Masukما أسوأ أن تأتيك الطعنة الغادرة من أقرب الناس إليك.. في تلك اللحظة القاسية، لا تستطيع أن تصدق ما حدث، ولا تجد في هذا الكون الواسع من تشكو له بث حزنك وألمك.
مرت الأيام، وتلتها الأسابيع ثم الشهور، وعاليا تعيش حبيسة جدران غرفتها المظلمة؛ لا تريد الخروج إلى العالم أو مواجهة أحد. لقد باتت في موقف لا تحسد عليه، فلا أحد يملك القدرة على تصديق براءتها، وفي الوقت ذاته، لا يستطيع أحد أن يكذّب حازم أو يشك في كلامه؛ فكلاهما يمثل أمراً يصعب على العقل استيعابه. تملّك منها الحزن حتى أصيبت بانهيار عصبي حاد، ودخلت في نوبة اكتئاب شديد؛ جعلتها ترفض رؤية أي بشر، رغم المحاولات المستمرة والمضنية من أمها وعمها لإخراجها من تلك الحالة. أما ليلى، فقد استغلت الوضع بذكاء شديد، وتقربت من حازم كثيراً خلال هذه الفترة. أوهمته طوال الوقت بأنها كانت على دراية بتصرفات أختها "الغريبة"، وأكدت له أنها تصدقه تماماً وتدعم موقفه، وبتكرار الكلام والتقارب المستمر، حدث ما كان متوقعاً. في أحد الأيام، دخلت الأم غرفتها بتردد، وجلست على طرف الفراش قائلة بنبرة حذرة: — الأم: عاليا.. أنا عاوزة أقولك على حاجة مهمة، بس مش عارفة أجيبهالك إزاي ومترددة. ظلت عاليا صامتة، تنظر إلى الفراغ بنظرات باهتة لا حياة فيها. تنهدت الأم وتابعت بصوت منخفض: — الأم: حازم طلب إيد ليلى.. وعاوز يتجوزها. التفتت إليها عاليا فجأة، ونظرت لها بنظرات غريبة مبهمة غطت على ملامحها، ثم قالت ببرود شديد: — عاليا: مبروك. — الأم (بحزن ومواساة): متزعليش يا بنتي.. كل شيء في الدنيا دي نصيب وقدر. — عاليا (وهي تتصنع اللامبالاة): مش زعلانة يا ماما خالص.. الف مبروك ليهم. — الأم: الخطوبة وكتب الكتاب هيكونوا الأسبوع الجاي إن شاء الله. — عاليا: تمام، ربنا يتمملهم على خير. بمجرد أن أنهت جملتها، غاصت في أعماق أفكارها وتذكرت الماضي القريب.. تذكرت صوته ونبرته الدافئة وهو يقول لها ذات يوم: (حازم: عاليا.. أنا بحبك جداً ومقدرش أستغنى عنك). (عاليا بابتسامة خجولة: بجد يا حازم؟ أنا مش مصدقة نفسي من الفرحة). (حازم: والله العظيم بحبك وعاوز أتجوزك، وبابا موافق وماما كمان بتحبك، وأمك عارفة كل حاجة.. ها، موافقة ولا إيه؟) (عاليا وهي تضحك بسعادة غامرة: موافقة طبعاً يا مجنون!) استيقظت عاليا فجأة من دوامة ذكرياتها المُرّة على صوت والدتها وهي تسألها بقلق: — الأم: بتعملي إيه يا عاليا؟ وسرحانة في إيه؟ — عاليا (وهي تنهض من فراشها بعزم): أنا هخرج شوية النهاردة. — الأم (بصدمة وفرحة لم تسعها): هتعملي إيه؟ هتخرجي؟! أخيراً يا بنتي قررتي تشوفي الشمس؟ — عاليا (بابتسامة باردة متكلفة): آه طبعاً.. عاوزه أخرج أعمل فستان حلو ومميز للخطوبة، ده أنا أخت العروسة بقا.. هههه. نظرت إليها الأم بشفقة وحزن دفين، وقالت: — الأم: ماشي يا حبيبتي.. بس خلي بالك من نفسك، وافتحي تليفونك عشان أطمن عليكي. — عاليا: حاضر، متقلقيش. ارتدت عاليا ملابسها، ولأول مرة منذ أشهر خرجت إلى حديقة المنزل، لتقع عيناها فوراً على عمها عبدالله ومعه زوجته هناء، وبجانبهما يقف حازم وليلى. كانت هذه هي المرة الأولى التي تلمح فيها حازم منذ يوم ذلك الحادث المشؤوم. في تلك اللحظة، شعرت بألم عاصف يمزق قلبها، ونغزة قوية هزت كيانها، لكنها تملكت نفسها بسرعة وأخفت ضعفها وراء قناع من البرود. تقدمت نحوهم بخطوات ثابتة وقالت: — عاليا: ازيك يا عمو، أخبارك إيه؟ — عبدالله (بتهلل وفرحة عارمة): أهلاً أهلاً بالقمر! أخيراً خرجتي ونورتي بيتك؟ شوفي الدنيا نورت وبقت جميلة إزاي لما شلتي الهم ورمتيه بعيد! — عاليا (بابتسامة هادئة): ده نور حضرتك يا عمو.. ازيك يا طنط؟ — هناء: الحمد لله يا بنتي في نعمة.. على فين كدا ومتشيكة ورايحة فين؟ — عاليا: هخرج شوية أغير جو وأشم هوا.. وكمان ماما لسه مبلّغاني بموضوع الخطوبة دلوقتي. آه، بالمناسبة.. مبروك يا ليلى، مبروك يا حازم.. أنا رايحة بنفسي أشتري شوية حاجات وأجهز فستاني، أخت العروسة بقا ولازم تطلع في أبهى صورة ههههه. ساد الصمت فجأة، وتغيرت ملامح وجوههم جميعاً وانعقدت ألسنتهم من أسلوبها؛ فقد تصنعت البرود والقوة بطريقة مذهلة أربكت حسابات ليلى تماماً، وجعلت حازم يقف مدهوشاً لا يستوعب رد فعلها. أما عمها عبدالله، فقد شعر بفرحة عارمة في داخله؛ بسبب هذا التغير القوي في شخصيتها، إذ لم يكن يعجبه أبداً رضوخها الكامل في الماضي لأوامر ابنه حازم وتحكماته الزائدة فيها. ابتسم عبدالله وقال بتشجيع: — عبدالله: كويس جداً يا بنتي، ده عين العقل! خدي الفلوس دي معاكي هاتي كل اللي نفسك فيه ومتحرميش نفسك من حاجة، وتعالي معايا اركبي العربية أوصلك في طريقي، أنا عاوزك في موضوع كدا. — عاليا: حاضر يا عمو تسلم، بس أنا معايا فلوس ومستورة والحمد لله. — عبدالله (وهو يصر عليها): خدي كمان ومتقوليش لا، مفيش فرق بيني وبين أبوكي الله يرحمه. داخل السيارة، ساد الهدوء لثوانٍ قبل أن يقطعه عمها عبدالله وهو ينظر إليها بامتنان: — عبدالله: أنا مبسوط ومنشرح صدري أوي إنك خرجتي، والأهم إنك مبينتيش زعلك ولا انكسارك من موضوع الخطوبة ده قدامهم.. كنتي قوية وشجاعة. — عاليا (بتنهيدة حارة): متشكرة ليك أوي يا عمو إنك دايماً واقف معايا وبتسندني في أصعب أوقاتي.. بس عاوزه أسألك سؤال صريح ومحتاجه إجابته، أنت مصدقني فعلاً ولا بتقول كدا عشان تواسيني؟ التفت إليها عبدالله بنظرة حانية مليئة بالثقة وقال: — عبدالله: أنتي إزاي تسألي سؤال زي ده يا عاليا؟ أنا اللي مربيكي على إيدي وعارف أخلاقك وطبعك أكتر من نفسك! إزاي ممكن أشك فيكي وفي تربيتك؟ اللي أنا بجد مش قادر أصدقه ولا أستوعبه هي ليلى! إزاي تعمل كدا في أختها وتنكر كل حاجة ببرود وتكمل حياتها عادي! — عاليا (بحزن): خلاص بقى يا عمو، أنا هحاول أنسى الموضوع ده وأقفل صفحته. عارف.. أكتر حاجة مأثرة فيا ومضايقاني هي الطريقة؛ لو كانت ليلى عوزاه أو بتحبه كانت تيجي تقولي في وشي وأنا كنت هبعد عنه وأسيبهولها من غير مشاكل، لكن تعمل اللعبة دي وتدمر سمعتي؟.. وهو كمان، مدانيش حتى فرصة واحدة أدافع فيها عن نفسي، وصدق عليا الشبهة والظن بالسهولة دي! يا عمو، أنا لو عاوزه أعمل حاجات غلط أو طائشة، كنت عملت كدا وأنا عايشة في أمريكا لوحدي؛ هناك كل حاجة مباحة ومتاحة وأنت عارف ده كويس. — عبدالله (برفض تام لتصرف ابنه): ولا يهمك يا بنتي وم تزعليش نفسك، أنتي أصلاً خسارة في الحيوان ابني ده، وميستاهلش ضفرك! — عاليا (ضحكت من قلبها لأول مرة): ههههههههه، والله يا عمو أنت اللي خسارة تكون أبوه بكرمك وأخلاقك دي. في نفس الأوقات، في مكان آخر تماماً.. داخل أتيليه صغير وأنيق للأزياء: وقفت فتاة شابة تعاتب شاباً دخل إليها بابتسامة: — مي: عاش من شافك يا سي حسام! كل ده غايب ومتسألش عليا؟ هانت عليك العشرة والأيام اللي قضيناها سوا؟ — حسام (باعتذار حقيقي): حقك عليا يا مي ومتزعليش مني، بس والله الشغل والموقع الجديد واخدين كل وقتي ومبشوفش النوم. — مي: طيب على الأقل افتكرني بتليفون أو رسالة نطمن عليك فيها. — حسام (وهو يتذكر شيئاً): بمناسبة التليفون والرسائل.. في حاجة كدا غريبة حصلت وعاوز أقولك عليها وأخد رأيك فيها. — مي (ضاحكة بمشاكسة): خيييير يا سيدي؟ عمتي جابتلك عروسة جديدة ولا إيه هههههه؟ — حسام: بطلي رخامة بقى واسمعيني بجد.. بصي هوريكي حاجة. أخرج حسام هاتفه من جيبه، وفتح الاستوديو ثم عرضه عليها ليُريها صورة فتاة. نظر إليها وقال بترقب: — حسام: عارفة مين البنت اللي في الصورة دي؟ تأملت مي الصورة بدقة، وقطبت حاجبيها محاولة التذكر: — مي: اممم.. هي الملامح مش غريبة عليا، أنا حاسة إني عارفاها وشوفتها قبل كدا في مكان ما.. إيه ده؟ معقول؟! مش ممكن.. دي تكون هي؟! عاليا؟! — حسام (براحة): والله كنت حاسس وبقول هي، بس قلت أجي وأتأكد منكِ الأول طالما كنتوا صحاب. — مي (بغمزة مشاكسة): ياه.. لسه فاكرها ومنستهاش؟ ده عدى بتاع عشر سنين أو أكتر على سفرها! عرفتها إزاي مع إن شكلها اتغير وبقت آنسة؟ — حسام (بتوهان وسرحان وهو ينظر للصورة): ولو عدى ألف سنة مش عشرة بس.. لا يمكن أنساها ولا ملامحها وتفاصيلها توه عن عيني لحظة واحدة. — مي (بإعجاب): يا سلام يا سلام! إيه الكلام الكبير ده كله؟ ده طلع حب جامد ومن زمان ومستخبي ههههههه. — حسام (بخجل وتوتر): ههههههه ياشيخة بس بقا فصلتيني وكسفتيني! المهم سيبك من التريقة دي ويلا كلميها بسرعة. في تلك الأثناء، كانت عاليا تجلس في أحد الكافيهات الهادئة، تحتسي قهوتها، وفجأة رن هاتفها معلناً وصول رسالة جديدة على حسابها الشخصي في فيسبوك. فتحت الرسالة لتجد نصاً مكتوباً باهتمام: (لو أنتي عاليا الرشيدي يبقى الحمد لله إني وصلتك! أنا مي الشافعي، كنت زميلتك وصاحبتك في المدرسة زمان.. لو لسه فاكراني ومنستنيش أرجوكي ردي عليا). لمعت عينا عاليا بالفرحة، وردت بأصابع مرتعشة وسريعة: — عاليا: مي!! يااااه وحشتيني أوي أوي! ووحشتني جداً أيام زمان ولمتنا سوا. — مي (بفرحة عارمة): أنا مش مصدقة بجد إنك رديتي! أنتي فين يا بنتي واختفيتي فين فجأة كدا؟ أنتي رجعتي مصر ولا لسه عايشة بره؟ فين أراضيكي؟ — عاليا: أنا رجعت وموجودة هنا في مصر حالياً.. أنتي اللي فين؟ أنا عاوزه أشوفك في أسرع وقت، ابعتيلي عنوانك حالا. التفتت مي بحماس نحو حسام الواقف بجوارها: — مي: دي في مصر يا حسام! وجاية في الطريق لهنا حالا، أنا بعتلها عنوان الأتيليه. — حسام (بتوتر شديد ممزوج بفرحة وخوف): بجد؟! طيب.. أنا هستنى هنا مش هتحرك لما أشوفها واكحل عيني بيها.. بس يا ترى تفتكري هي فاكراني ولا نسيتني؟ هو شكلي اتغير كتير عن زمان؟ هتعرفني أول ما تشوفني؟ — مي (بتهدئة): اهدي شوية يا حسام وبطل توتر وخوف، كلها كام دقيقة وهتوصل ونشوف كل حاجة بنفسنا. بعد مرور ساعة.. أمام أحد المولات التجارية الكبرى، وقفت عاليا تتأمل لافتة مضيئة ومكتوب عليها بأناقة: (أتيليه مي الشافعي للأزياء). ابتسمت عاليا من قلبها وهمست: — عاليا: ياه يا مي.. أخيراً كبرتي وحققتي حلم طفولتك اللي كنتي دايماً بتخططي ليه. دلف عاليا إلى داخل الأتيليه، وبمجرد أن رأتها مي، صرخت بفرحة وجرت نحوها بكل قوتها لترتمي في حضنها: — مي: وحشتيني أوي أوي يا عاليا! وفي تلك اللحظة الدافئة، انفتح باب الذكريات القديمة (فلاش باك): (مي وهي تشد يدها: مي تعالي معايا بسرعة، يلا بينا نلعب). (مي بتعب: أنا تعبانة أوي يا عاليا ومش قادرة.. عاليا بخوف: ألف سلامة عليكي يا لولتي يا حبيبتي). (مي بشوق: وحشتيني أوي.. عاليا: أنتي كمان أوي، وبتوحشيني وأحنا لسه سايبين بعض من دقايق). (عاليا ببكاء: أنا مش هشوف بابا تاني يا مي مات وسابني.. مي وهي تحضنها: متزعليش يا عاليا، بابا عبدالله هو باباكي، مش إحنا أخوات؟) (عاليا بحزن: أنا مسافرة أمريكا وخايفة.. مي بدموع: متسبنيش يا عاليا، أنا مليش أصحاب غيرك في الدنيا، أوعي تنسيني وتنسي أيامنا). عادت عاليا للواقع (باك)، والدموع تنساب على وجنتيها بغزارة، وقالت بصوت متهدج: — عاليا: أنتي كمان وحشتيني أوي يا مي.. مكنتش مصدقة