Share

قناع من حرير

Author: Hadeer khalil
last update publish date: 2026-05-17 19:14:41

الفصل الثالث " قناع من حرير"

طرقات خافتة  شقت السكون حولها , سباتها الذي لم يكن هادئًا ابدًا بل كان متعبًا لدرجة أنهكتها , عناء طويل وتفكير طيلة ليل في حياتها المقبلة وما ستؤول اليه الأمور في هذا المكان الذي لا يشبهها , ماذا عن والدها !

هل يبحث عنها ؟

أم ترك أمرها للأبد ؟!

هل المال كان أهم منها ! أم كانت مخطئة عندما إختارت أن تنسحب بكرامتها قبل أن يهدرها ذلك الوغد الذي كانت تعمل معه في المكتب. 

كانت تتحمل سماجته لأنها تعمل بمهنة التصميم الجرافيكي التي تحبها ،ولم يكن وصلت به الحماقة إلي حد الوقاحة و الدهس على كرامتها بهذا الشكل ، وحينما فعل ، تركت كل شيء حولها و إنهالت عليه بشظاياها الجارحة لم تأبه بخسارة عملها الذي تحبه ولا مصدر الدخل الأساسي لها ولوالدها الذي لا يعمل وهي على علم بأن والدها سيثور عندما يعلم بما فعلت ، وكانت على صواب فقد أجبرها والدها على الخروج من البيت وعدم العودة إلا بعد الحصول على عمل بأي طريقة كانت!

رفعت رأسها بثقل فرأت صوفيا تدخل بإبتسامة هادئة وتلقى تحية الصباح

:"صباح الخير "

أرخت رأسها مرة أخرى وهي تشعر بالدوار يجوب بوعيها, كحة خافتة صدرت من صدرها فإنتبهت لها صوفيا وهي تلمح الملابس التي أخرجتها لها بالأمس جوارها , لم تبدل ملابسها المبللة , اتجهت إليها مباشرة وعلى وجهها ملامح القلق , تحسست ملابسها لتجد آثار المياه لم تجف بعد , ثم رفعت يدها الى جبينها فشعرت بارتفاع حرارتها .

هذه الفتاة عنيدة !

هذا ما تمتمت به صوفيا وهي تتجه الى الحمام الملحق بالغرفة ثم خرجت تحمل صندوق به بعض الأدوية و هي تقول

:" حرارتك عالية ، علشان مغيرتيش هدومك المبلولة من إمبارح "

إقتربت منها تناولها قرص دواء وكوب من الماء , أزاحت جمان رأسها بعناد ترفض تناول الدواء

تنهدت صوفيا وهي تقول بصدق

:" اسمعيني كويس يا بنتي ، حتى لو إنتِ مش ميرا زي ما بتقولي، لازم تاخدي بالك من نفسك ومن صحتك كويس ، الغلط هنا مش مسموح بيه ، ولازم تكوني قد اللي حتواجهيه في القصر دة "

رغم التعب قالت بعناد تقاوم الدوار الذي يضرب رأسها

:" ليه لازم أواجه كل اللي بتقولي عليه دة! القصر باللي فيه ما يهمنيش ، ولا قواعده تمشي عليا "

ردت صوفيا بحنو في محاولة منها لشرح خطورة الموقف

:" يمكن ما كنش يخصك قبل كدة ، بس طالما دخلتيه مش هينفع تخرجي منه بمزاجك ، فخليكي ذكية و ارسمي خطواتك هنا صح ."

رغم وعيها الذي لم يكن بكامله, كانت مدركة خطورة موقفها ومع  أنها لم تري من هذا المكان سوى تلك الجدران الفخمة التي تحاوطها منذ أن حضرت بالأمس , الى أن سمة شيء بداخلها يبقيها يقظة لأنها على يقين أنهم لن يتركوها حتى تظهر ميرا , أو أن تكون هي ميرا !

تناولت الدواء على مضض, حتى تستعيد صحتها عليها أن تكون في كامل وعيها  لتستطيع أن تفر بنفسها .

