تسجيل الدخول
الفصل الأول
كان المطر في تلك الليلة ينهال كالسياط, يغسل أذقة الحارة الضيقة من غبار النهار لكنه لم يستطع غسل الغضب المشتعل في صدر جُمان.
كانت تركض، وحقيبتها القماشية المهترئة تضرب جانبها وصوت صراخ والدها لا يزال يتردد في أذنيها
" إمشي يا جُمان ، اللي تكسر كلمتي ملهاش مكان في بيتي "!
اختلطت دموعها مع أعتى الليالي شتاءًا ، لم تكن تشعر بردُا ولا مطرًا ، بل كان بقلبها ما يكفي من نيران الخذلان التي سحبت من كل شيء حولها قيمته!
تسير وتسير تضرب الأرض بقدمين أهلكهما التعب، وعينان مثبتتان على اللا شيء, فراغ , وظلام دامس كذلك الذي يغوص بأعماقها ... وحينما ألح عليها كبرياؤها وأنّت كرامتها لهيئتها المبعثرة، توقفت عند ناصية الشارع الرئيسي ، تلهث والماء يقطر من خصلات شعرها المبللة على وجهها الشاحب ثم رفعت رأسها لتصطدم عينيها بسيارة سوداء انبثقت من العدم كأنها شبح معدني تسد عليها الطريق ، لملمت شتات نفسها وأدركت خطورة موقفها ، ظلام دامس ، ليلة شتوية داكنة ، شوارع فارغة وسيارة ضخمة يخرج منها رجلين بملابس سوداء وملامحهما خطرة لدرجة دبت الرعب في قلبها .
إدعت اللا مبالاة وتنحّت بنفسها قليلا فاقترب أحدهما يقول بلهجة إحترام وحزم في وقت واحد
": ميرا هانم ، من فضلك كفاية لعب تحت المطر ، ويلا نرجع القصر "
برقت عينيها بإستغراب والخوف ما زال يحوم بداخلها فنطقت بتلعثم حاولت أن تخفيه
": ميرا هانم مين ؟! شكلك غلطان"
أشاحت بيدها وحاولت تجاوزه بأرجل متخبطة فوقف قبالتها يسد عليها الطريق وهو يقول
": لو سمحتى ميرا هانم ، اتفضلى معانا بهدوء ومفيش داعي للمشاكل "
زاد الخوف بقلبها ولكنها أجلت صوتها قائلة
": هو في هانم بالشكل دة يا بني آدم إنت ! أنصحك تلبس نضارة لإن عندك مشكلة في النظر"
حاولت التمسك بزمام الخوف حتى لا تقع فريسة سهلة ثم أزاحته بيدها وهي تقول
": يلا عديني ، وروح دور على الهانم بتاعتك دي بعيد عني "
لم يتزحزح من مكانه ولكنها شعرت بظل ضخم آخر يطبق على أنفاسها ،ففغرت عيناها بصدمة ورعب ورائحة مخدر نفاذة قضت على الباقى من وعيها وبدأ العالم يدور من حولها وتلاشت أضواء الشارع الخافتة شيئا فشيئا فأخذت تهمم قبل أن يتملك منها الضياع
": أنا مش ميرا "!
سريعًا ما سُحبت داخل جوف السيارة المُظلم التى إنطلقت بسرعة البرق ، تاركة خلفها وحل الحارة ، وحقيبة جُمان القماشية ملقاة على الأرض .. الحقيبة التي كانت تحمل هويتها الحقيقية ، وكل ما يثبت أنها كانت موجودة يومًا والتى دعسها إطار السيارة ليمسح "جُمان " من الوجود .
الفصل الأول :
كان أول ما شعرت به هو البرد .. ليس برد المطر الذي مزق جسدها في الشوارع قبل ساعات ، بل كان بردًا ناعمًا وقاسيًا في آنٍِ واحد، يتسلل إلى عظامها ببطء كأنها مستلقية داخل قبرٍ مغطى بالحرير. استفاقت " جُمان " على ملمس حريري بارد ورائحة بخور عود فاخر تخنق أنفاسها .
فتحت عينيها بصعوبة لتجد سقفًا مرتفعًا تتدلى منه ثريا ضخمة كأنها قطعة من السماء ، تتدلى كأنها نصل مسلط فوق رأسها . ستائر عاجية طويلة تتحرك ببطء مع هواء المكيف البارد ، وغرفة أوسع من البيت الذي عاشت فيه طول عمرها.
