Compartilhar

صدع في الجدار

last update Data de publicação: 2026-06-09 21:00:14

 السفرة الأساسية الفخمة داخل القصر الكبير، حيث كانت الأواني الفضية والبلور الصافي يعكسان كبرياء المكان، جلست نرمين هانم على  الطاولة ببرودها المعتاد بعد مغادرة سيف. كانت تتابع بعيون صقرية ما يحدث داخل القصر؛ لم يكن هادئاً كالعادة بل يضج بالحركة والنشاط، وهناك تقف صوفيا تتابع حركة الخدم في غياب ميرا التي كانت عادة تتولى الاستعدادات اللازمة لاستقبال الجد عثمان.

أشارت نرمين بسبابتها نحو صوفيا التي كانت تقف بالقرب من البهو وتوجه الخدم بوقار، ونادتها بنبرة هادئة: — صوفيا.. تعالي دقيقة من فضلك.

تقدمت صوفيا بخطوات متزنة، تحني رأسها باحترام حذر يخفي خلفه عقوداً من الخبرة في قراءة وجوه عائلة عزام. وقفت على مسافة مناسبة وقالت بصوت هادئ: — تحت أمرك يا نرمين هانم.

أخذت نرمين رشفة بطيئة من شايها، وعيناها الصقريتان تراقبان تعبيرات وجه صوفيا بدقة، ثم مالت للأمام قليلاً وقالت بنبرة خفيضة، غلفتها بابتسامة ناعمة: — شايفة حركة غريبة في القصر على غير العادة..

ردت صوفيا بثبات: — أكيد.. عمران بيه إدانا أوامر إن كل حاجة تكون على أكمل وجه لاستقبال عثمان بيه.

ساد صمت قصير، رتبت فيه نرمين أوراقها، ثم رفعت رأسها فجأة وقالت بنبرة ودودة أكثر مما ينبغي: — آه طبعاً.. لازم كل حاجة تكون Perfect.

صمتت قليلاً ترتشف من فنجانها، ثم تابعت ببطء وتودد مصطنع: — بس الحقيقة إحنا مفتقدين ميرا، لأن هي دايماً اللي بتابع الاستعدادات الخاصة بوصول عثمان بيه. بس واضح إنها لسه تعبانة علشان كده مقدرتش تتابع ده بنفسها كالعادة.. صحيح، طمنيني عليها، مش هي أحسن دلوقتي؟

ساد صمت ثقيل لثوانٍ، انقبض فيه قلب صوفيا وهي تتذكر التحول الإعجازي الذي رأته في عيون جُمان منذ ساعات، وتذكرت تصفيفة الشعر وفستان ميرا الفاخر. نظرت صوفيا إلى عيني نرمين، وقرأت فيهما اللؤم الدفين؛ صوفيا لم تكن مغفلة، بل كانت تعلم يقيناً أن هذا الود المصطنع ليس إلا فخاً. كانت تعرف أن نرمين لا تتمنى في سرها سوى وقوع عمران وانكسار هيبته، وأن "ميرا" بضعفها الحالي وتغيرها هي الخيط الوحيد الذي تبحث عنه نرمين لتمسك به وتقلب الطاولة على عمران وتجعل سيف سيد القصر.

استجمعت صوفيا هدوءها بالكامل، ولم تهتز ملامحها الشاحبة، بل رسمت ابتسامة خفيفة ووقورة تليق بمكانتها ككبيرة خدم القصر، وردت بنبرة هادئة، جافة وثابتة قطعت بها أي طريق للشك: — أحسن كتير دلوقتي الحمد لله.

ضيقت نرمين عينيها وسألت بنبرة فاحصة: — الدكتور شافها؟ — عمران بيه متابع كل حاجة بنفسه.

هنا، تدخلت عالية التي كانت تتابع الحوار بهدوء ماكر، وقالت بنبرة متهكمة غلفتها بالبساطة: — مش جديدة.. طول عمره مش بيستحمل عليها الهوا!

هزت صوفيا رأسها ببطء مؤكدة على كلام عالية لتنهي مساحات الاستجواب، ثم انتظرت قليلاً حتى قالت نرمين بجفاف تملؤه الخيبة من ردود صوفيا المحصنة: — نتمنى نشوفها في أقرب وقت يا صوفيا.. وبلغيها سلامي وإني مستنياها علشان أسلم عليها.