ابتسمت لها صوفيا وهي تتناول منها الدواء, ثم قالت

:" كويس ، كدة بدأتي تستوعبي اللي قولته ، و دلوقتي لازم تغيري الهدوم دي "

طاوعتها جُمان وتحركت ببطء تستند على يد صوفيا الممدودة إليها , تقاوم ثقل رأسها , وصلت الى الحمام فتركتها صوفيا ودخلت علقت الملابس في المكان المخصص لها, خرجت سريعًا تسند جُمان التي أشارت لها ان تنتظرها بالخارج , رغبة منها في الحفاظ على اخر ما تملكه .. خصوصيتها وكرامتها بعيدًا عن عيون القصر التي تراقبها .

تحاملت على نفسها وأغلقت الباب خلفها بهدوء ثم استندت عليه بجسدها المُحمل بالتعب و روح مرهقة لا تقوى على الإستمرار .

رفعت عينيها لترى فخامة المكان التي لا تتنافى مع الغرفة بالخارج , فخامة ببزخ , بلا روح , بلا حياة .

القت نفسها في حوض الاستحمام , فاحتضن الماء الدافيء جسدها المرتجف , لكن دفئه لم يطفيء الرعب الذي يسكن قلبها!

أغمضت عينيها وتركت روحها تغوص بالماء , والإنهيار قد وصل ذروته , فإنسكبت دموعها بحرارة على خدها الشاحب وحياتها السابقة تُعرض أمام عيناها كشريط سينمائي مهلهل , لم تكن حياتها مرفهة يومًا كانت دومًا مليئة بالصعاب والمسؤوليات الملقاة على عاتقها , حتى قصتها مع والدتها التي أخبرها والدها انا ماتت عند ولادتها لم تصدقها ! هي فقط تعايشت مع الفكرة , لم تحاول النبش خلفها حتى لا تُصدم بما يجرح كبرياءها .

لم تجد يومًا صورة تخص والدتها !

صورة واحدة ترضي فضول قلبها ؟!

صورة واحدة تحفرها في خيالها وتنسج معها أحلامًا تمنت يومًا أن تعيشها !

لا تعلم لماذا إنهالت عليها تلك الأفكار الآن! والآن بالذات ؟!

تلك الأفكار التي تعلن ضعف أخمدته عمدًا بداخلها , وهي الآن في أمس الحاجة لأن تستعيد قوتها الجسدية والنفسية , فلم تكن ضعيفة يومًا ولا يليق الضعف بها الآن"

فتحت عيناها على مهل فلمحت ملابس ميرا أمامها , تأملتها مليًا ثم رفعت كفها الرقيق ومسحت تلك الدمعة الخائنة التى شرخت كبريائها , نهضت وتناولت المنشفة تجفف حبات المياه ثم أمسكت ملابس ميرا فارتدتها

وتأملت نفسها في المرآه الضخمة وهمست لنفسها قائلة

:" عمرك ما حسيتي بالفخامة دي في يوم ، مفيش مانع نخوض التجربة ونعيش حياة الأغنياء في هدوم ميرا ، بس بروح جُمان "

....

استجمعت بعضًا من شجاعتها وخرجت لتواجه عالم فُرض عليها, لكنها توقفت فجأة !

كان عمران يقف في منتصف الغرفة , لم يمنحها الوقت لتستعد , وقف ساكنًا , يحدق فيها بصمت أربكها أكثر من أي كلمة من الممكن أن يتفوه بها.

هذا الرجل مهيب لدرجة لم تشعر بها من قبل , غامض بشكل مخيف .

إرتبكت دواخلها من نظراته وزاد إرتباكها عندما وجدته يقترب , لم يكن ينظر لها بل كان يتفحص روحها من الداخل.

تأملها في هذا الفستان الناعم وخصلاتها الغجرية السوداء تنفض الماء عنها بقوة ,اقترب لدرجة أشعرتها بأنفاسه الساخنة , كانت جميلة رغم شحوب وجهها , لكن ثمة شيء مختلف في الأعماق .