حاولت النهوض ، لكن رأسها كان يئن تحت تأثير المخدر . اتسعت عيناها بذهول وهي تحدق حولها كأنها سقطت داخل حلم لا يخصها ، الآن فقط تذكرت !
الظلام الحالك ، السيارة المعتمة و رجال في ملابس سوداء، واسم لا يخصها أبدًا كذلك المكان الذي استيقظت فيه للتو .
طرقات خافتة و دخول هاديء يتناسب مع طيبة قلب صاحبته ، دخلت إمرأة في أواخر الخمسينات ، ملامحها هادئة بشكل مريب ، ترتدي ثوبًا رماديًا أنيقًا ، وشعرها الفضي مصفف بعناية .
ألقت صوفيا نظرة سريعة على جُمان ثم اتجهت إلى الستائر تنحيها جانبًا كاشفة عن نوافذ ضخمة انبثق النور من خلالها ثم قالت
:" صباح الخير ، ميرا هانم "
مجددًا، تلك الحروف التي رسمت لها كابوسًا منذ الأمس. اعتدلت في جلستها وقالت بتحفز
": أنا مش ميرا ! أقسم بالله مش هي "
دققت صوفيا النظر فيها ثم تحركت بهدوء إلى ممر في جانب الغرفة كأن ما قالته الأخرى لا يعنيها، عادت تحمل ملابس
أنيقة وقالت بإبتسامتها الهادئة
": حضرتلك الملابس اللي بتحبيها ، هجهزلك الحمام ، شكلك محتاجة حمام دافيء ميرا هانم "
وكأنها تريد استفزازها عندما تتفوه بهذا الإسم ، فإنتفضت جُمان من نومتها ونفضت عنها غلالة الخوف ، ثم استدعت شراسة الحارة التي خبأتها تحت جلدها ، وقفت على قدمين أرهقها الزمان و صوت لم يعتد الخنوع فقالت بغضب مكتوم
:" أنا جُمان ، اسمي جُمان "
تأملتها صوفيا بإهتمام وذلك العنفوان الذي يطل من عينيها غريب لا يمت لميرا بأي صلة !
نفضت هذا عن عقلها وتحدثت بلباقة ومهادنة
": طيب تمام ، نسيبنا من دة دلوقتي، ايه رأيك تغيري الهدوم المبلولة دي "
سألت جُمان وسؤال حائر يصطدم بعقلها و استخدمت ذكاءها ، فهدأت من روعها قليلا حين أدركت ان الصراخ لن يفتح لها الأبواب المؤصدة ، وعليها أن تكتشف سبب وجودها هنا بنفسها.
": مين ميرا ؟ وايه وجه الشبه اللي بيني وبينها علشان تنادوني بإسمها ؟!
لم تجد ردًا وكانت علامات الدهشة مرسومة على ملامح تلك السيدة التي تبدو لبقة أكثر مما ينبغي !
التفتت بعيناها تبحث عن مخرج ، فوقع نظرها على صورة ضخمة بإطار مذهب. هنا .. سقطت الحروف من ذاكرتها ، فاقتربت من البرواز بخطوات واهنة ، رفعت يدها لتلمس تلك الصورة وهي تدقق النظر .. نفس تقويسة الحاجب ، رسمة العينين التي ورثتها عن أمها كما يخبرها والدها دومًا!
التفتت إلى صوفيا تسألها بأحرف تخشى الإجابة
:" مين دي ؟!"
رددت صوفيا و هي تدقق النظر فيها
:" دي إنتِ ميرا هانم "
تمتمت جُمان لنفسها بعدم تصديق
:" معقول! دي البنت اللي بتنادى بإسمها من إمبارح !"
مدت يدها بإرتجافة واضحة تلمس إطار الصورة المذهب ، فلمحت كف يدها .. هناك عند الندبة الصغيرة ، أثر جرح قديم من طفولتها في زقاق الحارة ، جرح يعرفُه الفقر ولا تعرفه رفاهية القصور !
نظرت إلى يد ميرا في الصورة ، كانت أناملها مخملية ، خالية من أي أثر للحياة القاسية . في تلك اللحظة لم تدرك جُمان أن هذا التطابق لم يكن صدفة وان الفارق الوحيد بينهما هو تاريخ محفور تحت الجلد.
إنها هي ولكن في إطار مختلف لم تحلم به يومًا . همست لنفسها بتوهان
:" إزاي يكون في شخصين ملامحمهم متطابقة بالشكل دة ؟!"
