Share

صدع في الجدار

Author: Hadeer khalil
last update publish date: 2026-06-09 21:00:14

 السفرة الأساسية الفخمة داخل القصر الكبير، حيث كانت الأواني الفضية والبلور الصافي يعكسان كبرياء المكان، جلست نرمين هانم على  الطاولة ببرودها المعتاد بعد مغادرة سيف. كانت تتابع بعيون صقرية ما يحدث داخل القصر؛ لم يكن هادئاً كالعادة بل يضج بالحركة والنشاط، وهناك تقف صوفيا تتابع حركة الخدم في غياب ميرا التي كانت عادة تتولى الاستعدادات اللازمة لاستقبال الجد عثمان.

أشارت نرمين بسبابتها نحو صوفيا التي كانت تقف بالقرب من البهو وتوجه الخدم بوقار، ونادتها بنبرة هادئة: — صوفيا.. تعالي دقيقة من فضلك.

تقدمت صوفيا بخطوات متزنة، تحني رأسها باحترام حذر يخفي خلفه عقوداً من الخبرة في قراءة وجوه عائلة عزام. وقفت على مسافة مناسبة وقالت بصوت هادئ: — تحت أمرك يا نرمين هانم.

أخذت نرمين رشفة بطيئة من شايها، وعيناها الصقريتان تراقبان تعبيرات وجه صوفيا بدقة، ثم مالت للأمام قليلاً وقالت بنبرة خفيضة، غلفتها بابتسامة ناعمة: — شايفة حركة غريبة في القصر على غير العادة..

ردت صوفيا بثبات: — أكيد.. عمران بيه إدانا أوامر إن كل حاجة تكون على أكمل وجه لاستقبال عثمان بيه.

ساد صمت قصير، رتبت فيه نرمين أوراقها، ثم رفعت رأسها فجأة وقالت بنبرة ودودة أكثر مما ينبغي: — آه طبعاً.. لازم كل حاجة تكون Perfect.

صمتت قليلاً ترتشف من فنجانها، ثم تابعت ببطء وتودد مصطنع: — بس الحقيقة إحنا مفتقدين ميرا، لأن هي دايماً اللي بتابع الاستعدادات الخاصة بوصول عثمان بيه. بس واضح إنها لسه تعبانة علشان كده مقدرتش تتابع ده بنفسها كالعادة.. صحيح، طمنيني عليها، مش هي أحسن دلوقتي؟

ساد صمت ثقيل لثوانٍ، انقبض فيه قلب صوفيا وهي تتذكر التحول الإعجازي الذي رأته في عيون جُمان منذ ساعات، وتذكرت تصفيفة الشعر وفستان ميرا الفاخر. نظرت صوفيا إلى عيني نرمين، وقرأت فيهما اللؤم الدفين؛ صوفيا لم تكن مغفلة، بل كانت تعلم يقيناً أن هذا الود المصطنع ليس إلا فخاً. كانت تعرف أن نرمين لا تتمنى في سرها سوى وقوع عمران وانكسار هيبته، وأن "ميرا" بضعفها الحالي وتغيرها هي الخيط الوحيد الذي تبحث عنه نرمين لتمسك به وتقلب الطاولة على عمران وتجعل سيف سيد القصر.

استجمعت صوفيا هدوءها بالكامل، ولم تهتز ملامحها الشاحبة، بل رسمت ابتسامة خفيفة ووقورة تليق بمكانتها ككبيرة خدم القصر، وردت بنبرة هادئة، جافة وثابتة قطعت بها أي طريق للشك: — أحسن كتير دلوقتي الحمد لله.

ضيقت نرمين عينيها وسألت بنبرة فاحصة: — الدكتور شافها؟ — عمران بيه متابع كل حاجة بنفسه.

هنا، تدخلت عالية التي كانت تتابع الحوار بهدوء ماكر، وقالت بنبرة متهكمة غلفتها بالبساطة: — مش جديدة.. طول عمره مش بيستحمل عليها الهوا!