مد أصابعه يلمس أطراف شعرها المبللة وقال ببطء

:" أهلا برجوعك .. ميرا "

انتفض كبرياءها لقربه ,وكتمت غضبها من حروف هذا الإسم الذي بدل لها حياتها بين ليلة وضحاها ,

اشتعلت عيناها بالتحدي متغاضية عن الدوار الذي ضرب رأسها مجددًا بفعل الحمى  فقالت

:" بص كويس ومتخليش المظاهر تخدعك ، أنا مش ميرا ، ما تبقاش أعمى القلب والنظر !"

تجرأت وأشعلت الغضب بداخله فقبض على خصلاتها بقسوة وإحكام لتخرج منها تأوهة خافتة , فقال بفحيح مرعب

:"إتجرأت أوي ولسانك طول يا م.."

بتر كلماته وتجمدت عيناه على بقعة محددة عند التقاء العنق بالكتف ,

هناك حيث تقبع شامة صغيرة داكنة كعلامة فارقة و وحيدة !

انقبضت حدقتاه و شعر ببرودة تسري في عروقه كأن صاعقة ضربته في مقتل .

حاولت جُمان فك خصلاتها من قبضته بعصبية وكبرياء, ارتخت قبضته كما تزحزت خطوط الحقيقة بداخله , عيناه تحوم على صفحة وجهها بصدمة  ولكنه ابتلعها ببراعة مرعبة واسترجع قناعه الصارم من جديد .

لم ينظر للشامة مجددا , بل ثبت عينيه في عيناها المتمردة ودث كفيه في جيبي بنطاله قائلًا بثبات و قسوة ظاهرية

:"كل اللي بتعمليه دة مش هيغير حاجة ، و محاولتك إدعاء الجنون أو فقدان الذاكرة مش هيفيدك ، علشان مش هيحصل غير اللي أنا عايزه !

أنهى جملته وتركها في صدمتها وخرج بثبات من الغرفة صافعًا خلفه باب من أبواب الحقيقة .

الآن فقط اكتشفت ان رئتيها لم تكن تتنفس, ولم تشعر بتحرر أنفاسها إلا بعد أن خرج !

بحثت عيناها عن صوفيا بتلقائية وكأنها الملاذ الآمن لها في هنا , لم ترى منها سوءًا منذ أن خطت قدماها غصبًا الي هذا المكان , ولا تعرف لماذا شعرت أنها تحتاجها الآن وبشدة !

......

خرج عمران والحقيقة تحوم في رأسه كذئب جريح ينهش يقينه ولا يسمح له بالإعتراف, كان الشك يساوره منذ اللحظة الأولى , أما الآن فقد صار بين يديه دليل لا يمكن تجاهله , علامة صغيرة هدمت يقينًا كان يظنه راسخًا كالصخر .

لكن ما بين اليقين والشك لم تكن هناك سوى حقيقة واحدة فرضت نفسها وهي أن ميرا عادت مجددًا أيًا كانت الروح التي تسكنها  .

رفع رأسه فوجد صوفيا تقف بالقرب من  باب الغرفة بعد أن أمرها قبل قليل بالخروج منها , تنتظر في صمت , وكأنها تقرأ الإضطراب المختبيء خلف ملامحه الجامدة

أخفى ما يدور داخله ببراعة ثم قال بصوت صارم لا يقبل النقاش

:" لازم تكون ميرا قبل جدي ما يوصل "

توقف قليلًا ثم قال بنبرة أكثر حزمًا وإصرارًا 

:" ومن دلوقتي إنتِ اللي مسئولة الوحيدة قدامي عنها "

رفعت صوفيا عيناها إليه وقد أدركت أن الأمر تجاوز مرحلة الشك , وأنه يعلم الحقيقة ولكنه اتخذ قراره النهائي .

قالت بهدوء لا يخلو من القلق

" ولو رفضت ؟"

ظل عمران صامتًا لثوانٍ وعيناه مثبتتان على الباب المغلق خلفه , ثم قال ببرود يخفى اضطرابًا لم يعتد الإعتراف به

" حتوافق "

عقدت صوفيا حاجبيها ,  وسألته بنبرة أمومية صادقة

:" وايه اللي مخليك متأكد كدة ؟! فاكر إن الضغط عليها هيجيب نتيجة ؟ هي تعبانة وخايفة ومش فاهمة حاجة من اللي بتحصل حواليها ، بالراحة عليها وأنا حاسة إنها ذكية وهتستوعب "

التفت إليها أخيرًا , وملامحه جامدة كعادتها وقال

:" معنديش وقت لكل دة ، لازم تكون ميرا في أسرع وقت و بأي ثمن كان."

