Share

حديث صامت

Author: Hadeer khalil
last update Petsa ng paglalathala: 2026-06-12 16:07:10

انبثقت على الشاشة السوداء عبارة واحدة جعلت الهواء يتجمد في الغرفة:.

استقام عمران في جلسته فوراً، وتصلب ظهره باحترام تلقائي، وضغط زر الإجابة واضعاً الهاتف على أذنه. جاءه صوت عثمان عزام من الطرف الآخر؛ صوتاً عميقاً، رخامياً، ومهيباً يحمل نبرة المؤسس الذي لا ينثني

: — مساء الخير يا عمران.

— مساء النور يا جدي.

ساد صمت قصير ومحمل بالثقل قبل أن يسأل الجد بنبرته المقتضبة

: — كله جاهز؟

أدرك عمران على الفور، وبفطنته المعتادة، أن جده يتحدث عن الترتيبات الأمنية والبروتوكولية لزيارته المرتقبة، فأجاب بثبات

: — متقلقش يا جدي... كل حاجة جاهزة وعلى أكمل وجه.

— كويس.

توقف عثمان للحظة، ثم أردف بنبرة حاول جعلها عادية لكنها لم تخفِ اهتمامه الحذر

: — طمني على ميرا.

ارتسمت نظرة غامضة، مليئة بالخطورة والتحدي في عيني عمران وهو يفكر  بالقابعة في الجناح الشرقي، وأجاب ببرود متقن

: — أحسن بكتير.

— الحمد لله.

جاء رد الجد مقتضباً ومثقلاً بالغموض كعادته، ثم أضاف بصيغة آمرة وحاسمة لا تقبل المراجعة

: — أنا هكون عندكم بكرة الصبح بدري.. وعايز كل أفراد العيلة بلا استثناء يكونوا موجودين ... محدش يتأخر يا عمران.

وراء كلمات جده نبرة تحمل شيئاً أكبر وأخطر بكثير من مجرد زيارة عائلية تفقدية بعد غياب. لكنه لا يريد السؤال على ، فهو يعرف عثمان عزام أكثر من أي شخص آخر؛ هذا الرجل لا يتحرك خطوة واحدة دون سبب استراتيجي، ولا يجمع العائلة كلها على طاولة واحدة إلا إذا كان ينوي تفجير أمر سيغير موازين القوى ويقلب كراسي النفوذ في القصر رأساً على عقب.

أنهى المكالمة ببضع كلمات مختصرة ومحترمة، ثم أنزل الهاتف ببطء ووضعه مقلوباً على الطاولة.

ارتخى في مقعده قليلًا، وعيناه تستقران على سقف الغرفة.

لم يكن بحاجة لسؤال نفسه عن سبب الزيارة المفاجئة.

كان يعرف.

بل كان ينتظرها منذ أسابيع.

منذ اللحظة التي بدأ فيها تفكيك بعض الخطوط المشبوهة التابعة للعائلة.

ومنذ اللحظة التي اتخذ فيها قراره النهائي بإنهاء جزء من الأعمال التي بُنيت عليها إمبراطورية عزام لعقود طويلة.

أعمال تدر الملايين...

لكنها تلطخ كل يد تقترب منها.

تنهد ببطء.

عثمان عزام لم يكن رجلاً يتسامح مع التمرد.

ولا يؤمن بالصدف.

ولا يحب أن يغير أحد قواعد اللعبة التي وضعها بنفسه.

ولهذا لم يستغرب المكالمة.

ولم يستغرب إصراره على حضور جميع أفراد العائلة.

الخبر وصله بالتأكيد.

هناك دائماً من ينقل الأخبار إلى عثمان.

دائماً.

ابتسامة ساخرة مرت على شفتي عمران.

— كنت عارف إن اليوم ده هيجي.

تمتم بها بصوت منخفض.

ثم نهض من مقعده واتجه نحو النافذة.

