Mag-log inعبرت سيرافينا عتبة الباب الخشبي الثقيل، ليرتطم خلفها بصوت حاد يقطع هدوء المكان.
احتضنها دفء القصر المفاجئ، لتنبعث في الهواء رائحة خشب الصنوبر الممزوجة برائحة الحطب المحترق من المدفأة الحجرية الضخمة التي كانت تشتعل في منتصف الصالة الرئيسية. وقفت سيرافينا لثوانٍ تحاول استيعاب المكان؛ كان القصر يجمع بين الفخامة الجبلية العتيقة والأناقة الباردة. أثاث جلدي داكن، سجاد ثقيل يغطي الأرضيات الخشبية، وسقف مرتفع تتوسطه ثريا حديدية ضخمة تُصدر ضوءاً دافئاً ومحسوباً. لكن الشيء الوحيد الذي لفت انتباهها فوراً هو الخلو التام للمكان؛ لا يوجد خدم، ولا استقبال، ولا مظاهر الحفاوة التي اعتادت عليها. على بُعد خطوات منها، كان فيكتور يتجه نحو طاولته الخشبية العريضة. خلع معطفه الجلدي الثقيل ببطء ورماه على ظهر أريكة جلدية قريبة، ليظهر قوام بنيته الضخمة بوضوح تحت سترته الصوفية الداكنة. التفت بنصف دورة، ونظر بنظرة حادة إلى رجُلي الحراسة اللذين ينقلان حقائبها الكثيرة من السيارة. قال بصوت هادئ، عميق، يحمل نبرة أمر حاسمة: "ضعوا الحقائب في الغرفة الرئيسية في الطابق العلوي وغادروا." جمدت سيرافينا في مكانها فور سماع كلماته. ارتفعت حاجباها باستنكار واضح، وتخلت عن صمتها. خطت خطوة للأمام وهي ترفع رأسها وتنظر إليه بثبات: "عفواً؟ الغرفة الرئيسية؟ أنا ضيفة هنا لعدة أيام فقط، وأفضل الحصول على غرفة ضيوف مستقلة إن أمكن." لم يرتعش جفن لفيكتور. استدار بكامل جسده لنحوها، وضع يديه في جيبي بنطاله، ورمقها بنظرة رمادية متأملة تثبت في عينيها. لم يبدُ عليه أي انزعاج من نبرتها الحادة، بل تعامل مع اعتراضها ببرود تام. هذا الرجل الذي اعتاد الاعتماد على نفسه منذ طفولته في قسوة هذه الجبال، لا يعترف بتعقيدات مدينتها ودلعها. قال بصوت جاف ومحسوب وهو ينظر إلى ساعته اليدوية: "لا يوجد خَدَم هنا لخدمتكِ أو ترتيب غرف إضافية بناءً على مزاجكِ. القصر يُدار بطريقتي، والغرفة الرئيسية هي المجهزة للتدفئة الآن." ثم رفع عينيه إليها وتابع ببرود: "الطقس بالخارج يسوء، والعاصفة ستشتد مع منتصف الليل. يرتاح المرء أكثر عندما يتوقف عن الجدال في وقت متأخر.. اصعدي." قبضت سيرافينا على يدها بقوة داخل قفازها الحريري، وشعرت بشرارة غضب تتأجج في صدرها من طريقته الجافة التي لم يعاملها بها أحد من قبل. كانت معتادة على أن تُلبى أوامرها فوراً ويُحيط بها الخدم من كل جانب، لا أن تُترك في مكان معزول مع رجل يفرض أسلوبه دون أدنى مجاملة. وقفت لثوانٍ تطالعه بنظرة تحدٍّ صارخة تتهم بروده، لكن نظراته الصامتة والراسخة أجبرتها على الاستسلام مؤقتاً. أدارت ظهرها بكبرياء، ومشت بخطوات متزنة تثبت بها نفسها على السلم الخشبي العريض متجهة للأعلى. من الأسفل، كان فيكتور يتابع صعودها ببطء. شاهد كعبها الذي يضغط بقسوة على درجات السلم، ومعطف الفراء الفاخر الذي يتمايل مع حركتها المليئة بالتذمر. لم تتغير في ملامحه أي تفصيلة، لكن عينيه الرماديتين كانتا تحتفظان ببرود حاد يختفي خلفه تملّك صامت ورزين. كان يعلم