تأملته صوفيا طويلًا قبل أن تقول

:" طب والحقيقة اللي احنا بنحاول نتجاهلها ، اعتقد انها تهمك عمران بك، ميرا كانت مراتك لكن دي لأ !"

مرت لحظة صمت قصيرة انحرفت فيه عيناه عنها واتجه بنظرة إلى نهاية الممر الطويل  وقال

:" الحقيقة اللي بتتكلمي عنها دلوقتي دي رفاهية مش مسموح بيها في الوقت الحالي ، محدش هيقدر يمنع اللي في دماغي مهما كان هو مين ومهما كان الثمن"

فهمت صوفيا ما لم يعترف به , لقد رأي الحقيقة , واعترف بها في قرارة نفسه لكنه اختار دفنها .

تنهدت ببطء وقالت

:" حساعدها .. مش علشان ميرا ، بس لإن ملهاش ذنب ، ذنبها الوحيد إن القدر رماها في طوفان ما تعرفش عنه حاجة للأسف "

استدار عمران وغادر الممر بخطوات ثابتة , لكن للمرة الأولى منذ سنوات طويلة منذ أن أصبح إمبراطور عائلة عزام , لم يكن واثقًا من أن الطريق الذي إختاره هو الطريق الصحيح .

أما صوفيا , فبقيت أمام الباب المغلق ويدها على المقبض فهمست لنفسها بحزن

:" مش عارفة إنت عملتي ايه يا بنتي علشان تقعي الوقعة دي ، بس اللي أنا متأكدة منه إنك الوسيلة الوحيدة لترجيح كفة الميزان "

....

كانت كفراشة حائرة بين الأزهار تتنقل بينها بحرية ونعومة ، تعتني بزهور الياسمين البيضاء خاصتها التي تشبه بياض قلبها ، تسقيها  بعناية وتوليها حب من نوع خاص،  تتلمس أوراقها بحنان بالغ،  حنان لم يكن سمة أساسية بين نساء هذا القصر. 

انحنت فوق احدى الشجيرات،  تمرر أطراف أناملها الرقيقة على الزهور البيضاء،  فإبتسمت برضا عندما رفعت رأسها واستنشقت عبيرها الهاديء. 

: " كنت متأكد إني هلاقيكي هنا،  صباح الخير يا فراشة القصر "

التفتت روان فورًا،  وما إن رأت آدم حتى أشرقت ملامحها بآبتسامة صادقة. 

كان آدم عزام مختلفًا كليًا عن بقية رجال العائلة،  لا يحمل في عينيه صراعًا على ثروة أو سلطة،  ولا يتحدث بلغة النفوذ والمصالح،  كان طبيبًا مرحًا هادئًا،  اختار أن ينقذ أرواح بدلًً من التنافس على إرث العائلة،  ولذلك اتخذته رفيقًا لها! 

و من غيره يشعر بحيرتها وآلامها بين جدران هذا المكان الجاف. 

: " صباح النور على دكتورنا الوسيم،  رجعت إمتى مش كان عندك نبطشية تقريبًا؟ "

أومأ لها ورد 

: " لسة راجع حالًا"

قالت برقة 

: " شكلك مرهق "

دلك جبينه بإرهاق واضح ثم قال 

: " مرهق جدًا،  بس قولت لازم أصبح على فراشتي الأول وأطمن على الضغط اللي على طول واطي عندها "

ابتسمت له بخفة روحها قائلة 

: "الدكتور الوحيد اللي بيهتم بمرضاه في المستشفى وبرا كمان" 

قرص خدها الوردي بخفة وقال 

: " بعد الشر عنك منك المرض حبيبتي "

قالت تخبره 

: " عرفت إن ميرا رجعت؟ "

أومأ لها بعدم إهتمام 

: " سمعت،  بس إنتِ عارفة مش متابع حوارتها،  مش شغلاني "