هزت صوفيا رأسها ببطء مؤكدة على كلام عالية لتنهي مساحات الاستجواب، ثم انتظرت قليلاً حتى قالت نرمين بجفاف تملؤه الخيبة من ردود صوفيا المحصنة: — نتمنى نشوفها في أقرب وقت يا صوفيا.. وبلغيها سلامي وإني مستنياها علشان أسلم عليها.

انحنت صوفيا بوقار وانسحبت بخطوات هادئة، بينما كان صدرها يعلو ويهبط بالأنفاس المكتومة. وما إن ابتعدت عن القاعة حتى أسرعت خطواتها دون أن تشعر؛ فلأول مرة منذ بدأت هذه اللعبة شعرت صوفيا أن نرمين اقتربت أكثر مما ينبغي، وأن الخطر بات يطرق أبواب الجناح الشرقي بعنف.

أما روان، فكانت تجلس على الطاولة وهي في عالم آخر تماماً. كانت تفكك المشهد السابق وتحلل ما حدث بدقة. لقد تأكدت بما لا يدع مجالاً للشك أن سيف سمع حوار أمها عالية معها، وعصبيته الطاغية وانسحابه المفاجئ كانا أكبر دليل. لكن عقلها تاه في دهاليز الحيرة، وما زال يحلل متسائلاً في سرّه بغرابة: ما مشكلته هو بالأساس؟ حتى لو كانت تفكر في عمران حقاً وتتقرب منه.. ما الذي يغضبه ويزعجه إلى هذا الحد؟!

****

كانت جُمان تدرك أن البقاء في عتمة الغرفة لن يحميها. تحركت بخطوات يملؤها رعب دفين، تسحب معها أطراف فستانها المخملي الأسود الفاخر. كانت هذه هي المرة الأولى التي تجرؤ فيها على تخطي حدود الجناح الشرقي المخصص لها، ذلك السجن الآمن الذي عُزلت فيه عن القصر.

كان الممر الطويل يبدو مرعباً، جدرانه الحجرية العتيقة واللوحات الزيتية الممتدة كأنها عيون تراقب حركتها المرتجفة. كان قلبها يقرع بعنف بين ضلوعها، وكل خطوة تخطوها كانت مغامرة قد تودي باللعبة بأكملها إن لمحها أحد قبل الأوان. قطرات عرق باردة نزلت أسفل وجنتها، لكنها واصلت السير مدفوعة بطاقة غريبة، مزيج من الكبرياء الزائف والفضول الحارق.

فجأة، تملّكها الفضول وهي تلمح في نهاية الرواق باباً خشبياً ضخماً موارباً بقليل، ينبعث منه ضوء خافت. اقتربت بخطوات حذرة، وحبست أنفاسها وهي تدرك أن هذا هو الجناح الخاص بالشغل.. غرفة مكتب عمران.

كان عمران يقف بالداخل أمام النافذة الزجاجية العملاقة، غارقاً في مراجعة بعض الملفات الثقيلة المتعلقة باستقبال الجد عثمان عزام.

طرقت جُمان الباب طرقاً خافتاً، لم يكن يحمل ترددها القديم، بل حمل ثبات الشخصية الجديدة التي تقمصتها.

سمعت صوته الأجش يأتي من الداخل

: — ادخل.

انفتح الباب ببطء شديد، وأحدث صريراً خفيفاً زاد من دقات قلبها. التفت عمران دون اهتمام حقيقي، ظناً منه أنها صوفيا أو أحد الخدم.. ثم تجمدت عيناه لثانية كاملة.

كانت جُمان. أو بالأحرى... كانت ميرا.

الفستان الأسود المطرز بخيوط الذهب، الشعر المصفف بالطريقة المتموجة ذاتها، حتى طريقة وقفتها وكبرياء كتفيها المشدودين. لكن الشيء الوحيد المختلف تماماً... هو عيناها. لم تعدا عيني تلك الفتاة الضائعة المنكسرة؛ أصبحتا أكثر ثباتاً.. أكثر خطورة.