انحنت صوفيا بوقار وانسحبت بخطوات هادئة، بينما كان صدرها يعلو ويهبط بالأنفاس المكتومة. وما إن ابتعدت عن القاعة حتى أسرعت خطواتها دون أن تشعر؛ فلأول مرة منذ بدأت هذه اللعبة شعرت صوفيا أن نرمين اقتربت أكثر مما ينبغي، وأن الخطر بات يطرق أبواب الجناح الشرقي بعنف.

أما روان، فكانت تجلس على الطاولة وهي في عالم آخر تماماً. كانت تفكك المشهد السابق وتحلل ما حدث بدقة. لقد تأكدت بما لا يدع مجالاً للشك أن سيف سمع حوار أمها عالية معها، وعصبيته الطاغية وانسحابه المفاجئ كانا أكبر دليل. لكن عقلها تاه في دهاليز الحيرة، وما زال يحلل متسائلاً في سرّه بغرابة: ما مشكلته هو بالأساس؟ حتى لو كانت تفكر في عمران حقاً وتتقرب منه.. ما الذي يغضبه ويزعجه إلى هذا الحد؟!

****

كانت جُمان تدرك أن البقاء في عتمة الغرفة لن يحميها. تحركت بخطوات يملؤها رعب دفين، تسحب معها أطراف فستانها المخملي الأسود الفاخر. كانت هذه هي المرة الأولى التي تجرؤ فيها على تخطي حدود الجناح الشرقي المخصص لها، ذلك السجن الآمن الذي عُزلت فيه عن القصر.

كان الممر الطويل يبدو مرعباً، جدرانه الحجرية العتيقة واللوحات الزيتية الممتدة كأنها عيون تراقب حركتها المرتجفة. كان قلبها يقرع بعنف بين ضلوعها، وكل خطوة تخطوها كانت مغامرة قد تودي باللعبة بأكملها إن لمحها أحد قبل الأوان. قطرات عرق باردة نزلت أسفل وجنتها، لكنها واصلت السير مدفوعة بطاقة غريبة، مزيج من الكبرياء الزائف والفضول الحارق.

فجأة، تملّكها الفضول وهي تلمح في نهاية الرواق باباً خشبياً ضخماً موارباً بقليل، ينبعث منه ضوء خافت. اقتربت بخطوات حذرة، وحبست أنفاسها وهي تدرك أن هذا هو الجناح الخاص بالشغل.. غرفة مكتب عمران.

كان عمران يقف بالداخل أمام النافذة الزجاجية العملاقة، غارقاً في مراجعة بعض الملفات الثقيلة المتعلقة باستقبال الجد عثمان عزام.

طرقت جُمان الباب طرقاً خافتاً، لم يكن يحمل ترددها القديم، بل حمل ثبات الشخصية الجديدة التي تقمصتها.

سمعت صوته الأجش يأتي من الداخل

: — ادخل.

انفتح الباب ببطء شديد، وأحدث صريراً خفيفاً زاد من دقات قلبها. التفت عمران دون اهتمام حقيقي، ظناً منه أنها صوفيا أو أحد الخدم.. ثم تجمدت عيناه لثانية كاملة.

كانت جُمان. أو بالأحرى... كانت ميرا.

الفستان الأسود المطرز بخيوط الذهب، الشعر المصفف بالطريقة المتموجة ذاتها، حتى طريقة وقفتها وكبرياء كتفيها المشدودين. لكن الشيء الوحيد المختلف تماماً... هو عيناها. لم تعدا عيني تلك الفتاة الضائعة المنكسرة؛ أصبحتا أكثر ثباتاً.. أكثر خطورة.

دخلت وأغلقت الباب خلفها بهدوء، مستندة بكفها عليه لتواري الرعشة التي كادت تفضحها. راقبها عمران بصمت ثقيل، وعيناه الصقريتان تحللان هذا التحول الإعجازي دون أن يتكلم بحرف.

اقتربت بتبختر مدروس حتى وقفت أمام مكتبه الضخم. رفع حاجبه قليلاً، وتأملها بنظرة فاحصة، ثم قال بنبرة حملت انبهاراً حاول كبته

: — واضح إن التدريب جاب نتيجة.