هنا استدارت نحو صوفيا وعزمت أن تعلم السر وهي تشعر أن هذه السيدة تعلم الكثير عن سبب وجودها .
تحدثت بهدوء واثق وهي تنظر في عينيها مباشرة
:" تمام ، أنا هعمل اللي إنتِ عايزاه .. حمام دافيء ، هدوم من الغالية "
تابعتها صوفيا بنظرة ثاقبة تقرأ خلف ما هذا الهدوء المفاجيء وقالت
:" تمام وبعدين ؟!"
إبتسامة جانبية خافتة شقت ثغرها الجميل فتابعت جُمان وهي تشدد على حروفها مسترجعة صلابة ابنة الحارة الكامنة في أعماقها
:" تقوليلي مين ميرا دي ؟ وإيه سبب الشبه الغريب اللي بيني وبينها دة .. والأهم بقى أنا هنا ليه ؟"
كانت جُمان ثابتة والذكاء يشع من عينيها كشرارات تتحدي برودة الغرفة . وقبل أن تفتح صوفيا فمها لتجيب اخترق سكون الغرفة صوت وقع خطوات ثقيلة ومتحكمة ، خطوات رجل يعرف تمام أن الأرض تحت قدميه ملك له .
توقفت الخطوات خلفها مباشرة ، تجمد جسد جُمان للحظة ورائحة عطر رجالي حاد يمتزج فيه التبغ بخشب الصندل تخترق حواسها ، فشعرت بقشعريرة باردة تزحف على طول ظهرها قبل أن يصلها صوته.
جاء صوته حادًا مفعما بسخرية مريرة وجارحة
:" بس إنتِ اللي لازم تقوليلنا الحقيقة يا ميرا .. امتى اتعلمت التمثيل المبهر دة والستايلست بتاعتك المرة دي تفوقت على نفسها بصراحة ، شابوه بجد"
التفتت جُمان ببطء ، لم يكن مجرد رجل دخل الغرفة ، بل كان هو سيد المكان الذي انحنت له الجدرات قبل البشر ، رائحته التي مزجت رصانة خشب الصندل وتمرد التبغ كانت تحاصره بهالة من السلطة المفرطة . وحين نطق لم يكن صوته مجرد كلمات ، بل كان صرير باب يُغلق على حريتها ، يرمي في وجهها اتهاماته ببرود يجمد الدماء وكأنه يراقب مسرحية هزلية يظن أنها بطلتها !
حين التقت عينيهما ، لم تكن في نظرته رغبة في الاطمئنان بل هناك نصلا حادًا من الشك ، هو يرى وجه ميرا لكنه للمرة الأولى يرى بريقًا لم يعهده ، شرارة ابنة الحارة التي لا تعرف الانحناء ، نظرة جعلته يتوقف للحظة وكأن ملامحها المألوفة تهمس بغة غريبة لا يفهمها ، والروح التي تسكنها جاءت من عالم مختلف تمامًا !
ابتسم ابتسامة باردة بالكاد لامست شفتيه ، ثم قال بصوت خفيض حمل من التهديد أكثر مما حمل من الكلمات
:" أهلا برجوعك يا ميرا "
السفرة الأساسية الفخمة داخل القصر الكبير، حيث كانت الأواني الفضية والبلور الصافي يعكسان كبرياء المكان، جلست نرمين هانم على الطاولة ببرودها المعتاد بعد مغادرة سيف. كانت تتابع بعيون صقرية ما يحدث داخل القصر؛ لم يكن هادئاً كالعادة بل يضج بالحركة والنشاط، وهناك تقف صوفيا تتابع حركة الخدم في غياب ميرا التي كانت عادة تتولى الاستعدادات اللازمة لاستقبال الجد عثمان.أشارت نرمين بسبابتها نحو صوفيا التي كانت تقف بالقرب من البهو وتوجه الخدم بوقار، ونادتها بنبرة هادئة: — صوفيا.. تعالي دقيقة من فضلك.تقدمت صوفيا بخطوات متزنة، تحني رأسها باحترام حذر يخفي خلفه عقوداً من الخبرة في قراءة وجوه عائلة عزام. وقفت على مسافة مناسبة وقالت بصوت هادئ: — تحت أمرك يا نرمين هانم.أخذت نرمين رشفة بطيئة من شايها، وعيناها الصقريتان تراقبان تعبيرات وجه صوفيا بدقة، ثم مالت للأمام قليلاً وقالت بنبرة خفيضة، غلفتها بابتسامة ناعمة: — شايفة حركة غريبة في القصر على غير العادة..ردت صوفيا بثبات: — أكيد.. عمران بيه إدانا أوامر إن كل حاجة تكون على أكمل وجه لاستقبال عثمان بيه.ساد صمت قصير، رتبت فيه نرمين أوراقها، ثم رفعت رأسه