دخلت وأغلقت الباب خلفها بهدوء، مستندة بكفها عليه لتواري الرعشة التي كادت تفضحها. راقبها عمران بصمت ثقيل، وعيناه الصقريتان تحللان هذا التحول الإعجازي دون أن يتكلم بحرف.

اقتربت بتبختر مدروس حتى وقفت أمام مكتبه الضخم. رفع حاجبه قليلاً، وتأملها بنظرة فاحصة، ثم قال بنبرة حملت انبهاراً حاول كبته

: — واضح إن التدريب جاب نتيجة.

جلست جُمان على المقعد المخملي أمامه دون أن تطلب الإذن. حركة صغيرة.. لكنها كانت رسالة واضحة لم تمر عليه أبداً. ارتسمت ابتسامة خفيفة، باردة على فمه، وأراح قلمه قائلاً

: — كويس... أخيرًا بطلتِ ترتعشي كل ما تشوفيني.

ردت عليه وهي تتقدم بجسدها، وتشابك أصابعها فوق الطاولة الرخامية بثبات مصطنع

: — وأنت أخيرًا اقتنعت اني جٌمان .

ساد الصمت. صمت قصير، لكنه كان كافياً ليشعر عمران أن موازين القوى داخل هذه الغرفة قد تغيرت، وأن الفتاة القابعة أمامه لم تعد مجرد دمية يحركها. جلس على كرسيه ببطء، وأراح ظهره للخلف، وشبك يديه فوق صدره قائلاً بنبرة حاسمة

: — قولي اللي عندك.

أجابته مباشرة وعيناها تخترقان عينيه

: — هعمل اللي أنت عايزه.

ظل يراقبها بترقب، فتابعت

: — وهبقى ميرا قدام الكل. 

:- دة مطلوب 

:- وهقابل جدك

:- دة بردو مطلوب 

أومأت برأسها بكبرياء حاد، ثم تراجعت بظهرها وقالت بهدوء شديد جمد الدماء في عروقه

: - بس عندي شرط.

لأول مرة منذ دخولها المكتب... ارتفع إحدى حاجبي عمران بدهشة حقيقية لم يستطع مداراتها

: - شرط؟ 

:- أيوة 

مال للأمام قليلاً، وتغيرت نبرته الودية إلى حذر حاد

: - وأنا أسمعه ليه؟

ابتسمت جُمان ابتسامة صغيرة، لم تكن ابتسامة انتصار، بل ابتسامة شخص بدأ يفهم موقعه الصحيح في هذه اللعبة الخطرة

: - لأنك محتاجني أكتر ما أنا محتاجاك دلوقتي.

اختفت الابتسامة فوراً من وجه عمران، وحلت مكانها ملامح متجهمة وقاسية، وساد صمت قاتل.. ثوانٍ طويلة، خطيرة، كان أي شخص آخر في القصر سيرتعب من نظرات عمران ويهرب من أمامه فوراً. لكن جُمان لم تتراجع؛ لم تهبط بعينيها، لم تهرب، بل استمرت تنظر إليه مباشرة بتحدٍّ صامد.

أدرك عمران ذلك؛ أدرك في تلك اللحظة أنها لم تعد الفتاة الساذجة التي دخلت القصر منهارة تبكي والدها، فقال أخيرًا بنبرة خفيضة

: - كملي.

أخذت جُمان نَفساً عميقاً، وشعرت أن الهواء في المكتب أصبح أثقل، وقالت

: - عايزة أعرف الحقيقة. 

:- حقيقة إيه؟ 

:- أمي.

انعقد حاجباه فجأة. ولأول مرة منذ دخولها المكتب، ظهر التوتر جلياً على وجه عمران الصلب. تنبهت جُمان لهذا الارتجاف الطفيف في ملامحه فوراً، فاستغلت الثغرة وأكملت بقوة

: - طول عمري متربية على إنها ماتت وأنا صغيرة.