تماماً ما تجهله هي؛ يعلم أن هذه الدخيلة المدللة القادمة من صخب العاصمة، لن تغادر هذا القصر بعد أيام كما تظن... وأن العقد الذي وقّعه والدها بخط يده، جعلها منذ هذه اللحظة، وتحت هذا السقف، زوجته. وقفت سيرافينا عند أعلى السلم، تتنفس بعمق محاولةً استعادة هدوئها وتوازنها الذي بعثره بروده العجيب. ألقت نظرة خاطفة نحو الأسفل، فوجدته ما زال واقفاً في مكانه، يتابعها بتلك النظرات الثقيلة والساكنة كالجبل نفسه. أدارت وجهها كبرياءً وتابعت سيرها في الممر الخشبي بخطوات حثيثة، تتتبع حقائبها التي وُضعت قرب باب الغرفة الرئيسية. دفعت الباب الخشبي الضخم ودخلت. كانت الغرفة شاسعة، يسودها أثاث دافئ وفخم يناسب قسوة الخارح؛ سرير عريض يحتل المنتصف بفرش داكن، ومدفأة حجرية صغيرة ينبعث منها دفء هادئ ورائحة حطب خفيفة. أغلقت الباب خلفها، ووقفت لثوانٍ في منتصف الغرفة. نزعت قفازاتها الحريرية ورمتها على الطاولة بقلة صبر، ثم ألقيت بمعطف الفراء جانباً وجلست على طرف السرير، تجر أنفاساً متلاحقة من أثر الغضب والارتباك. كان أسلوبه الجاف ونظراته المليئة بالسلطة أمراً لم تعتده طوال حياتها. في العاصمة، كان الجميع يبتسم لها ويبحث عن رضاها، أما هنا، فأمام رجل لا يبدو أنه يكترث لاسم عائلتها أو لدلالها، يفرض قوانينه ببرود يثير حفيظتها ويخيفها في آن واحد. في الأسفل، تحرك فيكتور بخطوات هادئة نحو المدفأة. ألقى بقطعة خشب إضافية في النار، متأقلماً مع هدوء القصر الذي يتقنه جيداً. لم تكن في ملامحه أي علامة على التوتر؛ بالنسبة لرجل عاش واعتمد على نفسه في قسوة هذه الجبال، هي مجرد فتاة مدن غرّة تعتقد أن العالم يدور حولها. رفع عينيه الرماديتين نحو السقف، يستمع إلى صوت كعبها العصبي وهو يتحرك في الغرفة العلوية. لم ينطق بكلمة واحدة، بل اكتفى بنظرة هادئة ونظرة تملّك صامتة وخفية نحو الأعلى... يعلم أن الثلج في الخارج سينزل بكثافة الليلة، وأن أسرار العقد الذي يربطها به، ستجعلها أبعد ما تكون عن مغادرة هذه الجبال.كان فيكتور غاضبًا منذ الصباح، والغريب أنه لم يحاول إخفاء ذلك. تجاهل سيرافينا على مائدة الإفطار، وغادر قبل أن تنتهي من قهوتها. وحين التقيا في الممر بعد ذلك، انحرف قليلًا ليمرّ من جانبها دون أن ينظر إليها. لم تكن المسافة بينهما كبيرة، لكن طريقته في التعامل معها جعلتها تشعر وكأنها غير موجودة. فقررت أن تردّ له المعاملة نفسها. لن تسأله عن غضبه، ولن تذهب إلى مكتبه، ولن تمنحه فرصة ليعرف أن صمته يزعجها. ⸻ جاءت كلارا لزيارتها بعد الظهر، وجلستا في الحديقة تتحدثان عن أخبار القرية وبعض المعارف المشتركين. - “أنتِ شاردة منذ وصلت.” - “أنا أستمع إليكِ.” - “لا، أنتِ تنظرين إلى الكتاب نفسه منذ عشر دقائق.” أغلقت سيرافينا الكتاب. - “ربما لأن قصتكِ مملة.” ضحكت كلارا، ثم ألقت نظرة نحو المنزل. - “هل ما زال فيكتور غاضبًا؟” - “لا أعرف.” - “سيرافينا.” - “كلارا.” تبادلت الاثنتان نظرة قصيرة، ثم هزّت كلارا رأسها مستسلمة. بعد دقائق، ابتعدت كلارا بضعة أمتار لتجيب عن اتصال هاتفي، بينما بقيت سيرافينا قرب المقعد. هناك، لاحظت شجرة التوت القريبة من السور. كانت بعض الثمار الناضجة تتدلى من غصن منخفض نسب
