로그인
كانت الساعة المعلقة على حائط غرفتي الباردة تصدر دقاتٍ منتظمة ومستفزة، كأنها عد تنازلي لشيء مجهول ينتظرني خلف أبواب هذا المنزل الملعون. نظرتُ إلى بقع الرطوبة التي رسمت لوحاتٍ كئيبة على السقف، وشعرتُ ببرودة الغرفة تتسلل إلى عظامي رغم حرارة الصيف في الخارج. جلستُ على طرف سريري المتهالك، أصوات "السوست" المعدنية تئن تحت ثقلي، بدأتُ ألملم ما تبقى من شتات نفسي بعد يوم طويل وشاق من العمل المهين.
لقد قضيتُ ثماني ساعات في تنظيف المحلات المجاورة، أفرك الأرضيات بيدي التي تآكلت من المنظفات الرخيصة، كل ذلك لأُطعم أخاً غير شقيق لا يرى فيّ سوى خادمة خلقت لراحته، وأباً مات قلبه منذ زمن، ولم يعد يعرف من الأبوة سوى ملمس كفه الخشنة التي تترك آثارها الحمراء على وجهي كلما ضاقت به الدنيا. أخرجتُ هاتفي ذو الشاشة المشروخة من جيب مئزري، كانت الشقوق تشبه تماماً حياتي المبعثرة. مسحتُ الغبار عن الشاشة وأنا أراجع للمرة الألف بريدي الإلكتروني، والنبض في عروقي يتسارع لدرجة شعرتُ معها أن قلبي سيقفز من صدري. هناك، بين مئات الرسائل التافهة والإعلانات، كانت تقبع "الرسالة الحلم". رسالة باللغة الفرنسية، تبدأ بكلمة "Félicitations". خطاب القبول من جامعة السوربون في باريس، تخصص الكيمياء الحيوية. كانت الكلمات تتراقص أمام عيني الضبابيتين، تهمس لي بأن هناك عالماً آخر بعيداً عن صراخ زوجة أبي، وعن رائحة الفقر والظلم التي تفوح من جدران غرفتي الضيقة التي تشبه القبر. تخيلتُ نفسي هناك، وسط الأبنية الحجرية العريقة في باريس، أرتدي المعطف الأبيض الناصع الذي حلمتُ به، أقف في المختبر بين الأنابيب الزجاجية والمحاليل الملونة، أفكك شفرات الحياة الكيميائية كما حاولتُ دائماً تفكيك شفرة حياتي المعقدة التي لا حل لها. كانت الكيمياء هي لغتي الوحيدة، المهرب الذي لا يستطيع أحد أن يضربني فيه أو يمنعني منه. لكن خيالي انقطع فجأة، تحول الأمل إلى رعب محض حين سمعتُ وقع أقدام ثقيلة تقترب من الباب. لم تكن هذه خطوات والدي المترنحة، بل كانت هي.. "سمية". انفتح الباب ببطء غير معتاد، وظهرت خلفه بابتسامة صفراء باهتة لم أرها منذ سنوات. كانت ترتدي ثوباً منزلياً زاهياً لا يناسب جو البيت الكئيب، وتضع من العطر الرخيص ما يكفي لخنق غرفة كاملة. تقدمت نحوي، وضعت يدها على كتفي بنعومة مقززة جعلت شعر بدني يقشعر، وقالت بصوت حاولت جاهدة أن تجعله حنوناً، لكنه خرج كفحيح الأفعى: — "ليال حبيبتي.. أراكِ متعبة اليوم، هل كان العمل في المحلات شاقاً؟ يا ابنتي، قلبي يتقطع وأنا أراكِ ترهقين نفسكِ هكذا." تصلب جسدي تماماً. هذه النبرة لا تبشر بخير أبداً، فسمية لا تعرف الحنان إلا إذا كانت تنصب فخاً. نظرتُ إليها بعينين تملؤهما الريبة، ورددتُ ببرود جاف: — "ماذا تريدين يا زوجة أبي؟ ادخلي في الموضوع مباشرة. القناع الذي ترتدينه الآن لا يليق بوجهكِ، وهذه الطريقة في الكلام لا تشبهكِ أبداً." اتسعت ابتسامتها لدرجة مرعبة، وجلست بجانبي على السرير، حتى كدتُ أشعر بأنفاسها المعطرة برائحة الزيف. قالت: — "أوه، كم أنتِ قاسية القلب يا ليال! ألا يمكن للأم أن تطمئن على ابنتها التي ربتها لسنوات؟ لقد حان الوقت لننسى الخلافات القديمة. أنتِ الآن شابة جميلة، الكيمياء التي تدرسينها تزيدكِ ذكاءً، والجمال يفيض من وجهكِ كأنكِ نسخة من أمكِ الراحلة." قاطعتها بحدة، وقد بدأ صبري ينفد، وشعرت بغصة في حلقي عند ذكر أمي: — "أنا ليس لدي أم، أمي توفيت وأخذت معها كل معاني الحنان إلى قبرها. أما أنتِ، فقد أخذتِ دور الجلاد ببراعة منذ اليوم الأول. قولي ما عندكِ واخرجي من غرفتي، أريد أن أدرس قبل أن ينقطع التيار الكهربائي." في تلك اللحظة، سقط القناع تماماً. تلاشت الابتسامة المصطنعة وحل محلها الوجه الحقيقي الذي أعرفه جيداً، الوجه الذي لا يحمل سوى الحقد. تحولت عيناها إلى جمرتين من الغضب، وفي لمح البصر، شعرتُ بحرارة كفها وهي تصطدم بوجنتي بقوة هائلة. دوت الصفعة في أرجاء الغرفة، وجعلت أذني تصفر بصوت مزعج وشعرت بطعم الدم يملأ فمي. — "يا لكِ من فتاة سليطة اللسان! تظنين أنكِ كبرتِ لأنكِ تدرسين تلك الكتب اللعينة؟" صرخت في وجهي وهي تقبض على شعري وتجذب رأسي للخلف بقوة جعلتني أتأوه ألما. "احترمي نفسكِ، وإن لم تحترميني، فاحترمي ذلك الرجل الذي انكسر ظهره ليوفر لكِ ثمن كتبكِ التافهة!" ضحكتُ بسخرية وسط وجعي، وقلت بصوت مخنوق بالدموع والغضب: — "الرجل الذي تدافعين عنه.. أنا أشك حتى أنه والدي! أي أب يترك زوجته تهين ابنته، ويجبرها على العمل كالعبيد؟ أنا أكرهكم جميعاً، أكره هذا البيت، وأكره اليوم الذي ولدت فيه بينكم." كادت أن تضربني مرة أخرى، لكنها تمالكت نفسها فجأة، وتنفس الصعداء كأنها تذكرت شيئاً أهم من ضربي. قالت بصوت يقطر سماً وهدوءاً مرعباً: — "حسناً، بما أنكِ تريدين الحقيقة المباشرة فإليكِ الخبر الذي سيغير حياتكِ.. أخوكِ ياسين، ابني المدلل الذي طالما كرهتِه، مريض جداً. الأطباء في "المشفى الخاص" يقولون إن حالته نادرة، إنه يعاني من ضمور عصبي نادر، وأنه يحتاج إلى متبرع بمواصفات جينية فريدة لإنقاذ حياته." صمتت قليلاً لتستمتع برؤية علامات الحيرة على وجهي، ثم تابعت: — "أنتِ الوحيدة المتطابقة معه جينياً يا ليال. العملية دقيقة جداً، وتتطلب استئصال جزء معين من نسيج دماغكِ، نسيج حيوي لزرعه له. يقول الأطباء إنكِ قد تعيشين، أو قد تصابين ببعض 'الآثار الجانبية' البسيطة.. ربما فقدان ذاكرة، ربما شلل جزئي، ربما تفقدين القدرة على النطق.. لا يهم، المهم أن ابني، وريث هذا البيت، يعيش." شعرتُ وكأن الأرض تميد بي. هل فقدت عقلها؟ تبرع بنسيج من المخ؟ هذا ليس تبرعاً، هذا إعدام! — "أنتِ مجنونة! هذا يعني قتلي! تريدين التضحية بعقلي وحياتي من أجل ابنكِ الذي لم يقدم لي سوى السوء؟" صرختُ بها بأعلى صوتي: "لن يحدث! لن ألمس شعرة من جسدي لأجلكم! سأسافر، سأهرب، سأحقق حلمي في الكيمياء وأترككم تتعفنون هنا في قذارتكم!" في تلك اللحظة، فُتح الباب بعنف حطم قفله الضعيف. كان والدي "عثمان" يقف هناك، أنفاسه متلاحقة وعيناه تلمعان بغضب أعمى تحت تأثير الكحول أو القهر، لا أعرف. ارتمت سمية في حضنه فجأة بمكر، مجهشة ببكاء كاذب: — "رأيت يا عثمان؟ ابنتك تقول إنها تتمنى الموت لياسين! تقول إنها لن تنقذ أخاها الوحيد ولو مات أمام عينيها! إنها تريد السفر لتعيش حياتها في باريس وتتركنا ندفن ابننا!" اقترب والدي مني بخطوات ثقيلة زلزلت قلبي. لم يتكلم، لم يسألني عن الحقيقة، لم يلحظ حتى دموعي. رفع يده الثقيلة وانهال عليّ بضربات متتالية وهو يصرخ بجنون: — "التعليم؟ الكيمياء؟ أهذا ما تعلمتِه من الكتب؟ القسوة على أخيكِ؟ أقسم بالله يا ليال، إن لم تفعلي ما يُطلب منكِ وتنقذي ياسين، سأدفنكِ في هذه الغرفة حية. لقد أنفقتُ عليكِ لسنوات، وحان الوقت لتردي الجميل.. بدمكِ، بنخاعكِ، بحياتكِ، لا يهم!" سقطتُ على الأرض، جسدي يرتجف، غارقة في دمي ودموعي، بينما كانا يخرجان ويغلقان الباب بالمفتاح من الخارج. ساد الصمت إلا من صوت دقات الساعة اللعينة. زحفتُ ببطء نحو السرير، نظرتُ إلى حقيبتي المخبأة في الفتحة السرية تحت الخشب، وإلى جواز سفري الذي حصلتُ عليه بشق الأنفس. المعركة الآن لم تعد من أجل "السوربون" أو العلم فقط، بل أصبحت معركة حياة أو موت.. معركة من أجل حماية نخاعي وروحي من مختبر الجحيم الذي يريد والدي وزوجته إدخالي إليه.لم تستطع ليال أن تبعد عينيها عن سليم.كانت الكلمات الأخيرة التي سمعَتها تدور في رأسها بلا توقف:الملف الأصلي.لم يعد الأمر يتعلق بياسين وحده.ولا بوالدها فقط.كان هناك شيء ما أخفاه والدها قبل اختفائه، شيء جعل المنظمة تطاردهم حتى باريس، وجعل سليم يخاطر بحياته لإخراجها من المنشأة.قالت ليال ببطء:"أين الملف؟"لم يجب سليم.اقتربت منه خطوة."أبي أخفى الملف... أليس كذلك؟"ظل صامتًا.اشتعل غضبها."أنت تعرف."رفع سليم عينيه إليها."أعرف جزءًا من الحقيقة.""وأنا أريد الجزء كله."تنهد."لو كان الأمر بهذه السهولة، لما بقي الملف مخفيًا كل هذه السنوات."تدخل ياسين بصوت ضعيف:"الملف..."التفتت ليال إليه.كان يحاول الجلوس، لكنها أسرعت وأسندته."لا تتحرك."نظر إليها."سمعتهم يتحدثون عنه."تجمد سليم."متى؟"أغمض ياسين عينيه محاولًا التذكر."قبل سنوات...""كنت في غرفة... كبيرة.""وكان أبي هناك."توقفت أنفاس ليال."أبي؟"أومأ."كان يصرخ في رجل."ثم فتح عينيه فجأة."كان يقول له..."توقف."ماذا؟"ضغط ياسين يده على رأسه."لا أستطيع التذكر."اقتربت ليال منه."حاول."هز رأسه."هناك شيء...""ماذا؟""باب."سك
لم تتحرك ليال.ظلت عيناها معلقتين بسليم، بينما كانت الكلمات الأخيرة تتردد داخل رأسها.الملف.إذن لم تكن المطاردة من أجلها.ولا من أجل ياسين.كان هناك شيء آخر.شيء أخفاه والدها منذ سنوات، وجعل المنظمة مستعدة لفعل أي شيء لاستعادته.ابتلعت ريقها بصعوبة.ثم قالت:"أين الملف؟"لم يجب سليم.اقتربت منه خطوة."أين أخفى أبي الملف؟"ظل صامتًا.اشتعل الغضب في عينيها."أنت تعرف."رفع سليم نظره إليها."أعرف جزءًا فقط.""وأي جزء؟""أعرف لماذا أخفاه.""إذن أخبرني."تنهد."لأنه لم يعد يثق بأحد."ضحكت ليال بمرارة."حتى بك."خفض سليم عينيه."خصوصًا بي."ساد الصمت.كانت الجملة أثقل مما توقعت.نظرت إلى المفتاح الموجود في يدها.ثم إلى الشاشة التي انطفأت بعد ظهور رسالة والدها."هذا المفتاح قادنا إلى هنا.""نعم.""إذن إلى أين يقود؟"نظر سليم إلى الخريطة.ثم قال:"إلى مكان لم يعد موجودًا على الخرائط."تجمدت ملامحها."ماذا يعني ذلك؟"أشار إلى النقطة التي ظهرت على الشاشة."هذا المكان كان تابعًا للمشروع منذ أكثر من عشرين عامًا.""مختبر؟"هز رأسه."لا."توقف لحظة."كان منزلًا."شعرت ليال بالاستغراب."منزل؟""كان
