مشاركة

روح معلقة

مؤلف: Hadeer khalil
last update تاريخ النشر: 2026-06-12 15:41:48

داخل إحدى غرف الملاحظة الهادئة في المستشفى، كان رجل خمسيني يجلس فوق السرير الطبي بملامحه المتعبة، بينما تنتهي إحدى الممرضات من لف حزام جهاز قياس الضغط حول ذراعه.

وقف آدم أمامه، يقلب نتائج الفحوصات الطبية بتركيز قبل أن يغلق الملف، ثم رفع عينيه نحو المريض بنظرة فاحصة ممتزجة بمداعبة مألوفة

: — طمني يا حاج محمود... بتدخن كام سيجارة في اليوم؟

تنحنح الرجل، وحاول أن يهرب بعينيه قليلاً وهو يقول بتحفظ ومواربة

: — يعني... شوية بسيطين يا دكتور.

رفع آدم حاجباً واحداً بذكاء، وسأله وهو يبتسم برفق

: — وشوية دي  يعني كام بالظبط؟

— علبة.

— في الأسبوع؟

— لا... في اليوم.

صفق آدم الملف الطبي على راحة يده فجأة، وأطلق صيحة دهشة مصطنعة أدارت الرؤوس في الغرفة

: — الله أكبر! علبة في اليوم وعايز قلبك مايشتكيش ؟!

ضحك الرجل بخجل وهز رأسه محاولاً التملص

: — كله بأمر ربنا يا دكتور، إحنا أسباب.

هز آدم رأسه بأسف داعب، وعلق بنبرة واعظة لكنها حنونة

: — ونعم بالله يا حاج محمود، بس ربنا قالك حافظ على نفسك وعمر صحتك الأول، مش تخلص علبة كاملة وتقول كله بأمر ربنا.. ده انتحار رسمي!

انفجرت الممرضة الواقفة بجوارهما ضاحكة، أما الحاج محمود فهز رأسه مستسلماً أمام منطق آدم العفوي

: — حاضر يا دكتور.. من انهاردة  هبطل.

أشار آدم إليه بإصبع تحذيري وهو يضيق عينيه بمشاكسة

: — الجملة دي أنا سمعتها في طوارئ المستشفى هنا أكتر ما سمعت أغاني عمرو دياب !

— لا المرة دي بجد، توبة

. — أكيد .. زي آخر خمس مرات كدة؟.

انفجر الرجل ضاحكاً من قلبه، وفي تلك اللحظة بالذات، انفتح باب الغرفة بهدوء ودلفت ياسمين وهي تحمل بعض الملفات الطبية الإضافية. توقفت خطوتها لثوانٍ وهي ترى المريض غارقاً في ضحكه بهذه الطريقة العفوية، ثم انتقلت نظراتها تلقائياً نحو آدم.

كانت الابتسامة المرتسمة على وجه آدم في هذه اللحظة مختلفة تماماً عن تلك الابتسامات الباردة أو الحذرة التي يرتديها كدروع داخل قصر عزام؛ كانت ابتسامة أكثر راحة، وأكثر صدقاً، وعيناه تلمعان بنقاء حقيقي.

لاحظ آدم وجودها، فالتفت إليها على الفور وتهللت أساريره قائلاً

: — الحمد لله... أخيراً جه الدعم الفني!

عقدت ياسمين حاجبيها باستغراب لذيذ، وتقدمت خطوة وهي تسأل

: — دعم فني؟ 

أشار آدم برأسه نحو المريض وقال متظلماً

: — بقالي عشر دقائق بكامل طاقاتي الطبية والإقناعية بحاول أقنع الحاج محمود يبطل تدخين، ومش عارف أوصل لاتفاق نهائي.

قال الرجل بسرعة وحماس فاجأ ياسمين

: — لا لا خلاص يا ست الدكتورة، أنا اقتنعت والله وبصمت بالعشرة.

ابتسم آدم بانتصار ساحق، والتفت لياسمين ورفع حاجبيه بتباهٍ

: — شفتي؟

ثم خفض نبرة صوته قليلًا وهو ينظر في عينيها مباشرة بنبرة حملت مغزى دافئاً

: — واضح إن وجودك في المكان بيجيب نتيجة وسحر أكتر من الأدوية.