لم يكن فيكتور في مزاج يسمح له بمناقشة أي شيء ذلك الصباح. منذ أن انتهى حديثهما عند مائدة الإفطار، بقي في مكتبه يتابع الاتصالات المتعلقة بالمعلومات التي وصلته عن الرجال الذين حاولوا الاقتراب من سيرافينا في المدينة. لم تكن لديه صورة كاملة بعد، وهذا تحديدًا ما جعله أكثر حذرًا. كان يكره اتخاذ القرارات اعتمادًا على الشكوك، لكنه كان يكره أكثر أن ينتظر حتى يتحول الشك إلى خطر حقيقي. أما سيرافينا، فلم تكن تنوي قضاء يومها في انتظاره حتى يقرر ما الذي يُسمح لها بفعله. كانت قد أمضت جزءًا من الصباح في مراجعة الرسالة التي أرسلتها إليها إميليا بشأن فرصة العمل. قرأت تفاصيل الاجتماع مرتين، ثم كتبت ردًا وأعادت صياغته قبل أن ترسله. لم تكن قد حسمت قرارها بشأن الذهاب إلى المدينة، لكنها أرادت أن تعرف المزيد عن العرض بنفسها، وأن تتحدث مع إميليا وجهًا لوجه. كان ذلك حقًا بسيطًا، أو هكذا بدا لها. لكن منذ أن أخبرها فيكتور بأنه لن يسمح لها بالذهاب، تحولت المسألة إلى شيء أكبر من وظيفة أو اجتماع. لم تعد المسألة تتعلق بما إذا كانت المدينة آمنة، بل بما إذا كان عليها أن تقبل أن يقرر شخص آخر عنها، حتى لو كان ذ
لم تكن سيرافينا قد انتهت من ترتيب حقيبتها حين رن هاتفها مجددًا. كانت إيميليا تتصل بها هذه المرة، ولم تحتج سيرافينا إلى أكثر من سماع صوتها حتى عادت أفكار المدينة إلى ذهنها. — “أخبريني أنكِ فكرتِ في العرض، لأنني لن أقبل أن تضيعي هذه الفرصة بعد كل ما بذلتِه لتصلي إلى هنا.” جلست سيرافينا على حافة السرير، وأزاحت خصلة من شعرها خلف أذنها. — “فكرت فيه، وأريد معرفة التفاصيل الأخيرة قبل أن أعطيكِ جوابي.” — “إذًا، هل يمكنني اعتبار ذلك موافقة مبدئية؟” ابتسمت سيرافينا، لكن ابتسامتها لم تصل إلى عينيها. — “يمكنكِ اعتباره وعدًا بأنني سأفكر بجدية، لا أكثر.” ضحكت إيميليا، ثم أخبرتها أن الفريق يريد لقاءها في المدينة خلال الأيام المقبلة لمناقشة المشروع. لم يكن مطلوبًا منها أن تبدأ العمل فورًا، لكن حضورها الشخصي سيساعدها على فهم مسؤولياتها قبل اتخاذ القرار النهائي. حين انتهت المكالمة، بقيت سيرافينا تنظر إلى الهاتف طويلًا. كانت هذه فرصتها للعودة إلى حياتها، ولو لجزء منها. فرصة انتظرتها منذ أن وجدت نفسها عالقة في هذه الدائرة من الخوف والقرارات التي يتخذها الآخرون نيابة عنها. كان العمل يعني لها أكث
لك يكد يمضي نصف ساعة على عودتهما إلى المنزل حتى انقطعت الكهرباء. كانت سيرافينا قد صعدت إلى غرفتها، وخلعت معطفها المبتل، ثم وقفت أمام الخزانة تبحث عن ملابس مريحة. توقفت يدها حين انطفأ المصباح فجأة، وتبعه صوت التدفئة وهي تسكت في منتصف عملها. حدقت في الظلام، ثم أخرجت هاتفها وأضاءت شاشته. — “بالطبع. كان ينقصني هذا فقط.” خرجت إلى الممر، فوجدت الضوء نفسه قد اختفى من بقية المنزل. لم تسمع سوى صوت الرياح خلف النوافذ، وخطوات فيكتور القادمة من