ظلت ليال واقفة أمام النافذة، لا تتحرك.كانت البطاقة السوداء لا تزال بين أصابعها.شعرت بحافتها الحادة تضغط على جلد يدها، لكنها لم تنتبه إلى ذلك.كل ما استطاعت رؤيته كان السطر الأبيض المكتوب عليها:"إذا أردتِ معرفة من قتل والدك حقًا... فلا تثقي بآدم."قرأته مرة.ثم مرة أخرى.وكأنها تنتظر أن تتغير الكلمات.لكنها بقيت كما هي.نظرت إلى سليم.كان واقفًا في منتصف الغرفة، صامتًا، يراقبها دون أن يحاول الاقتراب.قالت:"أنت تعرف شيئًا."لم يجب."أليس كذلك؟"رفع عينيه إليها."نعم."كانت إجابته هادئة إلى درجة أثارت غضبها.اقتربت منه."إذن أخبرني."ظل صامتًا."من قتل والدي؟"خفض سليم عينيه إلى البطاقة."ليس الأمر بهذه البساطة."ضحكت ليال ضحكة قصيرة، لكنها لم تحمل أي فرح."كل شيء عندكم ليس بهذه البساطة."ثم رفعت البطاقة أمام وجهه."منذ أن بدأت هذه الكارثة، وأنا أسمع الجملة نفسها.""لا تسألي الآن.""لا يمكنك معرفة الحقيقة.""الأمر أخطر مما تتخيلين.""تعبت من ذلك."خرجت الجملة من فمها بصوت منخفض.لكنها كانت أثقل من أي صرخة."تعبت من أن أكون آخر شخص يعرف الحقيقة عن حياتي."صمت سليم.تابعت:"كل شخص يظهر
لم يكن الانفجار هو أكثر ما أرعب ليال.بل تلك الخطوات.كانت بطيئة... ثابتة... واثقة.لا تشبه خطوات رجل يطارد فريسة، بل خطوات شخص يعلم أن الفريسة لن تجد مخرجًا مهما ركضت.ارتجف الضوء المعلق في سقف الغرفة، وانطفأ لثانية، ثم عاد يومض بصورة متقطعة، ناشرًا ظلالًا طويلة على الجدران المتشققة.أدار سليم رأسه نحو الباب.لمعت عيناه للحظة، وكأنهما تحسبان كل احتمال.ثم أغلق الجدار السري بسرعة، وأشار إلى ليال أن تبقى مكانها.همس بصوت خافت:"لا تتكلمي... مهما سمعتِ."نظرت إليه باستغراب."لكن—"رفع إصبعه أمام شفتيه."ثقي بي... هذه المرة فقط."لم تكن تريد أن تثق به.لكنها لم تجد خيارًا آخر.انحنت بجوار ياسين، وأسندت رأسه إلى كتفها.كان جسده يزداد سخونة، وأنفاسه غير منتظمة، وكأن معركة خفية تدور داخله.فتحت حقيبة الإسعافات التي وجدتها في الغرفة، وأخرجت قطعة قماش مبللة وضعتها على جبينه.فتح عينيه بصعوبة.كانت عيناه حمراوين، لكنهما كانتا تدوران في الغرفة وكأنه لا يتعرف إلى المكان.همس بصوت متعب:"ليال..."ابتسمت رغم خوفها."أنا هنا."نظر إليها طويلًا.ثم قال شيئًا جعل الدم يتجمد في عروقها."لا تدعيهم... ي
لم يعرف أحدٌ كيف مرّت الدقائق التالية.ظل الصمت يخيّم على الغرفة الصغيرة، حتى بدا وكأنه كائن حي يراقبهم من زواياها الضيقة. لم يكن هناك سوى صوت أنفاس ياسين المتقطعة، وقطرات المطر التي بدأت ترتطم بزجاج النافذة في إيقاع بطيء، كأن السماء نفسها تشاركهم ذلك الثقل الذي استقر فوق المكان.كانت ليال لا تزال ممسكة بمسدسها.ذراعها تؤلمها من شدة التوتر، لكنها لم تخفض السلاح.وقفت في مواجهة الرجل الغريب، بينما كانت كل خلية في جسدها تصرخ ألا تثق بأحد.منذ أيام فقط كانت تعيش حياة عادية، تذهب إلى جامعتها، تخطط لمستقبلها، وتحلم بالسفر إلى باريس لاستكمال دراستها.