เข้าสู่ระบบ
كان صوت كعبها العالي يتردد بانتظام على الأرضية الرخامية المصقولة. توقفت سيرافينا أمام المرآة الضخمة تعدل ياقة معطفها الفاخر بروقان، والابتسامة لا تفارق وجهها.
بالنسبة لها، كل الأخبار الشائعة عن أزمة والدها المالية لم تكن تعني لها شيئاً سوى مسألة وقت. هي فتاة ترعرعت في العاصمة بين الأناقة والدلال، والأزمات المالية بالنسبة لها مجرد أرقام يحلها المحامون والمحاسبون في الغرف المغلقة، ولا يمكن أن تمس تفاصيل حياتها أو تغير من واقعها شيئاً. لكن رغم ذلك، كان هناك تذمر خفي يضايقها من الداخل. فكرة ترك العاصمة حتى لو لأيام قليلة كانت تزعج غرورها وتفسد روتينها. التفتت إلى صديقها لوكا الجالس على الأريكة الجلدية ممسكاً بهاتفه، وقالت بنبرة لا تخلو من الانزعاج: "لا تتخيل كم أنا منزعجة من هذه الفكرة يا لوكا.. السفر إلى قصر معزول في هذا الطقس السيء ليس أمراً ممتعاً إطلاقاً. لو كان الأمر بيدي لما تحركت خطوة واحدة خارج العاصمة، لكني سأتحمل الأمر لعدة أيام فقط حتى ينهي والدي هذه الضوضاء." رفع لوكا رأسه ونظر إليها بقلق واضح: "سيرا، يمكنكِ البقاء في شقتي هنا في المدينة حتى تهدأ الأوضاع، لماذا تصرين على الذهاب إلى منطقة ثلجية بعيدة؟" تنهدت وهي ترتدي قفازاتها الحريرية ببطء وقالت: "والدي هو من يصر على ذلك. يقول إن الصحافة تلاحق العائلة هذه الأيام ويريدني في مكان بعيد تماماً. اعتبرها إجازة قصيرة أجبرت عليها، وسأعود سريعاً." في تلك اللحظة، دخل والدها بخطوات متأنية. كانت ملامحه مشدودة وعيناه تحملان ثقلاً غريباً. لاحظت سيرافينا ذلك وشعرت باستغراب خفيف؛ فلم تعتد على رؤية والدها بهذا القدر من التوتر. اقترب منها، وضع يده على كتفها بحذر، وقال بصوت خافت: "سيرافينا.. السيارة جاهزة في الأسفل. أريدكِ أن تكوني صبورة هناك، وتذكري دائماً أن كل ما أفعله الآن هو لضمان مستقبلكِ ومستقبل اسم العائلة." وقفت سيرافينا متصنمة لثانية. *ضمان مستقبلي؟* تساءلت في سرها بفضول، لكنها سرعان ما طردت التفكير من رأسها، ظناً منها أنه يقصد حماية ثروتهم وأملاكهم كالعادة. هزت رأسها بابتسامة وثقة: "حسناً يا أبي، لا داعي لكل هذا القلق.. لن أطول هناك." اكتفى والدها بضمها بهدوء، ثم أشار للسائق ليحمل الحقائب الفاخرة الكثيرة التي أصرت على أخذها معها. انطلقت السيارة الفارهة تبتعد عن أضواء العاصمة الساطعة. ومع مرور الوقت، بدأت المباني الحديثة تختفي تدريجياً ليحل محلها الظلام والقمم الجبلية الشاهقة المغطاة بالثلج الأبيض. كانت سيرافينا تجلس في المقعد الخلفي تتصفح هاتفها بملل، حتى انقطعت التغطية تماماً. أمالت رأسها نحو النافذة تراقب رقاقات الثلج التي تتساقط بغزارة وتضرب الزجاج. كان منظر الجبال مهيباً وبحجم برودته، زاد من شعورها بالضيق من هذه الإجازة الإجبارية. أخيراً، انحرفت السيارة نحو طريق خاص تحيط به أشجار الصنوبر الكثيفة، وظهر من بين الضباب قصر خشبي