احمرّ وجه ياسمين قليلاً، وحاولت جاهدة إخفاء ارتباكها خلف ملامحها الجادة وهي ترفع ملفاتها وتوجه كلامها للمريض

: — ولا يمكن حضرتك اللي بتخوف المرضى يا دكتور آدم 

التفت آدم نحو الرجل فوراً بملامح طفولية مستنكرة

: — يا حاج محمود.. بذمتك أنا بخوف؟

هز الرجل رأسه سريعاً بالنفي، وأردف وعيناه تلتمعان بالامتنان

: — أبداً والله يا بنتي.. ده هو أول دكتور يخليني أضحك وأنسى التعب من ساعة ما رجلي عتبت المستشفى دي.

اتسعت ابتسامة ياسمين رغماً عنها وهي تتطلع إلى آدم، أما هو فأشار إلى نفسه بفخر واعتزاز مصطنع

: — سمعتي .

علقت ياسمين وهي تتحرك لتراجع الأجهزة بنبرة ضاحكة

: — كل المرضى اللي بتابعهم بيقولو عنك نفس الكلام ... مش غريبة دي شوية 

وضع آدم كفه فوق موضع قلبه متظاهراً بالصدمة والأسى

: — دكتور ياسمين... أنا إنسان محترم ومهني جداً على فكرة.

ضحك المريض مجدداً وغمز لياسمين بخفة قائلاً

:- دي شهادة حق يا دكتورة

ارتفعت ضحكات الثلاثة داخل الغرفة الصغير، لتكسر جمود الأجواء الطبية. وقبل أن يستدير آدم للمغادرة، التفت إلى المريض وقال بجدية حازمة لكنها مغلفة بخفة دمه المعتادة

: —عهد رجال؟

— اتفقنا يا دكتور.

— لو شفتك في الممر أو برة المستشفى وفي إيدك سيجارة تاني، هرجع أحجزلك سرير هنا بنفسي وأمنع عنك الزيارة.. مفهوم؟

رد الرجل ضاحكاً بقلب صافٍ

: — حاضر يا سيدي، مفهوم.

خرج آدم من الغرفة أخيراً، وتبعه خطى ياسمين. وعندما أصبحا وحدهما في الممر الطويل، هزت رأسها وهي تبتسم بنعومة

: — أنا بجد مش عارفة إزاي المرضى بيصدقوا كلامك وبيمشوا وراك كدة.

رفع كتفيه بثقة واعتداد وهو يسير بجانبها

: — دي اسمها موهبة فطرية وقبول يا دكتورة.

— لا... دي اسمها فهلوة دكاترة وطاقة لسان.

اقترب منها بخطوة صغيرة، مقلصاً المسافة بينهما، وهو يرسل لها ابتسامة جانية دافئة

: — المهم إنها الفهلوة الشغالة وبتجيب نتيجة.. ولا إيه؟

أخفضت ياسمين عينيها سريعاً نحو التقارير في يدها لتهرب من نظراته، وهي تحاول جاهدة إخفاء ابتسامتها الواسعة التي فضحتها وجنتاها. بينما أكمل آدم طريقه بجوارها بخطوات واثقة وخفيفة، غير مدرك على الإطلاق أن أكثر شخص كان يستمتع بخفة دمه وبوجوده في المستشفى كلها... لم يكن المرضى، بل كانت ياسمين نفسها، التي يضيء عالمها في كل مرة يتقاطع فيها طريقها معه.

*****

ساد الصمت أرجاء المكتب الفخم بمجرد أن غادرت جُمان، صمت ثقيل لم يكسره سوى الرنين الرتيب والمنتظم لعقارب الساعة المعلقة على الجدار الحجري.

ظل عمران واقفاً بمحاذاة النافذة الزجاجية العريضة، يداد يديه في جيبي بنطاله، ويتطلع إلى حدائق القصر الممتدة في الخارج والتي بدأت تبتلعها عتمة الليل، دون أن يراها حقاً. كانت كلمتها الأخيرة هي كل ما علق في شبكة أفكاره، تتردد ببحة صوتها الباكية والمستسلمة: «عايزة أعرف... أمي ماتت فعلًا ولا لأ؟».

