เข้าสู่ระบบالفصل الثالث " قناع من حرير"
طرقات خافتة شقت السكون حولها , سباتها الذي لم يكن هادئًا ابدًا بل كان متعبًا لدرجة أنهكتها , عناء طويل وتفكير طيلة ليل في حياتها المقبلة وما ستؤول اليه الأمور في هذا المكان الذي لا يشبهها , ماذا عن والدها !
هل يبحث عنها ؟
أم ترك أمرها للأبد ؟!
هل المال كان أهم منها ! أم كانت مخطئة عندما إختارت أن تنسحب بكرامتها قبل أن يهدرها ذلك الوغد الذي كانت تعمل معه في المكتب.
كانت تتحمل سماجته لأنها تعمل بمهنة التصميم الجرافيكي التي تحبها ،ولم يكن وصلت به الحماقة إلي حد الوقاحة و الدهس على كرامتها بهذا الشكل ، وحينما فعل ، تركت كل شيء حولها و إنهالت عليه بشظاياها الجارحة لم تأبه بخسارة عملها الذي تحبه ولا مصدر الدخل الأساسي لها ولوالدها الذي لا يعمل وهي على علم بأن والدها سيثور عندما يعلم بما فعلت ، وكانت على صواب فقد أجبرها والدها على الخروج من البيت وعدم العودة إلا بعد الحصول على عمل بأي طريقة كانت!
رفعت رأسها بثقل فرأت صوفيا تدخل بإبتسامة هادئة وتلقى تحية الصباح
:"صباح الخير "
أرخت رأسها مرة أخرى وهي تشعر بالدوار يجوب بوعيها, كحة خافتة صدرت من صدرها فإنتبهت لها صوفيا وهي تلمح الملابس التي أخرجتها لها بالأمس جوارها , لم تبدل ملابسها المبللة , اتجهت إليها مباشرة وعلى وجهها ملامح القلق , تحسست ملابسها لتجد آثار المياه لم تجف بعد , ثم رفعت يدها الى جبينها فشعرت بارتفاع حرارتها .
هذه الفتاة عنيدة !
هذا ما تمتمت به صوفيا وهي تتجه الى الحمام الملحق بالغرفة ثم خرجت تحمل صندوق به بعض الأدوية و هي تقول
:" حرارتك عالية ، علشان مغيرتيش هدومك المبلولة من إمبارح "
إقتربت منها تناولها قرص دواء وكوب من الماء , أزاحت جمان رأسها بعناد ترفض تناول الدواء
تنهدت صوفيا وهي تقول بصدق
:" اسمعيني كويس يا بنتي ، حتى لو إنتِ مش ميرا زي ما بتقولي، لازم تاخدي بالك من نفسك ومن صحتك كويس ، الغلط هنا مش مسموح بيه ، ولازم تكوني قد اللي حتواجهيه في القصر دة "
رغم التعب قالت بعناد تقاوم الدوار الذي يضرب رأسها
:" ليه لازم أواجه كل اللي بتقولي عليه دة! القصر باللي فيه ما يهمنيش ، ولا قواعده تمشي عليا "
ردت صوفيا بحنو في محاولة منها لشرح خطورة الموقف
:" يمكن ما كنش يخصك قبل كدة ، بس طالما دخلتيه مش هينفع تخرجي منه بمزاجك ، فخليكي ذكية و ارسمي خطواتك هنا صح ."
رغم وعيها الذي لم يكن بكامله, كانت مدركة خطورة موقفها ومع أنها لم تري من هذا المكان سوى تلك الجدران الفخمة التي تحاوطها منذ أن حضرت بالأمس , الى أن سمة شيء بداخلها يبقيها يقظة لأنها على يقين أنهم لن يتركوها حتى تظهر ميرا , أو أن تكون هي ميرا !
تناولت الدواء على مضض, حتى تستعيد صحتها عليها أن تكون في كامل وعيها لتستطيع أن تفر بنفسها .
ابتسمت لها صوفيا وهي تتناول منها الدواء, ثم قالت
:" كويس ، كدة بدأتي تستوعبي اللي قولته ، و دلوقتي لازم تغيري الهدوم دي "
طاوعتها جُمان وتحركت ببطء تستند على يد صوفيا الممدودة إليها , تقاوم ثقل رأسها , وصلت الى الحمام فتركتها صوفيا ودخلت علقت الملابس في المكان المخصص لها, خرجت سريعًا تسند جُمان التي أشارت لها ان تنتظرها بالخارج , رغبة منها في الحفاظ على اخر ما تملكه .. خصوصيتها وكرامتها بعيدًا عن عيون القصر التي تراقبها .
