Share

ما بعد الخيانة
ما بعد الخيانة
Author: فاطمة العبيدي

الفصل الاول

last update publish date: 2026-05-16 16:47:23

أشرقت شمس الصباح الذهبية، لتدب الحياة في أرجاء المكان، فيستيقظ ذلك المهندس الشاب بنشاطه المعتاد؛ فهو قد ألف النهوض مبكراً للذهاب إلى عمله دون تكاسل. لقد تسلم عمله الجديد منذ ستة أشهر بأحد أكبر الشركات، ورغم ما يواجهه من إرهاق شديد وتعب بدني مستمر، إلا أنه يحب عمله جداً ويجد فيه شغفه.

توجه إلى المطبخ حيث تقف والدته، وقال بابتسامة:

— حسام: صباح الخير يا ماما.

— الأم: صباح الخير يا ابني، ربنا يوفقك.

التفت حوله وكأنه يبحث عن أحد، ثم سأل:

— حسام: هي البت (منة) صحيت ولا لسه نايمة؟

— الأم: ودي هتصحي دلوقتي؟ دي فضلت سهرانه لحد الفجر بتذاكر، امتحاناتها قربت والضغط عليها كبير.

— حسام: ربنا يعينها ويوفقها يا رب. كنت عاوز أشوفها قبل ما أنزل، بقالي يومين مشفتهاش، وحشتني القردة دي!

فجأة، جاء صوت من خلفه مشاكساً:

— منة: مين دي اللي قردة يا حسام؟

— حسام (ضاحكاً): هههههه، الحقي يا ماما، القردة صحت اهي!

— منة (وهي ترفع حاجبيها باصطناع الزعل): أنا قردة يا حسام؟ ماشي.. وأنا اللي صاحية مخصوص علشان أشوفك قبل ما تنزل! خلاص، أنا زعلانة منك ومخصماك ومش هكلمك تاني.

— حسام (بأناقة الأخ الأكبر): يا خبر يا خبر! قردتي الصغيرة زعلانة؟ لا لا مقدرش على زعلِك، تعالي هنا تعالي أصالحك.

— منة (وهي تجري وتضحك): لا لا مش جاية خلاص، أنا مش زعلانة.. بس قفايا ورم من كتر مصالحتك وضبابيتك حرام عليك ههههههه.

— حسام: خلاص خلاص، أنا اتأخرت ويخرب بيت فِقرك ضيعتي وقتي! أنا ماشي، بس هتروحي مني فين؟ راجعلك تاني يا قمر هههههه.

وفي منزل آخر، كانت الأجواء مختلفة تماماً..

— نادية: صباح النور يا عاليا. سيبتك تنامي شوية ومصحيتكيش؛ لأني كنت سامعة دوشة وحركة في أوضتك لوقت متأخر بالليل. كنتي سهرانه بتعملي إيه؟

— عاليا: أيوه فعلاً، دي ليلى جت وسهرنا سوا بنتكلم، ومخدناش بالنا من الوقت خالص لحد ما الفجر أذن. هي فين صحيح؟ لسه نايمة؟

— نادية: لا، دي صحيت بدري جداً ونزلت مع عمك وحازم عشان الشغل.

— عاليا (بضيق بدا واضحاً على وجهها): مش عارفة حازم ليه مش موافق إني أنزل الشغل أنا كمان وزيهم؟

— نادية: معلش يا عاليا، حازم بيخاف عليكي ومش عاوز يتعبك، وأنتي بصراحة مش بتاعت شغل وبهدلة ومواصلات.

— عاليا (بحزن): حتى أنتي يا ماما شايفاني مش قد المسؤولية؟ أمال هتعامل إزاي لما أتجوز بعد 6 شهور وأبقى مسؤولة عن بيت لوحدي وأولاد وتربية؟

— نادية: بقولك إيه، عندك حازم اتفاهمي معاه؛ أنا معنديش مشكلة تشتغلي أو متشتغليش، أنتي حرة في حياتك.

— عاليا: ماشي يا ماما، بس معاكي حق، أنا هكلم حازم دلوقتي وأحسم الموضوع ده.