عيني لما شفت الرسالة، أنا كنت محتاجاكي جمبي أوي في الأيام دي، ربنا بعتك ليا في الوقت المناسب بالظبط.. أرجوكي متسبنيش تاني. — مي (وهي تمسح دموعها): مش هسيبك أبداً يا حبيبتي وهفضل معاكي، بس اهدي وامسحي دموعك دي. كان حسام يقف على بعد خطوات، يتابع الموقف بترقب ولهفة، ودقات قلبه تتسارع بصخب. شعر في تلك اللحظة أن عاليا قد عادت بالفعل، لكنه لمس في ملامحها ونبرة صوتها حزناً دفيناً وشيئاً مكسوراً وهشاً، وكأنها تحمل هماً يثقل كاهلها ولا يعلم سببه. نظر إليها بإعجاب؛ كم هي جميلة ورقيقة كما كانت دوماً في مخيلته. وجد نفسه يتحرك نحوها بخطوات لا إرادية، مدفوعاً بقلبه، حتى وقف أمامها مباشرة ولا يعرف ماذا يقول من فرط ارتباكه. تطلع إليها وقال بصوت رجولي دافئ: — حسام: ازيك يا عاليا.. حمد الله على سلامتك. نظرت إليه عاليا بدهشة، ثم التفتت لمي تبحث في عينيها عن إجابة، وبدا واضحاً من ملامحها أنها لم تتذكره أو تتعرف على هويته بعد غياب السنين: — عاليا: الله يسلمك.. أنا حاسة إني عارفا الملامح دي كويس ومش غريبة عليا، بس معلش اعذرني.. مش قادرة أفتكر الاسم بالظبط. ابتسمت مي وقالت وهي تشير إليه: — مي: ده حسام الـ... وفجأة، انقطع حبل كلام مي وانفتح باب "الفلاش باك" في عقل عاليا من جديد وبقوة: (مي بحماس: يلا يا حسام اخلص، عاليا مستنيانا بره.. حسام وهو يظبط قميصه بتوتر: جاي جاي اهو، شكلي حلو كدا؟) (عاليا بتساؤل: حسام.. أنت ضربت الولد ده في الشارع ليه وبهدلته؟.. حسام بغضب دافع عنها: عشان كان بيضايقك ورفع صوته عليكي وأنا مقبلش ده!) (عاليا بفرحة: شكراً يا حسام، أنا بحب الشوكولاتة دي أوي.. مي بمشاكسة: يا سلام يا سلام! اشمعنى عاليا؟ أنا كمان عاوزه شوكولاتة! يحرك حسام رأسه برفض: لا، دي لعاليا وبس). (حسام وهو يطمئنها: عاليا.. متزعليش من أي حاجة، طول ما أنا موجود مش هخلي أي حد في الدنيا دي يزعلك أو يكسر بخاطرك). (حسام بحزن وهو يودعها: عاليا.. أنتي صحيح هتسافري بره مصر؟ طيب متعيطيش.. وأنا بوعدك مش هنساكم أبداً وهستناكي). عادت عاليا من ذكرياتها القديمة، واتسعت عيناها بذهول وفرحة مفاجئة، وارتسمت على شفتيها ابتسامة دافئة حقيقية بعد كل ما عانته، وقالت بنبرة تملؤها اللهفة: — عاليا بابتسامة: حسام البنّا!مع اقتراب الساعة من السادسة مساءً، بدأت حمرة الغروب الساحرة تصبغ سماء دبي بنسيج دافئ من الألوان الأرجوانية والذهبية. انحسرت حرارة النهار تاركة المجال لنسمات عليلة محملة برطوبة البحر المنعشة. تملص حسام وعاليا بهدوء من صخب اللمة العائلية في المنزل، بعدما أصر أحمد وليلى على التكفل بريم وزياد واخذهم للملاهي، ليمنحاهما تلك المساحة الخاصة التي طالما احتاجا إليها لإغلاق دفاتر الماضي