เข้าสู่ระบบلم يُسكتها كلامه الحاد، بل كان كمن صبّ الزيت على نار مشتعلة في رأسها. عندما أطلق معصميها، تراجعت سيرافينا خطوتين إلى الخلف وهي تتنفس بحدة، وعيناها الملطختان بالدموع تتأججان بغضب طفولي متهور. رفعت يدها المرتجفة وتمتمت بصوت مبحوح يرجف بالرفض والاستعلاء:
"لستُ زوجتك! ولن أكون أبداً.. أسمعت؟ لن أقبل بأوامرك ولا بهذا الواقع اللعين!" وباندفاع طفولي طائش، امتدت يدها نحو إطار صور زجاجي على الطاولة القريبة ورمته بكامل قوتها نحو الأرض ليتحطم بصوت مدوٍّ زلزل القصر. لم تتوقف عند هذا؛ بل أسرعت نحو رف الكتب وجذبت منه المجلدات الثقيلة لترمي بها على الأرض بغلّ، ثم أطاحت بوسائد الأريكة والتحف الصغيرة، تصرخ وتبكي بهستيريا وتخرب كل ما تطاله يداها لمجرد أن تستفزه، كطفلة مدللة واثقة بأن لا أحد يجرؤ على ردعها. لكن فيكتور لم يتزحزح من مكانه. ظل واقفاً بطوله الفارع، يتأمل فوضاها بنظرات رمادية ساكنة وباردة كالحديد. وعندما توقفت أخيراً في منتصف الصالة تلهث بتعب، وشعرها الأشقر منسدل بعشوائية على وجهها المبلل بالدموع، خطا فيكتور نحوها ببطء شديد. كانت خطواته الثقيلة على الخشب تصدر صدى خافتاً يرعب الروح. تقدم حتى أصبح يقف فوقها تماماً، يظللها بجسده الضخم وهيبته الحادة التي أطفأت شعلة طيشها في ثوانٍ. انخفضت أنفاس سيرافينا فجأة، وتراجعت غريزياً خطوة للخلف، لشعور برهبة ودبيب خوف حقيقي يتسلل إلى قلبها لأول مرة؛ هذا الرجل ليس والده الذي يرضخ لدلالها، ولا أحد أصدقائها في المدينة.. إنه رجل جبال صلب، ملامحه الحادة لا توحي بأي رحمة. نظر فيكتور إلى الزجاج المهشم والفوضى على الأرض، ثم ثبّت عينيه الرماديتين القاسيتين في عينيها الخائفتين، وقال بصوت خفيض، عميق، وساكن لدرجة التهديد: "انتهيتِ من لعب الأطفال هذا؟" ابتلعت سيرافينا ريقها بصعوبة، واختفت نبرة الاستعلاء من صوتها ليمتلئ برعشة مكتومة وهي تحدق في ملامحه الصارمة. أشار فيكتور أفقياً بيده نحو الفوضى، وأردف بنبرة حادة قاطعة لا تقبل النقاش: "الآن.. اجمعي كل ما كسرته، ونظفي هذه الغرفة فوراً." اتسعت عيناها بذهول خائف، وحاولت استرجاع كبريائها المهدور بنبرة خافتقة: "أنا؟ أنظف؟.. أنت لا تتحدث جديّاً، أنا لم أنظف في حياتي شيء..." انحنى فيكتور نحوها قليلاً، فتقلصت حدقتاها بذعر، واسترسل بنبرة ثقيلة تقطع الأنفاس: "من يكسر شيئاً هو من ينظفه يا سيرافينا.. دلالكِ تركتِها خلفكِ في العاصمة. لن تصعدي إلى غرفتكِ حتى تعود هذه الأرضية نظيفة كما كانت." ساد صمت مرعب في الصالة، وبقيت سيرافينا واقفه ترتجف تحت سطوة نظراته القاسية، تدرك لأول مرة أن غرورها ودلالها القديم لن ينقذاها من هذا الجبل ومن قبضة هذا الرجل. تراجعت سيرافينا خطوة أخرى حتى ارتطم ظهرها بحافة الطاولة الخشبية. كانت أنفاسها المتهدجة الصوت الوحيد الذي يكسر صمت