LOGINمن وجهه نظر إيفان
فتحت عيني ببطء... كل شيء كان ضبابياً في البداية. السقف الخشبي... رائحة الأعشاب... والألم الخفيف الذي ما زال يسكن صدري. "إيف..." ناديت ذئبي بصوت مبحوح، لكن كل ما وصلني كان أنين ضعيف داخل رأسي. "...أنا هنا..." تنهدت براحة. إذن... ما زال بخير. حاولت الجلوس، لكن فور أن رفعت نصف جسدي، دار العالم كله حولي. "تباً..." وفجأة... انفتح الباب بسرعة. "إيفان!" دخلت أمي وهي تحمل صينية صغيرة، وما إن رأتني أحاول الوقوف حتى أسرعت نحوي. وضعت يديها على كتفي وأعادتني للفراش بحزم. "اجلس! ماذا تظن نفسك فاعلاً؟" ابتسمت بتعب. "أنا بخير..." لكنها لم تسمعني حتى. بدأت تتفقد وجهي. ثم جبيني. ثم رقبتي. ثم أمسكت يدي. "هل تشعر بألم؟" "هل ما زال السم يؤلمك؟" "هل تتنفس جيداً؟" "هل تحتاج للمعالج؟" "هل تشعر بدوار؟" "هل..." "أمي..." توقفت أخيراً. ابتسمت لها بهدوء وأنا أمسك يدها. "أنا بخير... فقط متعب قليلاً." ارتخت ملامحها أخيراً. جلست بجانبي على السرير. ثم أمسكت وجهي بين كفيها كما كانت تفعل وأنا صغير. ابتسمت بحنان وهي تمرر إبهامها على خدي. "أعرف..." همست. "أعرف أنك تلوم نفسك." خفضت عيني. فعرفت مباشرة ما أقصده. قالت بهدوء: "تعتقد أننا لم نجد لافندر بسببك." سكت. لأنها كانت محقة. ابتسمت أمي ابتسامة دافئة. "لكنني متأكدة..." "...أنها ما زالت حية." رفعت رأسي إليها. "لافندر فتاة قوية." قالتها بثقة غريبة. "ولو كانت تسمعني الآن... لقلت لها إن الجميع ينتظرها." ثم انحنت وقبلت جبيني. وربتت على رأسي. وبدون شعور... احتضنتني. أغلقت عيني. ذلك الحضن... لم أشعر به منذ سنوات بهذه القوة. وكأنه يقول لي... أنني ما زلت طفلها مهما حدث. لكن الهدوء لم يستمر سوى ثوانٍ. "هممم..." جاء صوت أبي من الباب. رفعنا رؤوسنا. كان يقف هناك واضعاً يديه في جيبيه، ينظر إلينا بابتسامة صغيرة. "يبدو أنني تأخرت." ثم اقترب. وما إن وصل حتى... احتضننا نحن الاثنين دفعة واحدة. "ها قد اكتملت العائلة." شهقت أمي. "هيفان!" حاولت دفعه. "انتبه! جرح إيفان لم يلتئم بعد." "أوه؟" قال أبي وكأنه لا يفهم. "لكنه محارب." "المحاربون لا ينكسرون بسهولة." نظرت إليه أمي بحدة. "هو محارب خارج المنزل." "أما هنا..." ثم أشارت إلي. "فهو جروي الصغير." شهقت أنا. وأبي انفجر ضاحكاً. "جرواً؟" نظر إلي ثم قال: "هذا الذي صار أطول مني تقريباً؟" احتجت فوراً. "أنا لست أطول منك." قال بثقة: "خمسة سنتيمترات فقط." تذمرت. "اثنان." قال: "خمسة." "اثنان." "خمسة." تدخلت أمي وهي تعقد ذراعيها. "سواء كان أطول أم لا... سيبقى صغيري." رفع أبي حاجبه. "هرلين." "همم؟" "إنه ألفا." "وأنا أمه." "..." "..." نظر إليها ثوانٍ. ثم تنهد باستسلام. "لا يمكن مجادلتك." ابتسمت بانتصار. لكنها أكملت بكل جدية: "وسأبقى الليلة معه." ساد الصمت. التفت أبي ببطء. "ماذا؟" قالتها وكأنها أمر طبيعي. "سأنام هنا." ارتفع حاجباه أكثر. "وتتركينني وحدي؟" "ليلة واحدة." "لا." "هيفان." "لا." "ابننا مصاب." "وأنا زوجك." "هيفان..." "أنا أيضاً أحتاج دعماً نفسياً." رفعت أمي حاجباً. "دعم نفسي؟" أومأ بكل جدية مزيفة. "زوجتي ستتركني وحدي." "أعتقد أنني الضحية الحقيقية هنا." لم أتمالك نفسي. ضحكت. فنظرت إليه أمي بنظرة جعلت حتى أنا ابتلعت ريقي. ابتسم أبي ابتسامة متوترة. "...