ANMELDEN
أشرقت شمس الصباح الذهبية، لتدب الحياة في أرجاء المكان، فيستيقظ ذلك المهندس الشاب بنشاطه المعتاد؛ فهو قد ألف النهوض مبكراً للذهاب إلى عمله دون تكاسل. لقد تسلم عمله الجديد منذ ستة أشهر بأحد أكبر الشركات، ورغم ما يواجهه من إرهاق شديد وتعب بدني مستمر، إلا أنه يحب عمله جداً ويجد فيه شغفه.
توجه إلى المطبخ حيث تقف والدته، وقال بابتسامة: — حسام: صباح الخير يا ماما. — الأم: صباح الخير يا ابني، ربنا يوفقك. التفت حوله وكأنه يبحث عن أحد، ثم سأل: — حسام: هي البت (منة) صحيت ولا لسه نايمة؟ — الأم: ودي هتصحي دلوقتي؟ دي فضلت سهرانه لحد الفجر بتذاكر، امتحاناتها قربت والضغط عليها كبير. — حسام: ربنا يعينها ويوفقها يا رب. كنت عاوز أشوفها قبل ما أنزل، بقالي يومين مشفتهاش، وحشتني القردة دي! فجأة، جاء صوت من خلفه مشاكساً: — منة: مين دي اللي قردة يا حسام؟ — حسام (ضاحكاً): هههههه، الحقي يا ماما، القردة صحت اهي! — منة (وهي ترفع حاجبيها باصطناع الزعل): أنا قردة يا حسام؟ ماشي.. وأنا اللي صاحية مخصوص علشان أشوفك قبل ما تنزل! خلاص، أنا زعلانة منك ومخصماك ومش هكلمك تاني. — حسام (بأناقة الأخ الأكبر): يا خبر يا خبر! قردتي الصغيرة زعلانة؟ لا لا مقدرش على زعلِك، تعالي هنا تعالي أصالحك. — منة (وهي تجري وتضحك): لا لا مش جاية خلاص، أنا مش زعلانة.. بس قفايا ورم من كتر مصالحتك وضبابيتك حرام عليك ههههههه. — حسام: خلاص خلاص، أنا اتأخرت ويخرب بيت فِقرك ضيعتي وقتي! أنا ماشي، بس هتروحي مني فين؟ راجعلك تاني يا قمر هههههه. وفي منزل آخر، كانت الأجواء مختلفة تماماً.. — نادية: صباح النور يا عاليا. سيبتك تنامي شوية ومصحيتكيش؛ لأني كنت سامعة دوشة وحركة في أوضتك لوقت متأخر بالليل. كنتي سهرانه بتعملي إيه؟ — عاليا: أيوه فعلاً، دي ليلى جت وسهرنا سوا بنتكلم، ومخدناش بالنا من الوقت خالص لحد ما الفجر أذن. هي فين صحيح؟ لسه نايمة؟ — نادية: لا، دي صحيت بدري جداً ونزلت مع عمك وحازم عشان الشغل. — عاليا (بضيق بدا واضحاً على وجهها): مش عارفة حازم ليه مش موافق إني أنزل الشغل أنا كمان وزيهم؟ — نادية: معلش يا عاليا، حازم بيخاف عليكي ومش عاوز يتعبك، وأنتي بصراحة مش بتاعت شغل وبهدلة ومواصلات. — عاليا (بحزن): حتى أنتي يا ماما شايفاني مش قد المسؤولية؟ أمال هتعامل إزاي لما أتجوز بعد 6 شهور وأبقى مسؤولة عن بيت لوحدي وأولاد وتربية؟ — نادية: بقولك إيه، عندك حازم اتفاهمي معاه؛ أنا معنديش مشكلة تشتغلي أو متشتغليش، أنتي حرة في حياتك. — عاليا: ماشي يا ماما، بس معاكي حق، أنا هكلم حازم دلوقتي وأحسم الموضوع ده. — نادية (بتحذير): بس هو في الشغل دلوقتي وممكن يتعصب عليكي بسبب ضغط الشغل. — عاليا: كدا كدا هو متعصب على طول ومش فاضيلي أصلاً! من ساعة ما رجعت وهو بيزعقلي على أفه سبب، خليها المرة دي يزعق لسبب حقيقي يستاهل. — نادية (ضاحكة): ههههههههه، والله أنتو مجانين وعلاقتكم غريبة. في مقر الشركة: كان حازم يتحرك في مكتبه بجدية وهو يشير إلى الأوراق أمامه: — حازم: زي ما قولتلك يا ليلى، العميل ده مهم جداً ولازم نستفيد منه في مشروعات تانية مش المشروع ده وبس.. ليلى، أنتي سامعاني؟ كانت ليلى تنظر إلى الفراغ بشرود تام، فانتبهت فجأة: — ليلى: ها؟ بتقول حاجة يا حازم؟ معلش مخدتش بالي. — حازم: أنتي مش معايا خالص وذهنك شارد، شكلك منمتيش كويس ومجهدة. — ليلى (بتنهيدة مصطنعة): أنا قلقانة أوي على عاليا. — حازم (بانتباه وقلق): عاليا؟! مالها عاليا؟ في إيه حصل؟ — ليلى (بضيق وتمثيل متقن): تصرفاتها الفترة دي مش عاجباني خالص وبقت غريبة، وبتعمل حاجات مش مفهومة.. أنا خايفة عليها أوي وحاسة إن مش دي عاليا أختي اللي أنا عارفاها كويس وطول عمري عشت معاها. — حازم (بتعجب): غريبة.. أنا مش ملاحظ كدا خالص، وشايفها عادية وزي ما هي مفيش تغيير. — ليلى: لأنك مشغول عنها ياحازم ومش بتشوفها كتير ولا بتقعد معاها؛ خصص ليها وقت شوية من يومك. إيه رأيك تروح النهاردة تاخدها وتخرجو شوية وتتكلمو وتشوف مالها؟ — حازم: لا، النهاردة مش هينفع خالص؛ عندي اجتماع مهم ومصيري زي ما أنتي عارفة، ومواعيد كتير ورا بعض.. خليها بكرة بقا إن شاء الله. — ليلى (بابتسامة خبيثة لم يلاحظها): خلاص ماشي، اللي تشوفه مصلحة الشغل أهم. في هذه اللحظة، رن هاتف حازم النقال معلناً اتصالاً جديداً. نظر إلى الشاشة وقال: — حازم: دي عاليا اللي بتتصل. — ليلى: طيب، هسيبك تكلّمها براحتك وأروح أشوف شغلي، بس متتأخرش عشان الاجتماع هيبدأ كمان خمس دقائق، باي. رد حازم على الهاتف بلهجة جافة ونبرة سريعة: — حازم: أيوة يا عاليا؟ — عاليا: صباح الخير، أخبارك إيه؟ — حازم: كويس يا عاليا، بس عندي شغل كتير وضغط دلوقتي. — عاليا: ممكن بس تفضيلي نفسك شوية؟ أنت على طول في الشغل ومش ملاحقة عليك، عاوزاك في حاجة مهمة جداً. — حازم: طيب وقت تاني يا عاليا، عندي اجتماع حالاً ولازم أقفل. — عاليا (بنفاذ صبر وضيق): يووووه! شغل شغل شغل! في البيت شغل، وفي التليفون شغل! أشوفك إمتى وأكلمك إمتى؟ افضالي شوية ده من حقي كخطيبتك، حرام كدا بجد! — حازم (بعصبية): بتزعقي ليه دلوقتي وعاملة مشكلة؟ ما أنتي قاعدة فاضية في البيت ومبتعمليش حاجة، هتحسي إزاي بضغط الشغل والمسؤولية اللي عندي؟ وأكيد طالما بتتصلّي في الوقت ده يبقى عاوزاني في حاجة تافهة من بتوعك! — عاليا (والبكاء بدأ يظهر بوضوح ويمزق نبرة صوتها): قولتلك قبل كدا عاوزه أشتغل وأشيل معاك وأساعدك وأنت مش موافق وشايفني تافهة.. عموماً خلاص، مش عاوزه حاجة، سلام. أغلقت عاليا الهاتف وهي تبكي بحرقة، وجلست لا تعرف ماذا تفعل. لقد أصبح يجرحها كثيراً بتلك الكلمات القاسية، وتغير معها للأسوأ، ولم يعد يهمه حزنها أو فرحها. سألت نفسها بمرارة: هل توقف عن حبي؟ هل أنا ما زلت أحبه؟ كانت تشعر بحرقة كبيرة وجرح غائر في قلبها. أما حازم، فبمجرد أن أغلق الخط شعر بتأنيب الضمير، وأنه قسا عليها مجدداً وأنها ليس لها ذنب في عصبيته وتوتره. لكن كلام ليلى الدائم عنها وعن تصرفاتها الغريبة يوتره، ودلال عاليا ورقتها الزائدة في هذا التوقيت يقلقه ويزيد حيرته، فهو لا يعرف كيف يتعامل معها. تنهد بضيق، وتوجه سريعاً قاصداً غرفة الاجتماعات، وقرر تأجيل مصالحتها للغد.. لكنه كان مخطئاً تماماً في هذا التأجيل. التأجيل يفقد الشيء أهميته وقيمته؛ فوردة واحدة في وقتها ودقائقها المناسبة أفضل من بستان كامل في وقت آخر، واعتذار سريع عند الخطأ أفضل من هدية ثمينة تأتي بعد فوات الأوان. جراح القلب عندما تصبح غائرة، لا يصلحها ألف اعتذار. في اليوم التالي: في موقع الإنشاءات والعمل التابع للمهندس حسام. كان حسام يتحدث في الهاتف بجدية واهتمام: — حسام: ده اللي مضايقك ومزعلك يعني؟ ولا تزعلي نفسك خالص، أنا هجيلك وأشوف جوزك ده إزاي يزعلك ويكسر بخاطرك! هو ميعرفش إنك أغلى حاجة عندي في الدنيا ولا إيه؟ — ياسمين (بامتنان وفرحة): ربنا يخليك ليا يا حبيبي وتفضل سندي في الدنيا.. أنت أحن وأحسن أخ في الدنيا كلها. — حسام: ويخليكي ليا يا حبيبتي وميحرمنيش منك. يلا بقا، هخلص شوية شغل في الموقع وأعدي عليكي فوراً نتغدى سوا ونحل المشكلة دي. — ياسمين: ماشي، هستناك.. بس أرجوك متقولش لماما أي حاجة عشان متقلقش وتزعل. — حسام: حاضر، متقلقيش.. يلا سلام. في فيلا حازم: كانت عاليا تجلس في غرفة الجلوس الدافئة، مندمجة بكل حواسها في قراءة صفحات كتاب بين يديها. دخلت الدادة وهي تحمل صينية صغيرة: — الدادة: اتفضلي يا عاليا، النسكافيه اللي بتحبيه وعملتهولك بوش زي ما بتفضلي. — عاليا (بابتسامة رقيقة): ربنا يخليكي ليا يا دادا، شكراً جداً.. تعبتي نفسك ليه؟ كنتي ناديتي عليا وأنا أجي آخده من المطبخ. — الدادة: العفو يا بنتي ميصحش، تعبك راحة. — عاليا: ما تقعدي معايا شوية يا دادا تسليني، أنتي وحشاني وقعدتك مابتتشبعش منها. — الدادة: الله يخليكي يا بنتي، بس ورايا حاجات كتير في المطبخ وطلبات بعملها؛ هخلص بسرعة واجي أقعد معاكي.. أهو في صوت بره، هشوف مين اللي جه الأول ونرجع نتكلم. — عاليا: ماشي يا دادا، مستنياكي. تحركت الدادة لفتح الباب، فإذا بها ليلى: — الدادة: إيه ده، ليلى؟ جيتي بدري النهاردة من الشغل على غير العادة؟ — ليلى (بسرعة وتوتر مصطنع): عندي مشوار مهم وتعبت.. معلش يا دادا ممكن تجبيلي كبابة مية ساقعة بسرعة؟ — الدادة: حاضر من عينيا، حالا. بعد مغادرة الدادة متوجهة للمطبخ، دخلت ليلى الغرفة وكانت تخفي خلفها شخصاً غريباً، ودخلت به مباشرة إلى الغرفة التي توجد بها عاليا. — ليلى: ازيك يا عاليا؟ — عاليا (باستغراب وهي تضع الكتاب جانباً): الحمد لله.. مين ده اللي معاكي؟ — ليلى: ده صديق ليا وجاي في موضوع.. هطلع بس ثواني أجيب ملف وحاجة من فوق، خليكي قاعدة معاه هنا لما أجي بسرعة. — عاليا (بقلق ورفض): لا، ماليش دعوة ومتقعديهوش معايا! صاحبك ده شكله غريب جداً ويخوف ونظراته مش مريحة. — ليلى (بتهكم): متبقيش طفلة بقى وبطلي حركاتك دي! ده ضيف في بيتنا وميصحش نسيبه لوحده، عيب كدا. — عاليا: طيب، بس ابعتي الدادة بسرعة تيجي تقعد معايا هنا، أنا قلقانة منه.. هو مين ده أصلاً وعاوز إيه؟ — ليلى (بضحكة صفراء): هتفضلي عيلة وخوافة كدا لحد إمتى؟ أنتي كبرتي وبقيتي عروسة يا بنتي! نظرت لها عاليا بغضب وضيق من أسلوبها، فتابعت ليلى وهي تتحرك للخارج: — ليلى: خلاص خلاص، هبعتهالك فوراً ههههههه. — عاليا (بصوت منخفض): رخمة أوي! متتأخريش طيب. التفتت عاليا للرجل الغريب بقلة حيلة وقالت برسمية: — عاليا: اتفضل حضرتك استريح، ليلى جاية على طول.. تحب تشرب إيه؟ لم يرد عليها الرجل بأي كلمة، وظل واقفاً ينظر إليها في صمت غريب ونظرات حادة متفحصة؛ فتوترت عاليا بشدة، وحملت كتابها مرة أخرى وتظاهرت بالقراءة لتهرب من نظراته المريبة التي تكاد تخترقها. لم تشعر به وهو يتحرك بخطوات ثعلبية ويقترب منها بهدوء، وفجأة وبدون أي مقدمات، هجم عليها واحتضنها بقوة! في نفس تلك اللحظة المشؤومة، انفتح الباب ودخل حازم وعلامات الصدمة والذهول تعلو وجهه، وتجمد في مكانه: — حازم (بصراخ وصدمة زلزلت المكان): إيه ده؟! إيه اللي بيحصل هنا ده؟! ذعر الشخص الغريب، وقام بسرعة ودفع حازم بكل قوته ليفسح لنفسه طريقاً، وهرب مسرعاً خارج الفيلا. تأمل حازم عاليا بملامح يملؤها الغضب والاشمئزاز: — حازم: أنتي بتعملي إيه هنا؟! وأنا اللي جاي وعامل حسابي أصالحك وحاسس بالذنب وجايبلك هدية معايا.. كمان جايباه لحد البيت وفي غيابي؟! — عاليا (وهي تبكي بهستيرية ورعب): حازم.. حازم افهم أرجوك.. أنا معملتش... قبل أن تكمل جملتها، اندفع نحوها وحبس كلماتها بصفعة قوية على وجهها، وهتف بغضب أعمى: — حازم: اخرسي بقى! لسه هتقولي إيه وتكذبي؟ أنا شفت كل حاجة بعيني ومحدش قالي! — عاليا (وهي تضع يدها على وجنتها وتبكي بمرارة): حرام عليك يا حازم.. والله العظيم أنا معملتش حاجة، معرفوش أصلاً! على صوت الصراخ المرتفع والصفعة، أتت الدادة مسرعة من المطبخ، ونزلت ليلى من الدرج وعلى وجهها ابتسامة نصر بعد نجاح خطتها الدنيئة بالكامل. وفي طريقها لأسفل كانت تسترجع شريط ما فعلته قبل دقائق في غرفتها عندما اتفقت مع ذلك الشخص: (متتكلمش معاها خالص واعمل تليفونك صامت، أول ما أرن عليك فايبريشن تعمل اللي قولتلك عليه وتحضنها وبس، مش أكتر من كدا ومتمثلش.. دادا، اعمليلي قهوة وأنا هجيب ملف وجاية حالا). — الدادة (بهلع): في إيه يا أولاد؟ بتزعقوا ليه وصوتكم جايب آخر الشارع؟ — حازم (بنبرة مليئة بالكره): اسألي الهانم المصونة، أهي عندك اسأليها كانت بتعمل إيه! تركهم حازم والشرر يتطاير من عينيه، وغادر البيت بالكامل مغلقاً الباب خلفه بقوة. ارتمت ليلى بجانب عاليا مدعية البراءة والذهول: — ليلى: في إيه يا عاليا؟ إيه الزعيق ده؟ وماله حازم اتقلب كدا ليه؟ — عاليا (ببكاء وصراخ هستيري وهي تشير لليلى): شوفي صاحبك! شوفي مجايبك والاشكال الزبالة اللي بتدخليها البيت! حازم فهمني غلط وكله بسببك أنتي وبسبب صاحبك اللي سبتيه معايا! — ليلى (بملامح باردة جاحَدة): صاحبي مين؟ أنا مش فاهمة أنتي بتتكلمي عن إيه أصلاً؟! — عاليا (بصراخ جنوني): يعني إيه صاحبك مين؟ متجننيش وتضيعي عقلي! الراجل اللي دخلتي بيه هنا من شوية! — ليلى (وهي تلتفت للدادة): مش عارفة بتتكلمي عن إيه بجد والراجل مين ده! شوفيها مالها يا دادا، شكلها جرالها حاجة في مخها! — عاليا (تستنجد بالدادة): يا دادا.. ليلى كانت جايبه واحد هنا وسبتني معاه، صدقيني وقولي الحق! — الدادة (بحيرة وتفاجؤ): يا بنتي والله أنا مشوفتش حد دخل مع ليلى خالص، أنا دخلت المطبخ علطول! نظرت عاليا إلى ليلى، ورأت في عينيها نظرة الشماتة المكتومة، وهنا بدأت تفهم النوايا الخبيثة والمؤامرة التي حاكتها أختها لتدميرها. همست بصدمة والدموع تجف في عينيها: — عاليا: يعني إيه؟ أنتو هتجننوني؟ لا.. لا لا.. أنتي يا ليلى؟ تعملي فيا أنا كدا؟ أختك؟! ولم يتحمل جسدها الضعيف وعقلها حجم الصدمة والمؤامرة، وسقطت على الأرض مغشياً عليها وسط صراخ الدادة.التفتت إليه عاليا وخطت خطوة للأمام قائلة بجمود مصطنع: — "أنا خلصت.. يلا نمشي." نظر إليها حسام بتمعن، باحثاً في ملامحها عن سبب هذا التحول المفاجئ، وسألها بهدوء: — "كله تمام؟ مامتك كويسة؟" — "آه، كويسة الحمد لله." خطا خطوة نحوها ومال برأسه قليلاً: "طيب مالك؟ شكلك زعلتِ فجأة!" حاولت الهروب بعينيها وهي تسرع خُطاها: "لا عادي.. مفيش حاجة، إحنا كنا ماشيين أصلاً." توقف حسام مكانه، وردد وعيناه تلمعان بفكرة خطرت له: "آه فعلاً.." فكّر قليلاً، ثم ابتسم وتابع بحماس: "بقولك إيه؟" التفتت إليه بحيرة: "قول؟" — "تحضري عيد ميلاد؟" اتسعت عيناها بدهشة وخرجت الكلمة قوية: "نعم؟!!!" ضحك حسام من رد فعلها وأمسك بطرف معطفها برفق: "تعالي معايا بس.. أنتِ لسه هتستغربي؟!" انقادت معه بدافع الفضول. ذهبا معاً إلى متجر للحلوى، حيث اختارا كعكة عيد ميلاد شهية، واشترى حسام بعض الحلويات والسكاكر، كما توقف عند متجر للهدايا واشترى هديتين؛ وضع إحداهما في جيبه خفية عنها، وترك الأخرى في يده. نظرت عاليا إلى الأكياس وسألته بفضول: — "عيد ميلاد مين دا؟" التفت إليها وعيناه تفيضان بالدفء: "ماما.. عيد ميلاد ماما." شخصت
اتسعت ابتسامة حسام، واشتبكت نظراته بنظراتها وهو يقول بنبرة تملأها الفرحة والارتياح:— "افتكرتيني أهو! هههههه."ردت عاليا، محاولةً الحفاظ على هدوئها رغم النبضات المتسارعة في صدرها:— "أكيد في ناس بيفضلوا في الذاكرة ومستحيل يتنسوا.. بس الملامح بتتغير، أنت عارف بقى.. يعني في وقت كبير عدا، دا حتى أنا كمان..."قاطعها حسام بنظرة إعجاب دافئة صريحة، لم يستطع إخفاءها:— "لسه زي ما أنتِ.. زي القمر."شعرت عاليا بدمائها تتدفق إلى وجنتيها، فتنحنحت بارتباك شديد حاولت تداركه وهي تبعد عينيها عنه:— "احم.. احم.. مت.. متشكرة، دا من ذوقك."