صمتت لحظة تتأمل ملامحه الحذرة، ثم أضافت بنبرة حزينة ومصرّة

: — بس طول عمري حاسة ان في حاجة غلط ، كلامي مع ابويا واني حتى ممنوع اجيب سيرتها واني يخفي عني كل صورها دة يأكدلي ان في حاجة انا مش عارفاها  

وقف عمران فجأة، فارتجف قلبها رعباً، لكنها حافظت على جمود وجهها. اتجه نحو النافذة الكبيرة العريضة، وأدار لها ظهره بالكامل. وكان هذا التصرف وحده كافياً لتفهم جُمان أنها أصابت هدفاً مدفوناً في أعماقه لم تكن تعرف وجوده بالأساس! 

لم يجب، وظل ظهره مشدوداً كالجدار.

قبض عمران على حافة النافذة الخشبية بقوة وعنف، حتى برزت عروق يده البيضاء وضاعت مفاصل أصابعه، ثم أغلق عينيه لثانية واحدة فقط.. لكنها كانت كفيلة بأن تزلزل الأرض تحتها وتزرع رعباً وفضولاً لا ينتهي داخل صدر جُمان.

وأخيراً... تكلم. بصوت منخفض جداً، أخفض وأعمق مما اعتادت سماعه منه دايماً

: — بعض الأسئلة يا جمان... إجاباتها أخطر من الجهل بيها.

تجمدت جُمان في مكانها؛ لأن هذه لم تكن إجابة دبلومساية تتهرب، بل كانت اعترافاً صريحاً وقاتلاً.. اعترافاً بأن هناك سراً أسود يخفيه عنها وعن عائلتها، سراً كبيراً جداً.

التفت إليها عمران ببطء، وعادت ملامحه الصلبة والباردة إلى وجهه كقناع حديدي، لكنها رأت ما حدث، وعلمت في سرها أنه ارتبك ولم يستطع إخفاء ذلك بالكامل. قال بحسم قاطع لينهي الجلسة

: - ركزي في اللي جاية عليه دلوقتي

:-.وأنا هعرف الحقيقة؟

نظر إليها عمران طويلاً.. طويلاً جداً، وكأنه يعيد تقييم الفتاة الواقفة أمامه، ثم قال جملة واحدة فقط، حملت ثقل وعدٍ مصيري

: -  لو نجحتي في استقبال عثمان عزام... هبدأ أدور بنفسي.

اتسعت عيناها بذهول وأمل مفاجئ

: - وعد؟ 

:- وعد.

لأول مرة منذ وطئت قدماها هذا القصر اللعين... شعرت جُمان أن لديها سبباً حقيقياً وصادقاً للاستمرار في هذه الحرب، وأن وقوفها في وجه الأفاعي أصبح له ثمن يستحق التضحية.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • غبار المرايا    طاولة الافاعي

    جلس الجميع حول المائدة الطويلة التي امتدت بطول القاعة الرئيسية كأنها تفصل بين ممالك صغيرة داخل القصر الواحد.في المقدمة جلس عثمان عزام.على يمينه عمران وميرا.وعلى الجانبين توزع بقية أفراد العائلة.لم يكن أحد يتحدث.فوجود عثمان وحده كان كافياً لفرض الصمت.رفع الجد فنجان القهوة أمامه بهدوء، ثم ألقى نظرة شاملة على الوجوه الجالسة.نظرة جعلت الجميع يشعر وكأنه يُفحص من الداخل.حتى جُمان شعرت للحظة أن الرجل يقرأ أفكارها.لكنها حافظت على برودها.قال عثمان أخيراً:— زمان كنت لما أدخل القصر أسمع صوتكم من أول البوابة... دلوقتي حاسس إني داخل شركة مش بيت.ابتسم آدم بخفة.— يمكن علشان حضرتك بتخوفنا يا جدي.ضحك عثمان ضحكة قصيرة.— لو كنت بخوفكم بجد مكنتش هتتكلم كدة يا دكتور.ضحك بعض الجالسين بخفوت.بينما بقي سيف صامتاً.وبقي عمران أكثر صمتاً.التقط عثمان ذلك فوراً.ثم قال فجأة:— قولي يا آدم... لو عندك مريض رفض العلاج اللي هيعيش بيه... تعمل إيه؟رفع آدم حاجبه باستغراب.— أحاول أقنعه.— ولو أصر؟— أشرحله العواقب.— ولو اقتنع إن العواقب دي تستاهل؟صمت آدم قليلاً.ثم قال:— ساعتها القرار قراره.هز عثم