حسناً." سكت قليلاً. "...ربما أستطيع النجاة ليلة واحدة." استدار نحو الباب وهو يتمتم: "لكنني سأشتكي." وقبل أن يخرج... التفت نحوي. وأرسل لي نظرة واضحة جداً. (أنت السبب...) تجمدت. ابتلعت ريقي دون وعي. خرج وأغلق الباب. وبعد ثوانٍ... سمعت أنيناً ضعيفاً داخل رأسي. "إيف..." همهمت. "...يبدو..." "...أنك سرقت أمك..." سكت قليلاً قبل أن يكمل بصعوبة، رغم ضعفه: "...من أبيك الليلة." أغمضت عيني بيأس. "اصمت." ضحك ضحكة خافتة. "...أتمنى لك التوفيق غداً..." "...لأن ألفا الحقيقي..." "...لن ينسى هذه الليلة أبداً." تنهدت وأنا أنظر إلى السقف. "...أنا ميت." ومن الجانب... سمعت أمي تسأل باستغراب: "مع من تتحدث؟" تنحنحت بسرعة. "إيف..." ابتسمت بلطف وهي تربت على شعري. "إذن أخبره أن ينام أيضاً." ولأول مرة منذ أيام... امتلأت الغرفة بالهدوء... رغم أنني كنت متأكداً... أن أبي في غرفته الآن... يخطط لأشد أنواع الانتقام السلمي مني.من وجهة نظر زاكلم أفهم سبب تبدّل ملامح إيثان فجأة.قبل لحظات كان يقاتلني...والآن كان يحدق نحو السماء، وكأن الدم هرب من وجهه.تبعته بنظري.بعيدًا...خلف غابة مملكة دارك...ارتفع عمود هائل من الضوء الفضي، شقّ السماء حتى بدا وكأنه يصل إلى القمر نفسه.هبّت الرياح بقوة.وتمايلت الأشجار بعنف.أما إيثان...فهمس بصوت بالكاد سمعته:"لا...""لا... مستحيل..."قطبت حاجبي."إيثان... ماذا يحدث؟"لكنه لم يجب.فجأة ركض بأقصى سرعته نحو القصر."إيثان!"انطلقت خلفه مباشرة.كان يركض وكأنه يهرب من كابوس.اخترق ممرات القصر القديمة، ثم نزل درجات حجرية لم أرها منذ أكثر من خمسٍ وعشرين سنة.رائحة الرطوبة ملأت المكان.والجدران القديمة كانت مغطاة برموز سحرية باهتة.استمر بالنزول حتى وصل إلى باب حجري ضخم.رفع يده المرتجفة...ودفعه.صدر صوت احتكاك ثقيل، وانفتح الباب ببطء.دخلت خلفه...وتجمدت في مكاني.في منتصف القاعة...كان هناك ختم سحري دائري محفور في الأرض.لكن...كان محطّمًا.الشقوق امتدت في كل اتجاه.والطاقة الفضية التي كانت تتدفق منه بدأت تختفي شيئًا فشيئًا.همس إيثان وهو ينظر إليه بصدمة:"انكسر الحاجز..."
من وجهة نظر زاك كنت أحدق فيه... في وجه صديقي القديم. أو... الشخص الذي كان يومًا صديقي. كم مرة وقفنا في هذا المكان ونحن نتدرب بالسيوف؟ كم مرة ضحكنا هنا؟ وكم مرة وعدنا بعضنا ألا يفرقنا شيء؟ تنهدت ببطء. "إيثان..." "ما زال بإمكانك التراجع." ابتسم. ابتسامة صغيرة... لكنها كانت فارغة. "التراجع؟" رفع سيفه قليلًا. "أنا تراجعت مرة واحدة في حياتي..." "وكانت أكبر غلطة ارتكبتها." ساد الصمت. ثم اندفع كلانا في اللحظة نفسها. ارتطم السيفان بقوة، وارتد كل منا خطوة إلى الخلف. كان كما أتذكره... بل أقوى. أسرع. أكثر هدوءًا. لكن عيناه... كانتا مليئتين بالحزن أكثر من الغضب. دار حولي ببطء. "هل تعرف..." قال وهو لا يرفع نظره عني. "كنت أظنك أخًا." ابتلعت ريقي. "وأنا أيضًا." توقف. ثم ضحك ضحكة خافتة. "وهذا هو سبب كرهـي لك." --- هبّت الرياح بقوة. وتطايرت أوراق الأشجار بيننا. وقف كل منا يراقب الآخر. كما لو أننا لا نبحث عن ثغرة... بل عن بقايا الشخص الذي عرفناه يومًا. قال فجأة: "أتذكر أول مرة التقينا؟" ابتسمت رغم نفسي. "كنتَ تحاول سرقة التفاح." رفع حاجبًا. "بل كنت جائعًا.
