LOGINالراوي
كان المكتب هادئًا على غير العادة. جلس هيفان مع والده ألفرد، وألنيوس، وزاك، وأيان حول الطاولة الخشبية الكبيرة. أمامهم خرائط الطريق المؤدي إلى مملكة سيلينورا. "إذا انطلقنا مع شروق الشمس سنصل خلال ثلاثة أيام." قال ألفرد وهو يشير إلى إحدى النقاط على الخريطة. أومأ زاك. "والاحتفال بعد أسبوع تقريبًا." "لدينا وقت كافٍ." قال ألنيوس. أما أيان... فكان منشغلًا أكثر بإعادة ملء كأسه من الاستماع للنقاش. "أنت لا تسمع شيئًا." قال هيفان ساخرًا. رفع أيان كتفيه. "أسمع." "ماذا قلنا للتو؟" صمت. ثم نظر إلى زاك. "ساعدني." انفجر الجميع ضاحكين. داخل رأس هيفان... صدر صوت ذئبه. هيف:" ما زال غبيًا." ابتسم هيفان دون وعي. هيف: لكن على الأقل يجعل الجو أقل كآبة. وافقه الرأي. بعد فترة انتهى الاجتماع أخيرًا. وغادر الجميع ليستعدوا للسفر. حين دخل جناحه... وجد هرلين جالسة أمام المرآة. تمشط شعرها الطويل بهدوء. التفتت إليه. وابتسمت فوراً. لكن الابتسامة اختفت سريعًا. وعقدت حاجبيها. "هل شربت؟" سألته مباشرة. ضحك. "قليلًا." "هيفان." اقترب منها. ثم لف ذراعه حول خصرها. "أعرف أنك لا تحبين رائحة الشراب." قال وهو يدفن وجهه قرب شعرها. "ومع ذلك تشرب." "لأنني لم أجد طريقة أجمل لأقضي الوقت مع هؤلاء العجائز." ضحكت رغماً عنها. فابتسم منتصرًا. وطبع قبلة صغيرة على خدها. "ها قد ضحكتِ." "أنت مستفز." "وأنت تحبينني." "للأسف." حملها فجأة. "هيفان!" "ماذا؟" ضحك وهو يضعها برفق فوق السرير. وكأنها شيء ثمين يخشى كسره. ثم استلقى بجانبها. ولف ذراعه حول خصرها. وسحبها نحوه. وضعت رأسها على صدره. وساد بينهما صمت مريح. كانت تسمع دقات قلبه. وهو يستمع إلى أنفاسها الهادئة. ثم همست: "هيفان؟" "همم؟" ابتسمت. "أحبك." ابتسم تلقائيًا. كم مرة قالتها له؟ مئات؟ آلاف؟ كانت تقولها دائمًا. عندما تستيقظ. وعندما تنام. وعندما تغضب. وعندما تفرح. رفع يده. وأبعد خصلة شعر عن وجهها. "أعرف." قال بهدوء. رفعت رأسها إليه. "لكنني أخاف أحيانًا." اعترفت بصوت خافت. "ممَّ؟" ابتسمت بحرج. "أن يأتي يوم وتمل مني." رمش هيفان. ثم ضحك. "بعد كل هذه السنوات؟" ضربته على صدره بخفة. فأمسك يدها. "هرلين." قال وهو ينظر مباشرة إلى عينيها. "لو كان هناك شخص واحد سأختاره في كل حياة..." شد على يدها بلطف. "فسيكون أنتِ." احمر وجهها فورًا. "أنت تتكلم بلطف فقط لأنك شربت." "وأنتِ تصدقين أي شيء جميل أقوله." فضحكت. وبعد فترة قصيرة... غلبهما النعاس. **** في صباح اليوم التالي ضج القصر بالحركة. الخدم يجهزون الأمتعة. والفرسان يحضرون الخيول. والحراس يتفقدون العربات. جلست النساء داخل العربات المخصصة للسفر. بينما ركب الرجال خيولهم. وأخيرًا... انطلقت القافلة. مر اليوم الأول بهدوء. الطرق الطويلة. والغابات الممتدة. والأحاديث المتقطعة بين الجميع. لكن بعد الظهر بقليل... حدث شيء غير متوقع. توقفت إحدى العربات فجأة. قفز أيان من حصانه فورًا. "إيلورا!" كانت تمسك