المكان، يرافقها صفير الرياح الخافته في الخارج. تطلعت إلى الأرضية الممتلئة بالشظايا والكتب المتناثرة، ثم عادت بنظرها إلى فيكتور، تبحث في ملامحه القاسية عن أي أثر للمزاح أو التراجع، لكنها لم تجد سوى جدار من الجليد الصلب. "لن أفعل..." همست بها بصوت خافت، تحاول ترميم شتات كبريائها المجروح، لكن النبرة خرجت منهكة ومكسورة، تتوسل الخلاص دون أن تدري. لم يتحرك فيكتور، ولم يرف له جفن. أكتفى بعقد ذراعيه أمام صدره العريض، مجسداً هيئة القاضي الذي ينتظر تنفيذ الحكم بلا عجلة. كانت نظراته الرمادية الثابتة تشكل ضغطاً رهيباً يخنق أنفاسها، وكأنه يخبرك دون كلمات أن الوقت ليس في صالحها، وأن البرد والعزلة سيتكفلان بكسر آخر حصونها. انهمرت دمعة ساخنة على وجنتها، مسحتها بسرعة بأصابع ترتجف. لم تكن تبكي من التعب أو الخوف فحسب، بل من ذل الموقف؛ سيرافينا، التي كانت تتنقل بين الحفلات المخملية وتأمر فتجاب، تقف الآن في قصر نائي على قمة جبل، مجبرة على انتحال دور لا تشبهه تحت وطأة رجل يحكم كلمته كالقانون. جثت على ركبتيها ببطء شديد، وكأن كل إنش ينخفض من جسدها يقتطع جزءاً من غرورها المعهود. لامست أصابعها الناعمة أطراف الزجاج المكسور، فلامست البرودة القاسية للخشب، لتدرك أن رحلة التمرد اللفظي قد انتهت، وبدأت مواجهة الواقع الجديد بكل قسوته.انسحبت سيرافينا ببطء من بين يديه، كأن كلماته الأخيرة أفرغت ما تبقى في جسدها من روح التمرد الصارخ. لم تصرخ مجدداً، ولم ترفع عينها لتواجه نظراته الرمادية الصارمة؛ بل اكتفت بالوقوف لثوانٍ معدودة تحاول التقاط أنفاسها المتهدجة، والدموع تجفّ على وجنتيها المحمرتين لتترك أثراً كاوياً من الانكسار. صمت القصر الخشبي بات يمتلك صوتاً مرعباً يهمس لها في كل زاوية بأن أسوار الأمان السابقة قد تهدمت للأبد، وأن والديها اللذين ظنت أنهما ملاذها الأخير قد سلّما مقاليد حياتها لرجل لا يعرف الرحمة. مسحت وجهها بظهر كفها المرتجف، وسارت بخطوات ثقيلة ومشتتة نحو غرفتها، ثم أغلقت الباب خلفها ببطء شديد، تاركة فيكتور يراقب أثر انهيارها بجمود حاد. في اليوم التالي، أشرقت شمس باردة وساطعة فوق قمم الجبل الثلجية. استيقظت سيرافينا في وقت مبكر، تطالع السقف الخشبي بعينين منتفختين ومجهدتين. كانت فكرة الصمود العشوائي والمواجهة المباشرة قد تلاشت من رأسها، ليحل محلها إدراك بارد ومظلم: إذا أرادت البقاء على قيد الحياة دون أن يُسحق كبرياؤها بالكامل، فعليها التعايش مع هذا القفص ورسم خطواتها بذكاء وهدوء. خرجت من غرفتها بآلية هادئة