  • غبار المرايا    وصول العاصفة

    لم يكن صباح القصر الكبير يشبه أي صباح آخر.الهواء نفسه بدا مشدودًا، كأنه يتهيأ لشيء لا يجرؤ أحد على تسميته. الخدم ينسحبون بخطوات سريعة ووجوه متوترة، وأصواتهم تنخفض كلما مرّت واحدة من نساء العائلة في الممرات الطويلة، بينما ظل عمران يتحرك داخل القصر بملامح ثابتة لا تفصح عن شيء، وكأنه وحده من يملك القدرة على الوقوف وسط هذا الاضطراب دون أن يهتز.أما جُمان...فكانت تقف في الجناح الشرقي أمام المرآة، ترتدي فستان ميرا للمرة الأولى أمام الجميع. الفستان الداكن كان ينساب حول جسدها بنعومة مترفة، وشعرها الأسود مصففًا بالطريقة التي حفظتها من الفيديوهات، ونظرتها... كانت الشيء الوحيد الذي ظل يقاوم الانسلاخ الكامل عن نفسها.وقفت صوفيا خلفها، تعدل آخر تفصيلة في الأكمام، ثم قالت بصوت منخفض:— خدي نفس عميق.ابتلعت جُمان ريقها بصعوبة.— أنا باخده من ساعة ما صحيّت وما خلصش.ابتسمت صوفيا رغم التوتر، ثم وضعت يدًا خفيفة على كتفها.— عثمان بيه مش هيفوت حاجة... بس إنتِ لو اتماسكتي في أول دقيقة، هتعدي الباقي.رفعت جُمان عينيها إلى المرآة، فرأت انعكاس امرأة لا تشبهها إلا في الملامح.تلك اللعنة التي جلبها الشبه بي

  • غبار المرايا    حطب الورد

    في الحديقة الخلفية، كان الليل قد بسط عباءته المخملية الثقيلة على أرجاء القصر، وتواطأت الأضواء الخافتة المتناثرة بين أوراق الشجر والنافورة الرخامية على صنع هالة من الغموض.كان سيف يسير بخطوات وئيدة، متباطئة لكنها مشحونة، يداه مستقرتان في جيبي بنطاله، وعقله يغلي بمحاولات عاجزة لتفريغ الشحنة العنيفة من الغضب والغيرة التي استوطنت صدره منذ مكالمة الصباح.ثم رآها.كانت تجلس بمفردها على المقعد الرخامي الأبيض القريب من حافة جدار النافورة، يستقر فوقها ضوء مصباح حديقة خافت يمنحها مظهرًا أشبه بلوحة دافئة وسط برودة المكان. رأسها منخفض بقلق، وبين كفيها كتاب مفتوح، لكن عينيها التائهتين كانتا تحدقان في الفراغ؛ لا تقرأ، بل تطحنها الأفكار.تجمدت خطوات سيف فوراً، وتصلب جسده في مكانه. لثوانٍ امتدت كالعمر، وقف يحدق بطيفها، وأطلق في سره لعنة صامتة على قلبه وعاطفته المعاندة. أي امرأة أخرى في هذا العالم كانت لتتحول لدخان أو اسم عابر في قائمة أيامه، أما روان... فكانت اللعنة الوحيدة العذبة التي كلما حاول التخلص من قيدها، وجد نفسه يغرق في شباكها أكثر.ترددت في عقله تلميحات عالية الخبيثة، ثم قفزت أمامه ملامح رو