إلى الأبد. ترجلا معاً على طول ممشى الشاطئ الهادئ، حيث كان صوت ارتطام الأمواج الخفيف بالرمال النعامة يعزف لحناً يبعث السكينة في النفوس الشاردة. كانت عاليا تسير حافية القدمين، وتدع رمال الشاطئ الرطبة تداعب أصابعها، مرتديةً فستاناً أبيض فضفاضاً من القطن الناعم، يتطاير طرفه مع نسمات الهواء ليحاكي أجنحة فراشة بيضاء استعادت حريتها أخيراً. أما حسام، فقد شمر عن ساعديه ورفع بنطاله قليلاً، وسار بجانبها واضعاً يديه في جيبيه أول الأمر، يتأملها بنظرات لم تخلُ لحظة من الانبهار والامتنان. التفتت إليه عاليا، وطاير الهواء خصلات من شعرها لتغطي ملامح وجهها، فأرجعتها بابتسامة رقيقة ووديعة. امتدت يد حسام ببطء، وكأنه يستأذن قلبها ق
لم يكن الانتقال إلى الشقة الجديدة في دبي مجرد تغيير في العنوان، بل كان بمثابة إعلان رسمي عن ولادة جديدة لكليهما. اختار حسام الشقة بعناية فائقة؛ أرادها واسعة، تدخلها الشمس من كل جانب، بنوافذ زجاجية ضخمة تطل على أفق المدينة والمسطحات الخضراء، وكأنه يحاول طرد كل ذكرى للظلام والضيق التي عاشتها عاليا بمفردها في غرف الغربة الباردة. في ذلك الصباح، كانت خيوط الشمس الذهبية تتسلل برفق عبر الستائر الشيفون البيضاء، وترسم خطوطاً من النور على الأرضية الخشبية الدافئة. كانت تفوح في الأرجاء رائحة القهوة الصباحية الممتازة الممزوجة برائحة المخبوزات التي تفننت عاليا في إعدادها. خرجت عاليا من المطبخ وهي ترتدي ثوباً منزلياً مريحاً باللون الوردي الهادئ، وقد استرد وجهها نضارته التي سلبتها منها أيام المرض العجاف. لم تعد تلك المرأة الشاحبة المكسورة؛ بل عادت عيناها العسليتان تشعان ببريق الحياة والأمومة الشابة. تطلعت إلى وسط الصالة، حيث كانت الصغيرة "ريم" تجلس بكبرياء طفولي وسط مجموعة من الألعاب الملونة. ريم التي أتمت عامها الأول، كانت نسخة مصغرة من أمها، بعينين واسعتين وفضول لا ينتهي. استندت عاليا على إطار ا
بعد عدة أيام كانت الأجواء في الغرفة هادئة ومبهجة. جلست عاليا على سرير المستشفى بعد أن استعادت جزءاً كبيراً من عافيتها وبدأ وجهها يسترد لونه العسلي الجميل. وكان حسام يجلس بجوارها على طرف الفراش، يحمل طفلتهم بعناية وحرص شديد، ونظر إلى عاليا بعينين تلمعان بالحب والارتياح وقال: "حمد الله على سلامتك يا حبيبتي.. حمد الله على سلامتك يا نور عيني." التمعت عينا عاليا بالدموع وبسطت ذراعيها قائلة بشوق أمومة جارف: "هاتها.. هاتها عاوزه أشوفها وأضمها في حضني." قربها حسام منها برفق شديد ووضعها بين ذراعيها، وانحنى ليقبل رأس زوجته وابنته معاً في مشهد دافئ يعوض كل شهور العذاب والبعد. انفتح الباب بهدوء ليدخل أحمد بابتسامته البشوشة المعتادة، وتقدم نحو السرير قائلاً بنبرة دافئة: "ألف حمد الله على سلامتك يا مدام عاليا، نورتِ الدنيا أنتِ والعروسة الصغيرة ريم." التفتت إليه عاليا بابتسامة ممتنة وصادقة وقالت: "الله يسلمك يا أحمد، بجد مش عارفة أشكرك إزاي على كل اللِّي عملته معايا ومع حسام.. أنت أخ حقيقي." نظر حسام إلى أحمد بامتنان عميق، وربت على كتفه قائلاً: "أحمد دا مابقاش مجرد شخص جدع عرفناه بال