أطبق على فكيه بقوة حتى برزت عضلاتهما بعصبية مفرطة. طلبها لم يكن مستحيلاً على رجل بنفوذه، لكنه لم يكن سهلاً على الإطلاق.. لسبب لا يعلمه أحد غيره. فعمران يعرف جيداً، وبعمق مأساوي حارق، ماذا يعني أن يعيش الإنسان سنوات طويلة معلقاً في البرزخ؛ لا يعرف إن كان عليه أن يغلق دفتر الأحزان ويترحم على موت شخص أحبه، أم يستمر في ذبح نفسه وهو ينتظر وراء الأبواب الموُاربة.

أغمض عينيه ببطء، وفي لمحة عين، جرفه قطار الذاكرة العنيف سنوات طويلة إلى الوراء.. إلى ذلك اليوم الملعون الذي اختفت فيه والدته.

تذكر كل تفصيلة كأنها تقع الآن؛ لا جنازة أُقيمت، لا قبر زاره، لا جثة واراها الثرى، ولا حتى تفسير واحد منطقي يواسي الصغير الذي كانه. مجرد اختفاء مفاجئ، كأن الأرض انشقت وابتلعتها في جوفها الغامض.

كان وقتها طفلاً صغيراً لا يدرك موازين الكبار، لكن مشهد الانهيار العائلي يومها ظل محفوراً في ذاكرته بمسامير من حديد: جدته التي تبكي خلف الأبواب بصمت مرير، والده الذي فقد صوابه وراح يحطم كل ما تقع عليه يداه في نوبة جنون عاجزة، والجد عثمان عزام الذي اعتزل العالم وأغلق على نفسه مكتبه لأيام كاملة بطريقة أرعبت القصر.

أما هو... فكان ينتظر. كل ليلة، كان يجلس خلف زاوية الباب يتخيل أنها ستفتح باب القصر فجأة، وتضمه إلى صدرها وتنهي الكابوس. مرت الأيام، ثم الشهور، وتلتها السنوات الطويلة.. ولم تعد.

لكن شيئاً ما في أعماقه، عنيداً ومقاوماً، رفض تصديق فرط غيابها، ورغم كل هذه السنين التي مرت وجعلت منه رجلاً صلباً لا يرحم، ما زال يبحث عنها في الخفاء.. بحثاً سرياً ومستمراً لم يعلم به مخلوق داخل هذا الوكر، حتى عثمان عزام نفسه. كل بضعة أشهر، كان يظهر له خيط واهن؛ اسم عابر في سجل قديم، صورة باهتة، شهادة منسية، أو امرأة يشبه ملامحها أحدهم في مدينة بعيدة.. ثم ينتهي الخيط إلى سراب، ويبدأ من جديد. ومع ذلك... لم يتوقف، ولم يكن يملك رفاهية التوقف اصلاً.

فتح عمران عينيه ببطء، وتأمل انعكاس ملامحه الصارمة على زجاج النافذة البارد، ثم تمتم بصوت منخفض، أقرب للهمس المخنوق: — يمكن عشان كده فهمت خوفك يا جُمان...

سكت لثوانٍ تنهد فيها بمرارة، وعيناه مسمرتان على الظلام البعيد في الأفق: — لأن اللي ميعرفش مصير اللي بيحبه... عمره ما بيعرف يرتاح.

استدار ببطء وعاد إلى مكتبه، وجلس خلف سطحه الخشبي المهيب مستعيداً وقاره البارد. مد يده نحو هاتفه مستعداً لإجراء بعض الاتصالات الخاصة بروتوكولاته السرية لنبش الماضي وفاءً بوعده لها، لكن الهاتف اهتز بغتة بين يديه مصدرًا نغمة قصيرة حادة.

