FAZER LOGINمن وجهة نظر لوكا
كنت أعود إلى المملكة بعد يوم طويل. حصاني يسير بهدوء على الطريق الترابي. وأكياس المؤن والبضائع معلقة على جانبيه. الهواء كان منعشًا. والغابة هادئة. لدرجة أنني بدأت أشعر بالملل. — "أرون..." تمتمت. فرد ذئبي الداخلي بتثاؤب. — "ماذا؟" — "هل تشعر أن الحياة أصبحت مملة؟" — "لا." — "حقًا؟" — "أنا أعيش داخل رأسك." — "كل يوم أراك تتورط بمشكلة جديدة." — "الحياة ليست مملة أبدًا." تأففت. — "وقح." — "واقعي." رد أرون. ابتسمت رغم نفسي. لكن بعد فترة قصيرة... اختفت ابتسامتي. لأنني شممت رائحة دخان. رفعت رأسي. وبعيدًا بين الأشجار. رأيت ألسنة نار. توقفت. ضيقت عيني. — "هناك معسكر." فرد أرون فورًا. — "هذا ليس طريق تجار." — "أعرف." نزلت عن الحصان. وربطته بعيدًا. ثم بدأت أتسلل بين الأشجار. بهدوء. خطوة بعد خطوة. حتى اقتربت بما يكفي لرؤية المخيم. وكان كبيرًا. كبيرًا جدًا. خيام كثيرة. أسلحة. خيول. ورجال مدججون بالدروع. تجمدت. هذا ليس معسكرًا عاديًا. ثم سمعت صوت رجل. كان يقف قرب نار كبيرة. ورجاله ملتفون حوله. — "استعدوا." قال بصوت خشن. — "بعد سنوات طويلة..." — "حان وقت الانتقام." شعرت بقشعريرة. وأكمل الرجل: — "سنسحق نورفاي." — "سأجعل ألفريد يرى مملكته تحترق." — "وسأدمر كل ما بناه." تجمد الدم في عروقي. نورفاي؟ الملك ألفريد؟ من هذا المجنون؟ لكن قبل أن أتمكن من سماع المزيد... تحرك غصن تحت قدمي. كراك لعنت نفسي. وفي اللحظة التالية. التفت أحد الحراس نحوي. — "هناك أحد!" صرخ. اللعنة. قفزت للخلف فورًا. ثم بدأت أركض. وصراخ الحراس ملأ الغابة. — "أمسكوه!" انطلقت الأسهم خلفي. واحدة مرت قرب رأسي. وأخرى أصابت كتفي. تأوهت من الألم. لكنني لم أتوقف. تحولت إلى ذئبي الرمادي الضخم. واندفعت بين الأشجار. وأصوات المطاردة خلفي. حتى بعد ساعات. وأخيرًا. وصلت إلى نورفاي. عندما دخلت بوابة المملكة... كان شكلي كارثيًا. ملابسي ممزقة. وجرحي ينزف. والتراب يغطي وجهي بالكامل. حتى الحراس صدموا. — "الأمير لوكا!" — "ماذا حدث؟!" لكنني لم أتوقف. ركضت مباشرة نحو القصر. بعد دقائق. كان الجميع مجتمعين في قاعة العرش. جدي و الملك ألفريد. هيفان. هرلين. إيفان. لافندر. أبي زاك. أمي لينيا. والبقية. وأنا أقف في المنتصف أتنفس بصعوبة. ثم أخبرتهم بكل شيء. عن المعسكر. وعن الجيش. وعن كلام الرجل. وفجأة... اختفت الألوان من وجه الملك ألفريد. لأول مرة منذ سنوات. رأيته يبدو مصدومًا. فقال هيفان ببطء: — "هل تعرف من يكون؟" ساد الصمت. طويلًا. ثم أجاب جدي بصوت منخفض جدًا. — "أعرفه." ارتبك الجميع. حتى أنا. فرفع عينيه ببطء. وقال الكلمة التي جعلت الغرفة كلها تتجمد. — "إنه أخي." الصمت. ثم شهقت هرلين. وقال إيفان: — "ماذا؟" تنهد ألفريد ببطء. وكأنه عاد عشرات السنين إلى الماضي. — "اسمه سيلفورد." — "الأخ الأكبر لي." وأكمل بصوت ثقيل. — "حين كنا شبابًا..." — "اختار والدي أن أصبح أنا الملك." — "ولم يختره هو." قبض يده. — "سيلفورد لم يتقبل الأمر." — "قال إن التاج له." — "وقال إنني سرقته." ارتجفت عينا الملك قليلًا. — "وفي ليلة واحدة..." — "حاول قتلي." شهقت أمي. أما أبي فعبس بشدة. وأكمل ألفريد: — "اضطررت لقتاله." — "وكان أقوى مما تتخيلون." — "وفي النهاية هزمته." — "لكنني لم أستطع قتله." نظر إلى الأرض. — "كان أخي." — "لذلك تركته يرحل." ثم أغلق عينيه. — "ويبدو أن ذلك كان أكبر خطأ ارتكبته في حياتي." ساد الصمت في القاعة. الجميع فهم الآن. هذا ليس مجرد عدو. وليس مجرد حرب. إنها عودة شبح من الماضي. شبح يحمل حقدًا عمره عشرون عامًا. وفي أعماقي... شعرت أن شيئًا سيئًا جدًا يقترب. وشعرت أن الأيام الهادئة التي عشناها... قد انتهت. .