رأسها. وتبدو شاحبة قليلًا. تجمد قلب أيان. "هل أنت بخير؟" أومأت. لكنها بدت متعبة اقتربت والدة هرلين بسرعة. وأجلستها بهدوء. ثم بدأت تفحصها. ساد الصمت. الجميع ينتظر. وأيان يكاد يمزق الأرض من التوتر. مرت لحظات طويله. ثم رفعت لورين رأسها. ونظرت إلى أيان. "لماذا تنظر إلي هكذا؟" سأل بتوتر. ابتسمت. ابتسامة واسعة هذه المرة. "مبروك." رمش. "ماذا؟" "سوف تصبح أبًا." تجمد. وتجمدت إيلورا أيضًا. وكأن عقلهما توقف عن العمل. "أنا..." "أنت..." لم يستطع أي منهما إكمال الجملة. ثم فجأة... عانق أيان إيلورا بقوة. وهو يضحك ويكاد يبكي في الوقت نفسه. "حقًا؟!" أومأت المعالجة مبتسمة. "حقًا." كانت عينا إيلورا تمتلئان بالدموع من الفرح. أما أيان... فلم يعرف ماذا يفعل من شدة السعادة. حتى أن الجميع بدأ يضحك على حالته. اقتربت الملكة إيلينا. وربتت على كتف إيلورا بحنان. "إنها هدية جميلة." قالت. ثم نظرت نحو السماء. "ربما هدية من الإلهة سيلين قبل زيارتنا للمعبد." ابتسم الجميع. وكانت السعادة واضحة على وجوههم. حتى هيفان همس لهرلين: "أظن أن أيان لن ينام الليلة." فضحكت. ومع غروب الشمس... توقفت القافلة أخيرًا. نُصبت الخيام. وأُشعلت النيران. وبدأ الجميع يستعد لقضاء الليلة الأولى من الرحلة. بينما كانت النجوم تملأ السماء فوقهم... دون أن يعلم أحد... أن مملكة سيلينورا كانت تخفي مفاجأة ستغير حياة عائلتهم بالكامل. .الراوي. ظلام... كان كل شيء مظلمًا. أصوات بعيدة. وجوه لا تستطيع رؤيتها. وهمسات تتردد حولها. "أعيدوها..." "لقد حان الوقت..." "لا تدعيها تنام أكثر..." ثم فجأة... رأت فتاة تقف وسط حقل من الزهور البنفسجية. شعر أسود طويل. وعيون حمراء لامعة. كانت تبتسم لها بحزن. وتهمس بشيء. لكنها لم تستطع سماعه. بدأت الفتاة تبتعد. خطوة... ثم أخرى... حتى اختفت وسط الضباب. "انتظري!" ركضت خلفها. لكن الأرض تشققت تحت قدميها. وفجأة... سقطت. شهقت بقوة. وانفتحت عيناها. أنفاسها متقطعة. وجسدها مغطى بالعرق. وقلبها يكاد يخرج من صدرها. كانت تحاول التقاط أنفاسها عندما شعرت بذراعين تلتفان حولها بسرعة. تجمدت للحظة. ثم رفعت رأسها. إيفان. كان جالسًا بجانب سريرها. وعيناه مليئتان بالقلق. "أنجلي." صوته كان هادئًا بشكل غريب. "اهدئي..." لكنها لم تستطع. لا تعرف لماذا. كل ما شعرت به هو الخوف. والوحدة. والحزن. لذلك تشبثت بقميصه فجأة. وعانقته بقوة. كما لو أنها تخشى أن يختفي. تفاجأ إيفان للحظة. لكنه شد ذراعيه حولها أكثر. وتركها تبكي. فقط تبكي. دون أن يقول شيئًا. مرت دقائق طويلة. حتى