انبثقت على الشاشة السوداء عبارة واحدة جعلت الهواء يتجمد في الغرفة

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • غبار المرايا    طاولة الافاعي

    جلس الجميع حول المائدة الطويلة التي امتدت بطول القاعة الرئيسية كأنها تفصل بين ممالك صغيرة داخل القصر الواحد.في المقدمة جلس عثمان عزام.على يمينه عمران وميرا.وعلى الجانبين توزع بقية أفراد العائلة.لم يكن أحد يتحدث.فوجود عثمان وحده كان كافياً لفرض الصمت.رفع الجد فنجان القهوة أمامه بهدوء، ثم ألقى نظرة شاملة على الوجوه الجالسة.نظرة جعلت الجميع يشعر وكأنه يُفحص من الداخل.حتى جُمان شعرت للحظة أن الرجل يقرأ أفكارها.لكنها حافظت على برودها.قال عثمان أخيراً:— زمان كنت لما أدخل القصر أسمع صوتكم من أول البوابة... دلوقتي حاسس إني داخل شركة مش بيت.ابتسم آدم بخفة.— يمكن علشان حضرتك بتخوفنا يا جدي.ضحك عثمان ضحكة قصيرة.— لو كنت بخوفكم بجد مكنتش هتتكلم كدة يا دكتور.ضحك بعض الجالسين بخفوت.بينما بقي سيف صامتاً.وبقي عمران أكثر صمتاً.التقط عثمان ذلك فوراً.ثم قال فجأة:— قولي يا آدم... لو عندك مريض رفض العلاج اللي هيعيش بيه... تعمل إيه؟رفع آدم حاجبه باستغراب.— أحاول أقنعه.— ولو أصر؟— أشرحله العواقب.— ولو اقتنع إن العواقب دي تستاهل؟صمت آدم قليلاً.ثم قال:— ساعتها القرار قراره.هز عثم

  • غبار المرايا    وصول العاصفة

    لم يكن صباح القصر الكبير يشبه أي صباح آخر.الهواء نفسه بدا مشدودًا، كأنه يتهيأ لشيء لا يجرؤ أحد على تسميته. الخدم ينسحبون بخطوات سريعة ووجوه متوترة، وأصواتهم تنخفض كلما مرّت واحدة من نساء العائلة في الممرات الطويلة، بينما ظل عمران يتحرك داخل القصر بملامح ثابتة لا تفصح عن شيء، وكأنه وحده من يملك القدرة على الوقوف وسط هذا الاضطراب دون أن يهتز.أما جُمان...فكانت تقف في الجناح الشرقي أمام المرآة، ترتدي فستان ميرا للمرة الأولى أمام الجميع. الفستان الداكن كان ينساب حول جسدها بنعومة مترفة، وشعرها الأسود مصففًا بالطريقة التي حفظتها من الفيديوهات، ونظرتها... كانت الشيء الوحيد الذي ظل يقاوم الانسلاخ الكامل عن نفسها.وقفت صوفيا خلفها، تعدل آخر تفصيلة في الأكمام، ثم قالت بصوت منخفض:— خدي نفس عميق.ابتلعت جُمان ريقها بصعوبة.— أنا باخده من ساعة ما صحيّت وما خلصش.ابتسمت صوفيا رغم التوتر، ثم وضعت يدًا خفيفة على كتفها.— عثمان بيه مش هيفوت حاجة... بس إنتِ لو اتماسكتي في أول دقيقة، هتعدي الباقي.رفعت جُمان عينيها إلى المرآة، فرأت انعكاس امرأة لا تشبهها إلا في الملامح.تلك اللعنة التي جلبها الشبه بي