الطابق السفلي. ظهر أمامها حاملًا مصباحًا يدويًا، وقد بدا من ملامحه أنه عرف المشكلة قبل أن تسأله. — “العاصفة ألحقت ضررًا بالوصلة الخارجية. لن تعود الكهرباء قبل أن يفحصها الفني.” نظرت إلى المصباح في يده، ثم إلى هاتفها. — “ومتى سيصل؟” — “في الصباح.” أطلقت زفرة طويلة. لم يكن الأمر مقتصرًا على الظلام؛ فقد توقفت التدفئة المركزية أيضًا، وكانت غرف الطابق العلوي ستبرد أكثر مع مرور الليل. أما الطابق الأرضي، فسيحتفظ ببعض الدفء لبعض الوقت، لكنه لن يكون حلًا مريحًا حتى الصباح. مرر فيكتور ضوء المصباح على الدرج، ثم نظر إليها. — “خذي ملابس النوم وأغراضك الضرور
لم تكن سيرافينا تتوقع أن تعود إلى الجبل بهذه السرعة. قبل يومين فقط، كانت تتجول في شوارع المدينة، تضحك مع أصدقائها، وتظن أن بإمكانها استعادة حياتها القديمة متى أرادت. أما الآن، فكانت تجلس في السيارة إلى جانب فيكتور، تراقب المباني وهي تختفي خلفهما، وتحاول إقناع نفسها بأن عودتها ليست أكثر من ضرورة مؤقتة. لم يكن فيكتور قد طلب منها العودة. ولم تسأله مرة أخرى إن كان يريدها معه. انتهى الأمر عند هذا الحد، على الأقل في نظرها. كان يقود بصمت، وقد وضع هاتفه على الحامل قرب لوحة القيادة. لم يحاول بدء حديث، ولم يلتفت إليها إلا حين تحركت السيارة فوق منعطف حاد، فمد يده تلقائيًا نحوها عندما مالت قليلًا. لكن سيرافينا استقامت قبل أن تصل يده إليها. أعاد يده إلى المقود دون تعليق. راقبته بطرف عينها، وشعرت بانزعاج لا يتناسب مع بساطة الموقف. كان من السهل عليها أن ترفض مساعدته حين تتعلق المسألة بشيء واضح، أما حين كان يقترب منها بدافع بدا عفويًا، فقد وجدت نفسها عاجزة عن تحديد ما تريد. كانت تريده أن يهتم. لكنها لم تكن مستعدة لأن تنسى ما فعله بها، أو أن تسمح له بالاقتراب كلما قرر ذلك. فتحت النافذة قليل
لم تستطع سيرافينا النوم بسهولة تلك الليلة. كلما أغمضت عينيها، عادت إليها اللحظة التي دخلت فيها الفندق مذعورة، ثم رفعت رأسها ورأت فيكتور أمامها. لم تفكر يومها في خلافاتهما، ولا في غضبها منه، ولا حتى في الطريقة التي آلمها بها سابقًا. ركضت إليه فحسب، وحين أحاطها بذراعيه، تشبثت به كأنها لم تعد تريد شيئًا سوى الابتعاد عن الخوف الذي طاردها. كان بإمكانها أن تتذكر كل تفصيل من تلك اللحظة؛ سترته التي وضعها على كتفيها، ويده التي استقرت خلف رأسها بحذر، وصوته المنخفض حين أخبرها أنه موجود. لم تكن تلك أول مرة يقترب منها فيها، لكنها كانت المرة الأولى التي تجد نفسها تلجأ إليه دون أن تقاومه أو تفكر في عواقب ذلك. وهذا ما أقلقها. لم تكن قد سامحته على ما فعله بها في الجبل، ولم تنسَ الألم الذي سببه لها. ومع ذلك، حين فكرت في ذراعيه حولها، شعرت بدفء غريب يسري في داخلها، ثم وجدت نفسها تتساءل عن شكل حياتها لو أن ذلك القرب لم ينتهِ بهذه السرعة. استدارت على جانبها بضيق. لم يكن من المفترض أن تفكر فيه بهذه الطريقة. لقد كانت حياتها في المدينة واضحة قبل زواجها؛ أصدقاء، ومناسبات، وأحاديث طويلة، وخطط لا تحتاج