ضخم وفخم. كانت أضواؤه الصفراء الدافئة تنبعث وسط هذا القفر الثلجي المعزول. توقفت السيارة، تنفست سيرافينا بعمق، عدلت معطفها، ثم فتحت الباب ونزلت. لكن في اللحظة الأولى التي لامس فيها حذاؤها ذو الكعب العالي طبقة الثلج، ضربت وجهها موجة برد قارس جعلتها تتراجع خطوة للخلف وتضم معطفها إليها بتذمر وارتباك. انقبض قلبها قليلاً؛ فالهدوء هنا مرعب ولا صوت سوى صفير الريح. وفجأة، انفتح الباب الخشبي الثقيل للقصر. خرج رجل ووقف عند أعلى الدرج بثبات تام دون أن يكترث بالبرد. كان **فيكتور**. رجل ببنطال داكن وسترة صوفية ثقيلة يعلوها معطف فاخر يبرز عرض كتفيه وبنيته الضخمة. من جهته، كان فيكتور يراقب هذه الغريبة القادمة من أضواء المدينة. رأى حذاءها الرقيق الغاطس في الثلج، وثيابها الحريرية، وطريقة وقوفها المغرورة التي تحاول بها إثبات كبريائها. بالنسبة له، هي مجرد فتاة مدن مدللة لا تدرك أين وطأت أقدامها. شعرت سيرافينا بحرارة تسري في وجنتيها رغم البرد وهي ترفع عينيها لتلتقي بنظراته الرمادية الباردة. نزلت نظرات فيكتور الثقيلة ببطء نحو حذائها المغروس في الثلج، يقيّم عدم ملاءمته للمكان، ثم ارتفعت تدريجياً لتستقر في عمق عينيها. كانت نظرة تقييم جافة وصامتة جعلت أنفاسها تضطرب دون أن تفهم السبب. لم يبتسم فيكتور، ولم يرحّب بها، ولم ينطق بحرف واحد. اكتفى بتلك النظرة الثقيلة، ثم التفت بهدوء ودخل إلى القصر، تاركاً الباب مفتوحاً خلفه كإشارة صامتة لتتبعه. تنهدت سيرافينا بتذمر مكتوم، رفعت رأسها بأناقة، ومشت بخطوات متزنة خلف ذلك الجدار الحجري الصامت.انسحبت سيرافينا ببطء من بين يديه، كأن كلماته الأخيرة أفرغت ما تبقى في جسدها من روح التمرد الصارخ. لم تصرخ مجدداً، ولم ترفع عينها لتواجه نظراته الرمادية الصارمة؛ بل اكتفت بالوقوف لثوانٍ معدودة تحاول التقاط أنفاسها المتهدجة، والدموع تجفّ على وجنتيها المحمرتين لتترك أثراً كاوياً من الانكسار. صمت القصر الخشبي بات يمتلك صوتاً مرعباً يهمس لها في كل زاوية بأن أسوار الأمان السابقة قد تهدمت للأبد، وأن والديها اللذين ظنت أنهما ملاذها الأخير قد سلّما مقاليد حياتها لرجل لا يعرف الرحمة. مسحت وجهها بظهر كفها المرتجف، وسارت بخطوات ثقيلة ومشتتة نحو غرفتها، ثم أغلقت الباب خلفها ببطء شديد، تاركة فيكتور يراقب أثر انهيارها بجمود حاد. في اليوم التالي، أشرقت شمس باردة وساطعة فوق قمم الجبل الثلجية. استيقظت سيرافينا في وقت مبكر، تطالع السقف الخشبي بعينين منتفختين ومجهدتين. كانت فكرة الصمود العشوائي والمواجهة المباشرة قد تلاشت من رأسها، ليحل محلها إدراك بارد ومظلم: إذا أرادت البقاء على قيد الحياة دون أن يُسحق كبرياؤها بالكامل، فعليها التعايش مع هذا القفص ورسم خطواتها بذكاء وهدوء. خرجت من غرفتها بآلية هادئة