جلست جُمان على المقعد المخملي أمامه دون أن تطلب الإذن. حركة صغيرة.. لكنها كانت رسالة واضحة لم تمر عليه أبداً. ارتسمت ابتسامة خفيفة، باردة على فمه، وأراح قلمه قائلاً

: — كويس... أخيرًا بطلتِ ترتعشي كل ما تشوفيني.

ردت عليه وهي تتقدم بجسدها، وتشابك أصابعها فوق الطاولة الرخامية بثبات مصطنع

: — وأنت أخيرًا اقتنعت اني جٌمان .

ساد الصمت. صمت قصير، لكنه كان كافياً ليشعر عمران أن موازين القوى داخل هذه الغرفة قد تغيرت، وأن الفتاة القابعة أمامه لم تعد مجرد دمية يحركها. جلس على كرسيه ببطء، وأراح ظهره للخلف، وشبك يديه فوق صدره قائلاً بنبرة حاسمة

: — قولي اللي عندك.

أجابته مباشرة وعيناها تخترقان عينيه

: — هعمل اللي أنت عايزه.

ظل يراقبها بترقب، فتابعت

: — وهبقى ميرا قدام الكل. 

:- دة مطلوب 

:- وهقابل جدك

:- دة بردو مطلوب 

أومأت برأسها بكبرياء حاد، ثم تراجعت بظهرها وقالت بهدوء شديد جمد الدماء في عروقه

: - بس عندي شرط.

لأول مرة منذ دخولها المكتب... ارتفع إحدى حاجبي عمران بدهشة حقيقية لم يستطع مداراتها

: - شرط؟ 

:- أيوة 

مال للأمام قليلاً، وتغيرت نبرته الودية إلى حذر حاد

: - وأنا أسمعه ليه؟

ابتسمت جُمان ابتسامة صغيرة، لم تكن ابتسامة انتصار، بل ابتسامة شخص بدأ يفهم موقعه الصحيح في هذه اللعبة الخطرة

: - لأنك محتاجني أكتر ما أنا محتاجاك دلوقتي.

اختفت الابتسامة فوراً من وجه عمران، وحلت مكانها ملامح متجهمة وقاسية، وساد صمت قاتل.. ثوانٍ طويلة، خطيرة، كان أي شخص آخر في القصر سيرتعب من نظرات عمران ويهرب من أمامه فوراً. لكن جُمان لم تتراجع؛ لم تهبط بعينيها، لم تهرب، بل استمرت تنظر إليه مباشرة بتحدٍّ صامد.

أدرك عمران ذلك؛ أدرك في تلك اللحظة أنها لم تعد الفتاة الساذجة التي دخلت القصر منهارة تبكي والدها، فقال أخيرًا بنبرة خفيضة

: - كملي.

أخذت جُمان نَفساً عميقاً، وشعرت أن الهواء في المكتب أصبح أثقل، وقالت

: - عايزة أعرف الحقيقة. 

:- حقيقة إيه؟ 

:- أمي.

انعقد حاجباه فجأة. ولأول مرة منذ دخولها المكتب، ظهر التوتر جلياً على وجه عمران الصلب. تنبهت جُمان لهذا الارتجاف الطفيف في ملامحه فوراً، فاستغلت الثغرة وأكملت بقوة

: - طول عمري متربية على إنها ماتت وأنا صغيرة.

صمتت لحظة تتأمل ملامحه الحذرة، ثم أضافت بنبرة حزينة ومصرّة

: — بس طول عمري حاسة ان في حاجة غلط ، كلامي مع ابويا واني حتى ممنوع اجيب سيرتها واني يخفي عني كل صورها دة يأكدلي ان في حاجة انا مش عارفاها  

وقف عمران فجأة، فارتجف قلبها رعباً، لكنها حافظت على جمود وجهها. اتجه نحو النافذة الكبيرة العريضة، وأدار لها ظهره بالكامل. وكان هذا التصرف وحده كافياً لتفهم جُمان أنها أصابت هدفاً مدفوناً في أعماقه لم تكن تعرف وجوده بالأساس! 

لم يجب، وظل ظهره مشدوداً كالجدار.