انتزاع الهاتف من يدها لم يكن مجرد حركة خاطفة، بل كان إعلاناً صريحاً بانتهاء آخر وهم كانت تتمسك به. خنقتها الرغبة في الصراخ وهي تراه يدس الجهاز في جيب بنطاله دون أن يرف له جفن، كأنه يضع قطعة خشبية لا قيمة لها. "أعده إلي!" صاحت بنبرة حادة وخطت نحوه بتهور، تحاول الوصول إلى جيبه، لكن كفه الممتدة أوقفتها برفقٍ قاطع، كمن يوقف طفلاً يركض نحو الحافة. "انتهى وقت اللعب يا سيرافينا،" قالها بنبرة خفيضة وجافة، "الهاتف سيظل معي. ليس لأنني أخشى اتصالكِ بـ 'لوكا'، بل لأنني لا أحب الضوضاء في بيتي." اتسعت حدقتاها بغضب عارم، واشتعلت أحداقها الرمادية ببريق ثائر وهي تراه يستمر في التعامل مع استغاثتها بهذا القدر من التقليل. "أنت جبان يا كوفالسكي!" هتفت بصوت يرتجف بالقهر والدموع تطوق عينيها، "تخشى أن يعرفوا مكاني! تخشى أن يأتوا إلى هنا ويُظهروا لك حجمك الحقيقي أمام رجال عائلتي ومعهم لوكا!" لم تغضبه كلماتها، بل انطلقت منه ضحكة خفيضة يملؤها الاستهزاء والسخرية، رنت في القاعة كصوت ارتطام الحديد بالحديد. سحب هاتفه الخاص من جيبه ببطء وثقة مطلقة، وضغط على الشاشة بخبرة وهو يرمقها بنظراته الباردة. "دعكِ من أوه
ارتجفت أصابع سيرافينا وهي تطبق بكفها على جهاز الهاتف، تحاول إخفاء الشاشة المضيئة أو حجب اسم "لوكا" الصريح الذي كان يتلألأ بأكثر من خمسة عشر اتصالاً مفقوداً ورسائل نصية متلاحقة. رفع نبض قلبها بصوت مسموع في صدور الصمت القاتل الذي يلف الصالة. لم يتحرك فيكتور من مكانه فوراً، بل اكتفى بوضع يديه في جيبي بنطاله العسكري، مائلاً برأسه قليلاً بنظرة رمادية حادة تهدم أي وهم بالهروب. كانت نظراته تتفحص ارتباكها الشديد، والذعر الذي حاول قناع الكبرياء الجريح إخفاءه خلف عينيها الزرقاوين. "يبدو أن الجبل قرر أن يمنحكِ هدية صغيرة هذا المساء،" قالها بصوت هادئ وعميق يرنّ كصلابة الجليد في الخارج، دون أن تتغير نبرته أو يظهر عليه أي مفاجأة. استجمعت سيرافينا ما تبقى من شتات شجاعتها، ورفعت رأسها لتواجه نظراته بثبات زائف، وضغطت الهاتف إلى صدرها مستردة نبرتها الحادة: "الشبكة عادت يا كوفالسكي.. وهذا يعني أن وجودي هنا أصل إلى نهايته. لوكا يبحث عني، والعالم لم ينسَ من أكون لمجرد أنك حبستني في قمتك هذه!" خطا فيكتور خطوة واحدة أفقية، وجسده الشاهق يقطع المسافة بينهما ببطء مرعب، حتى غطى ظله الأريكة بأكملها. أم
سحب كفه ببطء عن معصمها، تاركاً أثراً دافئاً ومرعباً على بشرتها الناعمة، واستدار بخطوات متزنة نحو الخروج من المطبخ، مخلفاً وراءه أثراً ثقيلاً من الهيبة الجليدية التي أطبقت على انفاس المكان. بقيت سيرافينا واقفة في منتصف المطبخ، تنظر إلى معصمها المحمرّ بذهول وعيناها تتلألآن بدموع الغضب والقهر. كانت أنفاسها متسارعة، وصدرها يعلو ويهبط بحنق عارم، بينما لا يزال صدى كلماته الصارمة يرنّ في أذنيها كأمر قاطع لا يقبل النقاش. "مثل الشاطرة؟" تمتمت بها بصوت خفيض يقطر سماً، ويدها الأخرى تعصر طرف كنزتها الصوفية بحدّة، "سأريك كيف سأكون شاطرة يا كوفالسكي.." استدارت نحو الموقد المشتعل، ونظرت إلى المقلاة القابعة فوقه، وإلى شظايا البطاطا والخضار