Partager

شظايا الكلمات

Auteur: Hadeer khalil
last update Date de publication: 2026-06-08 16:27:52

قطع هذا السكون خطوات سريعة ومرحة، حيث انضم إليه ابنه آدم الذي كان يرتدي سترته مستعداً ليرحل إلى نوبته. جلس آدم على المقعد المقابل لوالده بعفوية، ماداً يده ليلتقط قطعة من الخبز المحمص وهو يقول بابتسامته ذات الدم الخفيف المعتاد

: — صباح الخير يا بابا.. الروب الصوف ده  مخليك شبه لوردات الإنجليز اللي بنشوفهم في التليفزيون ، ناقصك بس غليون وتبدأ تحكم العالم من هنا!

تحسنت ملامح محمود وتلاشت لاماته المعتادة، فهز رأسه بإعجاب بنكتة ابنه المقرب لقلبه، وأخذ رشفة من قهوته قائلاً بنبرة دافئة

: — صباح النور يا دكتور.. سيبك من الروب بتاعي دلوقتي، وقولي أخبار المستشفى وشغلك إيه؟ الظاهر إن الطوارئ واخدة كل وقتك لدرجة إننا بقينا بنشوفك في القصر بالصدفة.

رد آدم وهو يبتلع لقمته ويضحك بصوت خافت

: — المستشفى بقت بيتي الأول يا بابا، الطوارئ هناك مبترحمش.. دكاترة رايحين ودكاترة جايين، وحالات تخليك تصحصح غصب عنك. بس أهو، بنحاول ننقذ ما يمكن إنقاذه عشان الإنسانية.. وعشان البرستيج برضه!

ضحكا معاً بصوت مسموع، وكانت الأجواء بين الأب وابنه تفيض بالدفء التلقائي، حتى قطعت تلك اللحظة خطوات حازمة، ذات إيقاع منتظم وأرستقراطي صارم.

أقبلت نرمين ، بطَلّتها المهيبة المعتادة. بمجرد ظهورها، تلاشت الابتسامة عن وجه محمود تدريجياً، وعاد إلى قناع التجاهل التام، عائداً لارتشاف قهوته وعيناه مثبتتان على الحديقة كأنها لم تحضر،ليس غضباً ولا ضيقاً بل ذلك النوع من البرود الذي يولد بعد سنوات طويلة من الخيبات.

وقفت نرمين فوق رؤوسهم تتأمل الطاولة بنظرة فاحصة، وبادلت تجاهل زوجها ببرود أرستقراطي معتاد، دون أن تكلف نفسها عناء النظر إليه وقالت 

:- صباح الخير 

:- صباح النور.

جاء رد محمود مقتضباً.

حاول ادم تلطيف الجو فقال لها 

: صباح الخير يا امي اتفضلي افطري معانا 

ناظرته نرمين بنظرة حانية قائلة 

:- ميرسي يا حبيبي ، بس انا هفطر في القصر الكبير 

، صمتت قليلا ثم اردفت 

:- مكاني هناك مش هنا 

صمت ادم وهو يعلم نوايا امه في السيطرة على القصر وجعل سيف يملك زمام الأمور كلها 

في تلك اللحظة، ظهر من الممر الجانبي للحديقة، واضعاً يديه في جيبي بنطاله، وعيناه الغامضتان تحملان آثار قلة النوم وعصبيته المكتومة. جلس سيف بجمود على المقعد المتبقي بجوار شقيقه، دون أن يطلب طعاماً، والتفتت إليه نرمين فوراً بنظرة اهتمام أمومية حادة، متجاهلة زوجها تماماً، ثم وجهت كلامها لولديها قائلة بصوت منخفض غلفه الغموض

: -كويس انك جيت يا سيف علشان نفطر مع بعض في القصر الكبير 

أومأ لها سيف ثم نظر الي والده وقال 

:- جدي أكد امبارح على حضوره كمان يومين ، ما اتكلمش مع حضرتك في حاجة 

:- حاجة زي ايه ؟

:- زي ايه سبب الزيارة دي ، جاية بشكل مفاجيء مش المواعيد اللي بييجي فيها 

:- لا مقالش حاجة وأكيد مش هسأله قبل ما يجي إنت جاي ليه 

قالت نرمين بلؤم

:- أكيد في حاجة مهمة ورا الزيارة دي ، او هو عرف حاجة مهمة وعايز يقولنا عليها 

تابعها سيف بتأكيد على كلامها فقال ادم وهو ينهض من مكانه مستعدا للخروج 

:- ما تستعجلوش كله هيبان 

ثم اكمل بنبرة هادئة 

:- اسيبكم انا بقى علشان عندي حالات حرجة مستنياني ، خلصوا انتم مناقشتكم وانا الحق الطواريء بتاعتي 