ابتسمت له وقالت

: "I know, you don't love her" 

: " مش حكاية مبحبهاش،  هي حواراتها كتير ومش عارف إيه اللي مخلى عمران صابر عليها "

قالت ببراءة 

: " علشان بيحبها مثلًا"

ابتسم آدم على براءتها 

"لا يا رو ،  مش علشان بيحبها،  عمري ما شوفت في عينه نظرة حب بيخصها بيها،  عمران بيتعامل معاها علشان هي مراته وبس" 

رمقته روان بإستغراب قائلة

: " بس عمري ما حسيت إنه مش بيحبها"

غير آدم دفة الحديث حينما سألها بمغزى في رأسه عندما رأى ذلك الظل الضخم يتابعهم من بعيد وهو يعلم جيدًا من يكون

: " قوليلي عملتي ايه مع طنط عاليا،  لسة بردو مصممة على اللي في دماغها؟ "

اتسعت عيناها بصدمة من معرفته بنوايا والدتها فقالت

: " إنت عرفت إزاي.؟ "

 استشعر آدم حرجها وكم آلمه قلبه لأجلها فمسح على لحيته بحرج وقال

: " هو تقريبًا كل القصر عارف هي عايزة إيه " 

: " تعبت يا آدم بجد،  الموضوع ضاغط على أعصابي وهي مش سيبالي فرصة أتنفس بعيد عن الخطط بتاعتها،  مش قادرة تقتنع إن أبيه عمران هو أبيه وبس،  بقيت بتعامل معاه بحساب ومش عارفة أعيش على طبيعتي "

حزن آدم لأجلها،  صغيرة هي و لا تتحمل صراعات العائلة التي تريد والدتها أن تقحمها فيها عنوة،  فقال 

: " ما تقلقيش يا رو،  عمران فاهم كل حاجة "

أولته ظهرها تنظر الى أزهارها البيضاء بحزن فقالت

: " بس خايفة يجي يوم ويزهق، مامي حطاني في وضع صعب جدًا وبتضغط عليا بطريقة مؤذية،  بيكون شكلي وحش أوي لما تفضل تقول كلام بيقلل مني وهي بتحاول تقنعه إنه لازم يتجوزني"

إبتسامة ساخرة شقت ثغرها وأردفت سريعًا 

: " طبعًا مش بتقولها صراحة بس كلامها واضح جدًا"

بينما آدم يتابعها بألم حقيقي،  هناك قلب يتفتت غيظًا مما تقول،  وحقدًا على أخيه الذي يقف بجوارها يستنشق عبيرها،  ويتلقى عنها آلامها! 

قطع حديثهم ذلك الصوت الحاد الذي يذبذب خلايا قلبها ولا تعلم شيئًا عن السبب 

: " حمد لله على السلامة يا دوك،  ايه عاملين مؤتمر بتناقشوا فيه مشاعر أفراد العيلة ولا إيه "

رد عليه آدم السلام و هو يلمح الغيرة الغامضة التي تأكل قلب أخيه وقال بغموض

: " لا يا عم مشاعر إيه،  سيبنا الكلام دة لناسه،  إحنا زي الفل الحمد لله "

رمقه سيف بنظرات نارية فبادله آدم بأخرى مغيظة وهو ينسحب قائلا

: " أنا رايح أنام ساعتين قبل ما أرجع المستشفى " 

ثم نقل نظراته الى روان المرتبكة يقول 

: " أشوفك على خير يا رو"

وأردف وهو يربت على كتف أخيه يقول 

: " أشوفك على خير يا برو"

تابعه سيف بهدوء حتى إبتلعه باب القصر الحديدي،  فالتفت اليها يشعر بتوترها الواضح، وما كان منه إلا أن يتغاضى عما سمعه مؤقتا،  ثم عليه أن يتخذ قرارًا واضحا بشأنها،  ليقطع على الجميع وخاصة والدتها اي خطط تحيكها. 