تحاملت على نفسها وأغلقت الباب خلفها بهدوء ثم استندت عليه بجسدها المُحمل بالتعب و روح مرهقة لا تقوى على الإستمرار .
رفعت عينيها لترى فخامة المكان التي لا تتنافى مع الغرفة بالخارج , فخامة ببزخ , بلا روح , بلا حياة .
القت نفسها في حوض الاستحمام , فاحتضن الماء الدافيء جسدها المرتجف , لكن دفئه لم يطفيء الرعب الذي يسكن قلبها!
أغمضت عينيها وتركت روحها تغوص بالماء , والإنهيار قد وصل ذروته , فإنسكبت دموعها بحرارة على خدها الشاحب وحياتها السابقة تُعرض أمام عيناها كشريط سينمائي مهلهل , لم تكن حياتها مرفهة يومًا كانت دومًا مليئة بالصعاب والمسؤوليات الملقاة على عاتقها , حتى قصتها مع والدتها التي أخبرها والدها انا ماتت عند ولادتها لم تصدقها ! هي فقط تعايشت مع الفكرة , لم تحاول النبش خلفها حتى لا تُصدم بما يجرح كبرياءها .
لم تجد يومًا صورة تخص والدتها !
صورة واحدة ترضي فضول قلبها ؟!
صورة واحدة تحفرها في خيالها وتنسج معها أحلامًا تمنت يومًا أن تعيشها !
لا تعلم لماذا إنهالت عليها تلك الأفكار الآن! والآن بالذات ؟!
تلك الأفكار التي تعلن ضعف أخمدته عمدًا بداخلها , وهي الآن في أمس الحاجة لأن تستعيد قوتها الجسدية والنفسية , فلم تكن ضعيفة يومًا ولا يليق الضعف بها الآن"
فتحت عيناها على مهل فلمحت ملابس ميرا أمامها , تأملتها مليًا ثم رفعت كفها الرقيق ومسحت تلك الدمعة الخائنة التى شرخت كبريائها , نهضت وتناولت المنشفة تجفف حبات المياه ثم أمسكت ملابس ميرا فارتدتها
وتأملت نفسها في المرآه الضخمة وهمست لنفسها قائلة
:" عمرك ما حسيتي بالفخامة دي في يوم ، مفيش مانع نخوض التجربة ونعيش حياة الأغنياء في هدوم ميرا ، بس بروح جُمان "
....
استجمعت بعضًا من شجاعتها وخرجت لتواجه عالم فُرض عليها, لكنها توقفت فجأة !
كان عمران يقف في منتصف الغرفة , لم يمنحها الوقت لتستعد , وقف ساكنًا , يحدق فيها بصمت أربكها أكثر من أي كلمة من الممكن أن يتفوه بها.
هذا الرجل مهيب لدرجة لم تشعر بها من قبل , غامض بشكل مخيف .
إرتبكت دواخلها من نظراته وزاد إرتباكها عندما وجدته يقترب , لم يكن ينظر لها بل كان يتفحص روحها من الداخل.
تأملها في هذا الفستان الناعم وخصلاتها الغجرية السوداء تنفض الماء عنها بقوة ,اقترب لدرجة أشعرتها بأنفاسه الساخنة , كانت جميلة رغم شحوب وجهها , لكن ثمة شيء مختلف في الأعماق .
مد أصابعه يلمس أطراف شعرها المبللة وقال ببطء
:" أهلا برجوعك .. ميرا "
انتفض كبرياءها لقربه ,وكتمت غضبها من حروف هذا الإسم الذي بدل لها حياتها بين ليلة وضحاها ,
اشتعلت عيناها بالتحدي متغاضية عن الدوار الذي ضرب رأسها مجددًا بفعل الحمى فقالت
:" بص كويس ومتخليش المظاهر تخدعك ، أنا مش ميرا ، ما تبقاش أعمى القلب والنظر !"