في الخارج كانت أضواء القصر تتلألأ وسط الظلام.

قصر ضخم.

مبهر.

لكن عمران كان يعلم أكثر من أي شخص آخر أن أساسات هذا القصر لم تُبنَ كلها بالحجر والرخام.

بعضها بُني بالخوف.

وبعضها بالدم.

وبعضها بأسرار لو خرجت للنور لاحترقت العائلة بأكملها.

استقرت يداه داخل جيبي بنطاله وهو يحدق في الحديقة المظلمة.

غداً سيأتي عثمان.

وغداً سيجلس الجميع حول مائدة واحدة.

لكن الاجتماع الحقيقي لن يكون بين أفراد العائلة.

بل بين جيلين.

جيل يرى أن القوة تُصنع بالخوف.

وجيل بدأ يؤمن أن الوقت قد حان لإنهاء ذلك كله.

وللمرة الأولى منذ سنوات طويلة...

كان عمران مستعداً لمواجهة جده وجهاً لوجه.

حتى لو أشعل ذلك حرباً داخل عائلة عزام نفسها.

******

ما إن أغلقت جُمان باب الجناح الشرقي خلفها، حتى تهاوت تلك الوقفة الأرستقراطية المتصلبة، وأطلقت زفرة طويلة حارقة احتبست داخل صدرها طوال الدقائق الماضية.

 مررت كفها فوق جبينها الذي غطته حبات العرق البارد

. — يا نهار أبيض...

تمتمت بها وهي تهبط جالسة فوق المقعد، كأن ركبتيها لم تعودا قادرتين على حملها. وأردفت بنبرة لاهثة

: — أنا كنت هتقفش.. خلاص، كنت هبوظ كل حاجة .

رفع صوفيا رأسها من فوق طاولة الزهور الكريستالية التي كانت تنسقها، وارتسمت على وجهها المتغضن ابتسامة واسعة، دافئة ونادرة الظهور

: — تتقفشي إيه بس يا بنتي؟ ده أنا قلبي انشرح وأنا شيفاكي.

التفتت إليها جُمان بعينين متسعتين من فرط الصدمة والذعر الرجعي

: — والله يا دادة كنت هقولها شكراً! !

انفجرت صوفيا ضاحكة، ضحكة خفيفة حاولت كتمانها تداري بها توترها الكامن

: — أهو دي كانت هتبقى المصيبة الحقيقية.. ميرا هانم تقول شكراً؟ كان زماننا في خبر كان دلوقتي!

شاركتها جُمان الضحك لأول مرة منذ ساعات طويلة، ضحكة متقطعة فرغت بها شحنة الرعب، ثم قالت وهي تهز رأسها بذهول

: — ده أنا للحظة نسيت اسمها أصلاً! عقلي اتمسح وبقى أبيض.

تحول ضحك صوفيا الى ابتسامة هادئة وسألت 

: — نعم؟! نسيتي اسمها؟

— والله نسيت!

قالتها جُمان وهي تشير بيديها بعجز تام وتعبيرات حية

: — لمحتها جاية عليا من آخر الممر، وعقلي فصل تماماً. كنت متأكدة إني حفظت الوش ده في الفيديوهات والصور بس الاسم طار، اختفى كأنه ملوش وجود في دماغي.

وضعت صوفيا كفها فوق صدرها وهي تطلق تنهيدة ذعر مستعيذة بالله

: — يا ساتر يا رب.. يا ساتر.

— وبعدين افتكرته في آخر ثانية ببركة دعاكي!

تنفست صوفيا الصعداء براحة واضحة، وخطت خطواتها نحو جُمان، ثم قالت بصدق وفخر حقيقي التمع في عينيها المتعبتين

: — المهم إنك افتكرتيه ، بصراحة؟أنا كنت واقفة من بعيد ومتابعاكم.،.