— نادية (بتحذير): بس هو في الشغل دلوقتي وممكن يتعصب عليكي بسبب ضغط الشغل.

— عاليا: كدا كدا هو متعصب على طول ومش فاضيلي أصلاً! من ساعة ما رجعت وهو بيزعقلي على أفه سبب، خليها المرة دي يزعق لسبب حقيقي يستاهل.

— نادية (ضاحكة): ههههههههه، والله أنتو مجانين وعلاقتكم غريبة.

في مقر الشركة:

كان حازم يتحرك في مكتبه بجدية وهو يشير إلى الأوراق أمامه:

— حازم: زي ما قولتلك يا ليلى، العميل ده مهم جداً ولازم نستفيد منه في مشروعات تانية مش المشروع ده وبس.. ليلى، أنتي سامعاني؟

كانت ليلى تنظر إلى الفراغ بشرود تام، فانتبهت فجأة:

— ليلى: ها؟ بتقول حاجة يا حازم؟ معلش مخدتش بالي.

— حازم: أنتي مش معايا خالص وذهنك شارد، شكلك منمتيش كويس ومجهدة.

— ليلى (بتنهيدة مصطنعة): أنا قلقانة أوي على عاليا.

— حازم (بانتباه وقلق): عاليا؟! مالها عاليا؟ في إيه حصل؟

— ليلى (بضيق وتمثيل متقن): تصرفاتها الفترة دي مش عاجباني خالص وبقت غريبة، وبتعمل حاجات مش مفهومة.. أنا خايفة عليها أوي وحاسة إن مش دي عاليا أختي اللي أنا عارفاها كويس وطول عمري عشت معاها.

— حازم (بتعجب): غريبة.. أنا مش ملاحظ كدا خالص، وشايفها عادية وزي ما هي مفيش تغيير.

— ليلى: لأنك مشغول عنها ياحازم ومش بتشوفها كتير ولا بتقعد معاها؛ خصص ليها وقت شوية من يومك. إيه رأيك تروح النهاردة تاخدها وتخرجو شوية وتتكلمو وتشوف مالها؟

— حازم: لا، النهاردة مش هينفع خالص؛ عندي اجتماع مهم ومصيري زي ما أنتي عارفة، ومواعيد كتير ورا بعض.. خليها بكرة بقا إن شاء الله.

— ليلى (بابتسامة خبيثة لم يلاحظها): خلاص ماشي، اللي تشوفه مصلحة الشغل أهم.

في هذه اللحظة، رن هاتف حازم النقال معلناً اتصالاً جديداً. نظر إلى الشاشة وقال:

— حازم: دي عاليا اللي بتتصل.

— ليلى: طيب، هسيبك تكلّمها براحتك وأروح أشوف شغلي، بس متتأخرش عشان الاجتماع هيبدأ كمان خمس دقائق، باي.

رد حازم على الهاتف بلهجة جافة ونبرة سريعة:

— حازم: أيوة يا عاليا؟

— عاليا: صباح الخير، أخبارك إيه؟

— حازم: كويس يا عاليا، بس عندي شغل كتير وضغط دلوقتي.

— عاليا: ممكن بس تفضيلي نفسك شوية؟ أنت على طول في الشغل ومش ملاحقة عليك، عاوزاك في حاجة مهمة جداً.

— حازم: طيب وقت تاني يا عاليا، عندي اجتماع حالاً ولازم أقفل.

— عاليا (بنفاذ صبر وضيق): يووووه! شغل شغل شغل! في البيت شغل، وفي التليفون شغل! أشوفك إمتى وأكلمك إمتى؟ افضالي شوية ده من حقي كخطيبتك، حرام كدا بجد!

— حازم (بعصبية): بتزعقي ليه دلوقتي وعاملة مشكلة؟ ما أنتي قاعدة فاضية في البيت ومبتعمليش حاجة، هتحسي إزاي بضغط الشغل والمسؤولية اللي عندي؟ وأكيد طالما بتتصلّي في الوقت ده يبقى عاوزاني في حاجة تافهة من بتوعك!