تجرأت وأشعلت الغضب بداخله فقبض على خصلاتها بقسوة وإحكام لتخرج منها تأوهة خافتة , فقال بفحيح مرعب
:"إتجرأت أوي ولسانك طول يا م.."
بتر كلماته وتجمدت عيناه على بقعة محددة عند التقاء العنق بالكتف ,
هناك حيث تقبع شامة صغيرة داكنة كعلامة فارقة و وحيدة !
انقبضت حدقتاه و شعر ببرودة تسري في عروقه كأن صاعقة ضربته في مقتل .
حاولت جُمان فك خصلاتها من قبضته بعصبية وكبرياء, ارتخت قبضته كما تزحزت خطوط الحقيقة بداخله , عيناه تحوم على صفحة وجهها بصدمة ولكنه ابتلعها ببراعة مرعبة واسترجع قناعه الصارم من جديد .
لم ينظر للشامة مجددا , بل ثبت عينيه في عيناها المتمردة ودث كفيه في جيبي بنطاله قائلًا بثبات و قسوة ظاهرية
:"كل اللي بتعمليه دة مش هيغير حاجة ، و محاولتك إدعاء الجنون أو فقدان الذاكرة مش هيفيدك ، علشان مش هيحصل غير اللي أنا عايزه !
أنهى جملته وتركها في صدمتها وخرج بثبات من الغرفة صافعًا خلفه باب من أبواب الحقيقة .
الآن فقط اكتشفت ان رئتيها لم تكن تتنفس, ولم تشعر بتحرر أنفاسها إلا بعد أن خرج !
بحثت عيناها عن صوفيا بتلقائية وكأنها الملاذ الآمن لها في هنا , لم ترى منها سوءًا منذ أن خطت قدماها غصبًا الي هذا المكان , ولا تعرف لماذا شعرت أنها تحتاجها الآن وبشدة !
......
خرج عمران والحقيقة تحوم في رأسه كذئب جريح ينهش يقينه ولا يسمح له بالإعتراف, كان الشك يساوره منذ اللحظة الأولى , أما الآن فقد صار بين يديه دليل لا يمكن تجاهله , علامة صغيرة هدمت يقينًا كان يظنه راسخًا كالصخر .
لكن ما بين اليقين والشك لم تكن هناك سوى حقيقة واحدة فرضت نفسها وهي أن ميرا عادت مجددًا أيًا كانت الروح التي تسكنها .
رفع رأسه فوجد صوفيا تقف بالقرب من باب الغرفة بعد أن أمرها قبل قليل بالخروج منها , تنتظر في صمت , وكأنها تقرأ الإضطراب المختبيء خلف ملامحه الجامدة
أخفى ما يدور داخله ببراعة ثم قال بصوت صارم لا يقبل النقاش
:" لازم تكون ميرا قبل جدي ما يوصل "
توقف قليلًا ثم قال بنبرة أكثر حزمًا وإصرارًا
:" ومن دلوقتي إنتِ اللي مسئولة الوحيدة قدامي عنها "
رفعت صوفيا عيناها إليه وقد أدركت أن الأمر تجاوز مرحلة الشك , وأنه يعلم الحقيقة ولكنه اتخذ قراره النهائي .
قالت بهدوء لا يخلو من القلق
" ولو رفضت ؟"
ظل عمران صامتًا لثوانٍ وعيناه مثبتتان على الباب المغلق خلفه , ثم قال ببرود يخفى اضطرابًا لم يعتد الإعتراف به
" حتوافق "
عقدت صوفيا حاجبيها , وسألته بنبرة أمومية صادقة
:" وايه اللي مخليك متأكد كدة ؟! فاكر إن الضغط عليها هيجيب نتيجة ؟ هي تعبانة وخايفة ومش فاهمة حاجة من اللي بتحصل حواليها ، بالراحة عليها وأنا حاسة إنها ذكية وهتستوعب "
التفت إليها أخيرًا , وملامحه جامدة كعادتها وقال
:" معنديش وقت لكل دة ، لازم تكون ميرا في أسرع وقت و بأي ثمن كان."
تأملته صوفيا طويلًا قبل أن تقول
:" طب والحقيقة اللي احنا بنحاول نتجاهلها ، اعتقد انها تهمك عمران بك، ميرا كانت مراتك لكن دي لأ !"