انتزاع الهاتف من يدها لم يكن مجرد حركة خاطفة، بل كان إعلاناً صريحاً بانتهاء آخر وهم كانت تتمسك به. خنقتها الرغبة في الصراخ وهي تراه يدس الجهاز في جيب بنطاله دون أن يرف له جفن، كأنه يضع قطعة خشبية لا قيمة لها. "أعده إلي!" صاحت بنبرة حادة وخطت نحوه بتهور، تحاول الوصول إلى جيبه، لكن كفه الممتدة أوقفتها برفقٍ قاطع، كمن يوقف طفلاً يركض نحو الحافة. "انتهى وقت اللعب يا سيرافينا،" قالها بنبرة خفيضة وجافة، "الهاتف سيظل معي. ليس لأنني أخشى اتصالكِ بـ 'لوكا'، بل لأنني لا أحب الضوضاء في بيتي." اتسعت حدقتاها بغضب عارم، واشتعلت أحداقها الرمادية ببريق ثائر وهي تراه يستمر في التعامل مع استغاثتها بهذا القدر من التقليل. "أنت جبان يا كوفالسكي!" هتفت بصوت يرتجف بالقهر والدموع تطوق عينيها، "تخشى أن يعرفوا مكاني! تخشى أن يأتوا إلى هنا ويُظهروا لك حجمك الحقيقي أمام رجال عائلتي ومعهم لوكا!" لم تغضبه كلماتها، بل انطلقت منه ضحكة خفيضة يملؤها الاستهزاء والسخرية، رنت في القاعة كصوت ارتطام الحديد بالحديد. سحب هاتفه الخاص من جيبه ببطء وثقة مطلقة، وضغط على الشاشة بخبرة وهو يرمقها بنظراته الباردة. "دعكِ من أوه
ارتجفت أصابع سيرافينا وهي تطبق بكفها على جهاز الهاتف، تحاول إخفاء الشاشة المضيئة أو حجب اسم "لوكا" الصريح الذي كان يتلألأ بأكثر من خمسة عشر اتصالاً مفقوداً ورسائل نصية متلاحقة. رفع نبض قلبها بصوت مسموع في صدور الصمت القاتل الذي يلف الصالة. لم يتحرك فيكتور من مكانه فوراً، بل اكتفى بوضع يديه في جيبي بنطاله العسكري، مائلاً برأسه قليلاً بنظرة رمادية حادة تهدم أي وهم بالهروب. كانت نظراته تتفحص ارتباكها الشديد، والذعر الذي حاول قناع الكبرياء الجريح إخفاءه خلف عينيها الزرقاوين. "يبدو أن الجبل قرر أن يمنحكِ هدية صغيرة هذا المساء،" قالها بصوت هادئ وعميق يرنّ كصلابة الجليد في الخارج، دون أن تتغير نبرته أو يظهر عليه أي مفاجأة. استجمعت سيرافينا ما تبقى من شتات شجاعتها، ورفعت رأسها لتواجه نظراته بثبات زائف، وضغطت الهاتف إلى صدرها مستردة نبرتها الحادة: "الشبكة عادت يا كوفالسكي.. وهذا يعني أن وجودي هنا أصل إلى نهايته. لوكا يبحث عني، والعالم لم ينسَ من أكون لمجرد أنك حبستني في قمتك هذه!" خطا فيكتور خطوة واحدة أفقية، وجسده الشاهق يقطع المسافة بينهما ببطء مرعب، حتى غطى ظله الأريكة بأكملها. أم
سحب كفه ببطء عن معصمها، تاركاً أثراً دافئاً ومرعباً على بشرتها الناعمة، واستدار بخطوات متزنة نحو الخروج من المطبخ، مخلفاً وراءه أثراً ثقيلاً من الهيبة الجليدية التي أطبقت على انفاس المكان. بقيت سيرافينا واقفة في منتصف المطبخ، تنظر إلى معصمها المحمرّ بذهول وعيناها تتلألآن بدموع الغضب والقهر. كانت أنفاسها متسارعة، وصدرها يعلو ويهبط بحنق عارم، بينما لا يزال صدى كلماته الصارمة يرنّ في أذنيها كأمر قاطع لا يقبل النقاش. "مثل الشاطرة؟" تمتمت بها بصوت خفيض يقطر سماً، ويدها الأخرى تعصر طرف كنزتها الصوفية بحدّة، "سأريك كيف سأكون شاطرة يا كوفالسكي.." استدارت نحو