LOGINمن وجهة نظر لينيا
"...أمي." وصلني صوت صغير... بعيد... يرتجف. وسط الضباب. التفت بسرعة. كانت فتاة تقف بين الأشجار. شعرها الأسود الطويل يتراقص مع الريح. وعيناها الحمراوان مملوءتان بالدموع. "لافندر..." همست باسـمها قبل أن أشعر. رفعت رأسها نحوي. ثم ابتسمت ابتسامة حزينة. "أمي..." ركضت نحوها بكل ما أملك. "لافندر! انتظري!" لكن كلما اقتربت... كانت تبتعد أكثر. مددت يدي. "تعالي... أرجوك..." خرج صوتها متقطعاً. "ساعديني..." "...أمي..." "...أنا خائفة." شهقت. "لافندر!" ثم... اختفى كل شيء. --- فتحت عيني بعنف. وأخذت ألهث. دموعي كانت تنساب قبل حتى أن أستوعب أين أنا. نظرت حولي بسرعة. غرفة... سرير... قصر سيليفورد. "...زاك." خرج الاسم مرتجفاً. "زاك..." وما هي إلا لحظات حتى انفتح الباب بسرعة. دخل وهو يحمل كوباً زجاجياً فيه سائل أحمر داكن. ما إن رآني مستيقظة... حتى وضع الكوب على الطاولة دون اهتمام. وفي ثانية واحدة... كان بجانبي. "لينيا." قالها بسرعة وهو يجلس على حافة السرير. "أنا هنا." "اهدئي." وقبل أن أتكلم... احتضنني بقوة. وكأنّه يخشى أن أختفي أنا أيضاً. انهرت تماماً. دفنت وجهي في صدره. وبكيت. "هي... كانت حية..." خرجت الكلمات بين شهقاتي. "بنتنا..." "كانت... حية طوال هذه السنوات..." "وأنا..." "...لم أعرف." شعرت بذراعيه تشدانني أكثر. كان يحاول أن يبدو هادئاً... لكنني كنت أشعر بارتجافه. داخل رأسي... همست ذئبتي، سيرا، بحزن: "لقد وجدناها..." "...ثم فقدناها من جديد." أغلقت عيني بقوة. "أريد أن أراها..." "...ولو لمرة واحدة." ابتعد زاك قليلاً. ثم أمسك وجهي بكلتا يديه. ومسح دموعي بإبهاميه. كانت عيناه الحمراوان متعبتين بشكل لم أره من قبل. ابتسم ابتسامة صغيرة رغم الألم. "سنعيدها." قالها بثقة. "أقسم لك." "حتى لو اضطررت لقلب هذا العالم." تلاقت أعيننا. ولأول مرة منذ سنوات... شعرت أنه لا يقولها لي كي يواسيني. بل لأنه يؤمن بها حقاً. تنفست ببطء حتى هدأت قليلاً. ثم وقعت عيناي على الكوب الأحمر فوق الطاولة. رمشت. "...ما هذا؟" التفت إليه. ثم عاد ينظر للكوب. "...همم." سكت ثانية. "شراب." رفعت حاجبي. "حقاً؟" نظر إلى السقف وكأنه يفكر. "...نوع خاص." ضيقت عيني. "...زاك." تنحنح بخفة. "حسناً..." "أحد الحراس تبرع بقليل من طاقته." رمشت. "...طاقته؟" قال بسرعة وهو يشير إلى الكوب: "كنت بحاجة لاستعادة قوتي قليلاً." ثم ابتسم ابتسامته المعتادة. "لا تقلقي، الأمر تم بموافقته، ولم يصبه أي أذى." حدقت به ثوانٍ. ثم نظرت إلى السائل الأحمر. ثم إليه. "زاك..." "...هذا دم." ساد الصمت. ابتسم بخجل نادر. "...تقنياً." فتحت فمي بصدمة. "وأنت قلت لي شراب!" رفع كتفيه ببراءة. "بالنسبة لنا..." "...هو يشبه العصير." شهقت. "زاك!" فضحك أخيراً. ضحكة خففت شيئاً من الثقل الذي كان يخنق الغرفة. ثم مد الكوب نحوي. "لا، ليس لك." قالها بسرعة عندما رآني أحدق فيه. "هذا لا يناسب الذئاب." ضحكت رغم دموعي. "اطمئن... لم أكن أنوي شربه." شرب منه رشفة صغيرة. ثم أعاد الكوب للطاولة. تنهد. واقترب مني من جديد. أخذ يدي بين يديه. وقال بصوت منخفض: "بقيت خمس سنوات أزور قبراً فارغاً..." "...