انسحب آدم بخطوات سريعة نحو سيارته، بينما تطلعت نرمين في أثره بنظرة فاحصة وغموض شديد، ثم التفتت إلى سيف وقالت بصوت خفيض حمل نبرة حذر، متجاهلة تماماً وجود محمود الجالس على الطاولة

: -  الحركة في القصر انهاردة على غير العادة ، وواضح ان في استعدادات غريبة بتم ولازم ناخد بالنا من كل حاجة بتحصل 

رد سيف وعيناه تشتعلان بالتفكير

: - هو في أغرب من إن جدي ييجي في الوقت ده؟

ثبتت نرمين نظراتها عليه، وقالت بنبرة آمرة

: - علشان كده بقولك لازم نبقى واعيين لكل حاجة بتحصل حوالينا.

ثم نهضت من مكانها بعدلتها الملكية وعدّلت وشاحها قائلة بحسم

: - يلا بينا على هناك.. مينفعش نكون بعيد أبداً بالذات في الوقت ده.

******

في شرفة القصر الكبير المطلة على النافورة الرخامية، كانت خيوط الشمس الذهبية تتسلل لتضيء طاولة الإفطار الفخمة التي جلست عليها عالية وبجانبها روان. كانت الأجواء تبدو هادئة من الخارج، لكن نبرة عالية كانت تحمل ترتيبات أخرى تماماً.

ارتشفت عالية قليلاً من عصيرها، ثم وضعت الكوب برفق، والتفتت إلى روان بنظرة فاحصة حملت الكثير من الرضا والمكر الأرستقراطي، وقالت بنبرة خفيضة وهي تراقب ابنتها 

— شوفتك امبارح خارجة من عند عمران.

ردت روان بتلقائية 

:-  كنت بطمن عليه

ابتسمت عالية ابتسامة صغيرة.

— وأنا قولت حاجة؟

صمتت روان.

فمالت عالية للأمام قليلًا وأردفت:

:- انا عايزاكي تكملي في الطريق دة ومتبعديش عنه برافو عليكي

انقبض قلب روان بتوتر، وحاولت أن تتحدث، لكن عالية رفعت يدها لتُسكتها وتكمل بجدية أشد

: — دي فرصتك الكبيرة والوحيدة عشان تقربي منه وتلفتي انتباهه يا روان. ميرا تعبانة ومحبوسة فوق في أوضتها، وعمران زي ما أنتِ عارفة، أغلب وقته مقضيه في الجناح الخاص بالشغل ومش بيطلع الجناح بتاعه هو وميرا غير قليل جداً.. يعني الساحة فاضية لكِ، ولازم تثبتي وجودك في حياته دلوقتي بالذات.

فتحت روان فمها، وملامحها تفيض بالارتباك والخوف من هذه الخطة التي تُدفع إليها دفعاً، ولم تلحق أن تنطق بحرف واحد للدفاع عن براءتها ونواياها تجاه عمران الذي تعتبره بمثابة والدها.. إذ قطع حبل الكلمات فجأة صوت خطوات منتظمة وحازمة.

دلف إلى الشرفة نرمين ويتبعها سيف.

في تلك اللحظة بالذات، جمدت الكلمات في الهواء. تسمر سيف في مكانه عند عتبة الشرفة، وتغيرت ملامح وجهه تماماً؛ حيث انقبض فكه بعنف، واشتعلت عيناه بنظرة صدمة وغضب عارم تداخلت مع غيرة قاتلة، بعد أن التقطت أذناه الكلمات الأخيرة لعالية  عن تقرب روان من عمران واستغلال غياب ميرا.

أما نرمين، فقد حافظت على هدوئها الأرستقراطي الصارم، وتقدمت نحو الطاولة بخطوات ملكية، ورغم أنها التقطت الكلمات بوضوح، إلا أنها تظاهرت بالبرود التام وكأنها لم تسمع أي شيء، وقالت بنبرة هادئة ومتزنة

: - صباح الخير يا عالية.

:- صباح النور.

ردت عالية بابتسامة مهذبة.

لم ينتظر سيف أن يكتمل الترحيب؛ تحرك فكه بعصبية شديدة، وعيناه تطلقان شرارات الغضب نحو روان التي انكمشت في مقعدها. تراجع سيف خطوتين للخلف، وقال بصوت جاف ومختنق من فرط الغيظ

: — أنا خارج

التفتت إليه نرمين باستغراب.

— خارج فين؟ إحنا لسه...