اتسعت عينا جُمان بمشاكسة شعبية

: — كنتِ بتتجسسي عليا؟

— كنت بطمن على قلبي اللي كان هيقف من الخوف عليكي.

ردت العجوز بحزم حنون، ثم انحنت قليلاً لتصبح في مستوى نظرها وأكملت بنبرة جادة

: — وعايزاكي تثقي في كلامي يا جُمان.. النهاردة ولأول مرة من يوم ما عتبتي القصر ده، أحس إنك فعلاً تقدري تعمليها. — أعمل إيه؟

 تبقي ميرا.. .

اختفت الابتسامة من وجه جُمان تدريجياً، وحلت مكانها نظرة تترقب القادم، بينما أردفت صوفيا بصدق غامر

: — ارتبكتي آه.. بس محدش في الممر شاف ارتباكك. خفتي وقلبك دق.. بس محدش حس بخوفك. وحتى ردودك وجفاكِ وطريقتك الساخرة كانت شبهها جداً.. كأنها هي اللي واقفة.

أطرقت جُمان برأسها قليلاً، وتأملت أصابعها المشبوكة. ولأول مرة منذ بدأت هذه اللعبة الانتحارية، شعرت بشيء غريب يتدفق في عروقها.. شيء يشبه الثقة. ربما... ربما تستطيع النجاة بالفعل في هذا الوكر وتنقذ والدها.

لكن تلك الفكرة الوردية لم يكتب لها أن تكتمل؛ إذ انفتح باب الجناح فجأة وبحركة حاسمة صامتة، فتجمدت الابتسامة فوق شفتي جُمان وصوفيا معاً، وارتدتا إلى مربع الحذر.

دلف عمران إلى الداخل بخطواته الهادئة المتزنة كالنمر، مغلقاً الباب خلفه. توقفت عيناه الصقريتان أولاً عند جُمان الجالسة، ثم انتقلتا إلى صوفيا، وقبل أن ينطق، ارتسمت على ظلال وجهه الصارم لمحة تهكم خفية وقال مباشرة دون مقدمات

: — واضح إن أول اختبار حي عدى على خير.

اتسعت عينا جُمان، وشعرت بحصار القصر يطبق عليها مجدداً

: — إنت كمان كنت بتراقبنا؟

ارتفع أحد حاجبيه ببرود، واقترب خطوات قليلة

: — كنت بتأكد إنك مش هتقولي لروان "شكراً" وتهدي كل اللي بنيناه في ثانية.

احمرّ وجه جُمان فوراً من الحرج وشعورها بأنها مكشوفة أمامه، بينما أطلقت صوفيا ضحكة مكتومة وهي تدير وجهها. أما عمران، فثبت وقفته أمامهما، ونظر إلى جُمان بنظرة عميقة، غابت عنها السخرية وحلت مكانها نبرة اعتراف شحيحة

: — نجحتي.

سقطت الكلمة منه قصيرة، جافة ومباشرة، لكن لأن عمران لم يكن رجلاً يمنح المديح أو يوزع صكوك الرضا بسهولة، شعرت جُمان بثقلها وقيمتها داخل صدرها.

لكن تلك النشوة لم تدم أكثر من ثانية واحدة؛ لأن ملامح عمران تحولت فجأة إلى جدية حادة كشفرة السكين، واختفت آخر آثار الارتياح من نبرته، ليحل محلها وجوم أرعب صوفيا.

— عندنا مشكلة أكبر بكتير دلوقتي.. واللعب الجد بدأ.

تبادلت جُمان وصوفيا نظرة سريعة تفيض بالقلق، فسألته صوفيا بنبرة خفيضة حذرة

: — حصل حاجة يا عمران بيه؟ الجد عثمان كلمك؟

أوما برأسه ببطء مريب 

ساد الصمت فوراً، صمت غريب، حتى جُمان التي لم تسمع عن عثمان عزام سوى أسطر في ملفات ورقية، أحست برعشة برد تجتاح المكان بمجرد ذكر اسمه.