— عاليا (والبكاء بدأ يظهر بوضوح ويمزق نبرة صوتها): قولتلك قبل كدا عاوزه أشتغل وأشيل معاك وأساعدك وأنت مش موافق وشايفني تافهة.. عموماً خلاص، مش عاوزه حاجة، سلام.

أغلقت عاليا الهاتف وهي تبكي بحرقة، وجلست لا تعرف ماذا تفعل. لقد أصبح يجرحها كثيراً بتلك الكلمات القاسية، وتغير معها للأسوأ، ولم يعد يهمه حزنها أو فرحها. سألت نفسها بمرارة: هل توقف عن حبي؟ هل أنا ما زلت أحبه؟ كانت تشعر بحرقة كبيرة وجرح غائر في قلبها.

أما حازم، فبمجرد أن أغلق الخط شعر بتأنيب الضمير، وأنه قسا عليها مجدداً وأنها ليس لها ذنب في عصبيته وتوتره. لكن كلام ليلى الدائم عنها وعن تصرفاتها الغريبة يوتره، ودلال عاليا ورقتها الزائدة في هذا التوقيت يقلقه ويزيد حيرته، فهو لا يعرف كيف يتعامل معها. تنهد بضيق، وتوجه سريعاً قاصداً غرفة الاجتماعات، وقرر تأجيل مصالحتها للغد.. لكنه كان مخطئاً تماماً في هذا التأجيل.

التأجيل يفقد الشيء أهميته وقيمته؛ فوردة واحدة في وقتها ودقائقها المناسبة أفضل من بستان كامل في وقت آخر، واعتذار سريع عند الخطأ أفضل من هدية ثمينة تأتي بعد فوات الأوان. جراح القلب عندما تصبح غائرة، لا يصلحها ألف اعتذار.

في اليوم التالي:

في موقع الإنشاءات والعمل التابع للمهندس حسام.

كان حسام يتحدث في الهاتف بجدية واهتمام:

— حسام: ده اللي مضايقك ومزعلك يعني؟ ولا تزعلي نفسك خالص، أنا هجيلك وأشوف جوزك ده إزاي يزعلك ويكسر بخاطرك! هو ميعرفش إنك أغلى حاجة عندي في الدنيا ولا إيه؟

— ياسمين (بامتنان وفرحة): ربنا يخليك ليا يا حبيبي وتفضل سندي في الدنيا.. أنت أحن وأحسن أخ في الدنيا كلها.

— حسام: ويخليكي ليا يا حبيبتي وميحرمنيش منك. يلا بقا، هخلص شوية شغل في الموقع وأعدي عليكي فوراً نتغدى سوا ونحل المشكلة دي.

— ياسمين: ماشي، هستناك.. بس أرجوك متقولش لماما أي حاجة عشان متقلقش وتزعل.

— حسام: حاضر، متقلقيش.. يلا سلام.

في فيلا حازم:

كانت عاليا تجلس في غرفة الجلوس الدافئة، مندمجة بكل حواسها في قراءة صفحات كتاب بين يديها. دخلت الدادة وهي تحمل صينية صغيرة:

— الدادة: اتفضلي يا عاليا، النسكافيه اللي بتحبيه وعملتهولك بوش زي ما بتفضلي.

— عاليا (بابتسامة رقيقة): ربنا يخليكي ليا يا دادا، شكراً جداً.. تعبتي نفسك ليه؟ كنتي ناديتي عليا وأنا أجي آخده من المطبخ.

— الدادة: العفو يا بنتي ميصحش، تعبك راحة.

— عاليا: ما تقعدي معايا شوية يا دادا تسليني، أنتي وحشاني وقعدتك مابتتشبعش منها.

— الدادة: الله يخليكي يا بنتي، بس ورايا حاجات كتير في المطبخ وطلبات بعملها؛ هخلص بسرعة واجي أقعد معاكي.. أهو في صوت بره، هشوف مين اللي جه الأول ونرجع نتكلم.