قاطعها دون أن ينظر لأحد:

— عندي مشوار مهم.

أدار ظهره فجأة، وتحرك بخطوات واسعة وعنيفة مغادراً  دون أن ينظر خلفه.

وقعت خطوات سيف المغادرة كجلدات السوط على قلب روان. تجمدت الدماء في عروقها، واجتاحتها موجة من الرعب الحقيقي؛ فنظرة سيف الأخيرة وطريقة انسحابه المفاجئ أكدت لها أنه سمع كل كلمة قالتها عالية. شبكت أصابعها بقوة لدرجة الألم، وهبطت برأسها وهي تشعر بالخوف ينهش صدرها.بينما انقبض قلبها بشدة، ولأول مرة...لم تخف من غضب سيف.بل خافت من الفكرة التي قد يكون كوّنها عنها.

Continuez à lire ce livre gratuitement
Scanner le code pour télécharger l'application

Dernier chapitre

  • غبار المرايا    طاولة الافاعي

    جلس الجميع حول المائدة الطويلة التي امتدت بطول القاعة الرئيسية كأنها تفصل بين ممالك صغيرة داخل القصر الواحد.في المقدمة جلس عثمان عزام.على يمينه عمران وميرا.وعلى الجانبين توزع بقية أفراد العائلة.لم يكن أحد يتحدث.فوجود عثمان وحده كان كافياً لفرض الصمت.رفع الجد فنجان القهوة أمامه بهدوء، ثم ألقى نظرة شاملة على الوجوه الجالسة.نظرة جعلت الجميع يشعر وكأنه يُفحص من الداخل.حتى جُمان شعرت للحظة أن الرجل يقرأ أفكارها.لكنها حافظت على برودها.قال عثمان أخيراً:— زمان كنت لما أدخل القصر أسمع صوتكم من أول البوابة... دلوقتي حاسس إني داخل شركة مش بيت.ابتسم آدم بخفة.— يمكن علشان حضرتك بتخوفنا يا جدي.ضحك عثمان ضحكة قصيرة.— لو كنت بخوفكم بجد مكنتش هتتكلم كدة يا دكتور.ضحك بعض الجالسين بخفوت.بينما بقي سيف صامتاً.وبقي عمران أكثر صمتاً.التقط عثمان ذلك فوراً.ثم قال فجأة:— قولي يا آدم... لو عندك مريض رفض العلاج اللي هيعيش بيه... تعمل إيه؟رفع آدم حاجبه باستغراب.— أحاول أقنعه.— ولو أصر؟— أشرحله العواقب.— ولو اقتنع إن العواقب دي تستاهل؟صمت آدم قليلاً.ثم قال:— ساعتها القرار قراره.هز عثم

  • غبار المرايا    وصول العاصفة

    لم يكن صباح القصر الكبير يشبه أي صباح آخر.الهواء نفسه بدا مشدودًا، كأنه يتهيأ لشيء لا يجرؤ أحد على تسميته. الخدم ينسحبون بخطوات سريعة ووجوه متوترة، وأصواتهم تنخفض كلما مرّت واحدة من نساء العائلة في الممرات الطويلة، بينما ظل عمران يتحرك داخل القصر بملامح ثابتة لا تفصح عن شيء، وكأنه وحده من يملك القدرة على الوقوف وسط هذا الاضطراب دون أن يهتز.أما جُمان...فكانت تقف في الجناح الشرقي أمام المرآة، ترتدي فستان ميرا للمرة الأولى أمام الجميع. الفستان الداكن كان ينساب حول جسدها بنعومة مترفة، وشعرها الأسود مصففًا بالطريقة التي حفظتها من الفيديوهات، ونظرتها... كانت الشيء الوحيد الذي ظل يقاوم الانسلاخ الكامل عن نفسها.وقفت صوفيا خلفها، تعدل آخر تفصيلة في الأكمام، ثم قالت بصوت منخفض:— خدي نفس عميق.ابتلعت جُمان ريقها بصعوبة.— أنا باخده من ساعة ما صحيّت وما خلصش.ابتسمت صوفيا رغم التوتر، ثم وضعت يدًا خفيفة على كتفها.— عثمان بيه مش هيفوت حاجة... بس إنتِ لو اتماسكتي في أول دقيقة، هتعدي الباقي.رفعت جُمان عينيها إلى المرآة، فرأت انعكاس امرأة لا تشبهها إلا في الملامح.تلك اللعنة التي جلبها الشبه بي