قبض عمران على حافة النافذة الخشبية بقوة وعنف، حتى برزت عروق يده البيضاء وضاعت مفاصل أصابعه، ثم أغلق عينيه لثانية واحدة فقط.. لكنها كانت كفيلة بأن تزلزل الأرض تحتها وتزرع رعباً وفضولاً لا ينتهي داخل صدر جُمان.

وأخيراً... تكلم. بصوت منخفض جداً، أخفض وأعمق مما اعتادت سماعه منه دايماً

: — بعض الأسئلة يا جمان... إجاباتها أخطر من الجهل بيها.

تجمدت جُمان في مكانها؛ لأن هذه لم تكن إجابة دبلومساية تتهرب، بل كانت اعترافاً صريحاً وقاتلاً.. اعترافاً بأن هناك سراً أسود يخفيه عنها وعن عائلتها، سراً كبيراً جداً.

التفت إليها عمران ببطء، وعادت ملامحه الصلبة والباردة إلى وجهه كقناع حديدي، لكنها رأت ما حدث، وعلمت في سرها أنه ارتبك ولم يستطع إخفاء ذلك بالكامل. قال بحسم قاطع لينهي الجلسة

: - ركزي في اللي جاية عليه دلوقتي

:-.وأنا هعرف الحقيقة؟

نظر إليها عمران طويلاً.. طويلاً جداً، وكأنه يعيد تقييم الفتاة الواقفة أمامه، ثم قال جملة واحدة فقط، حملت ثقل وعدٍ مصيري

: -  لو نجحتي في استقبال عثمان عزام... هبدأ أدور بنفسي.

اتسعت عيناها بذهول وأمل مفاجئ

: - وعد؟ 

:- وعد.

لأول مرة منذ وطئت قدماها هذا القصر اللعين... شعرت جُمان أن لديها سبباً حقيقياً وصادقاً للاستمرار في هذه الحرب، وأن وقوفها في وجه الأفاعي أصبح له ثمن يستحق التضحية.

Continue a ler este livro gratuitamente
Escaneie o código para baixar o App

Último capítulo

  • غبار المرايا    صدع في الجدار

    السفرة الأساسية الفخمة داخل القصر الكبير، حيث كانت الأواني الفضية والبلور الصافي يعكسان كبرياء المكان، جلست نرمين هانم على الطاولة ببرودها المعتاد بعد مغادرة سيف. كانت تتابع بعيون صقرية ما يحدث داخل القصر؛ لم يكن هادئاً كالعادة بل يضج بالحركة والنشاط، وهناك تقف صوفيا تتابع حركة الخدم في غياب ميرا التي كانت عادة تتولى الاستعدادات اللازمة لاستقبال الجد عثمان.أشارت نرمين بسبابتها نحو صوفيا التي كانت تقف بالقرب من البهو وتوجه الخدم بوقار، ونادتها بنبرة هادئة: — صوفيا.. تعالي دقيقة من فضلك.تقدمت صوفيا بخطوات متزنة، تحني رأسها باحترام حذر يخفي خلفه عقوداً من الخبرة في قراءة وجوه عائلة عزام. وقفت على مسافة مناسبة وقالت بصوت هادئ: — تحت أمرك يا نرمين هانم.أخذت نرمين رشفة بطيئة من شايها، وعيناها الصقريتان تراقبان تعبيرات وجه صوفيا بدقة، ثم مالت للأمام قليلاً وقالت بنبرة خفيضة، غلفتها بابتسامة ناعمة: — شايفة حركة غريبة في القصر على غير العادة..ردت صوفيا بثبات: — أكيد.. عمران بيه إدانا أوامر إن كل حاجة تكون على أكمل وجه لاستقبال عثمان بيه.ساد صمت قصير، رتبت فيه نرمين أوراقها، ثم رفعت رأسه