ردت الممرضة بنبرة هادئة لكنها لم تروِ عطشه: "البيبي زي الفل ما شاء الله.. بس المدام لسه العملية شغالة جوه، ادعيلها." قرّب حسام الطفلة إلى صدره، واستنشق رائحتها الطيبة، وقبّل جبينها الصغير بدموع انهمرت رغماً عنه وهو يهمس لها: "متقلقيش.. ماما زمانها جاية ومش هتسيبنا.. هي عمرها ما سابتني، ومش هتسيبك أنتِ كمان.. ربنا هيقومها بالسلامة علشانك.. تيجي على ما تخرج أحكي لك حكايتنا؟ أحكي لك إحنا تعبنا قد إيه علشان تيجي بالسلامة؟" وفي غمرة بكائه وحديثه مع طفلته، شعر بيد دافئة تربت على كتفه برفق. التفت بحذر ليجد أمامه "أحمد"، واقفاً بملامحه الأصيلة وابتسامته المطمئنة. أحمد بنبرة حنونة: "ألف مبروك يا أستاذ حسام.. تتربى في عزكم يارب. لسه المدام جوه؟" نظر إليه حسام بامتنان شديد ودموع باقية في عينيه وقال: "جوه.. لسه جوه يا أحمد.. ادعيلها، يارب تخرج بالسلامة." ربت أحمد على يده وقال بملء فمه: "إن شاء الله خير.. مدام عاليا ست طيبة وتستاهل كل خير، وربنا مش هيخذلك." بعد ما يقارب الثلاث ساعات الطويلة التي كادت تودي بعقل حسام، انفتح باب العمليات مرة أخرى، وخرج الطبيب يزف إليه البشرى بنجاح العملية
على الجانب الآخر، كانت عاليا تقف وتراقب هذا المشهد العائلي الدافئ، وشعرت بوخزة شوق وحنين جارف لكل هذا الحب. التفتت إليها ليلى وسارة، واندفعت الثلاثة في عناق جماعي طويل حار، امتزجت فيه ضحكاتهن بدموع الشوق والارتياح. ضمت سارة عاليا بقوة وهي تهمس: "نورتِ مصر يا عاليا.. الفرحة مكنتش هتكمل من غيرك، أنتِ مش صاحبتنا بس، أنتِ أختنا الكبيرة." بكت عاليا بصمت وهي تشد على ضلوعهما، تذكرت في تلك اللحظة كل الوجع الذي عاشته وحيدة في دبي، وكل الخوف من المرض والرحيل، وشعرت بأن حضن عائلتها هو الدواء الحقيقي الذي أحيا روحها من جديد. اقتربت الأم منهن، ووضعت يدها الحانية على بطن عاليا برفق، ونظرت في عينيها بعمق وقالت بدعاء نابع من سويداء قلبها: "ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي، ويقومك ليا بالف سلامة، ويفرح قلبي وقلب حسام بالضنا الصغير اللِّي هيملى علينا الدنيا.. أنتِ بنتي الغالية يا عاليا، وغلاوتك من غلاوة حسام وأكتر." انحنت عاليا وقبلت يد الأم باحترام شديد: "ربنا يخليكي لينا يا ماما، ولا يحرمنا من دعواتك أبدًا." التقى الجميع في حلقة واحدة في منتصف القاعة؛ حسام وعاليا، ورامز ومنة، وحازم وسارة، والأم ولي