  • غبار المرايا    حطب الورد

    في الحديقة الخلفية، كان الليل قد بسط عباءته المخملية الثقيلة على أرجاء القصر، وتواطأت الأضواء الخافتة المتناثرة بين أوراق الشجر والنافورة الرخامية على صنع هالة من الغموض.كان سيف يسير بخطوات وئيدة، متباطئة لكنها مشحونة، يداه مستقرتان في جيبي بنطاله، وعقله يغلي بمحاولات عاجزة لتفريغ الشحنة العنيفة من الغضب والغيرة التي استوطنت صدره منذ مكالمة الصباح.ثم رآها.كانت تجلس بمفردها على المقعد الرخامي الأبيض القريب من حافة جدار النافورة، يستقر فوقها ضوء مصباح حديقة خافت يمنحها مظهرًا أشبه بلوحة دافئة وسط برودة المكان. رأسها منخفض بقلق، وبين كفيها كتاب مفتوح، لكن عينيها التائهتين كانتا تحدقان في الفراغ؛ لا تقرأ، بل تطحنها الأفكار.تجمدت خطوات سيف فوراً، وتصلب جسده في مكانه. لثوانٍ امتدت كالعمر، وقف يحدق بطيفها، وأطلق في سره لعنة صامتة على قلبه وعاطفته المعاندة. أي امرأة أخرى في هذا العالم كانت لتتحول لدخان أو اسم عابر في قائمة أيامه، أما روان... فكانت اللعنة الوحيدة العذبة التي كلما حاول التخلص من قيدها، وجد نفسه يغرق في شباكها أكثر.ترددت في عقله تلميحات عالية الخبيثة، ثم قفزت أمامه ملامح رو

  • غبار المرايا    حقيقة بيولوجية

    في جناحه الخاص، حيث تتخفف الأشياء من صرامة القصر الأرستقراطية، كان محمود يقف في الركن المخصص له أمام ماكينة القهوة الصغيرة. أمسك بالكوب الزجاجي بيده الدافئة، وراقب خيوط السائل الداكن وهي تصب ببطء وانسيابية، قبل أن ينثر فوق وجهها القليل من مسحوق القرفة.. كانت رائحتها النفاذة هي طقسه الحميمي الذي يفتتح به كل صباح.كان يستمتع ويثمن هذه الدقائق القليلة جداً من عزلته؛ الدقائق النادرة التي يتوقف فيها الزمن، ولا يطالبه فيها مخلوق داخل هذا الوكر باتخاذ قرار، أو إبداء رأي، أو تبني موقف يحسب عليه في بورصة النفوذ.انفتح الباب فجأة، دون إذن أو طرقات تمهد للحضور. دلفت نرمين بخطواتها الواثقة التي تحمل دائماً صدى سلطوياً متعالياً. ألقت نظرة فاحصة، سريعة وخاطفة على أركان الغرفة، قبل أن تقع عيناها الصارمتان عليه.رفعت حاجبها الأيمن باستغراب لم تحاول إخفاءه، وهي تراه يحضر قهوته بيديه دون استعانة بأحد، وسألته بنبرة لائمة ومتهكمة: — هو الخدم اختفوا من القصر وأنا معرفش؟التفت محمود إليها بهدوء شديد، هدوء بدا مستفزاً لاندفاعها، وأجاب بنبرة رخية: — لا.. موجودين.: — أمال واقف تعمل القهوة بنفسك ليه؟أعاد م

  • غبار المرايا    حديث صامت

    انبثقت على الشاشة السوداء عبارة واحدة جعلت الهواء يتجمد في الغرفة:.استقام عمران في جلسته فوراً، وتصلب ظهره باحترام تلقائي، وضغط زر الإجابة واضعاً الهاتف على أذنه. جاءه صوت عثمان عزام من الطرف الآخر؛ صوتاً عميقاً، رخامياً، ومهيباً يحمل نبرة المؤسس الذي لا ينثني: — مساء الخير يا عمران.— مساء النور يا جدي.ساد صمت قصير ومحمل بالثقل قبل أن يسأل الجد بنبرته المقتضبة: — كله جاهز؟أدرك عمران على الفور، وبفطنته المعتادة، أن جده يتحدث عن الترتيبات الأمنية والبروتوكولية لزيارته المرتقبة، فأجاب بثبات: — متقلقش يا جدي... كل حاجة جاهزة وعلى أكمل وجه.— كويس.توقف عثمان للحظة، ثم أردف بنبرة حاول جعلها عادية لكنها لم تخفِ اهتمامه الحذر: — طمني على ميرا.ارتسمت نظرة غامضة، مليئة بالخطورة والتحدي في عيني عمران وهو يفكر بالقابعة في الجناح الشرقي، وأجاب ببرود متقن: — أحسن بكتير.— الحمد لله.جاء رد الجد مقتضباً ومثقلاً بالغموض كعادته، ثم أضاف بصيغة آمرة وحاسمة لا تقبل المراجعة: — أنا هكون عندكم بكرة الصبح بدري.. وعايز كل أفراد العيلة بلا استثناء يكونوا موجودين ... محدش يتأخر يا عمران.وراء كلما