من وجهة نظر زاك تلك الليلة... لم أنم. بقيت في المكتبة وأنا ماذلت غارق في أفكاري. في النهاية.... عدت إلى غرفتنا بصمت، فوجدت لينيا تنتظرني. ما إن رأتني حتى نهضت. لم تسأل أين كنت. ولم تسأل لماذا كانت عيناي مثقلتين بذلك القدر من التعب. اقتربت فقط... وأمسكت يدي. ابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم قادتني نحو السرير. استلقت بجانبي، ووضعت رأسها فوق صدري. سمعت زفيرها الهادئ... بينما كنت أحدق في سقف الغرفة. مرّت لحظات طويلة قبل أن تهمس: "زاك..." "همم؟" رفعت يدها ولمست وجهي برفق. "كل ما أتمناه..." توقفت، ثم ابتسمت بحزن. "...أن تعود لافندر." "وأن نجلس جميعًا حول مائدة واحدة." "أنت... وأنا... وهي...ولوكا..." ارتجف صوتها. "...وننسى كل هذا الألم." أغمضت عيني. وضممتها إليّ أكثر. "سيحدث." قلت ذلك... لكنني لم أكن أعرف إن كنت أواسيها... أم أحاول إقناع نفسي. --- مع شروق الشمس كان الضباب يغطي المكان. وقفت تحت شجرة البلوط القديمة. المكان لم يتغير. الصخرة نفسها. البحيرة نفسها. حتى النسيم... ما زال يحمل الرائحة ذاتها. مرّت دقائق... ثم.
من وجهة نظر زاك لم أستطع أن أشيح نظري عن الورقة. كانت بين أصابعي... لكنها شعرت وكأنها أثقل من جبل. "تعال وحدك غدًا عند شروق الشمس... إلى المكان الذي دفنّا فيه وعدنا." أعدت قراءة الجملة مرة... ثم مرتين... ثم للمرة العاشرة. لم تتغير. لم تكن خدعة. ذلك المكان... لا يعرفه سوى شخصين. أنا... وهو. أطبقت يدي على الورقة حتى تجعدت. "لماذا الآن...؟" همست بها. "بعد كل هذه السنوات..." رفع رأسي نحو السماء. القمر كان مكتملًا. تمامًا... كما كان في الليلة التي افترقنا فيها.بقيت واقفاً لمدة طويلة دون أن أشعر.إلي أن شعرت ببعض قطرات المطر الخفيف.مر نسيم الهواء البارد على وجهي.نضرت إلي الأفق لم يكن هناك سوى الفراغ. تنهدت ببطء. ثم بدأت أعود نحو القصر. كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها. كانت الذكريات تلاحقني بلا رحمة. ضحكته... صوته... تحدياتنا بالسيوف. ووعدنا الصغير. "إذا افترقنا يومًا... سنعود دائمًا إلى هذه الشجرة." أغمضت عيني للحظة. "وأنت..." "...كسرت ذلك الوعد." --- وصلت إلى القصر بعد منتصف الليل. كان كل شيء هادئًا. الممرات خالية. والشموع تحترق بنورها الخافت. ظننت
من وجهة نظر زاك لم أعد أسمع شيئًا مما يدور حولي. المعالجون... الحراس... أصوات النقاش... كلها أصبحت بعيدة. عيناي بقيتا معلقتين على تلك الورقة المطوية داخل يدي. "اشتقت إليك..." همست بيني وبين نفسي بصوت يكاد لا يُسمع: "مستحيل..." ذلك الخط... وذلك الرمز... لا يمكن أن يكونا لشخص آخر. شعرت فجأة بيد دافئة تستقر فوق كتفي. التفت ببطء... كانت لينيا. كانت تنظر إلي بعينيها الحمراوين الممتلئتين بالقلق. ابتسمت ابتسامة صغيرة، بالكاد ظهرت. اقتربت أكثر، ثم رفعت يدها ولمست خدي برفق. "زاك..." همست. "أنت لست بخير." أغلقت عيني للحظة. "أنا..." تنهدت بصعوبة. "...سأكون بخير." هزت رأسها برفض. "لا تكذب علي." وضعت كلتا يديها على وجهي. "سنجدها." ابتسمت بحنان رغم الدموع التي لم تجف من عينيها. "لافندر قوية... إنها ابنتنا." "...وأنا متأكدة أنها تنتظرنا." لأول مرة منذ ساعات... شعرت بشيء يخفف ذلك الثقل داخل صدري. مددت ذراعي ببطء... وضممتها إلي. دفنت وجهي بين خصلات شعرها الفضي. رائحتها... رائحة المطر والورد الليلي... كانت دائمًا قادرة على تهدئ