أكمل عمران وعيناه لا تحيدان عن جُمان

: — عثمان عزام هيوصل بكرة الصبح بدري.. وطلب العيلة كلها تكون على المائدة.

شحب وجه صوفيا في لمحة عين، وارتجفت يدها وهي تترك الورد كأن القيامة قد قامت. أما جُمان، فعقدت حاجبيها بعدم فهم تام لعلات الأمور، وسألت بنبرة شعبية لم تخلُ من جسارة

: — هو الموضوع خطير للدرجة دي؟ وماله الجد؟ ما هو في النهاية راجل عجوز وراجع بيته!

نظر إليها عمران لثوانٍ طويلة، نظرة خالية من أي تعبير، جعلت الدماء تتجمد في عروق جُمان، ثم قال بصوت هادئ، وهذا الهدوء بالذات هو ما جعل الكلمات أكثر رعباً وفداحة

: — كل اللي قابلتيهم في الممرات أو الشاشات لحد دلوقتي.. كانوا مجرد أفراد في العيلة يا جُمان.

صمت لحظة، وأخذ نفساً ثقيلاً ثم أردف: — عثمان عزام.. هو العيلة. هو اللي عملها وهو اللي ممشيها بكلمة منه.

انقبض قلب جُمان دون إرادة منها، وشعرت بجدران الجناح تضيق عليها، بينما تابع عمران بصرامة مرعبة يلقي عليها وصاياه الأخيرة

: — نرمين ممكن تشك وتتكلم في ضهرك. عالية ممكن تتجسس وتلف وتدور. سيف ممكن يراقب ويثور بعصبية.

ثم تقدم خطوة واحدة، وثبت عينيه الصقريتين داخل عينيها مباشرة، كأنه يغرس الكلمات في روحها

: — لكن عثمان... مش هيلف ولا يدور، هيبصلك مرة واحدة بس.. مرة واحدة في عينيكي يا جُمان.

ابتلعت ريقها بصعوبة، وشعرت بغصة جافة في حلقها، بينما أجهز عمران على ما تبقى من شجاعتها قائلاً

: — ولو حس، مجرد إحساس، إن النبرة غريبة، أو إن النظرة مش نظرة ميرا .. اللعبة كلها هتنتهي، وهتتدفن هنا قبل ما تطلعي برة بوابات القصر.

ساد صمت مطبق داخل الجناح الشرقي، حتى الهواء بدا ثقيلاً، لزجاً وخانقاً. تطلعت جُمان إلى الفراغ وهي تشعربالخوف  أن كل ما مرت به خلال الأيام السابقة من تدريبات صوفيا وقسوة عمران ومواجهة روان، لم يكن سوى نزهة 

وأن الامتحان الحقيقي، امتحان الحياة أو الموت... سيبدأ في تمام الثامنة من صباح الغد.

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • غبار المرايا    طاولة الافاعي

    جلس الجميع حول المائدة الطويلة التي امتدت بطول القاعة الرئيسية كأنها تفصل بين ممالك صغيرة داخل القصر الواحد.في المقدمة جلس عثمان عزام.على يمينه عمران وميرا.وعلى الجانبين توزع بقية أفراد العائلة.لم يكن أحد يتحدث.فوجود عثمان وحده كان كافياً لفرض الصمت.رفع الجد فنجان القهوة أمامه بهدوء، ثم ألقى نظرة شاملة على الوجوه الجالسة.نظرة جعلت الجميع يشعر وكأنه يُفحص من الداخل.حتى جُمان شعرت للحظة أن الرجل يقرأ أفكارها.لكنها حافظت على برودها.قال عثمان أخيراً:— زمان كنت لما أدخل القصر أسمع صوتكم من أول البوابة... دلوقتي حاسس إني داخل شركة مش بيت.ابتسم آدم بخفة.— يمكن علشان حضرتك بتخوفنا يا جدي.ضحك عثمان ضحكة قصيرة.— لو كنت بخوفكم بجد مكنتش هتتكلم كدة يا دكتور.ضحك بعض الجالسين بخفوت.بينما بقي سيف صامتاً.وبقي عمران أكثر صمتاً.التقط عثمان ذلك فوراً.ثم قال فجأة:— قولي يا آدم... لو عندك مريض رفض العلاج اللي هيعيش بيه... تعمل إيه؟رفع آدم حاجبه باستغراب.— أحاول أقنعه.— ولو أصر؟— أشرحله العواقب.— ولو اقتنع إن العواقب دي تستاهل؟صمت آدم قليلاً.ثم قال:— ساعتها القرار قراره.هز عثم