  • غبار المرايا    حقيقة بيولوجية

    في جناحه الخاص، حيث تتخفف الأشياء من صرامة القصر الأرستقراطية، كان محمود يقف في الركن المخصص له أمام ماكينة القهوة الصغيرة. أمسك بالكوب الزجاجي بيده الدافئة، وراقب خيوط السائل الداكن وهي تصب ببطء وانسيابية، قبل أن ينثر فوق وجهها القليل من مسحوق القرفة.. كانت رائحتها النفاذة هي طقسه الحميمي الذي يفتتح به كل صباح.كان يستمتع ويثمن هذه الدقائق القليلة جداً من عزلته؛ الدقائق النادرة التي يتوقف فيها الزمن، ولا يطالبه فيها مخلوق داخل هذا الوكر باتخاذ قرار، أو إبداء رأي، أو تبني موقف يحسب عليه في بورصة النفوذ.انفتح الباب فجأة، دون إذن أو طرقات تمهد للحضور. دلفت نرمين بخطواتها الواثقة التي تحمل دائماً صدى سلطوياً متعالياً. ألقت نظرة فاحصة، سريعة وخاطفة على أركان الغرفة، قبل أن تقع عيناها الصارمتان عليه.رفعت حاجبها الأيمن باستغراب لم تحاول إخفاءه، وهي تراه يحضر قهوته بيديه دون استعانة بأحد، وسألته بنبرة لائمة ومتهكمة: — هو الخدم اختفوا من القصر وأنا معرفش؟التفت محمود إليها بهدوء شديد، هدوء بدا مستفزاً لاندفاعها، وأجاب بنبرة رخية: — لا.. موجودين.: — أمال واقف تعمل القهوة بنفسك ليه؟أعاد م

  • غبار المرايا    حديث صامت

    انبثقت على الشاشة السوداء عبارة واحدة جعلت الهواء يتجمد في الغرفة:.استقام عمران في جلسته فوراً، وتصلب ظهره باحترام تلقائي، وضغط زر الإجابة واضعاً الهاتف على أذنه. جاءه صوت عثمان عزام من الطرف الآخر؛ صوتاً عميقاً، رخامياً، ومهيباً يحمل نبرة المؤسس الذي لا ينثني: — مساء الخير يا عمران.— مساء النور يا جدي.ساد صمت قصير ومحمل بالثقل قبل أن يسأل الجد بنبرته المقتضبة: — كله جاهز؟أدرك عمران على الفور، وبفطنته المعتادة، أن جده يتحدث عن الترتيبات الأمنية والبروتوكولية لزيارته المرتقبة، فأجاب بثبات: — متقلقش يا جدي... كل حاجة جاهزة وعلى أكمل وجه.— كويس.توقف عثمان للحظة، ثم أردف بنبرة حاول جعلها عادية لكنها لم تخفِ اهتمامه الحذر: — طمني على ميرا.ارتسمت نظرة غامضة، مليئة بالخطورة والتحدي في عيني عمران وهو يفكر بالقابعة في الجناح الشرقي، وأجاب ببرود متقن: — أحسن بكتير.— الحمد لله.جاء رد الجد مقتضباً ومثقلاً بالغموض كعادته، ثم أضاف بصيغة آمرة وحاسمة لا تقبل المراجعة: — أنا هكون عندكم بكرة الصبح بدري.. وعايز كل أفراد العيلة بلا استثناء يكونوا موجودين ... محدش يتأخر يا عمران.وراء كلما