كانت تنظر للفراغ حولها وتشعر بالحرج بأن يكون سيف قد سمع حديثها مع أخيه، لا تعلم لما هو بالذات! لما هذا الإرتباك الذي يصيبها في حضرته، نظراته غامضة وقادرة أن تبعثر ثبات قلبها، 

إنتبهت لإنحناءه وامتدت يده تقطف إحدي زهورها، ففزعت تجذبه من ذراعه القوي وهي تقول 

:"لا ياسيف علشان خاطري، ما تعملش كدة "

لمستها أشعلت بريق عينيه الداكنتين، وقلبه صاح مهللًا كفرحة الصغار بليالي العيد، فاعتدل في وقفته وعيناه مثبتتان على أناملها الرقيقة التي تلامس ساعده العضلي، رفعهما ببطء والتقت العيون في حديث صامت كانت هي أول من فضته، حينما سحبت يدها سريعًا بإرتباك وعيناها لمحت ببؤس الزهرة التي استقرت في كفه 

حاولت جاهدة إستعادة صوتها الذي هرب منها وقالت برقة 

: "ممكن ما تعملش كدة تاني يا سيف"

ثبت أنظاره عليها واستحضر صوته الذي غلب عليه التأثر من لمستها فقال

: "ما أعملش إيه بالظبط؟! "

فركت أناملها ببعضها بإرتباك قائلة 

:"ما تقطفش وردة من مكانها تاني، please "

اقترب خطوة، فتقلصت المسافة بينهم، ورفع كفه يثبت الزهرة برقة في جانب شعرها الحريري وهو يقول بخفوت

: "مكانها هنا أحلى بكتير "

زاد إرتباكها، وضربات قلبها صارت ترتجف بجنون، وشعور غريب يتسلل إلى أعماقها، شعور يخصه وحده ولا تعلم ما هو تحديدًا 

تركها واغتصب خطواته مُبتعدًا يمرر أصابعه بين خصلاته الداكنة، يجبر نفسه على الابتعاد عن حضورها الذي يخطف أنفاسه 

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • غبار المرايا    شظايا الكلمات

    قطع هذا السكون خطوات سريعة ومرحة، حيث انضم إليه ابنه آدم الذي كان يرتدي سترته مستعداً ليرحل إلى نوبته. جلس آدم على المقعد المقابل لوالده بعفوية، ماداً يده ليلتقط قطعة من الخبز المحمص وهو يقول بابتسامته ذات الدم الخفيف المعتاد: — صباح الخير يا بابا.. الروب الصوف ده مخليك شبه لوردات الإنجليز اللي بنشوفهم في التليفزيون ، ناقصك بس غليون وتبدأ تحكم العالم من هنا!تحسنت ملامح محمود وتلاشت لاماته المعتادة، فهز رأسه بإعجاب بنكتة ابنه المقرب لقلبه، وأخذ رشفة من قهوته قائلاً بنبرة دافئة: — صباح النور يا دكتور.. سيبك من الروب بتاعي دلوقتي، وقولي أخبار المستشفى وشغلك إيه؟ الظاهر إن الطوارئ واخدة كل وقتك لدرجة إننا بقينا بنشوفك في القصر بالصدفة.رد آدم وهو يبتلع لقمته ويضحك بصوت خافت: — المستشفى بقت بيتي الأول يا بابا، الطوارئ هناك مبترحمش.. دكاترة رايحين ودكاترة جايين، وحالات تخليك تصحصح غصب عنك. بس أهو، بنحاول ننقذ ما يمكن إنقاذه عشان الإنسانية.. وعشان البرستيج برضه!ضحكا معاً بصوت مسموع، وكانت الأجواء بين الأب وابنه تفيض بالدفء التلقائي، حتى قطعت تلك اللحظة خطوات حازمة، ذات إيقاع منتظم وأرس