  • غبار المرايا    وصول العاصفة

    لم يكن صباح القصر الكبير يشبه أي صباح آخر.الهواء نفسه بدا مشدودًا، كأنه يتهيأ لشيء لا يجرؤ أحد على تسميته. الخدم ينسحبون بخطوات سريعة ووجوه متوترة، وأصواتهم تنخفض كلما مرّت واحدة من نساء العائلة في الممرات الطويلة، بينما ظل عمران يتحرك داخل القصر بملامح ثابتة لا تفصح عن شيء، وكأنه وحده من يملك القدرة على الوقوف وسط هذا الاضطراب دون أن يهتز.أما جُمان...فكانت تقف في الجناح الشرقي أمام المرآة، ترتدي فستان ميرا للمرة الأولى أمام الجميع. الفستان الداكن كان ينساب حول جسدها بنعومة مترفة، وشعرها الأسود مصففًا بالطريقة التي حفظتها من الفيديوهات، ونظرتها... كانت الشيء الوحيد الذي ظل يقاوم الانسلاخ الكامل عن نفسها.وقفت صوفيا خلفها، تعدل آخر تفصيلة في الأكمام، ثم قالت بصوت منخفض:— خدي نفس عميق.ابتلعت جُمان ريقها بصعوبة.— أنا باخده من ساعة ما صحيّت وما خلصش.ابتسمت صوفيا رغم التوتر، ثم وضعت يدًا خفيفة على كتفها.— عثمان بيه مش هيفوت حاجة... بس إنتِ لو اتماسكتي في أول دقيقة، هتعدي الباقي.رفعت جُمان عينيها إلى المرآة، فرأت انعكاس امرأة لا تشبهها إلا في الملامح.تلك اللعنة التي جلبها الشبه بي

  • غبار المرايا    حطب الورد

    في الحديقة الخلفية، كان الليل قد بسط عباءته المخملية الثقيلة على أرجاء القصر، وتواطأت الأضواء الخافتة المتناثرة بين أوراق الشجر والنافورة الرخامية على صنع هالة من الغموض.كان سيف يسير بخطوات وئيدة، متباطئة لكنها مشحونة، يداه مستقرتان في جيبي بنطاله، وعقله يغلي بمحاولات عاجزة لتفريغ الشحنة العنيفة من الغضب والغيرة التي استوطنت صدره منذ مكالمة الصباح.ثم رآها.كانت تجلس بمفردها على المقعد الرخامي الأبيض القريب من حافة جدار النافورة، يستقر فوقها ضوء مصباح حديقة خافت يمنحها مظهرًا أشبه بلوحة دافئة وسط برودة المكان. رأسها منخفض بقلق، وبين كفيها كتاب مفتوح، لكن عينيها التائهتين كانتا تحدقان في الفراغ؛ لا تقرأ، بل تطحنها الأفكار.تجمدت خطوات سيف فوراً، وتصلب جسده في مكانه. لثوانٍ امتدت كالعمر، وقف يحدق بطيفها، وأطلق في سره لعنة صامتة على قلبه وعاطفته المعاندة. أي امرأة أخرى في هذا العالم كانت لتتحول لدخان أو اسم عابر في قائمة أيامه، أما روان... فكانت اللعنة الوحيدة العذبة التي كلما حاول التخلص من قيدها، وجد نفسه يغرق في شباكها أكثر.ترددت في عقله تلميحات عالية الخبيثة، ثم قفزت أمامه ملامح رو