مرت لحظة صمت قصيرة انحرفت فيه عيناه عنها واتجه بنظرة إلى نهاية الممر الطويل وقال
:" الحقيقة اللي بتتكلمي عنها دلوقتي دي رفاهية مش مسموح بيها في الوقت الحالي ، محدش هيقدر يمنع اللي في دماغي مهما كان هو مين ومهما كان الثمن"
فهمت صوفيا ما لم يعترف به , لقد رأي الحقيقة , واعترف بها في قرارة نفسه لكنه اختار دفنها .
تنهدت ببطء وقالت
:" حساعدها .. مش علشان ميرا ، بس لإن ملهاش ذنب ، ذنبها الوحيد إن القدر رماها في طوفان ما تعرفش عنه حاجة للأسف "
استدار عمران وغادر الممر بخطوات ثابتة , لكن للمرة الأولى منذ سنوات طويلة منذ أن أصبح إمبراطور عائلة عزام , لم يكن واثقًا من أن الطريق الذي إختاره هو الطريق الصحيح .
أما صوفيا , فبقيت أمام الباب المغلق ويدها على المقبض فهمست لنفسها بحزن
:" مش عارفة إنت عملتي ايه يا بنتي علشان تقعي الوقعة دي ، بس اللي أنا متأكدة منه إنك الوسيلة الوحيدة لترجيح كفة الميزان "
....
كانت كفراشة حائرة بين الأزهار تتنقل بينها بحرية ونعومة ، تعتني بزهور الياسمين البيضاء خاصتها التي تشبه بياض قلبها ، تسقيها بعناية وتوليها حب من نوع خاص، تتلمس أوراقها بحنان بالغ، حنان لم يكن سمة أساسية بين نساء هذا القصر.
انحنت فوق احدى الشجيرات، تمرر أطراف أناملها الرقيقة على الزهور البيضاء، فإبتسمت برضا عندما رفعت رأسها واستنشقت عبيرها الهاديء.
: " كنت متأكد إني هلاقيكي هنا، صباح الخير يا فراشة القصر "
التفتت روان فورًا، وما إن رأت آدم حتى أشرقت ملامحها بآبتسامة صادقة.
كان آدم عزام مختلفًا كليًا عن بقية رجال العائلة، لا يحمل في عينيه صراعًا على ثروة أو سلطة، ولا يتحدث بلغة النفوذ والمصالح، كان طبيبًا مرحًا هادئًا، اختار أن ينقذ أرواح بدلًً من التنافس على إرث العائلة، ولذلك اتخذته رفيقًا لها!
و من غيره يشعر بحيرتها وآلامها بين جدران هذا المكان الجاف.
: " صباح النور على دكتورنا الوسيم، رجعت إمتى مش كان عندك نبطشية تقريبًا؟ "
أومأ لها ورد
: " لسة راجع حالًا"
قالت برقة
: " شكلك مرهق "
دلك جبينه بإرهاق واضح ثم قال
: " مرهق جدًا، بس قولت لازم أصبح على فراشتي الأول وأطمن على الضغط اللي على طول واطي عندها "
ابتسمت له بخفة روحها قائلة
: "الدكتور الوحيد اللي بيهتم بمرضاه في المستشفى وبرا كمان"
قرص خدها الوردي بخفة وقال
: " بعد الشر عنك منك المرض حبيبتي "
قالت تخبره
: " عرفت إن ميرا رجعت؟ "
أومأ لها بعدم إهتمام
: " سمعت، بس إنتِ عارفة مش متابع حوارتها، مش شغلاني "
ابتسمت له وقالت
: "I know, you don't love her"