من وجهة نظر إيفان كانت نورفاي مختلفة تلك الليلة. هادئة أكثر مما يجب. هادئة بطريقة تجعل القلب ينقبض. وقفت على شرفة القصر المرتفعة أراقب المملكة الممتدة تحت السماء المظلمة. الشوارع التي كانت مليئة بالحياة أصبحت شبه فارغة. بعد أوامر الملك ألفريد تم إجلاء معظم المدنيين إلى المناطق الآمنة. لم يبق سوى الجنود والمحاربين. والذين كانوا يتحركون في الأسفل كالنمل. يحملون الصناديق. يشحذون السيوف. ويستعدون لما سيأتي. رفعت رأسي نحو السماء. كانت النجوم واضحة الليلة. بشكل غريب. وكأن العالم يحاول أن يبدو هادئًا قبل العاصفة. ثم... وصلتني رائحة أعرفها جيدًا. رائحة الزهور الليلية. استدرت. فوجدتها. لافندر. كانت تمشي نحوي بهدوء. وشعرها الأسود الطويل يتحرك مع نسيم الليل. توقفت بجانبي. ثم نظرت نحو المملكة هي الأخرى. وبقيت صامتة للحظات. قبل أن تقول بهدوء: "لم أتخيل يومًا أن أرى نورفاي بهذا الشكل." أومأت بصمت. ثم قلت: "ولا أنا." ساد الصمت مجددًا. لكن هذه المرة لم يكن مزعجًا. كان مريحًا. وكأن وجودها وحده يكفي. بعد فترة قصيرة قالت: "هل تعتقد أننا سننتصر؟" نظرت نحو الأفق. ثم
من وجهة نظر هيفان استمر اجتماع الحرب لساعات طويلة. كانت الخريطة الضخمة تغطي معظم الطاولة بينما وقف الجميع حولها.أبي كان يشرح آخر التقارير القادمة من الحدود. أما أنا وزاك وأيان وألنيوس فبدأنا نضع الاحتمالات المختلفة لهجوم سيلفورد. بعد نقاش طويل ظهرت الخطة التي وافق عليها الجميع. سيلفورد كان يظن أن قوته الحقيقية هي جيشه الضخم وأسلحته الفضية. لذلك قررنا أن نجعله يعتقد أنه يسيطر على سير المعركة. سنسمح له بالتقدم نحو السهل الواسع أمام المملكة. مكان يبدو وكأنه أفضل نقطة للهجوم. لكن في الحقيقة كان فخًا. سيتم إخفاء جزء من قواتنا داخل الغابات المحيطة. بينما يبقى الجيش الرئيسي أمام الأسوار. وعندما يندفع جيش سيلفورد بكامل قوته... سنغلق عليهم من الجانبين. وفي نفس الوقت يستخدم زاك ولافندر سحر استدعاء الموتى لإثارة الفوضى خلف خطوط العدو. أما الملك ألفريد... فهو من سيتولى مواجهة سيلفورد بنفسه. لأن الجميع يعلم أن تلك المواجهة لا يمكن أن يقوم بها أحد غيره. عندما انتهى الاجتماع كان الليل قد حل. والإرهاق واضح على الجميع. غادرت القاعة أخيرًا. وعدت إلى غرفتي. ... عندما دخلت وجدت هر
من وجهة نظر إيفان خلال اليومين التاليين تغير كل شيء في نورفاي. لم يعد أحد يضحك كما كان. لم تعد الممرات مليئة بالأحاديث الهادئة. في كل مكان كان هناك جنود. أسلحة. دروع. أوامر. ورائحة الحرب التي بدأت تقترب أكثر فأكثر. حتى القرى القريبة من الحدود بدأت تستقبل المصابين والناجين من هجمات سيلفورد. أما داخل القصر فكان الجميع يستعدون للأسوأ. في ذلك الصباح كنت أمر قرب جناح لافندر عندما سمعت صوت ارتطام قوي. تجمدت. ثم اندفعت نحو الغرفة. عندما دخلت وجدت زاك ولينيا يركضان إليها. أما لافندر... فكانت ممددة على الأرض. فاقدة للوعي. شعرت بانقباض غريب في صدري. ركعت بجانبها فورًا. بينما كان زاك يهز كتفيها بقلق. — "لافندر." — "لافندر!" بعد لحظات طويلة فتحت عينيها ببطء. رمشت عدة مرات. ثم ابتسمت وكأن شيئًا لم يحدث. — "لماذا تنظرون إلي هكذا؟" كاد زاك ينفجر. — "سقطت مغشيًا عليك!" — "هل هذا يبدو أمرًا عاديًا؟" جلست لافندر ببطء. ثم قالت بعنادها المعتاد: — "أنا بخير." — "مجرد تعب." — "لم أنم جيدًا." لكن أحدًا لم يقتنع. خصوصًا زاك. اقترب منها