قطع هذا السكون خطوات سريعة ومرحة، حيث انضم إليه ابنه آدم الذي كان يرتدي سترته مستعداً ليرحل إلى نوبته. جلس آدم على المقعد المقابل لوالده بعفوية، ماداً يده ليلتقط قطعة من الخبز المحمص وهو يقول بابتسامته ذات الدم الخفيف المعتاد: — صباح الخير يا بابا.. الروب الصوف ده مخليك شبه لوردات الإنجليز اللي بنشوفهم في التليفزيون ، ناقصك بس غليون وتبدأ تحكم العالم من هنا!تحسنت ملامح محمود وتلاشت لاماته المعتادة، فهز رأسه بإعجاب بنكتة ابنه المقرب لقلبه، وأخذ رشفة من قهوته قائلاً بنبرة دافئة: — صباح النور يا دكتور.. سيبك من الروب بتاعي دلوقتي، وقولي أخبار المستشفى وشغلك إيه؟ الظاهر إن الطوارئ واخدة كل وقتك لدرجة إننا بقينا بنشوفك في القصر بالصدفة.رد آدم وهو يبتلع لقمته ويضحك بصوت خافت: — المستشفى بقت بيتي الأول يا بابا، الطوارئ هناك مبترحمش.. دكاترة رايحين ودكاترة جايين، وحالات تخليك تصحصح غصب عنك. بس أهو، بنحاول ننقذ ما يمكن إنقاذه عشان الإنسانية.. وعشان البرستيج برضه!ضحكا معاً بصوت مسموع، وكانت الأجواء بين الأب وابنه تفيض بالدفء التلقائي، حتى قطعت تلك اللحظة خطوات حازمة، ذات إيقاع منتظم وأرس
في تمام الرابعة فجراً، كان السكون يلف الجناح الشرقي ككفن دافئ، والظلام لم ينسحب بعد من زوايا الغرفة. استيقظت جُمان. لم يكن استيقاظاً عادياً، بل انتفاضة وعي تدرك أن زمن الرفاهية قد انتهى، وأن الساعات القادمة لا ترحم المترددين.نهضت من فراشها، وتوجهت بخطوات ثابتة نحو غرفة الملابس الملحقة بالجناح. وقفت أمام الخزانة الهائلة الممتدة بجدرانها الخشبية الداكنة، وتأملت مئات الفساتين والقطع الفاخرة المنسقة برتابة باردة. لم تعد تتأملها بعيون جُمان المبهورة، بل تطلعت إليها بتركيز حاد، كقائد يختار سلاحه لمعركة مصيرية.مدت يدها، ومررت أصابعها بين الأقمشة الحريرية والمخملية الصاخبة، مستحضرةً كل الفيديوهات والصور التي حفظتها لميرا. اختارت فستاناً مخملياً أسود مطرزاً بخيوط ذهبية عند الصدر والأكمام، قطعة تفيض بالجرأة والكبرياء. ارتدته ببطء، ومع كل زر تغلقه، كانت تشعر وكأنها تغلق باباً على ماضيها، وتتخيل نفسها ميرا بجد؛ امرأة لا تخاف أحداً، وتأخذ ما تريد بقوة حضورها.تراجعت خطوة، ونظرت إلى انعكاس صورتها في المرآة الطويلة. لم يتبقَ سوى اللمسة الأخيرة. جلست أمام طاولة الزينة، وأمسكت بالفرشاة والمثبت. بدأت
خرجت روان من مكتب عمران بخطوات هادئة، والابتسامة المريحة التي غمرت وجهها إثر حديثها معه بدأت تتلاشى تدريجياً وهي تغلق الباب الرصاصي برفق. يكفيها دائماً أن تلجأ لعمران، الرجل الذي تولى تربيتها ورعايتها منذ صغرها، لتشعر أن الدنيا أقل تعقيداً وأنها في مأمن من أجواء القصر الخانقة.استدارت لتكمل طريقها عبر الممر الطويل، لكن خطواتها تجمدت فجأة، وانقبضت أسفل معدتها برعشة توتر مألوفة.في نهاية الممر، حيث الظلال تعانق الجدار الرخامي البارد، كان سيف يقف.