التمعت عينا عاليا بالشوق: "ماشي.. ماما وحشتني أوي، وليلي وكلهم وحشوني خالص." حسام بتنهيدة حارة: "ومين سمعك! إحنا هنا داخلين على سنة أهو، مكنتش اتخيل أبداً إني أقدر أفضل كل ده بعيد عنهم.. اللِّي مصبرني كان الفيديو كول." عاليا بأمل: "هانت.. كلها شهر ونشوفهم ونشبع منهم." نظر لها حسام بلؤم محب ومقرب: "ياااارب.. قرب البعيد بقى، وقرب القريب برضه!" اتسعت ابتسامتها الخجولة، وتهربت من نظراته لتتحصن داخل غرفتها، بينما يتابعها هو بنظرات ممتنة لرجوعها. أصبح حسام رجلاً آخر؛ بات يدللها دلالاً كبيراً، يسبقها إلى أعمال المنزل، ويساعدها في كل صغيرة وكبيرة، ويحاول إرضاءها بأي شكل كان، ولا يترك فرصة تمر دون أن يتقرب من قلبها ومسامحتها. عندما كان يصيبها التعب، كان يسهر بجانبها طوال الليل يمسد رأسها بيده ويمسح جبينها، ويتابع معها مواعيد الطبيب بدقة شديدة. لا تزال عاليا تتذكر أول مرة شاهدا فيها الجنين سوياً عبر شاشة "السونار"، ورأت الفرحة الطاغية والدموع تترقرق في عينيه.. ها هي الآن قد بدأت شهرها الخامس، وبدأت تشعر بحركة الجنين الخفيفة في أحشائها كرفرفة الفراشات. كل يوم يأتي حسام بلهفة، يضع ك
حسام (بلهفة فور انتهاء القراءة): طيب يا عمي.. بإذن الله عاوزين نحدد ميعاد الخطوبة الرسمية في أقرب وقت، وتنزل معايا العروسة عشان نختار الشبكة اللي تليق بمقامها.— عبد الله (بأريحية): والله اتفقوا سوا يا ابني وشوفوا الميعاد والوقت اللي يناسبكم ويناسب شغلكم.. أنا كدا عملت اللي عليا ووقفت وقفتي، الباقي
أنا موافقة.. موافقة أتجوزك يا حسام.— حسام (بفرحة عارمة كادت تقتلع قلبه من مكانه): ياااا الله! ده أحلى وأجمل يوم في عمري كله والله! البت مي دي لما ترجع من السفر هعمل معاها الصح، وليها عندي الحلاوة وهدية غالية أوي لأنها كانت السبب.. بس قوليلي، كنتي ساكتة ومخبية كل ده ليه؟ أنا كنت بموت في اليوم ميت م
أخذت عاليا نفساً عميقاً، وبدأت تقص عليه الحكاية والسر القديم من بدايته؛ كيف لُعبت اللعبة عليها، وكيف اتهمت بالخيانة، وسط علامات الدهشة الذهول والـ صدمة التي ارتسمت على وجه حسام.— حسام (بعدم تصديق): لا إله إلا الله! معقولة؟ معقولة أختك تعمل كدا وتخطط للدرجة دي؟ وهو يصدقها بالسهولة والسرعة دي من غير
التفتت عاليا بتفاجؤ وارتباك، وأعادت خصلات شعرها وراء أذنها تحاول تدارك موقفها:— عاليا: احم.. حازم! ااا.. نعم؟ واقف هنا من إمتى وفي إيه؟— حازم (والندم يأكل ملامحه بعدما استمع لأغنيتها وشعر بمدى الألم والكسرة التي تخفيها ببراعة خلف قناع القوة): ممكن.. ممكن أسألك سؤال يا عاليا؟ لو مش هيضايقك يعني؟—