: " مش حكاية مبحبهاش، هي حواراتها كتير ومش عارف إيه اللي مخلى عمران صابر عليها "
قالت ببراءة
: " علشان بيحبها مثلًا"
ابتسم آدم على براءتها
"لا يا رو ، مش علشان بيحبها، عمري ما شوفت في عينه نظرة حب بيخصها بيها، عمران بيتعامل معاها علشان هي مراته وبس"
رمقته روان بإستغراب قائلة
: " بس عمري ما حسيت إنه مش بيحبها"
غير آدم دفة الحديث حينما سألها بمغزى في رأسه عندما رأى ذلك الظل الضخم يتابعهم من بعيد وهو يعلم جيدًا من يكون
: " قوليلي عملتي ايه مع طنط عاليا، لسة بردو مصممة على اللي في دماغها؟ "
اتسعت عيناها بصدمة من معرفته بنوايا والدتها فقالت
: " إنت عرفت إزاي.؟ "
استشعر آدم حرجها وكم آلمه قلبه لأجلها فمسح على لحيته بحرج وقال
: " هو تقريبًا كل القصر عارف هي عايزة إيه "
: " تعبت يا آدم بجد، الموضوع ضاغط على أعصابي وهي مش سيبالي فرصة أتنفس بعيد عن الخطط بتاعتها، مش قادرة تقتنع إن أبيه عمران هو أبيه وبس، بقيت بتعامل معاه بحساب ومش عارفة أعيش على طبيعتي "
حزن آدم لأجلها، صغيرة هي و لا تتحمل صراعات العائلة التي تريد والدتها أن تقحمها فيها عنوة، فقال
: " ما تقلقيش يا رو، عمران فاهم كل حاجة "
أولته ظهرها تنظر الى أزهارها البيضاء بحزن فقالت
: " بس خايفة يجي يوم ويزهق، مامي حطاني في وضع صعب جدًا وبتضغط عليا بطريقة مؤذية، بيكون شكلي وحش أوي لما تفضل تقول كلام بيقلل مني وهي بتحاول تقنعه إنه لازم يتجوزني"
إبتسامة ساخرة شقت ثغرها وأردفت سريعًا
: " طبعًا مش بتقولها صراحة بس كلامها واضح جدًا"
بينما آدم يتابعها بألم حقيقي، هناك قلب يتفتت غيظًا مما تقول، وحقدًا على أخيه الذي يقف بجوارها يستنشق عبيرها، ويتلقى عنها آلامها!
قطع حديثهم ذلك الصوت الحاد الذي يذبذب خلايا قلبها ولا تعلم شيئًا عن السبب
: " حمد لله على السلامة يا دوك، ايه عاملين مؤتمر بتناقشوا فيه مشاعر أفراد العيلة ولا إيه "
رد عليه آدم السلام و هو يلمح الغيرة الغامضة التي تأكل قلب أخيه وقال بغموض
: " لا يا عم مشاعر إيه، سيبنا الكلام دة لناسه، إحنا زي الفل الحمد لله "
رمقه سيف بنظرات نارية فبادله آدم بأخرى مغيظة وهو ينسحب قائلا
: " أنا رايح أنام ساعتين قبل ما أرجع المستشفى "
ثم نقل نظراته الى روان المرتبكة يقول
: " أشوفك على خير يا رو"
وأردف وهو يربت على كتف أخيه يقول
: " أشوفك على خير يا برو"
تابعه سيف بهدوء حتى إبتلعه باب القصر الحديدي، فالتفت اليها يشعر بتوترها الواضح، وما كان منه إلا أن يتغاضى عما سمعه مؤقتا، ثم عليه أن يتخذ قرارًا واضحا بشأنها، ليقطع على الجميع وخاصة والدتها اي خطط تحيكها.