  • غبار المرايا    شظايا الكلمات

    قطع هذا السكون خطوات سريعة ومرحة، حيث انضم إليه ابنه آدم الذي كان يرتدي سترته مستعداً ليرحل إلى نوبته. جلس آدم على المقعد المقابل لوالده بعفوية، ماداً يده ليلتقط قطعة من الخبز المحمص وهو يقول بابتسامته ذات الدم الخفيف المعتاد: — صباح الخير يا بابا.. الروب الصوف ده مخليك شبه لوردات الإنجليز اللي بنشوفهم في التليفزيون ، ناقصك بس غليون وتبدأ تحكم العالم من هنا!تحسنت ملامح محمود وتلاشت لاماته المعتادة، فهز رأسه بإعجاب بنكتة ابنه المقرب لقلبه، وأخذ رشفة من قهوته قائلاً بنبرة دافئة: — صباح النور يا دكتور.. سيبك من الروب بتاعي دلوقتي، وقولي أخبار المستشفى وشغلك إيه؟ الظاهر إن الطوارئ واخدة كل وقتك لدرجة إننا بقينا بنشوفك في القصر بالصدفة.رد آدم وهو يبتلع لقمته ويضحك بصوت خافت: — المستشفى بقت بيتي الأول يا بابا، الطوارئ هناك مبترحمش.. دكاترة رايحين ودكاترة جايين، وحالات تخليك تصحصح غصب عنك. بس أهو، بنحاول ننقذ ما يمكن إنقاذه عشان الإنسانية.. وعشان البرستيج برضه!ضحكا معاً بصوت مسموع، وكانت الأجواء بين الأب وابنه تفيض بالدفء التلقائي، حتى قطعت تلك اللحظة خطوات حازمة، ذات إيقاع منتظم وأرس

  • غبار المرايا    أنفاس مكتومة

    في تمام الرابعة فجراً، كان السكون يلف الجناح الشرقي ككفن دافئ، والظلام لم ينسحب بعد من زوايا الغرفة. استيقظت جُمان. لم يكن استيقاظاً عادياً، بل انتفاضة وعي تدرك أن زمن الرفاهية قد انتهى، وأن الساعات القادمة لا ترحم المترددين.نهضت من فراشها، وتوجهت بخطوات ثابتة نحو غرفة الملابس الملحقة بالجناح. وقفت أمام الخزانة الهائلة الممتدة بجدرانها الخشبية الداكنة، وتأملت مئات الفساتين والقطع الفاخرة المنسقة برتابة باردة. لم تعد تتأملها بعيون جُمان المبهورة، بل تطلعت إليها بتركيز حاد، كقائد يختار سلاحه لمعركة مصيرية.مدت يدها، ومررت أصابعها بين الأقمشة الحريرية والمخملية الصاخبة، مستحضرةً كل الفيديوهات والصور التي حفظتها لميرا. اختارت فستاناً مخملياً أسود مطرزاً بخيوط ذهبية عند الصدر والأكمام، قطعة تفيض بالجرأة والكبرياء. ارتدته ببطء، ومع كل زر تغلقه، كانت تشعر وكأنها تغلق باباً على ماضيها، وتتخيل نفسها ميرا بجد؛ امرأة لا تخاف أحداً، وتأخذ ما تريد بقوة حضورها.تراجعت خطوة، ونظرت إلى انعكاس صورتها في المرآة الطويلة. لم يتبقَ سوى اللمسة الأخيرة. جلست أمام طاولة الزينة، وأمسكت بالفرشاة والمثبت. بدأت

  • غبار المرايا    خطوات على أرض مهتزة

    خرجت روان من مكتب عمران بخطوات هادئة، والابتسامة المريحة التي غمرت وجهها إثر حديثها معه بدأت تتلاشى تدريجياً وهي تغلق الباب الرصاصي برفق. يكفيها دائماً أن تلجأ لعمران، الرجل الذي تولى تربيتها ورعايتها منذ صغرها، لتشعر أن الدنيا أقل تعقيداً وأنها في مأمن من أجواء القصر الخانقة.استدارت لتكمل طريقها عبر الممر الطويل، لكن خطواتها تجمدت فجأة، وانقبضت أسفل معدتها برعشة توتر مألوفة.في نهاية الممر، حيث الظلال تعانق الجدار الرخامي البارد، كان سيف يقف.كان يعقد ذراعيه أمام صدره بجمود، وعيناه الحادتان والمشحونتان بنبرة غامضة ومخيفة مثبتتان عليها كالصقر. روان، بطبيعتها الرقيقة والبريئة، كانت تشعر دائماً بالخوف والتهيب من سيف؛ عصبيته غير المبررة، وغموضه الدائم، ونظراته التي تعجز عن فهمها، كلها أشياء كانت تجعلها تتلعثم في وجوده وتتحاشى الاصطدام به قدر الإمكان.حاولت روان أن تجمع شتات نفسها، ورسمت ابتسامة باهتة ومضطربة وهي تخطو ببطء، وقالت بصوت متقطع حذر:- واقف كدة ليه يا سيف؟.. خضيتني.اعتدل في وقفته ببطء شديد، وجسده الطويل يلقي بظلاله فوق الرخام، وتحدث بنبرة جافة، يغلفها برود مصطنع:-مستني عمرا