هنا، تدخلت مي بذكائها المعهود لتنقذ الموقف وتكسر حدة الخجل الذي خيّم على المكان، فقالت بابتسامة حنونة:— "طيب تعالوا نقعد، واحكيلنا عملتِ إيه وكنتِ فين كل الفترة دي؟"تحركت عاليا معهما وهي تجيب:— "ماشي.. بس بجد أنا فرحت أوي إنك حققتِ حلمك يا مي. بالمناسبة، أنا عاوزة ألبس فستان من تصميمك، الخطوبة الأسبوع الجاي!"تسمّرت قدم الحساب، وانقبض قلبه فجأة، وحلّ الخوف والحزن محل الفرحة في عينيه وهو يسأل بنبرة متهدجة:— "خطوبة مين؟!"نظرت إليه عاليا، وافترت شفتاها عن ابتسامة ب
ما أسوأ أن تأتيك الطعنة الغادرة من أقرب الناس إليك.. في تلك اللحظة القاسية، لا تستطيع أن تصدق ما حدث، ولا تجد في هذا الكون الواسع من تشكو له بث حزنك وألمك. مرت الأيام، وتلتها الأسابيع ثم الشهور، وعاليا تعيش حبيسة جدران غرفتها المظلمة؛ لا تريد الخروج إلى العالم أو مواجهة أحد. لقد باتت في موقف لا تحسد عليه، فلا أحد يملك القدرة على تصديق براءتها، وفي الوقت ذاته، لا يستطيع أحد أن يكذّب حازم أو يشك في كلامه؛ فكلاهما يمثل أمراً يصعب على العقل استيعابه. تملّك منها الحزن حتى أصيبت بانهيار عصبي حاد، ودخلت في نوبة اكتئاب شديد؛ جعلتها ترفض رؤية أي بشر، رغم المحاولات المستمرة والمضنية من أمها وعمها لإخراجها من تلك الحالة. أما ليلى، فقد استغلت الوضع بذكاء شديد، وتقربت من حازم كثيراً خلال هذه الفترة. أوهمته طوال الوقت بأنها كانت على دراية بتصرفات أختها "الغريبة"، وأكدت له أنها تصدقه تماماً وتدعم موقفه، وبتكرار الكلام والتقارب المستمر، حدث ما كان متوقعاً. في أحد الأيام، دخلت الأم غرفتها بتردد، وجلست على طرف الفراش قائلة بنبرة حذرة:— الأم: عاليا.. أنا عاوزة أقولك على حاجة مهمة، بس مش عارفة أجي
أشرقت شمس الصباح الذهبية، لتدب الحياة في أرجاء المكان، فيستيقظ ذلك المهندس الشاب بنشاطه المعتاد؛ فهو قد ألف النهوض مبكراً للذهاب إلى عمله دون تكاسل. لقد تسلم عمله الجديد منذ ستة أشهر بأحد أكبر الشركات، ورغم ما يواجهه من إرهاق شديد وتعب بدني مستمر، إلا أنه يحب عمله جداً ويجد فيه شغفه. توجه إلى المطبخ حيث تقف والدته، وقال بابتسامة: — حسام: صباح الخير يا ماما. — الأم: صباح الخير يا ابني، ربنا يوفقك. التفت حوله وكأنه يبحث عن أحد، ثم سأل: — حسام: هي البت (منة) صحيت ولا لسه نايمة؟ — الأم: ودي هتصحي دلوقتي؟ دي فضلت سهرانه لحد الفجر بتذاكر، امتحاناتها قربت والضغط عليها كبير. — حسام: ربنا يعينها ويوفقها يا رب. كنت عاوز أشوفها قبل ما أنزل، بقالي يومين مشفتهاش، وحشتني القردة دي! فجأة، جاء صوت من خلفه مشاكساً: — منة: مين دي اللي قردة يا حسام؟ — حسام (ضاحكاً): هههههه، الحقي يا ماما، القردة صحت اهي! — منة (وهي ترفع حاجبيها باصطناع الزعل): أنا قردة يا حسام؟ ماشي.. وأنا اللي صاحية مخصوص علشان أشوفك قبل ما تنزل! خلاص، أنا زعلانة منك ومخصماك ومش هكلمك تاني. — حسام (بأناقة الأخ الأكبر): يا خ