من وجهة نظر إيفان كانت القاعة ما تزال في حالة فوضى. الحراس يركضون في كل اتجاه. والخدم يحاولون تهدئة الضيوف. أما أنا... فلم أستطع البقاء ساكنًا ولو للحظة. كل ثانية تمر كانت تجعل غضبي يزداد. وخوفي على أنجلي يزداد معه. التفت نحو أمي. ثم نحو لينيا. وجدت لورين. وقلت بصوت حازم: "ابقوا معها." "ولا تتركوها وحدها." أومأت أمي فورًا. بينما وضعت لينيا يدها على كتفي. وقالت بهدوء: "سنعتني بها." لكنني بالكاد سمعتها. لأن ذهني كان في مكان آخر. عند الشخص الذي تجرأ على محاولة قتلي. وعند الشخص الذي جعل أنجلي تنزف بدلًا مني. التفت نحو لوكا. "تعال معي." لم يسأل لماذا. فقط تبعني فورًا. بعد دقائق... كنا خارج أسوار المملكة. أخذت نفسًا عميقًا. ثم أغمضت عيني. وأطلقت حواسي. فورًا التقطت أنفي رائحة ذلك الذئب. ضعيفة... لكنها موجودة. همس إيف داخل رأسي: "دعني أتولى الأمر." هذه المرة... لم أعارض. وفي لحظة واحدة... استولى إيف على السيطرة. تحطم العظم. وتمدد الجسد. حتى تحولنا إلى ليكان ضخم أبيض كالثلج. أكبر من معظم الذئاب الملكية. وأكثر شراسة. ثم انطلقنا. ركضنا بين الأشجار ب
من وجهة نظر إيفان كنت ما أزال أنا ولوكا نتحدث عن الرسائل والتهديدات. وكان التوتر يزداد داخلي مع كل دقيقة. لأن شيئًا ما لم يكن طبيعيًا. وكأن عاصفة تقترب. وفجأة... "ألفا انتبه!" تجمد جسدي بالكامل. كان ذلك صوت أنجلي. رفعت رأسي بسرعة. وفي اللحظة التالية... رأيتها تركض نحوي. ثم... رأيت الخنجر. رأيته يخترق كتفها قرب قلبها. وتلطخ الدم الأحمر على فستانها الليلكي. توقفت أنفاسي. وكأن العالم كله توقف. لا أصوات. لا موسيقى. لا شيء. فقط... أنجلي. والدم. وفجأة... عادت ذكرى أخرى. ذكرى لم تفارقني منذ خمس سنوات. لافندر. وهي تقف أمامي. والسهم الفضي يخترق جسدها بدلًا مني. نفس الشعور. نفس الرعب. نفس العجز. وكأن القدر يسخر مني مرة اخرى. "لا..." همست بصوت مبحوح. "لا..." ثم انفجرت. "المعالج!" اهتزت القاعة كلها من صوتي. "أحضروا المعالج حالًا!" قبل أن أسمع رد أحد... كنت قد أمسكتها بين ذراعي. كانت خفيفة بشكل مخيف. وخائفة. ومتألمة. لكنها رغم ذلك... كانت تنظر إلي. وليس إلى جرحها. وكأنها تريد التأكد أنني بخير. وهذا
من وجهة نظر أنجلي منذ أن استيقظت... وأنا أشعر بأن شيئًا ليس طبيعيًا. كلما نظرت إلى الطوق الموضوع فوق الطاولة... عاد التوتر ليقبض على صدري. صورتي الحقيقية. الفتاة ذات الشعر الأسود. العيون الحمراء. الأنياب. والذكريات الغامضة التي بدأت تظهر. كل ذلك جعل رأسي يؤلمني. "ما الذي يحدث لي...؟" همست لنفسي وأنا أحدق في المرآة. لكن لم يكن لدي وقت للتفكير. لأن احتفال النهر المقدس قد بدأ. وصلت إلى المعبد مع بقية الناس. وكان المكان مملوءًا بالشموع البيضاء والزهور الفضية. أما تمثال الإلهة سيلين... فكان يلمع تحت ضوء الشمس. أغلقت عيني. وضممت يدي إلى صدري. وصليت بصمت. "إلهة القمر..." "إن كنتِ تسمعينني..." "أرجوكِ ساعديني." "أريد أن أعرف من أنا." "ولماذا أشعر أن حياتي كلها كذبة." شعرت بنسمة باردة تمر فوق وجهي. لكن لم يصلني أي جواب. بعد انتهاء الصلاة... بدأ طقس النهر. بدأ الجميع بالنزول إلى المياه الفضية. الرجال أولًا. ثم النساء. لكن كلما اقترب دوري... ازداد خوفي. لأن صورة البحيرة ليلة أمس لم تفارق عقلي. الفتاة ذات الشعر الأسود. والانعكاس الذي لم يكن انعكاسي. وفجأة...