— عاليا: ماشي يا دادا، مستنياكي.

تحركت الدادة لفتح الباب، فإذا بها ليلى:

— الدادة: إيه ده، ليلى؟ جيتي بدري النهاردة من الشغل على غير العادة؟

— ليلى (بسرعة وتوتر مصطنع): عندي مشوار مهم وتعبت.. معلش يا دادا ممكن تجبيلي كبابة مية ساقعة بسرعة؟

— الدادة: حاضر من عينيا، حالا.

بعد مغادرة الدادة متوجهة للمطبخ، دخلت ليلى الغرفة وكانت تخفي خلفها شخصاً غريباً، ودخلت به مباشرة إلى الغرفة التي توجد بها عاليا.

— ليلى: ازيك يا عاليا؟

— عاليا (باستغراب وهي تضع الكتاب جانباً): الحمد لله.. مين ده اللي معاكي؟

— ليلى: ده صديق ليا وجاي في موضوع.. هطلع بس ثواني أجيب ملف وحاجة من فوق، خليكي قاعدة معاه هنا لما أجي بسرعة.

— عاليا (بقلق ورفض): لا، ماليش دعوة ومتقعديهوش معايا! صاحبك ده شكله غريب جداً ويخوف ونظراته مش مريحة.

— ليلى (بتهكم): متبقيش طفلة بقى وبطلي حركاتك دي! ده ضيف في بيتنا وميصحش نسيبه لوحده، عيب كدا.

— عاليا: طيب، بس ابعتي الدادة بسرعة تيجي تقعد معايا هنا، أنا قلقانة منه.. هو مين ده أصلاً وعاوز إيه؟

— ليلى (بضحكة صفراء): هتفضلي عيلة وخوافة كدا لحد إمتى؟ أنتي كبرتي وبقيتي عروسة يا بنتي!

نظرت لها عاليا بغضب وضيق من أسلوبها، فتابعت ليلى وهي تتحرك للخارج:

— ليلى: خلاص خلاص، هبعتهالك فوراً ههههههه.

— عاليا (بصوت منخفض): رخمة أوي! متتأخريش طيب.

التفتت عاليا للرجل الغريب بقلة حيلة وقالت برسمية:

— عاليا: اتفضل حضرتك استريح، ليلى جاية على طول.. تحب تشرب إيه؟

لم يرد عليها الرجل بأي كلمة، وظل واقفاً ينظر إليها في صمت غريب ونظرات حادة متفحصة؛ فتوترت عاليا بشدة، وحملت كتابها مرة أخرى وتظاهرت بالقراءة لتهرب من نظراته المريبة التي تكاد تخترقها. لم تشعر به وهو يتحرك بخطوات ثعلبية ويقترب منها بهدوء، وفجأة وبدون أي مقدمات، هجم عليها واحتضنها بقوة!

في نفس تلك اللحظة المشؤومة، انفتح الباب ودخل حازم وعلامات الصدمة والذهول تعلو وجهه، وتجمد في مكانه:

— حازم (بصراخ وصدمة زلزلت المكان): إيه ده؟! إيه اللي بيحصل هنا ده؟!

ذعر الشخص الغريب، وقام بسرعة ودفع حازم بكل قوته ليفسح لنفسه طريقاً، وهرب مسرعاً خارج الفيلا.

تأمل حازم عاليا بملامح يملؤها الغضب والاشمئزاز:

— حازم: أنتي بتعملي إيه هنا؟! وأنا اللي جاي وعامل حسابي أصالحك وحاسس بالذنب وجايبلك هدية معايا.. كمان جايباه لحد البيت وفي غيابي؟!

— عاليا (وهي تبكي بهستيرية ورعب): حازم.. حازم افهم أرجوك.. أنا معملتش...

قبل أن تكمل جملتها، اندفع نحوها وحبس كلماتها بصفعة قوية على وجهها، وهتف بغضب أعمى:

— حازم: اخرسي بقى! لسه هتقولي إيه وتكذبي؟ أنا شفت كل حاجة بعيني ومحدش قالي!