كانت تنظر للفراغ حولها وتشعر بالحرج بأن يكون سيف قد سمع حديثها مع أخيه، لا تعلم لما هو بالذات! لما هذا الإرتباك الذي يصيبها في حضرته، نظراته غامضة وقادرة أن تبعثر ثبات قلبها،
إنتبهت لإنحناءه وامتدت يده تقطف إحدي زهورها، ففزعت تجذبه من ذراعه القوي وهي تقول
:"لا ياسيف علشان خاطري، ما تعملش كدة "
لمستها أشعلت بريق عينيه الداكنتين، وقلبه صاح مهللًا كفرحة الصغار بليالي العيد، فاعتدل في وقفته وعيناه مثبتتان على أناملها الرقيقة التي تلامس ساعده العضلي، رفعهما ببطء والتقت العيون في حديث صامت كانت هي أول من فضته، حينما سحبت يدها سريعًا بإرتباك وعيناها لمحت ببؤس الزهرة التي استقرت في كفه
حاولت جاهدة إستعادة صوتها الذي هرب منها وقالت برقة
: "ممكن ما تعملش كدة تاني يا سيف"
ثبت أنظاره عليها واستحضر صوته الذي غلب عليه التأثر من لمستها فقال
: "ما أعملش إيه بالظبط؟! "
فركت أناملها ببعضها بإرتباك قائلة
:"ما تقطفش وردة من مكانها تاني، please "
اقترب خطوة، فتقلصت المسافة بينهم، ورفع كفه يثبت الزهرة برقة في جانب شعرها الحريري وهو يقول بخفوت
: "مكانها هنا أحلى بكتير "
زاد إرتباكها، وضربات قلبها صارت ترتجف بجنون، وشعور غريب يتسلل إلى أعماقها، شعور يخصه وحده ولا تعلم ما هو تحديدًا
تركها واغتصب خطواته مُبتعدًا يمرر أصابعه بين خصلاته الداكنة، يجبر نفسه على الابتعاد عن حضورها الذي يخطف أنفاسه
جلس الجميع حول المائدة الطويلة التي امتدت بطول القاعة الرئيسية كأنها تفصل بين ممالك صغيرة داخل القصر الواحد.في المقدمة جلس عثمان عزام.على يمينه عمران وميرا.وعلى الجانبين توزع بقية أفراد العائلة.لم يكن أحد يتحدث.فوجود عثمان وحده كان كافياً لفرض الصمت.رفع الجد فنجان القهوة أمامه بهدوء، ثم ألقى نظرة شاملة على الوجوه الجالسة.نظرة جعلت الجميع يشعر وكأنه يُفحص من الداخل.حتى جُمان شعرت للحظة أن الرجل يقرأ أفكارها.لكنها حافظت على برودها.قال عثمان أخيراً:— زمان كنت لما أدخل القصر أسمع صوتكم من أول البوابة... دلوقتي حاسس إني داخل شركة مش بيت.ابتسم آدم بخفة.— يمكن علشان حضرتك بتخوفنا يا جدي.ضحك عثمان ضحكة قصيرة.— لو كنت بخوفكم بجد مكنتش هتتكلم كدة يا دكتور.ضحك بعض الجالسين بخفوت.بينما بقي سيف صامتاً.وبقي عمران أكثر صمتاً.التقط عثمان ذلك فوراً.ثم قال فجأة:— قولي يا آدم... لو عندك مريض رفض العلاج اللي هيعيش بيه... تعمل إيه؟رفع آدم حاجبه باستغراب.— أحاول أقنعه.— ولو أصر؟— أشرحله العواقب.— ولو اقتنع إن العواقب دي تستاهل؟صمت آدم قليلاً.ثم قال:— ساعتها القرار قراره.هز عثم
لم يكن صباح القصر الكبير يشبه أي صباح آخر.الهواء نفسه بدا مشدودًا، كأنه يتهيأ لشيء لا يجرؤ أحد على تسميته. الخدم ينسحبون بخطوات سريعة ووجوه متوترة، وأصواتهم تنخفض كلما مرّت واحدة من نساء العائلة في الممرات الطويلة، بينما ظل عمران يتحرك داخل القصر بملامح ثابتة لا تفصح عن شيء، وكأنه وحده من يملك القدرة على الوقوف وسط هذا الاضطراب دون أن يهتز.أما جُمان...فكانت تقف في الجناح الشرقي أمام المرآة، ترتدي فستان ميرا للمرة الأولى أمام الجميع. الفستان الداكن كان ينساب حول جسدها بنعومة مترفة، وشعرها الأسود مصففًا بالطريقة التي حفظتها من الفيديوهات، ونظرتها... كانت الشيء الوحيد الذي ظل يقاوم الانسلاخ الكامل عن نفسها.وقفت صوفيا خلفها، تعدل آخر تفصيلة في الأكمام، ثم قالت بصوت منخفض:— خدي نفس عميق.ابتلعت جُمان ريقها بصعوبة.— أنا باخده من ساعة ما صحيّت وما خلصش.ابتسمت صوفيا رغم التوتر، ثم وضعت يدًا خفيفة على كتفها.— عثمان بيه مش هيفوت حاجة... بس إنتِ لو اتماسكتي في أول دقيقة، هتعدي الباقي.رفعت جُمان عينيها إلى المرآة، فرأت انعكاس امرأة لا تشبهها إلا في الملامح.تلك اللعنة التي جلبها الشبه بي