  • غبار المرايا    روح معلقة

    داخل إحدى غرف الملاحظة الهادئة في المستشفى، كان رجل خمسيني يجلس فوق السرير الطبي بملامحه المتعبة، بينما تنتهي إحدى الممرضات من لف حزام جهاز قياس الضغط حول ذراعه.وقف آدم أمامه، يقلب نتائج الفحوصات الطبية بتركيز قبل أن يغلق الملف، ثم رفع عينيه نحو المريض بنظرة فاحصة ممتزجة بمداعبة مألوفة: — طمني يا حاج محمود... بتدخن كام سيجارة في اليوم؟تنحنح الرجل، وحاول أن يهرب بعينيه قليلاً وهو يقول بتحفظ ومواربة: — يعني... شوية بسيطين يا دكتور.رفع آدم حاجباً واحداً بذكاء، وسأله وهو يبتسم برفق: — وشوية دي يعني كام بالظبط؟— علبة.— في الأسبوع؟— لا... في اليوم.صفق آدم الملف الطبي على راحة يده فجأة، وأطلق صيحة دهشة مصطنعة أدارت الرؤوس في الغرفة: — الله أكبر! علبة في اليوم وعايز قلبك مايشتكيش ؟!ضحك الرجل بخجل وهز رأسه محاولاً التملص: — كله بأمر ربنا يا دكتور، إحنا أسباب.هز آدم رأسه بأسف داعب، وعلق بنبرة واعظة لكنها حنونة: — ونعم بالله يا حاج محمود، بس ربنا قالك حافظ على نفسك وعمر صحتك الأول، مش تخلص علبة كاملة وتقول كله بأمر ربنا.. ده انتحار رسمي!انفجرت الممرضة الواقفة بجوارهما ضاحكة، أما

  • غبار المرايا    أنفاس مكتومة

    في تمام الرابعة فجراً، كان السكون يلف الجناح الشرقي ككفن دافئ، والظلام لم ينسحب بعد من زوايا الغرفة. استيقظت جُمان. لم يكن استيقاظاً عادياً، بل انتفاضة وعي تدرك أن زمن الرفاهية قد انتهى، وأن الساعات القادمة لا ترحم المترددين.نهضت من فراشها، وتوجهت بخطوات ثابتة نحو غرفة الملابس الملحقة بالجناح. وقف

  • غبار المرايا    خطوات على أرض مهتزة

    خرجت روان من مكتب عمران بخطوات هادئة، والابتسامة المريحة التي غمرت وجهها إثر حديثها معه بدأت تتلاشى تدريجياً وهي تغلق الباب الرصاصي برفق. يكفيها دائماً أن تلجأ لعمران، الرجل الذي تولى تربيتها ورعايتها منذ صغرها، لتشعر أن الدنيا أقل تعقيداً وأنها في مأمن من أجواء القصر الخانقة.استدارت لتكمل طريقها

  • غبار المرايا    عهد لم يكتمل

    كان عداد السرعة يتجاوز الـ 140 كم/ساعة، والإطارات تصرخ بعنف مع كل منعطف حاد يسلكه على الطريق الصحراوي المهجور. لم يكن سيف يرى الطريق أمامه؛ بل كان يرى وجه "روان" وهي تنكمش في مقعدها، وعيناها الهاربتان اللتان أكدتا له كل المخاوف التي زحفت إلى صدره.أطبق بكلتا يديه على مقود السيارة بقوة جعلت مفاصل أص

  • غبار المرايا    صدع في الجدار

    السفرة الأساسية الفخمة داخل القصر الكبير، حيث كانت الأواني الفضية والبلور الصافي يعكسان كبرياء المكان، جلست نرمين هانم على الطاولة ببرودها المعتاد بعد مغادرة سيف. كانت تتابع بعيون صقرية ما يحدث داخل القصر؛ لم يكن هادئاً كالعادة بل يضج بالحركة والنشاط، وهناك تقف صوفيا تتابع حركة الخدم في غياب ميرا

Plus de chapitres
Découvrez et lisez de bons romans gratuitement
Accédez gratuitement à un grand nombre de bons romans sur GoodNovel. Téléchargez les livres que vous aimez et lisez où et quand vous voulez.
Lisez des livres gratuitement sur l'APP
Scanner le code pour lire sur l'application
DMCA.com Protection Status