  • غبار المرايا    روح معلقة

    داخل إحدى غرف الملاحظة الهادئة في المستشفى، كان رجل خمسيني يجلس فوق السرير الطبي بملامحه المتعبة، بينما تنتهي إحدى الممرضات من لف حزام جهاز قياس الضغط حول ذراعه.وقف آدم أمامه، يقلب نتائج الفحوصات الطبية بتركيز قبل أن يغلق الملف، ثم رفع عينيه نحو المريض بنظرة فاحصة ممتزجة بمداعبة مألوفة: — طمني يا حاج محمود... بتدخن كام سيجارة في اليوم؟تنحنح الرجل، وحاول أن يهرب بعينيه قليلاً وهو يقول بتحفظ ومواربة: — يعني... شوية بسيطين يا دكتور.رفع آدم حاجباً واحداً بذكاء، وسأله وهو يبتسم برفق: — وشوية دي يعني كام بالظبط؟— علبة.— في الأسبوع؟— لا... في اليوم.صفق آدم الملف الطبي على راحة يده فجأة، وأطلق صيحة دهشة مصطنعة أدارت الرؤوس في الغرفة: — الله أكبر! علبة في اليوم وعايز قلبك مايشتكيش ؟!ضحك الرجل بخجل وهز رأسه محاولاً التملص: — كله بأمر ربنا يا دكتور، إحنا أسباب.هز آدم رأسه بأسف داعب، وعلق بنبرة واعظة لكنها حنونة: — ونعم بالله يا حاج محمود، بس ربنا قالك حافظ على نفسك وعمر صحتك الأول، مش تخلص علبة كاملة وتقول كله بأمر ربنا.. ده انتحار رسمي!انفجرت الممرضة الواقفة بجوارهما ضاحكة، أما

  • غبار المرايا    وجه ... وظل

    في جناحها الخاص، وقفت عالية هانم خلف النافذة العريضة المطلة على حدائق القصر. كانت الرياح تحرك الأشجار ببطء، بينما ظل الهاتف في يدها دافئًا من أثر المكالمة الأخيرة.مكالمة سيف.لم تتحرك لثوانٍ طويلة. فقط راحت تحدق في الخارج، كأنها ترى شيئًا أبعد من الأشجار والنافورة والضباب الخفيف.ثم عادت الكلمات ت

  • غبار المرايا    أوراق اللعبة الأولى

    خرجت جُمان إلى الممر الطويل بخطوات واثقة حاولت جاهدة ضبط إيقاعها، بينما كانت كلمات عمران الأخيرة لا تزال تدور داخل رأسها وتزن في أذنها قبضت على أصابعها قليلًا لتدفع الرعشة الكامنة فيها. كانت تكره الاعتراف بذلك، لكنه كان محقاً في كل كلمة. الأسماء سهلة، والقصص المكتوبة في الأوراق سهلة يمكن حفظها، أم

  • غبار المرايا    عهد لم يكتمل

    كان عداد السرعة يتجاوز الـ 140 كم/ساعة، والإطارات تصرخ بعنف مع كل منعطف حاد يسلكه على الطريق الصحراوي المهجور. لم يكن سيف يرى الطريق أمامه؛ بل كان يرى وجه "روان" وهي تنكمش في مقعدها، وعيناها الهاربتان اللتان أكدتا له كل المخاوف التي زحفت إلى صدره.أطبق بكلتا يديه على مقود السيارة بقوة جعلت مفاصل أص

  • غبار المرايا    شظايا الكلمات

    قطع هذا السكون خطوات سريعة ومرحة، حيث انضم إليه ابنه آدم الذي كان يرتدي سترته مستعداً ليرحل إلى نوبته. جلس آدم على المقعد المقابل لوالده بعفوية، ماداً يده ليلتقط قطعة من الخبز المحمص وهو يقول بابتسامته ذات الدم الخفيف المعتاد: — صباح الخير يا بابا.. الروب الصوف ده مخليك شبه لوردات الإنجليز اللي ب

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status