في الحديقة الخلفية، كان الليل قد بسط عباءته المخملية الثقيلة على أرجاء القصر، وتواطأت الأضواء الخافتة المتناثرة بين أوراق الشجر والنافورة الرخامية على صنع هالة من الغموض.كان سيف يسير بخطوات وئيدة، متباطئة لكنها مشحونة، يداه مستقرتان في جيبي بنطاله، وعقله يغلي بمحاولات عاجزة لتفريغ الشحنة العنيفة من الغضب والغيرة التي استوطنت صدره منذ مكالمة الصباح.ثم رآها.كانت تجلس بمفردها على المقعد الرخامي الأبيض القريب من حافة جدار النافورة، يستقر فوقها ضوء مصباح حديقة خافت يمنحها مظهرًا أشبه بلوحة دافئة وسط برودة المكان. رأسها منخفض بقلق، وبين كفيها كتاب مفتوح، لكن عينيها التائهتين كانتا تحدقان في الفراغ؛ لا تقرأ، بل تطحنها الأفكار.تجمدت خطوات سيف فوراً، وتصلب جسده في مكانه. لثوانٍ امتدت كالعمر، وقف يحدق بطيفها، وأطلق في سره لعنة صامتة على قلبه وعاطفته المعاندة. أي امرأة أخرى في هذا العالم كانت لتتحول لدخان أو اسم عابر في قائمة أيامه، أما روان... فكانت اللعنة الوحيدة العذبة التي كلما حاول التخلص من قيدها، وجد نفسه يغرق في شباكها أكثر.ترددت في عقله تلميحات عالية الخبيثة، ثم قفزت أمامه ملامح رو
في جناحه الخاص، حيث تتخفف الأشياء من صرامة القصر الأرستقراطية، كان محمود يقف في الركن المخصص له أمام ماكينة القهوة الصغيرة. أمسك بالكوب الزجاجي بيده الدافئة، وراقب خيوط السائل الداكن وهي تصب ببطء وانسيابية، قبل أن ينثر فوق وجهها القليل من مسحوق القرفة.. كانت رائحتها النفاذة هي طقسه الحميمي الذي يفتتح به كل صباح.كان يستمتع ويثمن هذه الدقائق القليلة جداً من عزلته؛ الدقائق النادرة التي يتوقف فيها الزمن، ولا يطالبه فيها مخلوق داخل هذا الوكر باتخاذ قرار، أو إبداء رأي، أو تبني موقف يحسب عليه في بورصة النفوذ.انفتح الباب فجأة، دون إذن أو طرقات تمهد للحضور. دلفت نرمين بخطواتها الواثقة التي تحمل دائماً صدى سلطوياً متعالياً. ألقت نظرة فاحصة، سريعة وخاطفة على أركان الغرفة، قبل أن تقع عيناها الصارمتان عليه.رفعت حاجبها الأيمن باستغراب لم تحاول إخفاءه، وهي تراه يحضر قهوته بيديه دون استعانة بأحد، وسألته بنبرة لائمة ومتهكمة: — هو الخدم اختفوا من القصر وأنا معرفش؟التفت محمود إليها بهدوء شديد، هدوء بدا مستفزاً لاندفاعها، وأجاب بنبرة رخية: — لا.. موجودين.: — أمال واقف تعمل القهوة بنفسك ليه؟أعاد م