و ابنتي." أغمض عينيه لحظة. "لن أسمح أن يضيع مني أثرها مرة أخرى." سكت قليلاً. ثم فتح عينيه. وكان فيهما ذلك البريق الذي عرفته جيداً... بريق زاك حين يتخذ قراراً لا رجعة فيه. "مهما كان الذي خطفها..." "...فقد ارتكب أكبر خطأ في حياته." وفي تلك اللحظة... صدر طرق خفيف على الباب. دخل لوكا بهدوء. توقف عندما رأى لينيا مستيقظة. ثم ابتسم براحة واضحة. "أمي..." اقترب وجلس على الطرف الآخر من السرير. أمسك يدها برفق. "الحمد لله أنك بخير." ابتسمت لينيا رغم احمرار عينيها. ورفعت يدها تلمس خده. "أنا بخير..." ثم نظرت إلى زاك. "...لكننا لن نرتاح." "...إلا عندما تعود لافندر إلى بيتها." ساد الصمت في الغرفة. لكن هذه المرة... لم يكن صمت يأس. بل كان صمت وعد. وعد... أن هذه العائلة لن تخسر ابنتها مرة ثانية.من وجهة نظر زاكلم أفهم سبب تبدّل ملامح إيثان فجأة.قبل لحظات كان يقاتلني...والآن كان يحدق نحو السماء، وكأن الدم هرب من وجهه.تبعته بنظري.بعيدًا...خلف غابة مملكة دارك...ارتفع عمود هائل من الضوء الفضي، شقّ السماء حتى بدا وكأنه يصل إلى القمر نفسه.هبّت الرياح بقوة.وتمايلت الأشجار بعنف.أما إيثان...فهمس بصوت بالكاد سمعته:"لا...""لا... مستحيل..."قطبت حاجبي."إيثان... ماذا يحدث؟"لكنه لم يجب.فجأة ركض بأقصى سرعته نحو القصر."إيثان!"انطلقت خلفه مباشرة.كان يركض وكأنه يهرب من كابوس.اخترق ممرات القصر القديمة، ثم نزل درجات حجرية لم أرها منذ أكثر من خمسٍ وعشرين سنة.رائحة الرطوبة ملأت المكان.والجدران القديمة كانت مغطاة برموز سحرية باهتة.استمر بالنزول حتى وصل إلى باب حجري ضخم.رفع يده المرتجفة...ودفعه.صدر صوت احتكاك ثقيل، وانفتح الباب ببطء.دخلت خلفه...وتجمدت في مكاني.في منتصف القاعة...كان هناك ختم سحري دائري محفور في الأرض.لكن...كان محطّمًا.الشقوق امتدت في كل اتجاه.والطاقة الفضية التي كانت تتدفق منه بدأت تختفي شيئًا فشيئًا.همس إيثان وهو ينظر إليه بصدمة:"انكسر الحاجز..."
من وجهة نظر زاك كنت أحدق فيه... في وجه صديقي القديم. أو... الشخص الذي كان يومًا صديقي. كم مرة وقفنا في هذا المكان ونحن نتدرب بالسيوف؟ كم مرة ضحكنا هنا؟ وكم مرة وعدنا بعضنا ألا يفرقنا شيء؟ تنهدت ببطء. "إيثان..." "ما زال بإمكانك التراجع." ابتسم. ابتسامة صغيرة... لكنها كانت فارغة. "التراجع؟" رفع سيفه قليلًا. "أنا تراجعت مرة واحدة في حياتي..." "وكانت أكبر غلطة ارتكبتها." ساد الصمت. ثم اندفع كلانا في اللحظة نفسها. ارتطم السيفان بقوة، وارتد كل منا خطوة إلى الخلف. كان كما أتذكره... بل أقوى. أسرع. أكثر هدوءًا. لكن عيناه... كانتا مليئتين بالحزن أكثر من الغضب. دار حولي ببطء. "هل تعرف..." قال وهو لا يرفع نظره عني. "كنت أظنك أخًا." ابتلعت ريقي. "وأنا أيضًا." توقف. ثم ضحك ضحكة خافتة. "وهذا هو سبب كرهـي لك." --- هبّت الرياح بقوة. وتطايرت أوراق الأشجار بيننا. وقف كل منا يراقب الآخر. كما لو أننا لا نبحث عن ثغرة... بل عن بقايا الشخص الذي عرفناه يومًا. قال فجأة: "أتذكر أول مرة التقينا؟" ابتسمت رغم نفسي. "كنتَ تحاول سرقة التفاح." رفع حاجبًا. "بل كنت جائعًا.