من وجهة نظر زاك كانت الغابة هادئة... هادئة أكثر مما يجب. حتى أصوات العصافير اختفت. لم يبق سوى وقع أقدامنا فوق الأوراق اليابسة. كان إيفان يسير رغم شحوب وجهه، بينما لوكا لا يبتعد عنه خطوة واحدة. أما أنا... فكان شعور ثقيل يضغط على صدري. كلما توغلنا أكثر... كلما أصبحت الرائحة مألوفة بطريقة أكرهها. همس لوكا داخل رأسي: "أبي... هناك شيء ليس طبيعيًا." أجبته: "أعرف." توقفت فجأة. رفعت رأسي ببطء. على جذع شجرة عملاقة... كان هناك رمز منحوت بخطوط دقيقة. توقف نفسي. "..." اقتربت منه دون شعور. مددت يدي ولمست الحفر القديم. همست بصوت بالكاد خرج: "مستحيل..." استدار الجميع نحوي. قال هيفان بقلق: "تعرف هذا الرمز؟" لم أجب. كنت أحدق فيه فقط. ذلك الرمز... كنت أنا وشخص واحد فقط نستخدمه عندما كنا صغارًا. علامة... لا يعرفها أحد. انخفض بصري. فرأيت ورقة بيضاء مثبتة بخنجر صغير أسفل الشجرة. نزعتها بسرعة. فتحتها... وبدأت أقرأ. > "عزيزي زاك..." > "أتمنى أنك تشتاق إلي كما اشتق إليك." > "وأتمنى... أنك لم تنسني." > "لكنني متأكد... أنك لم تنس." ارتجفت يدي. وسقطت الورقة قليلًا. هم
من وجهة نظر إيفان بقيت أحدق في شظايا المزهرية المتناثرة على الأرض. الهدوء داخل الغرفة كان خانقًا. أما داخلي... فكان كل شيء عكس ذلك تمامًا. شعرت وكأن شيئًا يضغط على صدري بقوة. شيء لم أستطع طرده مهما حاولت.شعرت وكان مأت الإبر تغرس في صدري. ثم فجأة... صدر طرق خفيف على الباب. ولم أنتظر حتى أ
من وجهة نظر إيفان بعد أن غادرنا القصر أنا ولوكا... استقبلتنا الغابة بأصواتها المعتادة. حفيف الأشجار. رائحة التراب. والهواء البارد الذي كان يملأ الرئتين. في البداية كان الصيد هادئًا. نتتبع الآثار. ونتبادل بعض الأحاديث المتقطعة. لكن الهدوء لم يدم طويلًا. لأن لوكا فجأة ابتسم ابتسامته المعرو
من وجهة نظر إيفان وقفت أمام بوابة القصر أراقب أبي هيفان والملك ألفريد وهما يبتعدان شيئًا فشيئًا مع الحراس. غريب... رغم أن أبي سافر عشرات المرات من قبل، إلا أن القصر كان يبدو أكثر هدوءًا بعد رحيله. زفرت بهدوء. لكن فجأة سمعت صوت جدتي إيلينا تقول وهي تبتسم: — "كفاكم هذه الوجوه الحزينة، إنها رحل
من وجهة نظر هيفان كنت أرتب أغراضي بهدوء داخل الحقيبة بينما إيف يتمدد داخلي بملل واضح. — “كل مرة نفس الدراما.” زفرت بخفة وأنا أطوي أحد القمصان. — “اصمت.” ضحك هيف بسخرية. — “كأنك لا تعرف ما سيحدث الآن. هرلين ستبكي… وأنت ستتصرف وكأن قلبك يتمزق رغم أنك ستعود بعد أيام.” وقبل أن أجيبه… ش