  • غبار المرايا    حطب الورد

    في الحديقة الخلفية، كان الليل قد بسط عباءته المخملية الثقيلة على أرجاء القصر، وتواطأت الأضواء الخافتة المتناثرة بين أوراق الشجر والنافورة الرخامية على صنع هالة من الغموض.كان سيف يسير بخطوات وئيدة، متباطئة لكنها مشحونة، يداه مستقرتان في جيبي بنطاله، وعقله يغلي بمحاولات عاجزة لتفريغ الشحنة العنيفة من الغضب والغيرة التي استوطنت صدره منذ مكالمة الصباح.ثم رآها.كانت تجلس بمفردها على المقعد الرخامي الأبيض القريب من حافة جدار النافورة، يستقر فوقها ضوء مصباح حديقة خافت يمنحها مظهرًا أشبه بلوحة دافئة وسط برودة المكان. رأسها منخفض بقلق، وبين كفيها كتاب مفتوح، لكن عينيها التائهتين كانتا تحدقان في الفراغ؛ لا تقرأ، بل تطحنها الأفكار.تجمدت خطوات سيف فوراً، وتصلب جسده في مكانه. لثوانٍ امتدت كالعمر، وقف يحدق بطيفها، وأطلق في سره لعنة صامتة على قلبه وعاطفته المعاندة. أي امرأة أخرى في هذا العالم كانت لتتحول لدخان أو اسم عابر في قائمة أيامه، أما روان... فكانت اللعنة الوحيدة العذبة التي كلما حاول التخلص من قيدها، وجد نفسه يغرق في شباكها أكثر.ترددت في عقله تلميحات عالية الخبيثة، ثم قفزت أمامه ملامح رو

  • غبار المرايا    حقيقة بيولوجية

    في جناحه الخاص، حيث تتخفف الأشياء من صرامة القصر الأرستقراطية، كان محمود يقف في الركن المخصص له أمام ماكينة القهوة الصغيرة. أمسك بالكوب الزجاجي بيده الدافئة، وراقب خيوط السائل الداكن وهي تصب ببطء وانسيابية، قبل أن ينثر فوق وجهها القليل من مسحوق القرفة.. كانت رائحتها النفاذة هي طقسه الحميمي الذي يفتتح به كل صباح.كان يستمتع ويثمن هذه الدقائق القليلة جداً من عزلته؛ الدقائق النادرة التي يتوقف فيها الزمن، ولا يطالبه فيها مخلوق داخل هذا الوكر باتخاذ قرار، أو إبداء رأي، أو تبني موقف يحسب عليه في بورصة النفوذ.انفتح الباب فجأة، دون إذن أو طرقات تمهد للحضور. دلفت نرمين بخطواتها الواثقة التي تحمل دائماً صدى سلطوياً متعالياً. ألقت نظرة فاحصة، سريعة وخاطفة على أركان الغرفة، قبل أن تقع عيناها الصارمتان عليه.رفعت حاجبها الأيمن باستغراب لم تحاول إخفاءه، وهي تراه يحضر قهوته بيديه دون استعانة بأحد، وسألته بنبرة لائمة ومتهكمة: — هو الخدم اختفوا من القصر وأنا معرفش؟التفت محمود إليها بهدوء شديد، هدوء بدا مستفزاً لاندفاعها، وأجاب بنبرة رخية: — لا.. موجودين.: — أمال واقف تعمل القهوة بنفسك ليه؟أعاد م

  • غبار المرايا    حديث صامت

    انبثقت على الشاشة السوداء عبارة واحدة جعلت الهواء يتجمد في الغرفة:.استقام عمران في جلسته فوراً، وتصلب ظهره باحترام تلقائي، وضغط زر الإجابة واضعاً الهاتف على أذنه. جاءه صوت عثمان عزام من الطرف الآخر؛ صوتاً عميقاً، رخامياً، ومهيباً يحمل نبرة المؤسس الذي لا ينثني: — مساء الخير يا عمران.— مساء النور يا جدي.ساد صمت قصير ومحمل بالثقل قبل أن يسأل الجد بنبرته المقتضبة: — كله جاهز؟أدرك عمران على الفور، وبفطنته المعتادة، أن جده يتحدث عن الترتيبات الأمنية والبروتوكولية لزيارته المرتقبة، فأجاب بثبات: — متقلقش يا جدي... كل حاجة جاهزة وعلى أكمل وجه.— كويس.توقف عثمان للحظة، ثم أردف بنبرة حاول جعلها عادية لكنها لم تخفِ اهتمامه الحذر: — طمني على ميرا.ارتسمت نظرة غامضة، مليئة بالخطورة والتحدي في عيني عمران وهو يفكر بالقابعة في الجناح الشرقي، وأجاب ببرود متقن: — أحسن بكتير.— الحمد لله.جاء رد الجد مقتضباً ومثقلاً بالغموض كعادته، ثم أضاف بصيغة آمرة وحاسمة لا تقبل المراجعة: — أنا هكون عندكم بكرة الصبح بدري.. وعايز كل أفراد العيلة بلا استثناء يكونوا موجودين ... محدش يتأخر يا عمران.وراء كلما