الموقد المشتعل، ونظرت إلى المقلاة القابعة فوقه، وإلى شظايا البطاطا والخضار المتناثرة حولها. سحبت زفيراً حاداً ومحملاً بالكبرياء الجريح؛ فبالرغم من كل الوعود بالتمرّد والإضراب التي صرخت بها بوجهه قبل لحظات، إلا أنها كانت تدرك في عمق جوفها أن الصمود أمام رجل بحجم وقسوة فيكتور يحتاج إلى أساليب أخرى غير الجوع والضعف. التقطت الملعقة الخشبية مجدداً بأصابع مرتجفة، وأعادت تحريك الطعام ببطء شديد، وجبهتها معقودة بعبوس جهم. لم تكن تفعل ذلك خضوعا
التفتت سيرافينا نحو بحدة وهي تعصر قبضتيها المكتويتين بوهج الموقد، واشتعلت أحداقها الرمادية بشرر من الغضب العارم الذي انفجر أخيراً بعد أيام من الكبت والضغط المتواصل. ألقت الملعقة الخشبية من يدها لتصطدم بالطاولة الخشبية بصوت حاد، ثم خطت خطوة جريئة نحو جسده الشاهق دون أن تبالي بفارق الحجم بينهما. "أنا لم أستعن بك لتكون ناقداً لطعامي يا سيد فيكتور!" هتفت بها وصوتها يرتجف بخلط مزيج من الغيظ والقهر، "في عالمي الحقيقي، لم يكن يُطلب مني لمس السكاكين أو وقوف الساعات أمام الموقد! كنت أملك عشرات الخدم الذين يتسابقون لتلبية أدنى رغباتي، بينما أنت تحتجزني في هذا القفص المتجمد وتتوقع مني أن أتحول إلى طاهية ماهرة لخدمة جنابك!" بقيت ملامح فيكتور حجرية وثابتة كعادته، يراقب ثورتها المشتعلة واحمرار وجنتيها ببرود يثير الجنون. لم يطرف له جفن، بل ارتسمت على شفتيه الابتسامة ذاتها؛ ابتسامة ساخرة تحمل قدراً هائلاً من التهكم والازدراء، وهو يضع كفيه في جيبي بنطاله العسكري الثقيل ويستند بكتفه العريض على إطار الباب. "عالمكِ الحقيقي؟" قالها بنبرة بطيئة وممتلئة بالتهكم، وهو يمسح وجهها الغاضب بنظرات رمادية ثاق
اتسعت حدقتا سيرافينا بغضب عارم، واشتعلت أحداقها الرمادية ببريق ثائر وهي تنظر إلى ملامحه الجافة الصلبة. كان يقف فوقها كالجبل، هادئاً بشكل يعصر أعصابها، كأنه لم يلقِ للتو حكماً شاقاً يُلزمها برعاية هذه النار طوال النهار."مكاني؟" كررت كلمته بنبرة تهكمية لا تخلو من المرارة، ورفعت رأسها لتتلاقى نظراتهما مباشرة، "أنت تتحدث وكأنني اخترتُ البقاء في هذا الكهف الملعون! أنت من يحتجزني، وأنت من يجبرني على هذا العيش البدائي!"لم يطرف جفن لفيكتور. مسح نظراتها الثائرة بجمود تام، ثم خطا خطوة هادئة نحو الطاولة الخشبية القريبة، ووضع عليها صندوق الكبريت وبعض شظايا الخشب الجاف، معطياً إياها ظهره دون أن يمنح غضبها أي أهمية."الشكوى لن تدفئ أطرافكِ يا سيرافينا،" قالها بصوت هادئ وعميق يرنّ في أرجاء القاعة، "الجبل لا يهتم بحديثكِ عن الإجبار، ولا يهتم بماضيكِ المترف. هنا.. إما أن تتعلمي كيف تتكيفين مع القسوة، أو تتركين البرد يلتهمكِ."التفت إليها بنصف جسده، ونظراته الرمادية الثاقبة تتفقد القماش الرقيق لكنزتها الصوفية وشحوب وجهها الذي بدأ يستعيد بعض ألوانه بفضل وهج المدفأة القريب:"الحطب المقصوص يقبع بجوار ال