من وجهة نظر زاك تلك الليلة... لم أنم. بقيت في المكتبة وأنا ماذلت غارق في أفكاري. في النهاية.... عدت إلى غرفتنا بصمت، فوجدت لينيا تنتظرني. ما إن رأتني حتى نهضت. لم تسأل أين كنت. ولم تسأل لماذا كانت عيناي مثقلتين بذلك القدر من التعب. اقتربت فقط... وأمسكت يدي. ابتسمت ابتسامة صغيرة، ثم قادتني نحو السرير. استلقت بجانبي، ووضعت رأسها فوق صدري. سمعت زفيرها الهادئ... بينما كنت أحدق في سقف الغرفة. مرّت لحظات طويلة قبل أن تهمس: "زاك..." "همم؟" رفعت يدها ولمست وجهي برفق. "كل ما أتمناه..." توقفت، ثم ابتسمت بحزن. "...أن تعود لافندر." "وأن نجلس جميعًا حول مائدة واحدة." "أنت... وأنا... وهي...ولوكا..." ارتجف صوتها. "...وننسى كل هذا الألم." أغمضت عيني. وضممتها إليّ أكثر. "سيحدث." قلت ذلك... لكنني لم أكن أعرف إن كنت أواسيها... أم أحاول إقناع نفسي. --- مع شروق الشمس كان الضباب يغطي المكان. وقفت تحت شجرة البلوط القديمة. المكان لم يتغير. الصخرة نفسها. البحيرة نفسها. حتى النسيم... ما زال يحمل الرائحة ذاتها. مرّت دقائق... ثم.
من وجهة نظر زاك لم أستطع أن أشيح نظري عن الورقة. كانت بين أصابعي... لكنها شعرت وكأنها أثقل من جبل. "تعال وحدك غدًا عند شروق الشمس... إلى المكان الذي دفنّا فيه وعدنا." أعدت قراءة الجملة مرة... ثم مرتين... ثم للمرة العاشرة. لم تتغير. لم تكن خدعة. ذلك المكان... لا يعرفه سوى شخصين. أنا... وهو. أطبقت يدي على الورقة حتى تجعدت. "لماذا الآن...؟" همست بها. "بعد كل هذه السنوات..." رفع رأسي نحو السماء. القمر كان مكتملًا. تمامًا... كما كان في الليلة التي افترقنا فيها.بقيت واقفاً لمدة طويلة دون أن أشعر.إلي أن شعرت ببعض قطرات المطر الخفيف.مر نسيم الهواء البارد على وجهي.نضرت إلي الأفق لم يكن هناك سوى الفراغ. تنهدت ببطء. ثم بدأت أعود نحو القصر. كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها. كانت الذكريات تلاحقني بلا رحمة. ضحكته... صوته... تحدياتنا بالسيوف. ووعدنا الصغير. "إذا افترقنا يومًا... سنعود دائمًا إلى هذه الشجرة." أغمضت عيني للحظة. "وأنت..." "...كسرت ذلك الوعد." --- وصلت إلى القصر بعد منتصف الليل. كان كل شيء هادئًا. الممرات خالية. والشموع تحترق بنورها الخافت. ظننت
من وجهة نظر زاك لم أعد أسمع شيئًا مما يدور حولي. المعالجون... الحراس... أصوات النقاش... كلها أصبحت بعيدة. عيناي بقيتا معلقتين على تلك الورقة المطوية داخل يدي. "اشتقت إليك..." همست بيني وبين نفسي بصوت يكاد لا يُسمع: "مستحيل..." ذلك الخط... وذلك الرمز... لا يمكن أن يكونا لشخص آخر. شعرت فجأة بيد دافئة تستقر فوق كتفي. التفت ببطء... كانت لينيا. كانت تنظر إلي بعينيها الحمراوين الممتلئتين بالقلق. ابتسمت ابتسامة صغيرة، بالكاد ظهرت. اقتربت أكثر، ثم رفعت يدها ولمست خدي برفق. "زاك..." همست. "أنت لست بخير." أغلقت عيني للحظة. "أنا..." تنهدت بصعوبة. "...سأكون بخير." هزت رأسها برفض. "لا تكذب علي." وضعت كلتا يديها على وجهي. "سنجدها." ابتسمت بحنان رغم الدموع التي لم تجف من عينيها. "لافندر قوية... إنها ابنتنا." "...وأنا متأكدة أنها تنتظرنا." لأول مرة منذ ساعات... شعرت بشيء يخفف ذلك الثقل داخل صدري. مددت ذراعي ببطء... وضممتها إلي. دفنت وجهي بين خصلات شعرها الفضي. رائحتها... رائحة المطر والورد الليلي... كانت دائمًا قادرة على تهدئ