— عاليا (وهي تضع يدها على وجنتها وتبكي بمرارة): حرام عليك يا حازم.. والله العظيم أنا معملتش حاجة، معرفوش أصلاً!

على صوت الصراخ المرتفع والصفعة، أتت الدادة مسرعة من المطبخ، ونزلت ليلى من الدرج وعلى وجهها ابتسامة نصر بعد نجاح خطتها الدنيئة بالكامل. وفي طريقها لأسفل كانت تسترجع شريط ما فعلته قبل دقائق في غرفتها عندما اتفقت مع ذلك الشخص:

(متتكلمش معاها خالص واعمل تليفونك صامت، أول ما أرن عليك فايبريشن تعمل اللي قولتلك عليه وتحضنها وبس، مش أكتر من كدا ومتمثلش.. دادا، اعمليلي قهوة وأنا هجيب ملف وجاية حالا).

— الدادة (بهلع): في إيه يا أولاد؟ بتزعقوا ليه وصوتكم جايب آخر الشارع؟

— حازم (بنبرة مليئة بالكره): اسألي الهانم المصونة، أهي عندك اسأليها كانت بتعمل إيه!

تركهم حازم والشرر يتطاير من عينيه، وغادر البيت بالكامل مغلقاً الباب خلفه بقوة.

ارتمت ليلى بجانب عاليا مدعية البراءة والذهول:

— ليلى: في إيه يا عاليا؟ إيه الزعيق ده؟ وماله حازم اتقلب كدا ليه؟

— عاليا (ببكاء وصراخ هستيري وهي تشير لليلى): شوفي صاحبك! شوفي مجايبك والاشكال الزبالة اللي بتدخليها البيت! حازم فهمني غلط وكله بسببك أنتي وبسبب صاحبك اللي سبتيه معايا!

— ليلى (بملامح باردة جاحَدة): صاحبي مين؟ أنا مش فاهمة أنتي بتتكلمي عن إيه أصلاً؟!

— عاليا (بصراخ جنوني): يعني إيه صاحبك مين؟ متجننيش وتضيعي عقلي! الراجل اللي دخلتي بيه هنا من شوية!

— ليلى (وهي تلتفت للدادة): مش عارفة بتتكلمي عن إيه بجد والراجل مين ده! شوفيها مالها يا دادا، شكلها جرالها حاجة في مخها!

— عاليا (تستنجد بالدادة): يا دادا.. ليلى كانت جايبه واحد هنا وسبتني معاه، صدقيني وقولي الحق!

— الدادة (بحيرة وتفاجؤ): يا بنتي والله أنا مشوفتش حد دخل مع ليلى خالص، أنا دخلت المطبخ علطول!

نظرت عاليا إلى ليلى، ورأت في عينيها نظرة الشماتة المكتومة، وهنا بدأت تفهم النوايا الخبيثة والمؤامرة التي حاكتها أختها لتدميرها. همست بصدمة والدموع تجف في عينيها:

— عاليا: يعني إيه؟ أنتو هتجننوني؟ لا.. لا لا.. أنتي يا ليلى؟ تعملي فيا أنا كدا؟ أختك؟!

ولم يتحمل جسدها الضعيف وعقلها حجم الصدمة والمؤامرة، وسقطت على الأرض مغشياً عليها وسط صراخ الدادة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ما بعد الخيانة   الفصل الثالث والثمانون