  • غبار المرايا    أنفاس مكتومة

    في تمام الرابعة فجراً، كان السكون يلف الجناح الشرقي ككفن دافئ، والظلام لم ينسحب بعد من زوايا الغرفة. استيقظت جُمان. لم يكن استيقاظاً عادياً، بل انتفاضة وعي تدرك أن زمن الرفاهية قد انتهى، وأن الساعات القادمة لا ترحم المترددين.نهضت من فراشها، وتوجهت بخطوات ثابتة نحو غرفة الملابس الملحقة بالجناح. وقفت أمام الخزانة الهائلة الممتدة بجدرانها الخشبية الداكنة، وتأملت مئات الفساتين والقطع الفاخرة المنسقة برتابة باردة. لم تعد تتأملها بعيون جُمان المبهورة، بل تطلعت إليها بتركيز حاد، كقائد يختار سلاحه لمعركة مصيرية.مدت يدها، ومررت أصابعها بين الأقمشة الحريرية والمخملية الصاخبة، مستحضرةً كل الفيديوهات والصور التي حفظتها لميرا. اختارت فستاناً مخملياً أسود مطرزاً بخيوط ذهبية عند الصدر والأكمام، قطعة تفيض بالجرأة والكبرياء. ارتدته ببطء، ومع كل زر تغلقه، كانت تشعر وكأنها تغلق باباً على ماضيها، وتتخيل نفسها ميرا بجد؛ امرأة لا تخاف أحداً، وتأخذ ما تريد بقوة حضورها.تراجعت خطوة، ونظرت إلى انعكاس صورتها في المرآة الطويلة. لم يتبقَ سوى اللمسة الأخيرة. جلست أمام طاولة الزينة، وأمسكت بالفرشاة والمثبت. بدأت

  • غبار المرايا    خطوات على أرض مهتزة

    خرجت روان من مكتب عمران بخطوات هادئة، والابتسامة المريحة التي غمرت وجهها إثر حديثها معه بدأت تتلاشى تدريجياً وهي تغلق الباب الرصاصي برفق. يكفيها دائماً أن تلجأ لعمران، الرجل الذي تولى تربيتها ورعايتها منذ صغرها، لتشعر أن الدنيا أقل تعقيداً وأنها في مأمن من أجواء القصر الخانقة.استدارت لتكمل طريقها عبر الممر الطويل، لكن خطواتها تجمدت فجأة، وانقبضت أسفل معدتها برعشة توتر مألوفة.في نهاية الممر، حيث الظلال تعانق الجدار الرخامي البارد، كان سيف يقف.كان يعقد ذراعيه أمام صدره بجمود، وعيناه الحادتان والمشحونتان بنبرة غامضة ومخيفة مثبتتان عليها كالصقر. روان، بطبيعتها الرقيقة والبريئة، كانت تشعر دائماً بالخوف والتهيب من سيف؛ عصبيته غير المبررة، وغموضه الدائم، ونظراته التي تعجز عن فهمها، كلها أشياء كانت تجعلها تتلعثم في وجوده وتتحاشى الاصطدام به قدر الإمكان.حاولت روان أن تجمع شتات نفسها، ورسمت ابتسامة باهتة ومضطربة وهي تخطو ببطء، وقالت بصوت متقطع حذر:- واقف كدة ليه يا سيف؟.. خضيتني.اعتدل في وقفته ببطء شديد، وجسده الطويل يلقي بظلاله فوق الرخام، وتحدث بنبرة جافة، يغلفها برود مصطنع:-مستني عمرا

  • غبار المرايا    تحركات فوق رقعة الشطرنج

    كان عمران يقف عند عتبة الباب الداخلي للجناح، سانداً ظهره إلى الإطار الخشبي، واضعاً يديه في جيبي بنطاله. عيناه الصقريتان كانت تتابع حركاتها بدقة باردة، وملامحه الجليدية لم تكشف شيئاً مما يدور في عقله بعد ليلته الطويلة المشحونة.استجمعت جُمان شتات نفسها بسرعة، ورفضت أن تظهر بمظهر الضعيفة أمامه. أرخت كتفيها، وأمالت رأسها إلى الجانب بقليل من التحدي، وقالت بنبرة حاولت أن تكسوها ببرود ميرا:- هو عادي بندخل بدون اسئذان ، ولا دي كمان من قواعد القصر اللي لسة معرفهاش تحرك عمران خطوات وثابتة نحوها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة تحمل مزيجاً من الإعجاب الخفي والسخرية:- محدش بيستأذن وهو داخل الجناح الخاص بيه هو ... ومراته شعرت جُمان بوخزة من الضيق، لكنها تماسكَت. وضع عمران يده على الطاولة، وسحب الكرسي وجلس أمامه وعيناه تثبتان في عينيها قائلًا بنبرة هادئة :-الجد عثمان كلمني الصبح.. بعتلك سلام مخصوص، وبيسأل عن الخاتم الألماس اللي ادهولك في آخر حفلة في بيروت، قال إنه مش شايفه في صورك الأخيرةلمعت عينا جُمان بتوجس، وحاولت استرجاع كل تفاصيل الفيديوهات والملفات التي قرأتها عن حفلة بيروت، وقالت بثقة