أما الآن...فها هي في باريس بالفعل.لكنها وصلت إليها مطاردة، تحمل سلاحًا، وتخشى كل وجه جديد يقابلها.راقبها سليم بصمت.لم يحاول الاقتراب.ولم يحاول حتى الدفاع عن نفسه.قال بهدوء:"لو أردتِ قتلك... لفعلت ذلك منذ أن دخلت هذه الغرفة."لم تجبه.بقيت عيناها مثبتتين عليه.ثم قالت بصوت منخفض، لكنه حاد:"هذه ليست إجابة."ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم تنهد."أعرف."أعاد يديه إلى جانبيه ببطء، ثم نظر إلى النافذة."الخوف يجعلك ترين الجميع أعداء."رفعت حاجبها."ل
لم تستطع ليال أن تصرخ.في اللحظة التي أطبقت فيها اليد على فمها، شعرت أن قلبها توقف عن النبض.كانت يدًا قوية... لكنها لم تكن مرتجفة، ولم تكن تضغط بعنف. كانت ثابتة، وكأن صاحبها اعتاد أن يسيطر على المواقف دون أن يترك أثرًا.انعكس ضوء خافت عبر شقوق الخزانة، فرأت ظله فقط.ثم جاءها صوت منخفض، بالكاد يُسمع."لا تتحركي..."توقفت عن المقاومة."...إن أردتِ أن يبقى حيًا."اتسعت عيناها.هل يقصد ياسين؟أم يقصدها هي؟في الخارج...صدر صوت احتكاك معدني، ثم انفتح باب الغرفة ببطء شديد.دخل أول رجل.ثم الثاني.ثم الثالث.لم يتبادلوا كلمة واحدة.كانوا يتحركون بانضباط مرعب، كأنهم آلة واحدة مقسمة إلى ثلاثة أجساد.توقف أحدهم أمام السرير.نظر إلى الملاءة الفارغة.قال بصوت بارد:"اختفى."أجابه الآخر وهو يرفع جهازًا صغيرًا يشبه الماسح الضوئي."لا..."مرر الجهاز فوق الأرض.فوق الجدران.فوق السرير.ثم توقفت الشاشة عند نقطة مضيئة.ابتسم ابتسامة قصيرة."ما زال داخل الغرفة."شعرت ليال بأن الدم تجمد في عروقها.أغمضت عينيها.ليس الآن...أرجوك...ليس الآن...اقتربت الخطوات.خطوة...ثم أخرى...ثم ثالثة.كل ثانية كانت ت
ظل صوت الإنذار يتردد في أرجاء المنشأة كنبضٍ معدني متواصل، يضرب الجدران الخرسانية ويعود منها أقوى، حتى بدا وكأنه جزء من الهواء نفسه.أضواء حمراء خافتة أخذت تدور فوق السقف، فتغرق الغرفة بين لحظة وأخرى في ظلال متحركة جعلت الوجوه تبدو غريبة ومشوهة.لكن ليال لم تعد تسمع شيئًا.لم تعد تسمع الإنذار.ولا ص
بقيت ليال تحدق في الملف الأسود لعدة ثوانٍ طويلة.لم يكن مجرد ملف.كان يبدو وكأنه قطعة من ماضٍ دفن عمدًا تحت طبقات لا تنتهي من الأسرار.استقرت عيناها على الغلاف الداكن، وشعرت بثقل غريب يجثم فوق صدرها.منذ ساعات فقط كانت تعتقد أنها تعرف من تكون.تعرف من كانت والدتها.وتعرف الحقيقة التي عاشت حياتها كل
سقطت الصورة من بين أصابع ليال.لم تسمع صوت ارتطامها بالأرض.ولم ترَ حتى كيف استقرت فوق البلاط البارد.كل ما كانت تراه هو ذلك الوجه.ذلك الوجه الذي ظل يطاردها في أحلامها منذ طفولتها.وجه المرأة التي قيل لها إنها ماتت.وجه والدتها.بقيت عيناها معلقتين بالصورة وكأن الزمن توقف فجأة.اختفت الأصوات من حو
لم يكن صمتًا عاديًا، بل ذلك النوع من الصمت الذي يضغط على الصدر ويجعل التنفس أصعب. شعرت ليال وكأن الجدران تقترب ببطء من بعضها، وكأن الهواء نفسه أصبح أثقل من أن يُستنشق.كانت تسمع نبضات قلبها بوضوح.نبضة.ثم أخرى.ثم ثالثة.سريعة، متوترة، تكاد تصرخ داخل أذنيها.رفعت بصرها ببطء نحو الوجوه المحيطة بها.