  • غبار المرايا    حقيقة بيولوجية

    في جناحه الخاص، حيث تتخفف الأشياء من صرامة القصر الأرستقراطية، كان محمود يقف في الركن المخصص له أمام ماكينة القهوة الصغيرة. أمسك بالكوب الزجاجي بيده الدافئة، وراقب خيوط السائل الداكن وهي تصب ببطء وانسيابية، قبل أن ينثر فوق وجهها القليل من مسحوق القرفة.. كانت رائحتها النفاذة هي طقسه الحميمي الذي يفتتح به كل صباح.كان يستمتع ويثمن هذه الدقائق القليلة جداً من عزلته؛ الدقائق النادرة التي يتوقف فيها الزمن، ولا يطالبه فيها مخلوق داخل هذا الوكر باتخاذ قرار، أو إبداء رأي، أو تبني موقف يحسب عليه في بورصة النفوذ.انفتح الباب فجأة، دون إذن أو طرقات تمهد للحضور. دلفت نرمين بخطواتها الواثقة التي تحمل دائماً صدى سلطوياً متعالياً. ألقت نظرة فاحصة، سريعة وخاطفة على أركان الغرفة، قبل أن تقع عيناها الصارمتان عليه.رفعت حاجبها الأيمن باستغراب لم تحاول إخفاءه، وهي تراه يحضر قهوته بيديه دون استعانة بأحد، وسألته بنبرة لائمة ومتهكمة: — هو الخدم اختفوا من القصر وأنا معرفش؟التفت محمود إليها بهدوء شديد، هدوء بدا مستفزاً لاندفاعها، وأجاب بنبرة رخية: — لا.. موجودين.: — أمال واقف تعمل القهوة بنفسك ليه؟أعاد م

  • غبار المرايا    حديث صامت

    انبثقت على الشاشة السوداء عبارة واحدة جعلت الهواء يتجمد في الغرفة:.استقام عمران في جلسته فوراً، وتصلب ظهره باحترام تلقائي، وضغط زر الإجابة واضعاً الهاتف على أذنه. جاءه صوت عثمان عزام من الطرف الآخر؛ صوتاً عميقاً، رخامياً، ومهيباً يحمل نبرة المؤسس الذي لا ينثني: — مساء الخير يا عمران.— مساء النور يا جدي.ساد صمت قصير ومحمل بالثقل قبل أن يسأل الجد بنبرته المقتضبة: — كله جاهز؟أدرك عمران على الفور، وبفطنته المعتادة، أن جده يتحدث عن الترتيبات الأمنية والبروتوكولية لزيارته المرتقبة، فأجاب بثبات: — متقلقش يا جدي... كل حاجة جاهزة وعلى أكمل وجه.— كويس.توقف عثمان للحظة، ثم أردف بنبرة حاول جعلها عادية لكنها لم تخفِ اهتمامه الحذر: — طمني على ميرا.ارتسمت نظرة غامضة، مليئة بالخطورة والتحدي في عيني عمران وهو يفكر بالقابعة في الجناح الشرقي، وأجاب ببرود متقن: — أحسن بكتير.— الحمد لله.جاء رد الجد مقتضباً ومثقلاً بالغموض كعادته، ثم أضاف بصيغة آمرة وحاسمة لا تقبل المراجعة: — أنا هكون عندكم بكرة الصبح بدري.. وعايز كل أفراد العيلة بلا استثناء يكونوا موجودين ... محدش يتأخر يا عمران.وراء كلما