  • غبار المرايا    روح معلقة

    داخل إحدى غرف الملاحظة الهادئة في المستشفى، كان رجل خمسيني يجلس فوق السرير الطبي بملامحه المتعبة، بينما تنتهي إحدى الممرضات من لف حزام جهاز قياس الضغط حول ذراعه.وقف آدم أمامه، يقلب نتائج الفحوصات الطبية بتركيز قبل أن يغلق الملف، ثم رفع عينيه نحو المريض بنظرة فاحصة ممتزجة بمداعبة مألوفة: — طمني يا حاج محمود... بتدخن كام سيجارة في اليوم؟تنحنح الرجل، وحاول أن يهرب بعينيه قليلاً وهو يقول بتحفظ ومواربة: — يعني... شوية بسيطين يا دكتور.رفع آدم حاجباً واحداً بذكاء، وسأله وهو يبتسم برفق: — وشوية دي يعني كام بالظبط؟— علبة.— في الأسبوع؟— لا... في اليوم.صفق آدم الملف الطبي على راحة يده فجأة، وأطلق صيحة دهشة مصطنعة أدارت الرؤوس في الغرفة: — الله أكبر! علبة في اليوم وعايز قلبك مايشتكيش ؟!ضحك الرجل بخجل وهز رأسه محاولاً التملص: — كله بأمر ربنا يا دكتور، إحنا أسباب.هز آدم رأسه بأسف داعب، وعلق بنبرة واعظة لكنها حنونة: — ونعم بالله يا حاج محمود، بس ربنا قالك حافظ على نفسك وعمر صحتك الأول، مش تخلص علبة كاملة وتقول كله بأمر ربنا.. ده انتحار رسمي!انفجرت الممرضة الواقفة بجوارهما ضاحكة، أما

  • غبار المرايا    وجه ... وظل

    في جناحها الخاص، وقفت عالية هانم خلف النافذة العريضة المطلة على حدائق القصر. كانت الرياح تحرك الأشجار ببطء، بينما ظل الهاتف في يدها دافئًا من أثر المكالمة الأخيرة.مكالمة سيف.لم تتحرك لثوانٍ طويلة. فقط راحت تحدق في الخارج، كأنها ترى شيئًا أبعد من الأشجار والنافورة والضباب الخفيف.ثم عادت الكلمات ت

  • غبار المرايا    أوراق اللعبة الأولى

    خرجت جُمان إلى الممر الطويل بخطوات واثقة حاولت جاهدة ضبط إيقاعها، بينما كانت كلمات عمران الأخيرة لا تزال تدور داخل رأسها وتزن في أذنها قبضت على أصابعها قليلًا لتدفع الرعشة الكامنة فيها. كانت تكره الاعتراف بذلك، لكنه كان محقاً في كل كلمة. الأسماء سهلة، والقصص المكتوبة في الأوراق سهلة يمكن حفظها، أم

  • غبار المرايا    عهد لم يكتمل

    كان عداد السرعة يتجاوز الـ 140 كم/ساعة، والإطارات تصرخ بعنف مع كل منعطف حاد يسلكه على الطريق الصحراوي المهجور. لم يكن سيف يرى الطريق أمامه؛ بل كان يرى وجه "روان" وهي تنكمش في مقعدها، وعيناها الهاربتان اللتان أكدتا له كل المخاوف التي زحفت إلى صدره.أطبق بكلتا يديه على مقود السيارة بقوة جعلت مفاصل أص

  • غبار المرايا    صدع في الجدار

    السفرة الأساسية الفخمة داخل القصر الكبير، حيث كانت الأواني الفضية والبلور الصافي يعكسان كبرياء المكان، جلست نرمين هانم على الطاولة ببرودها المعتاد بعد مغادرة سيف. كانت تتابع بعيون صقرية ما يحدث داخل القصر؛ لم يكن هادئاً كالعادة بل يضج بالحركة والنشاط، وهناك تقف صوفيا تتابع حركة الخدم في غياب ميرا

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status