كان يعقد ذراعيه أمام صدره بجمود، وعيناه الحادتان والمشحونتان بنبرة غامضة ومخيفة مثبتتان عليها كالصقر. روان، بطبيعتها الرقيقة والبريئة، كانت تشعر دائماً بالخوف والتهيب من سيف؛ عصبيته غير المبررة، وغموضه الدائم، ونظراته التي تعجز عن فهمها، كلها أشياء كانت تجعلها تتلعثم في وجوده وتتحاشى الاصطدام به قدر الإمكان.حاولت روان أن تجمع شتات نفسها، ورسمت ابتسامة باهتة ومضطربة وهي تخطو ببطء، وقالت بصوت متقطع حذر:- واقف كدة ليه يا سيف؟.. خضيتني.اعتدل في وقفته ببطء شديد، وجسده الطويل يلقي بظلاله فوق الرخام، وتحدث بنبرة جافة، يغلفها برود مصطنع:-مستني عمرا
كان عمران يقف عند عتبة الباب الداخلي للجناح، سانداً ظهره إلى الإطار الخشبي، واضعاً يديه في جيبي بنطاله. عيناه الصقريتان كانت تتابع حركاتها بدقة باردة، وملامحه الجليدية لم تكشف شيئاً مما يدور في عقله بعد ليلته الطويلة المشحونة.استجمعت جُمان شتات نفسها بسرعة، ورفضت أن تظهر بمظهر الضعيفة أمامه. أرخت كتفيها، وأمالت رأسها إلى الجانب بقليل من التحدي، وقالت بنبرة حاولت أن تكسوها ببرود ميرا:- هو عادي بندخل بدون اسئذان ، ولا دي كمان من قواعد القصر اللي لسة معرفهاش تحرك عمران خطوات وثابتة نحوها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة تحمل مزيجاً من الإعجاب الخفي والسخرية:- محدش بيستأذن وهو داخل الجناح الخاص بيه هو ... ومراته شعرت جُمان بوخزة من الضيق، لكنها تماسكَت. وضع عمران يده على الطاولة، وسحب الكرسي وجلس أمامه وعيناه تثبتان في عينيها قائلًا بنبرة هادئة :-الجد عثمان كلمني الصبح.. بعتلك سلام مخصوص، وبيسأل عن الخاتم الألماس اللي ادهولك في آخر حفلة في بيروت، قال إنه مش شايفه في صورك الأخيرةلمعت عينا جُمان بتوجس، وحاولت استرجاع كل تفاصيل الفيديوهات والملفات التي قرأتها عن حفلة بيروت، وقالت بثقة
وفي الجناح الغربي للقصر، حيث تفوح رائحة البخور العتيق وتمتزج بالفخامة الباردة، كان الهدوء يخيّم على المكان بصورة خادعة؛ هدوء يشبه سطح بحر ساكن يخفي تحته دوامات لا تُرى.جلست عالية هانم فوق مقعدها المخملي الفاخر، تعقد ساقًا فوق الأخرى في أناقة متعمدة، بينما كانت أصابعها تداعب فنجان القهوة أمامها ببطء. أما نرمين هانم فكانت تقف أمام النافذة العريضة، تراقب الحديقة الممتدة أسفلها بعينين جامدتين لا تفصحان عما يدور خلفهما.تنحنحت عالية، ووضعت فنجانها فوق الطاولة الزجاجية برقة مصطنعة أصدرت رنة خفيفة، وقالت بنبرة هادئة حملت ترحيباً مبطناً باللؤم: -نورتِ القصر يا نرمين.التفتت نرمين ببطء، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة غامضة هادئة، ثم خطت نحو عالية بوقارها الأرستقراطي وجلست على المقعد المقابل لها وقالت بصوت رخيم ونبرة دبلوماسية متقنة: - شكرا عالية ، القصر طول عمره منور .. بيكيتابعت عالية وهي ترشف قهوتها:- بصراحة رجوعك فاجئني ، بعد السنين دي كلها قلت خلاص أكيد مفيش نية للرجوع ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتي نرمين.:- ساعات الإنسان بيحس إن الوقت ما بقاش يسمح إنه يفضل بعيد أكتر من كده.ضاقت ع