الراويبعد ساعات من اجتماع الحرب، كانت المملكة كلها بحالة استنفار. الجنود يجهزون الأسلحة، الحراس ينتشرون فوق الأسوار، والخدم يركضون في الممرات حاملين الرسائل والأوامر.أما في القصر، فكان القلق يزداد مع كل دقيقة.في صباح اليوم التالي اجتمع الجميع في قاعة المجلس. كان ألفريد جالسًا على رأس الطاولة بينما وقف هيفان وزاك وأيان وألنيوس ولوكا وإيفان حول الخريطة الضخمة للمملكة.قال ألفريد بصوت هادئ لكنه حازم: "إن كان سيلفورد يملك جيشًا بالحجم الذي وصفه لوكا فلن يهاجم مباشرة. سيبحث أولًا عن نقاط ضعفنا."أومأ ألنيوس موافقًا وأضاف: "ولهذا علينا أن نحمي القرى القريبة من الحدود قبل أي شيء."بدأ الجميع يناقشون الخطط، لكن إيفان كان شاردًا قليلًا. لم يستطع منع نفسه من التفكير بلافندر. منذ حادثة إغمائها وهو يشعر بشيء غريب كلما رآها.في الجهة الأخرى من القصر كانت لافندر جالسة مع لينيا وهرلين وإيلينا في الحديقة الملكية. حاولت أن تبدو طبيعية لكنها كانت تشعر بثقل غريب داخل صدرها.لاحظت هرلين ذلك.اقتربت منها وسألت بلطف: "ما بك يا صغيرتي؟"ابتسمت لافندر بسرعة وقالت: "لا شيء."لكن هرلين لم تقتنع.فهي تعرف هذ
الراوي بعد أن انتهى حديث ألفريد مع إيلينا...بقي واقفًا قرب النافذة الكبيرة في مكتبه.الليل كان قد غطى نورفاي بالكامل.لكن النوم كان آخر شيء يمكن أن يفكر فيه الآن.كان يشعر بثقل السنوات كلها فوق كتفيه.شقيقه عاد.والمرة هذه لم يعد كأخ.بل كعدو.تنهد ألفريد ببطء.ثم استدار نحو الطاولة.ومد يده نحو البلورة السحرية الخاصة بالتواصل.أضاءت البلورة بلون أزرق.وبعد لحظات ظهر وجه ألنيوس.والد هرلين وببيتا المملكة.نظر إليه ألنيوس فورًا.— "ألفريد."— "أظن أنني أعرف سبب اتصالك."أومأ الملك بصمت.ثم شرح له ما أخبرهم به لوكا.ومع كل كلمة كان وجه ألنيوس يزداد جدية.حتى انتهى الحديث.ساد الصمت لثوانٍ.ثم قال ألنيوس بهدوء:— "أعرف أن ذلك صعب عليك."— "في النهاية هو أخوك."انخفضت عينا ألفريد قليلًا.لكن ألنيوس أكمل:— "لكن تذكر شيئًا واحدًا."— "من يخن مرة..."— "قد يخون ألف مرة."ساد الصمت.ثم تابع:— "لقد أعطيته فرصة."— "وأنت تعرف هذا."— "وأنت لم تظلمه."— "هو من اختار طريقه بنفسه."قبض ألفريد يده.وكان يعلم أن كلام ألنيوس صحيح.لكنه لم يجعل الأمر أسهل.ففي النهاية...كان ذلك الرجل أخاه.أخاه ا
من وجهة نظر الملك ألفريد بعد أن انتهى لوكا من رواية ما رآه... ساد الصمت في قاعة العرش. صمت ثقيل. خانق. كنت أحدق في الفراغ. لكن عقلي لم يكن هنا. كان هناك... قبل عشرات السنين. أيام كنا أنا وسيلفورد شابين. أخوين. أو هكذا كنت أعتقد. قبضت يدي بقوة. حتى أن المفاصل ابيضّت. فجأة نهضت من العرش. — "استدعوا القادة." التفت الجميع نحوي. — "وأرسلوا أوامر إلى جميع الحاميات." — "أريد تعزيز الأسوار." — "مضاعفة الحراسة." — "وتجهيز الجيش بالكامل." نظر هيفان إلي بجدية. أما البقية ففهموا من نبرة صوتي أن الأمر أخطر مما يعتقدون. — "إن كان سيلفورد حقًا خلف هذا..." — "فهذه لن تكون مناوشة صغيرة." — "إنها حرب." ارتسم التوتر على وجوه الجميع. حتى لافندر. حتى إيفان. حتى زاك. الجميع شعر بالخطر. لكن فجأة... تكلم هيفان. — "أبي." رفعت عيني نحوه. كان عابسًا. — "لماذا لم تخبرنا؟" تجمدت القاعة. — "كل هذه السنوات..." — "كان لديك أخ." — "وعدو بهذا الحجم." — "ولم تقل شيئًا." تنهدت ببطء. وأغمضت عيني. — "لأنني كنت أظن أن الأمر انتهى." ساد الصمت. ثم أكملت. — "حين هزمته..." — "اخت