المتناثرة حولها. سحبت زفيراً حاداً ومحملاً بالكبرياء الجريح؛ فبالرغم من كل الوعود بالتمرّد والإضراب التي صرخت بها بوجهه قبل لحظات، إلا أنها كانت تدرك في عمق جوفها أن الصمود أمام رجل بحجم وقسوة فيكتور يحتاج إلى أساليب أخرى غير الجوع والضعف. التقطت الملعقة الخشبية مجدداً بأصابع مرتجفة، وأعادت تحريك الطعام ببطء شديد، وجبهتها معقودة بعبوس جهم. لم تكن تفعل ذلك خضوعا
التفتت سيرافينا نحو بحدة وهي تعصر قبضتيها المكتويتين بوهج الموقد، واشتعلت أحداقها الرمادية بشرر من الغضب العارم الذي انفجر أخيراً بعد أيام من الكبت والضغط المتواصل. ألقت الملعقة الخشبية من يدها لتصطدم بالطاولة الخشبية بصوت حاد، ثم خطت خطوة جريئة نحو جسده الشاهق دون أن تبالي بفارق الحجم بينهما. "أنا لم أستعن بك لتكون ناقداً لطعامي يا سيد فيكتور!" هتفت بها وصوتها يرتجف بخلط مزيج من الغيظ والقهر، "في عالمي الحقيقي، لم يكن يُطلب مني لمس السكاكين أو وقوف الساعات أمام الموقد! كنت أملك عشرات الخدم الذين يتسابقون لتلبية أدنى رغباتي، بينما أنت تحتجزني في هذا القفص المتجمد وتتوقع مني أن أتحول إلى طاهية ماهرة لخدمة جنابك!" بقيت ملامح فيكتور حجرية وثابتة كعادته، يراقب ثورتها المشتعلة واحمرار وجنتيها ببرود يثير الجنون. لم يطرف له جفن، بل ارتسمت على شفتيه الابتسامة ذاتها؛ ابتسامة ساخرة تحمل قدراً هائلاً من التهكم والازدراء، وهو يضع كفيه في جيبي بنطاله العسكري الثقيل ويستند بكتفه العريض على إطار الباب. "عالمكِ الحقيقي؟" قالها بنبرة بطيئة وممتلئة بالتهكم، وهو يمسح وجهها الغاضب بنظرات رمادية ثاق
اتسعت حدقتا سيرافينا بغضب عارم، واشتعلت أحداقها الرمادية ببريق ثائر وهي تنظر إلى ملامحه الجافة الصلبة. كان يقف فوقها كالجبل، هادئاً بشكل يعصر أعصابها، كأنه لم يلقِ للتو حكماً شاقاً يُلزمها برعاية هذه النار طوال النهار."مكاني؟" كررت كلمته بنبرة تهكمية لا تخلو من المرارة، ورفعت رأسها لتتلاقى نظراتهما مباشرة، "أنت تتحدث وكأنني اخترتُ البقاء في هذا الكهف الملعون! أنت من يحتجزني، وأنت من يجبرني على هذا العيش البدائي!"لم يطرف جفن لفيكتور. مسح نظراتها الثائرة بجمود تام، ثم خطا خطوة هادئة نحو الطاولة الخشبية القريبة، ووضع عليها صندوق الكبريت وبعض شظايا الخشب الجاف، معطياً إياها ظهره دون أن يمنح غضبها أي أهمية."الشكوى لن تدفئ أطرافكِ يا سيرافينا،" قالها بصوت هادئ وعميق يرنّ في أرجاء القاعة، "الجبل لا يهتم بحديثكِ عن الإجبار، ولا يهتم بماضيكِ المترف. هنا.. إما أن تتعلمي كيف تتكيفين مع القسوة، أو تتركين البرد يلتهمكِ."التفت إليها بنصف جسده، ونظراته الرمادية الثاقبة تتفقد القماش الرقيق لكنزتها الصوفية وشحوب وجهها الذي بدأ يستعيد بعض ألوانه بفضل وهج المدفأة القريب:"الحطب المقصوص يقبع بجوار ال