  • غبار المرايا    أقنعة الصباح.. ونيران الليل

    وفي الجناح الغربي للقصر، حيث تفوح رائحة البخور العتيق وتمتزج بالفخامة الباردة، كان الهدوء يخيّم على المكان بصورة خادعة؛ هدوء يشبه سطح بحر ساكن يخفي تحته دوامات لا تُرى.جلست عالية هانم فوق مقعدها المخملي الفاخر، تعقد ساقًا فوق الأخرى في أناقة متعمدة، بينما كانت أصابعها تداعب فنجان القهوة أمامها ببطء. أما نرمين هانم فكانت تقف أمام النافذة العريضة، تراقب الحديقة الممتدة أسفلها بعينين جامدتين لا تفصحان عما يدور خلفهما.تنحنحت عالية، ووضعت فنجانها فوق الطاولة الزجاجية برقة مصطنعة أصدرت رنة خفيفة، وقالت بنبرة هادئة حملت ترحيباً مبطناً باللؤم: -نورتِ القصر يا نرمين.التفتت نرمين ببطء، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة غامضة هادئة، ثم خطت نحو عالية بوقارها الأرستقراطي وجلست على المقعد المقابل لها وقالت بصوت رخيم ونبرة دبلوماسية متقنة: - شكرا عالية ، القصر طول عمره منور .. بيكيتابعت عالية وهي ترشف قهوتها:- بصراحة رجوعك فاجئني ، بعد السنين دي كلها قلت خلاص أكيد مفيش نية للرجوع ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتي نرمين.:- ساعات الإنسان بيحس إن الوقت ما بقاش يسمح إنه يفضل بعيد أكتر من كده.ضاقت ع

  • غبار المرايا    حقل الألغام

    انفتح الباب ببطء شديد، وانشق الفراغ عن امرأة تجاوزت الخمسين من عمرها، لكنها تحصنت بكبرياء طاغٍ وجمال بارد متكبر لا تهزمه السنون. كانت ترتدي معطفاً مخملياً أسود طويلاً يحيط بقامتها الممشوقة، وخلفها في عتمة الممر كان يقف أحد الحراس القدامى، يضع حقائب ملابسها الفخمة أرضاً بوجل، ثم ينسحب في صمت مطبق.كانت تقف ببرود تام، وهدوء مرعب، وثبات لا يتزحزح.. إنها نرمين هانم ، والدة سيف. المرأة التي غادرت هذا القصر منذ سنوات طويلة إثر خلافات عاصفة هزت أركان العائلة، وعادت الآن في عتمة الليل لتطأ أرض المعركة مجدداً كأنها لم تغادر قط.تراجعت يد محمود إلى الخلف، وتحجرت ملامحه تماماً، . اتسعت عيناه بذهول وصدمة، وخرجت نبرته ممتزجة بالغضب المكتوم والوجل: -نرمين ! ايه اللي جابك هنا ؟! وراجعة تعملي ايه بعد كل السنين دي ؟خلعت نرمين قفازاتها الجلدية السوداء ببطء وثقة مفرطة، ونفضت قطرات المطر الخفيفة عن كتف معطفها، ثم رمقت محمود بنظرة ساخرة مليئة بالتهكم، وقالت بصوت رخيم وقوي يقطر ثقة: - أهلا يا محمود ، شايفة علامات السن بدأت تترسم على وشك ، معقول شايل الهم للدرجة دي !رمقها باستهزاء وأردف بهدوء وهو يعلم ا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status