انبثقت على الشاشة السوداء عبارة واحدة جعلت الهواء يتجمد في الغرفة:.استقام عمران في جلسته فوراً، وتصلب ظهره باحترام تلقائي، وضغط زر الإجابة واضعاً الهاتف على أذنه. جاءه صوت عثمان عزام من الطرف الآخر؛ صوتاً عميقاً، رخامياً، ومهيباً يحمل نبرة المؤسس الذي لا ينثني: — مساء الخير يا عمران.— مساء النور يا جدي.ساد صمت قصير ومحمل بالثقل قبل أن يسأل الجد بنبرته المقتضبة: — كله جاهز؟أدرك عمران على الفور، وبفطنته المعتادة، أن جده يتحدث عن الترتيبات الأمنية والبروتوكولية لزيارته المرتقبة، فأجاب بثبات: — متقلقش يا جدي... كل حاجة جاهزة وعلى أكمل وجه.— كويس.توقف عثمان للحظة، ثم أردف بنبرة حاول جعلها عادية لكنها لم تخفِ اهتمامه الحذر: — طمني على ميرا.ارتسمت نظرة غامضة، مليئة بالخطورة والتحدي في عيني عمران وهو يفكر بالقابعة في الجناح الشرقي، وأجاب ببرود متقن: — أحسن بكتير.— الحمد لله.جاء رد الجد مقتضباً ومثقلاً بالغموض كعادته، ثم أضاف بصيغة آمرة وحاسمة لا تقبل المراجعة: — أنا هكون عندكم بكرة الصبح بدري.. وعايز كل أفراد العيلة بلا استثناء يكونوا موجودين ... محدش يتأخر يا عمران.وراء كلما
داخل إحدى غرف الملاحظة الهادئة في المستشفى، كان رجل خمسيني يجلس فوق السرير الطبي بملامحه المتعبة، بينما تنتهي إحدى الممرضات من لف حزام جهاز قياس الضغط حول ذراعه.وقف آدم أمامه، يقلب نتائج الفحوصات الطبية بتركيز قبل أن يغلق الملف، ثم رفع عينيه نحو المريض بنظرة فاحصة ممتزجة بمداعبة مألوفة: — طمني يا حاج محمود... بتدخن كام سيجارة في اليوم؟تنحنح الرجل، وحاول أن يهرب بعينيه قليلاً وهو يقول بتحفظ ومواربة: — يعني... شوية بسيطين يا دكتور.رفع آدم حاجباً واحداً بذكاء، وسأله وهو يبتسم برفق: — وشوية دي يعني كام بالظبط؟— علبة.— في الأسبوع؟— لا... في اليوم.صفق آدم الملف الطبي على راحة يده فجأة، وأطلق صيحة دهشة مصطنعة أدارت الرؤوس في الغرفة: — الله أكبر! علبة في اليوم وعايز قلبك مايشتكيش ؟!ضحك الرجل بخجل وهز رأسه محاولاً التملص: — كله بأمر ربنا يا دكتور، إحنا أسباب.هز آدم رأسه بأسف داعب، وعلق بنبرة واعظة لكنها حنونة: — ونعم بالله يا حاج محمود، بس ربنا قالك حافظ على نفسك وعمر صحتك الأول، مش تخلص علبة كاملة وتقول كله بأمر ربنا.. ده انتحار رسمي!انفجرت الممرضة الواقفة بجوارهما ضاحكة، أما
في جناحها الخاص، وقفت عالية هانم خلف النافذة العريضة المطلة على حدائق القصر. كانت الرياح تحرك الأشجار ببطء، بينما ظل الهاتف في يدها دافئًا من أثر المكالمة الأخيرة.مكالمة سيف.لم تتحرك لثوانٍ طويلة. فقط راحت تحدق في الخارج، كأنها ترى شيئًا أبعد من الأشجار والنافورة والضباب الخفيف.ثم عادت الكلمات ت
خرجت جُمان إلى الممر الطويل بخطوات واثقة حاولت جاهدة ضبط إيقاعها، بينما كانت كلمات عمران الأخيرة لا تزال تدور داخل رأسها وتزن في أذنها قبضت على أصابعها قليلًا لتدفع الرعشة الكامنة فيها. كانت تكره الاعتراف بذلك، لكنه كان محقاً في كل كلمة. الأسماء سهلة، والقصص المكتوبة في الأوراق سهلة يمكن حفظها، أم
كان عداد السرعة يتجاوز الـ 140 كم/ساعة، والإطارات تصرخ بعنف مع كل منعطف حاد يسلكه على الطريق الصحراوي المهجور. لم يكن سيف يرى الطريق أمامه؛ بل كان يرى وجه "روان" وهي تنكمش في مقعدها، وعيناها الهاربتان اللتان أكدتا له كل المخاوف التي زحفت إلى صدره.أطبق بكلتا يديه على مقود السيارة بقوة جعلت مفاصل أص
السفرة الأساسية الفخمة داخل القصر الكبير، حيث كانت الأواني الفضية والبلور الصافي يعكسان كبرياء المكان، جلست نرمين هانم على الطاولة ببرودها المعتاد بعد مغادرة سيف. كانت تتابع بعيون صقرية ما يحدث داخل القصر؛ لم يكن هادئاً كالعادة بل يضج بالحركة والنشاط، وهناك تقف صوفيا تتابع حركة الخدم في غياب ميرا