  • غبار المرايا    تحركات فوق رقعة الشطرنج

    كان عمران يقف عند عتبة الباب الداخلي للجناح، سانداً ظهره إلى الإطار الخشبي، واضعاً يديه في جيبي بنطاله. عيناه الصقريتان كانت تتابع حركاتها بدقة باردة، وملامحه الجليدية لم تكشف شيئاً مما يدور في عقله بعد ليلته الطويلة المشحونة.استجمعت جُمان شتات نفسها بسرعة، ورفضت أن تظهر بمظهر الضعيفة أمامه. أرخت كتفيها، وأمالت رأسها إلى الجانب بقليل من التحدي، وقالت بنبرة حاولت أن تكسوها ببرود ميرا:- هو عادي بندخل بدون اسئذان ، ولا دي كمان من قواعد القصر اللي لسة معرفهاش تحرك عمران خطوات وثابتة نحوها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة تحمل مزيجاً من الإعجاب الخفي والسخرية:- محدش بيستأذن وهو داخل الجناح الخاص بيه هو ... ومراته شعرت جُمان بوخزة من الضيق، لكنها تماسكَت. وضع عمران يده على الطاولة، وسحب الكرسي وجلس أمامه وعيناه تثبتان في عينيها قائلًا بنبرة هادئة :-الجد عثمان كلمني الصبح.. بعتلك سلام مخصوص، وبيسأل عن الخاتم الألماس اللي ادهولك في آخر حفلة في بيروت، قال إنه مش شايفه في صورك الأخيرةلمعت عينا جُمان بتوجس، وحاولت استرجاع كل تفاصيل الفيديوهات والملفات التي قرأتها عن حفلة بيروت، وقالت بثقة

  • غبار المرايا    أقنعة الصباح.. ونيران الليل

    وفي الجناح الغربي للقصر، حيث تفوح رائحة البخور العتيق وتمتزج بالفخامة الباردة، كان الهدوء يخيّم على المكان بصورة خادعة؛ هدوء يشبه سطح بحر ساكن يخفي تحته دوامات لا تُرى.جلست عالية هانم فوق مقعدها المخملي الفاخر، تعقد ساقًا فوق الأخرى في أناقة متعمدة، بينما كانت أصابعها تداعب فنجان القهوة أمامها ببطء. أما نرمين هانم فكانت تقف أمام النافذة العريضة، تراقب الحديقة الممتدة أسفلها بعينين جامدتين لا تفصحان عما يدور خلفهما.تنحنحت عالية، ووضعت فنجانها فوق الطاولة الزجاجية برقة مصطنعة أصدرت رنة خفيفة، وقالت بنبرة هادئة حملت ترحيباً مبطناً باللؤم: -نورتِ القصر يا نرمين.التفتت نرمين ببطء، وارتسمت على شفتيها ابتسامة باردة غامضة هادئة، ثم خطت نحو عالية بوقارها الأرستقراطي وجلست على المقعد المقابل لها وقالت بصوت رخيم ونبرة دبلوماسية متقنة: - شكرا عالية ، القصر طول عمره منور .. بيكيتابعت عالية وهي ترشف قهوتها:- بصراحة رجوعك فاجئني ، بعد السنين دي كلها قلت خلاص أكيد مفيش نية للرجوع ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتي نرمين.:- ساعات الإنسان بيحس إن الوقت ما بقاش يسمح إنه يفضل بعيد أكتر من كده.ضاقت ع

Mais capítulos
Explore e leia bons romances gratuitamente
Acesso gratuito a um vasto número de bons romances no app GoodNovel. Baixe os livros que você gosta e leia em qualquer lugar e a qualquer hora.
Leia livros gratuitamente no app
ESCANEIE O CÓDIGO PARA LER NO APP
DMCA.com Protection Status