من وجهة نظر إيفان بقيت أنظر إلى الطابق العلوي لعدة ثوانٍ. أما أمي... فكانت شاردة هي الأخرى. لكن بعد لحظات تنهدت. ثم قالت بهدوء: "ربما كانت أنجلي تصنع بعض خلطات الأعشاب." عقدت حاجبي. "خلطات أعشاب؟" هزت كتفيها. "رائحتها قوية أحيانًا." لكن شيئًا في صوتها أخبرني أنها لا تصدق ما تقوله. وأظن أنها لاحظت ذلك أيضًا. لذلك ابتسمت فجأة. وربتت على رأسي. "كفى تفكيرًا." "أمي..." "اذهب ونم." ثم أضافت بحزم: "غدًا يوم طويل." تنهدت باستسلام. "حسنًا." لكن حتى وأنا أعود إلى غرفتي... بقيت أفكر. في الرائحة. وفي أنجلي. وفي نظرات أمي الغريبة.*** في صباح اليوم التالي... استيقظت مبكرًا. ارتديت ملابسي. وثبت سيفي على خصري. وكنت على وشك الخروج. لكن فجأة... تحطم زجاج النافذة. استدرت بسرعة. ووصلت يدي إلى سيفي. لكن الشيء الذي دخل لم يكن سهمًا. بل حجرًا صغيرًا ملفوفًا بورقة. تجمدت. ثم التقطتها بسرعة. وفككت الورقة. وفي اللحظة التالية... اشتدت نظراتي. لأن الكلمات كانت مكتوبة باللون الأحمر. "وقتك يقترب من النهاية." "اليوم..." "سأنهي كل شيء." قبضت على الورقة بقوة. حتى تجعدت
من وجهة نظر إيفان كان الليل قد حل تمامًا فوق مملكة سيلينورا. أما أنا... فكنت أسير في ممرات القصر بهدوء. وأفكر. في الرسالة التي وصلتني. وفي الشخص الذي يحاول قتلي. وفي أنجلي. تنهد إيف داخل رأسي. "أنت تفكر بها مجددًا." تجاهلته. "أنت مهووس." "اصمت." ضحك الذئب بسخرية. لكن فجأة... توقفت خطواتي. وتجمدت في مكاني. لأن رائحة معينة وصلت إلى أنفي. رائحة جعلت قلبي يتوقف للحظة. الياسمين. والياسمين البري تحديدًا. تلك الرائحة التي كنت أحفظها عن ظهر قلب. رائحة لافندر. اتسعت عيناي. حتى إيف صمت فجأة. بدأت أتتبع الرائحة ببطء. خطوة. ثم أخرى. حتى وصلت أمام أحد الأبواب. وتجمدت. غرفة أنجلي. كانت الرائحة تخرج من هناك. بقوة. أقوى من أي وقت مضى. حتى شعرت أن ذكرياتي كلها عادت دفعة واحدة. لافندر وهي تضحك. لافندر وهي تركض في الثلج. لافندر وهي تناديني بغضب. ولافندر... وهي تموت بين ذراعي. أغمضت عيني بق ثم طرقت الباب. مرة. مرتين. لكن بدلًا من سماع صوتها... سمعت ضجة من الداخل. صوت أشياء تسقط. وكأن أحدًا كان يركض داخل الغرفة.
هرلين بقيت وحدي داخل الكوخ بعد خروج هيفان، بينما كان صوت الرياح الباردة يمر بين الأشجار خارجًا. بعد أن ارتديت فستاني بهدوء، جلست قرب النافذة الصغيرة أنتظر عودته. قلبي كان هادئًا بطريقة غريبة، وكأن وجوده وحده جعل كل خوفي يختفي. وبعد مدة، انفتح الباب أخيرًا. رفعت رأسي بسرعة لأراه يدخل وهو يحمل جرة
هيفان تسللت خيوط الصباح الباردة عبر النافذة المكسورة في ذلك الكوخ الصغير وسط الغابة، بينما بقي كل شيء هادئًا بشكل غريب بعد ليلة مليئة بالفوضى والمشاعر التي قلبت عالمي بالكامل. فتحت عيني ببطء. ولأول مرة منذ سنوات طويلة… لم أشعر بثقل الوحدة المعتاد. خفضت نظري مباشرة نحو الفتاة النائمة فوق
هرلين بقيت أنفاسي متقطعة وأنا أشعر بقرب هيفان مني، بينما دفء ذراعيه حولي جعل جسدي كله يرتجف بتوتر غريب. قبلته الأخيرة ما تزال تحرق شفتيّ، ونظراته نحوي كانت كافية لتجعل قلبي يضيع بالكامل. اقترب أكثر، ثم دفن وجهه قرب عنقي للحظة، وكأنه يحاول تهدئة نفسه. أما أنا… فكنت أتمسك بقميصه دون وعي، و
هرلين بقيت أبكي للحظات طويلة وأنا أتمسك بـ هيفان وكأنني أخاف أن يختفي إذا تركته. ذراعاه كانتا تحيطان بي بقوة ودفء، وصوت أنفاسه الهادئة قرب أذني جعل الخوف الذي مزقني قبل قليل يبدأ بالاختفاء تدريجيًا. حتى جوليا، التي كانت مذعورة منذ استيقظت في ذلك المكان، بدأت تهدأ أخيرًا. دفنت وجهي أكثر في صدره