    مع اقتراب الساعة من السادسة مساءً، بدأت حمرة الغروب الساحرة تصبغ سماء دبي بنسيج دافئ من الألوان الأرجوانية والذهبية. انحسرت حرارة النهار تاركة المجال لنسمات عليلة محملة برطوبة البحر المنعشة. تملص حسام وعاليا بهدوء من صخب اللمة العائلية في المنزل، بعدما أصر أحمد وليلى على التكفل بريم وزياد واخذهم للملاهي، ليمنحاهما تلك المساحة الخاصة التي طالما احتاجا إليها لإغلاق دفاتر الماضي إلى الأبد. ترجلا معاً على طول ممشى الشاطئ الهادئ، حيث كان صوت ارتطام الأمواج الخفيف بالرمال النعامة يعزف لحناً يبعث السكينة في النفوس الشاردة. كانت عاليا تسير حافية القدمين، وتدع رمال الشاطئ الرطبة تداعب أصابعها، مرتديةً فستاناً أبيض فضفاضاً من القطن الناعم، يتطاير طرفه مع نسمات الهواء ليحاكي أجنحة فراشة بيضاء استعادت حريتها أخيراً. أما حسام، فقد شمر عن ساعديه ورفع بنطاله قليلاً، وسار بجانبها واضعاً يديه في جيبيه أول الأمر، يتأملها بنظرات لم تخلُ لحظة من الانبهار والامتنان. التفتت إليه عاليا، وطاير الهواء خصلات من شعرها لتغطي ملامح وجهها، فأرجعتها بابتسامة رقيقة ووديعة. امتدت يد حسام ببطء، وكأنه يستأذن قلبها ق

  • ما بعد الخيانة   الفصل الثاني والثمانون

    لم يكن الانتقال إلى الشقة الجديدة في دبي مجرد تغيير في العنوان، بل كان بمثابة إعلان رسمي عن ولادة جديدة لكليهما. اختار حسام الشقة بعناية فائقة؛ أرادها واسعة، تدخلها الشمس من كل جانب، بنوافذ زجاجية ضخمة تطل على أفق المدينة والمسطحات الخضراء، وكأنه يحاول طرد كل ذكرى للظلام والضيق التي عاشتها عاليا بمفردها في غرف الغربة الباردة. في ذلك الصباح، كانت خيوط الشمس الذهبية تتسلل برفق عبر الستائر الشيفون البيضاء، وترسم خطوطاً من النور على الأرضية الخشبية الدافئة. كانت تفوح في الأرجاء رائحة القهوة الصباحية الممتازة الممزوجة برائحة المخبوزات التي تفننت عاليا في إعدادها. خرجت عاليا من المطبخ وهي ترتدي ثوباً منزلياً مريحاً باللون الوردي الهادئ، وقد استرد وجهها نضارته التي سلبتها منها أيام المرض العجاف. لم تعد تلك المرأة الشاحبة المكسورة؛ بل عادت عيناها العسليتان تشعان ببريق الحياة والأمومة الشابة. تطلعت إلى وسط الصالة، حيث كانت الصغيرة "ريم" تجلس بكبرياء طفولي وسط مجموعة من الألعاب الملونة. ريم التي أتمت عامها الأول، كانت نسخة مصغرة من أمها، بعينين واسعتين وفضول لا ينتهي. استندت عاليا على إطار ا

  • ما بعد الخيانة   الفصل الواحد والثمانون

    بعد عدة أيام كانت الأجواء في الغرفة هادئة ومبهجة. جلست عاليا على سرير المستشفى بعد أن استعادت جزءاً كبيراً من عافيتها وبدأ وجهها يسترد لونه العسلي الجميل. وكان حسام يجلس بجوارها على طرف الفراش، يحمل طفلتهم بعناية وحرص شديد، ونظر إلى عاليا بعينين تلمعان بالحب والارتياح وقال: "حمد الله على سلامتك يا حبيبتي.. حمد الله على سلامتك يا نور عيني." التمعت عينا عاليا بالدموع وبسطت ذراعيها قائلة بشوق أمومة جارف: "هاتها.. هاتها عاوزه أشوفها وأضمها في حضني." قربها حسام منها برفق شديد ووضعها بين ذراعيها، وانحنى ليقبل رأس زوجته وابنته معاً في مشهد دافئ يعوض كل شهور العذاب والبعد. انفتح الباب بهدوء ليدخل أحمد بابتسامته البشوشة المعتادة، وتقدم نحو السرير قائلاً بنبرة دافئة: "ألف حمد الله على سلامتك يا مدام عاليا، نورتِ الدنيا أنتِ والعروسة الصغيرة ريم." التفتت إليه عاليا بابتسامة ممتنة وصادقة وقالت: "الله يسلمك يا أحمد، بجد مش عارفة أشكرك إزاي على كل اللِّي عملته معايا ومع حسام.. أنت أخ حقيقي." نظر حسام إلى أحمد بامتنان عميق، وربت على كتفه قائلاً: "أحمد دا مابقاش مجرد شخص جدع عرفناه بال