  • غبار المرايا    روح معلقة

    داخل إحدى غرف الملاحظة الهادئة في المستشفى، كان رجل خمسيني يجلس فوق السرير الطبي بملامحه المتعبة، بينما تنتهي إحدى الممرضات من لف حزام جهاز قياس الضغط حول ذراعه.وقف آدم أمامه، يقلب نتائج الفحوصات الطبية بتركيز قبل أن يغلق الملف، ثم رفع عينيه نحو المريض بنظرة فاحصة ممتزجة بمداعبة مألوفة: — طمني يا حاج محمود... بتدخن كام سيجارة في اليوم؟تنحنح الرجل، وحاول أن يهرب بعينيه قليلاً وهو يقول بتحفظ ومواربة: — يعني... شوية بسيطين يا دكتور.رفع آدم حاجباً واحداً بذكاء، وسأله وهو يبتسم برفق: — وشوية دي يعني كام بالظبط؟— علبة.— في الأسبوع؟— لا... في اليوم.صفق آدم الملف الطبي على راحة يده فجأة، وأطلق صيحة دهشة مصطنعة أدارت الرؤوس في الغرفة: — الله أكبر! علبة في اليوم وعايز قلبك مايشتكيش ؟!ضحك الرجل بخجل وهز رأسه محاولاً التملص: — كله بأمر ربنا يا دكتور، إحنا أسباب.هز آدم رأسه بأسف داعب، وعلق بنبرة واعظة لكنها حنونة: — ونعم بالله يا حاج محمود، بس ربنا قالك حافظ على نفسك وعمر صحتك الأول، مش تخلص علبة كاملة وتقول كله بأمر ربنا.. ده انتحار رسمي!انفجرت الممرضة الواقفة بجوارهما ضاحكة، أما

  • غبار المرايا    وجه ... وظل

    في جناحها الخاص، وقفت عالية هانم خلف النافذة العريضة المطلة على حدائق القصر. كانت الرياح تحرك الأشجار ببطء، بينما ظل الهاتف في يدها دافئًا من أثر المكالمة الأخيرة.مكالمة سيف.لم تتحرك لثوانٍ طويلة. فقط راحت تحدق في الخارج، كأنها ترى شيئًا أبعد من الأشجار والنافورة والضباب الخفيف.ثم عادت الكلمات ت

  • غبار المرايا    أوراق اللعبة الأولى

    خرجت جُمان إلى الممر الطويل بخطوات واثقة حاولت جاهدة ضبط إيقاعها، بينما كانت كلمات عمران الأخيرة لا تزال تدور داخل رأسها وتزن في أذنها قبضت على أصابعها قليلًا لتدفع الرعشة الكامنة فيها. كانت تكره الاعتراف بذلك، لكنه كان محقاً في كل كلمة. الأسماء سهلة، والقصص المكتوبة في الأوراق سهلة يمكن حفظها، أم

  • غبار المرايا    عهد لم يكتمل

    كان عداد السرعة يتجاوز الـ 140 كم/ساعة، والإطارات تصرخ بعنف مع كل منعطف حاد يسلكه على الطريق الصحراوي المهجور. لم يكن سيف يرى الطريق أمامه؛ بل كان يرى وجه "روان" وهي تنكمش في مقعدها، وعيناها الهاربتان اللتان أكدتا له كل المخاوف التي زحفت إلى صدره.أطبق بكلتا يديه على مقود السيارة بقوة جعلت مفاصل أص

  • غبار المرايا    صدع في الجدار

    السفرة الأساسية الفخمة داخل القصر الكبير، حيث كانت الأواني الفضية والبلور الصافي يعكسان كبرياء المكان، جلست نرمين هانم على الطاولة ببرودها المعتاد بعد مغادرة سيف. كانت تتابع بعيون صقرية ما يحدث داخل القصر؛ لم يكن هادئاً كالعادة بل يضج بالحركة والنشاط، وهناك تقف صوفيا تتابع حركة الخدم في غياب ميرا

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status