من وجهة نظر زاك كانت الغابة هادئة... هادئة أكثر مما يجب. حتى أصوات العصافير اختفت. لم يبق سوى وقع أقدامنا فوق الأوراق اليابسة. كان إيفان يسير رغم شحوب وجهه، بينما لوكا لا يبتعد عنه خطوة واحدة. أما أنا... فكان شعور ثقيل يضغط على صدري. كلما توغلنا أكثر... كلما أصبحت الرائحة مألوفة بطريقة أكرهها. همس لوكا داخل رأسي: "أبي... هناك شيء ليس طبيعيًا." أجبته: "أعرف." توقفت فجأة. رفعت رأسي ببطء. على جذع شجرة عملاقة... كان هناك رمز منحوت بخطوط دقيقة. توقف نفسي. "..." اقتربت منه دون شعور. مددت يدي ولمست الحفر القديم. همست بصوت بالكاد خرج: "مستحيل..." استدار الجميع نحوي. قال هيفان بقلق: "تعرف هذا الرمز؟" لم أجب. كنت أحدق فيه فقط. ذلك الرمز... كنت أنا وشخص واحد فقط نستخدمه عندما كنا صغارًا. علامة... لا يعرفها أحد. انخفض بصري. فرأيت ورقة بيضاء مثبتة بخنجر صغير أسفل الشجرة. نزعتها بسرعة. فتحتها... وبدأت أقرأ. > "عزيزي زاك..." > "أتمنى أنك تشتاق إلي كما اشتق إليك." > "وأتمنى... أنك لم تنسني." > "لكنني متأكد... أنك لم تنس." ارتجفت يدي. وسقطت الورقة قليلًا. هم
الراوي. كان الجيش يسير بصمت ثقيل عبر الأراضي الجرداء. لا أصوات طيور. لا حياة. فقط وقع الأقدام الحديدية واصطدام السلاح بالسلاح. في المقدمة، كان سيلفورد يمتطي حصانه الأسود، عيناه ثابتتان على الأفق الذي يقترب منه شيئًا فشيئًا. نورفاي. ابتسم ابتسامة باردة. "أخيرًا..." التفت إلى رجاله
من وجهة نظر لوكا كانت ساحة التدريب تعج بالحركة رغم حلول الليل. المحاربون ينتقلون من مكان إلى آخر. أصوات السيوف تتقاطع. الدروع تُفحص للمرة الأخيرة. والوجوه التي اعتدت رؤيتها مبتسمة أصبحت أكثر جدية من أي وقت مضى. كنت أقف مع خالي أيان بين صفوف الجنود. نساعد تارة. ونتفقد الاستعدادات تار
من وجهة نظر زاك سحبتُ لافندر معي بصمتٍ حتى وصلنا إلى غرفتها داخل القصر كانت تمشي بجانبي بخطوات هادئة، وكأنها لا تفهم سبب غضبي أصلاً. أغلقتُ الباب خلفنا، ثم التفتُّ إليها مباشرة. قلت بحدةٍ مكتومة: "لا أريد تكرار ما حدث قبل قليل." رفعت حاجبها، وقالت ببراءة: "ماذا حدث؟" تنهدت بعمق. "
من وجهة نظر إيفان كانت نورفاي مختلفة تلك الليلة. هادئة أكثر مما يجب. هادئة بطريقة تجعل القلب ينقبض. وقفت على شرفة القصر المرتفعة أراقب المملكة الممتدة تحت السماء المظلمة. الشوارع التي كانت مليئة بالحياة أصبحت شبه فارغة. بعد أوامر الملك ألفريد تم إجلاء معظم المدنيين إلى المناطق الآمنة. لم يبق