  • ما بعد الخيانة   الفصل الثمانون

    ردت الممرضة بنبرة هادئة لكنها لم تروِ عطشه: "البيبي زي الفل ما شاء الله.. بس المدام لسه العملية شغالة جوه، ادعيلها." قرّب حسام الطفلة إلى صدره، واستنشق رائحتها الطيبة، وقبّل جبينها الصغير بدموع انهمرت رغماً عنه وهو يهمس لها: "متقلقيش.. ماما زمانها جاية ومش هتسيبنا.. هي عمرها ما سابتني، ومش هتسيبك أنتِ كمان.. ربنا هيقومها بالسلامة علشانك.. تيجي على ما تخرج أحكي لك حكايتنا؟ أحكي لك إحنا تعبنا قد إيه علشان تيجي بالسلامة؟" وفي غمرة بكائه وحديثه مع طفلته، شعر بيد دافئة تربت على كتفه برفق. التفت بحذر ليجد أمامه "أحمد"، واقفاً بملامحه الأصيلة وابتسامته المطمئنة. أحمد بنبرة حنونة: "ألف مبروك يا أستاذ حسام.. تتربى في عزكم يارب. لسه المدام جوه؟" نظر إليه حسام بامتنان شديد ودموع باقية في عينيه وقال: "جوه.. لسه جوه يا أحمد.. ادعيلها، يارب تخرج بالسلامة." ربت أحمد على يده وقال بملء فمه: "إن شاء الله خير.. مدام عاليا ست طيبة وتستاهل كل خير، وربنا مش هيخذلك." بعد ما يقارب الثلاث ساعات الطويلة التي كادت تودي بعقل حسام، انفتح باب العمليات مرة أخرى، وخرج الطبيب يزف إليه البشرى بنجاح العملية

  • ما بعد الخيانة   الفصل التاسع والسبعون

    على الجانب الآخر، كانت عاليا تقف وتراقب هذا المشهد العائلي الدافئ، وشعرت بوخزة شوق وحنين جارف لكل هذا الحب. التفتت إليها ليلى وسارة، واندفعت الثلاثة في عناق جماعي طويل حار، امتزجت فيه ضحكاتهن بدموع الشوق والارتياح. ضمت سارة عاليا بقوة وهي تهمس: "نورتِ مصر يا عاليا.. الفرحة مكنتش هتكمل من غيرك، أنتِ مش صاحبتنا بس، أنتِ أختنا الكبيرة." بكت عاليا بصمت وهي تشد على ضلوعهما، تذكرت في تلك اللحظة كل الوجع الذي عاشته وحيدة في دبي، وكل الخوف من المرض والرحيل، وشعرت بأن حضن عائلتها هو الدواء الحقيقي الذي أحيا روحها من جديد. اقتربت الأم منهن، ووضعت يدها الحانية على بطن عاليا برفق، ونظرت في عينيها بعمق وقالت بدعاء نابع من سويداء قلبها: "ربنا يجبر بخاطرك يا بنتي، ويقومك ليا بالف سلامة، ويفرح قلبي وقلب حسام بالضنا الصغير اللِّي هيملى علينا الدنيا.. أنتِ بنتي الغالية يا عاليا، وغلاوتك من غلاوة حسام وأكتر." انحنت عاليا وقبلت يد الأم باحترام شديد: "ربنا يخليكي لينا يا ماما، ولا يحرمنا من دعواتك أبدًا." التقى الجميع في حلقة واحدة في منتصف القاعة؛ حسام وعاليا، ورامز ومنة، وحازم وسارة، والأم ولي

