاشى الاصطدام به قدر الإمكان.حاولت روان أن تجمع شتات نفسها، ورسمت ابتسامة باهتة ومضطربة وهي تخطو ببطء، وقالت بصوت متقطع حذر:- واقف كدة ليه يا سيف؟.. خضيتني.اعتدل في وقفته ببطء شديد، وجسده الطويل يلقي بظلاله فوق الرخام، وتحدث بنبرة جافة، يغلفها برود مصطنع:-مستني عمرا
كان عمران يقف عند عتبة الباب الداخلي للجناح، سانداً ظهره إلى الإطار الخشبي، واضعاً يديه في جيبي بنطاله. عيناه الصقريتان كانت تتابع حركاتها بدقة باردة، وملامحه الجليدية لم تكشف شيئاً مما يدور في عقله بعد ليلته الطويلة المشحونة.استجمعت جُمان شتات نفسها بسرعة، ورفضت أن تظهر بمظهر الضعيفة أمامه. أرخت كتفيها، وأمالت رأسها إلى الجانب بقليل من التحدي، وقالت بنبرة حاولت أن تكسوها ببرود ميرا:- هو عادي بندخل بدون اسئذان ، ولا دي كمان من قواعد القصر اللي لسة معرفهاش تحرك عمران خطوات وثابتة نحوها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة تحمل مزيجاً من الإعجاب الخفي والسخرية:- محدش بيستأذن وهو داخل الجناح الخاص بيه هو ... ومراته شعرت جُمان بوخزة من الضيق، لكنها تماسكَت. وضع عمران يده على الطاولة، وسحب الكرسي وجلس أمامه وعيناه تثبتان في عينيها قائلًا بنبرة هادئة :-الجد عثمان كلمني الصبح.. بعتلك سلام مخصوص، وبيسأل عن الخاتم الألماس اللي ادهولك في آخر حفلة في بيروت، قال إنه مش شايفه في صورك الأخيرةلمعت عينا جُمان بتوجس، وحاولت استرجاع كل تفاصيل الفيديوهات والملفات التي قرأتها عن حفلة بيروت، وقالت بثقة