  • ما بعد الخيانة   الفصل الثامن والسبعون

    التمعت عينا عاليا بالشوق: "ماشي.. ماما وحشتني أوي، وليلي وكلهم وحشوني خالص." حسام بتنهيدة حارة: "ومين سمعك! إحنا هنا داخلين على سنة أهو، مكنتش اتخيل أبداً إني أقدر أفضل كل ده بعيد عنهم.. اللِّي مصبرني كان الفيديو كول." عاليا بأمل: "هانت.. كلها شهر ونشوفهم ونشبع منهم." نظر لها حسام بلؤم محب ومقرب: "ياااارب.. قرب البعيد بقى، وقرب القريب برضه!" اتسعت ابتسامتها الخجولة، وتهربت من نظراته لتتحصن داخل غرفتها، بينما يتابعها هو بنظرات ممتنة لرجوعها. أصبح حسام رجلاً آخر؛ بات يدللها دلالاً كبيراً، يسبقها إلى أعمال المنزل، ويساعدها في كل صغيرة وكبيرة، ويحاول إرضاءها بأي شكل كان، ولا يترك فرصة تمر دون أن يتقرب من قلبها ومسامحتها. عندما كان يصيبها التعب، كان يسهر بجانبها طوال الليل يمسد رأسها بيده ويمسح جبينها، ويتابع معها مواعيد الطبيب بدقة شديدة. لا تزال عاليا تتذكر أول مرة شاهدا فيها الجنين سوياً عبر شاشة "السونار"، ورأت الفرحة الطاغية والدموع تترقرق في عينيه.. ها هي الآن قد بدأت شهرها الخامس، وبدأت تشعر بحركة الجنين الخفيفة في أحشائها كرفرفة الفراشات. كل يوم يأتي حسام بلهفة، يضع ك

  • ما بعد الخيانة   الفصل الثاني والستون

    مر اليومان المتبقيان قبل سفر حسام في حالة من القلق والتوتر الصامت. انشغلت عاليا بتجهيز حقائبه، ووضعت فيها كل التفاصيل الصغيرة. وقفت أمام الحقيبتين الكبيرتين وقالت بنبرة قلقة: "أنا مش عاوزه أنسى أي حاجة.. شوف كدا الليستة دي وراجع معايا.." ولم تكد تكمل جملتها حتى شعرت بدوار شديد أظلم عينيها، واختل

  • ما بعد الخيانة   الفصل الثامن والخمسون

    فين الحب اللِّي كنت بتقول عليه؟!"رد حازم بمرارة: "أبوكي رفضني علشان بيقول عليا سيء السمعة يا سارة.. وأنا قعدت وفكرت في كلامه، ولقيت إنه عنده حق! أنا فعلاً كدا وهضر سمعتك وسط أهلك وناسك لو ارتبطتِ بيا، ودا شيء ميرضنيش ليكي."صاحت سارة بقوة: "أنا عارفة كل حاجة عنك ومن البداية خالص ومن قبل ما أنت تقو

  • ما بعد الخيانة   الفصل الثاني والثلاثون

    هتف حازم بنبرة يملؤها الذهول والإنكار: "لا يا فندم أنا كنت قافله ومعرفش كمان عاليا دخلت إزاي! ولا هي أصلاً كان معاها مفاتيح للمنزل ولا لا ".ردّ عليه الضابط بهدوء حذر وعينان تفحصان المكان: "كلها يوم وتقرير المعمل الجنائي والطب الشرعي يطلعوا وكل حاجة هتبان. بس مبدئياً كدا.. الباب مفيش عليه أي آثار

  • ما بعد الخيانة   الفصل الثاني والعشرون

    اشتعلت النيران في صدر حسام وغضب غضباً لو وزع على بلد لكفاها، لكنه عندما نظر لضعف أخته وانكسارها، كتم غيظه وأحكم ضمتها إليه وهدأ من روعها قائلاً:— حسام: شششش.. اسكتي خالص واهدي ومتعيطيش يا هبلة! علشان واحد زبالة وحقير كدا تعيطي وتنزلي دموعك الغالية دي؟ ده هو السبب! في داهية تروح تاخده، وميستاهلش دم

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status