Share

في ردهات الموت :

last update publish date: 2026-06-02 05:08:35

انزلق الباب الإلكتروني ببطء خلفي، مطلقاً صفيراً خافتاً بدا كأنه آخر تحذير قبل السقوط في الهاوية. خرجت إلى الممر وأنا أضغط على جرح كتفي بيدي المرتجفة. كان الهواء بارداً بصورة مؤلمة، يتسلل عبر ملابسي الممزقة ويغرس أنيابه في الجروح المنتشرة على جسدي.

ارتجفت قدماي للحظة.

الأرضية البيضاء اللامعة انعكست عليها أضواء المصابيح الفلورية الشاحبة، بينما كان طنين الكهرباء يملأ الصمت الثقيل. شعرت بدوار مفاجئ جعل الجدران تبدو وكأنها تميل حولي.

لا... ليس الآن.

عضضت على شفتي بقوة حتى تذوقت طعم الدم، وأجبرت نفسي على التقدم.

في نهاية الممر كانت أصوات الصراخ تتسرب من مكتب المدير. تعرفت فوراً على صوت الدكتور منير، يختلط بصوت والدي الغاضب. لم أستطع تمييز الكلمات، لكن النبرة وحدها كانت كافية لتخبرني أن شيئاً خرج عن السيطرة.

أحكمت قبضتي على بطاقة الدخول التي سرقتها من جيب الدكتور منير.

الغرفة رقم 4.

ياسين هناك.

كل ثانية تأخير قد تكون الأخيرة.

سرت بمحاذاة الجدار، أحاول ألا أترك آثار الدماء خلفي. كانت أنفاسي قصيرة ومتقطعة، بينما ينبض الألم في كتفي وبطني مع كل خطوة.

وفجأة...

وصل إلى سمعي وقع أقدام.

أقدام ثقيلة ومنظمة.

تجمدت في مكاني.

اقترب الصوت أكثر.

ثم أكثر.

أدرت رأسي بسرعة، فوجدت باب غرفة تخزين جانبية يبعد خطوات قليلة فقط.

اندفعت نحوه.

مررت البطاقة على القارئ.

ضوء أخضر.

انفتح الباب.

قفزت إلى الداخل وأغلقته خلفي قبل جزء من الثانية من وصول أصحاب الخطوات.

غرقت الغرفة في شبه ظلام.

كانت ضيقة ومكتظة بالملفات والصناديق المعدنية.

رائحة الورق القديم والمطهرات الطبية امتزجت في الهواء حتى كادت تخنقني.

وضعت يدي على فمي محاوِلة كتم أنفاسي.

ثم مر الرجلان.

رأيتهما من خلال شق ضيق بين الباب وإطاره.

بدلتان سوداوان متطابقتان.

خطوات متناسقة بشكل مرعب.

وجهان جامدان بلا تعبير.

وعلى صدريهما شعار لم أره من قبل.

ثلاثة مثلثات متشابكة تكوّن شكلاً يشبه عيناً مفتوحة.

شعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

"يجب نقل العينة أ والعينة ب إلى الطائرة قبل الفجر."

قال الأول بصوت بارد.

"الدكتور منير فقد السيطرة على الوضع."

رد الثاني.

"البروتوكول يقضي بالاستلام المباشر."

العينة أ.

العينة ب.

ابتلعت ريقي بصعوبة.

لم يقولوا ليال.

لم يقولوا ياسين.

لم يقولوا طفلين.

بالنسبة لهم كنا مجرد عينات.

مجرد أرقام داخل ملف.

استمر الرجلان في السير حتى اختفت أصواتهما تدريجياً.

عندها فقط سمحت لنفسي بالتنفس.

خرجت من مخبئي والغضب يغلي في داخلي.

لن أسمح لهم بأخذنا.

لن أكون عينة لأحد.

وصلت أخيراً إلى الغرفة رقم 4.

توقفت أمام الباب للحظة.

خوف غريب اجتاحني.

ماذا لو وصلت متأخرة؟

ماذا لو فقدته بالفعل؟

ارتجفت يدي وأنا أمرر البطاقة.

انفتح الباب.

وتحطم شيء بداخلي.

كان ياسين مستلقياً فوق السرير.

أجهزة المراقبة تحيط به من كل جانب.

أنابيب وأسلاك تخرج من جسده الصغير.

وجهه شاحب بصورة مخيفة.

كأنه تمثال من الشمع.

اقتربت ببطء.

للحظة اختفت الأجهزة من حولي.

رأيت فقط الطفل الذي كان يركض خلفي في الحديقة عندما كنا صغاراً.

الطفل الذي كنت أظنه سبب كل مشاكلي.

الطفل الذي اكتشفت متأخرة أنه ضحية مثلي تماماً.

شعرت بحرقة في عيني.

كيف استطعت أن أكرهه؟

كيف صدقت أكاذيبهم كل تلك السنوات؟

مددت يدي ولمست خده البارد.

"ياسين..."

همست.

"استيقظ... أرجوك."

تحركت جفونه ببطء.

ثم فتح عينيه بصعوبة.

"ليال؟"

خرج صوته ضعيفاً كأنه قادم من مكان بعيد.

"أنا هنا."

ابتسم ابتسامة صغيرة متعبة.

"هل انتهت التجربة؟"

توقفت أنفاسي.

"أي تجربة؟"

سعل عدة مرات قبل أن يجيب.

"سمعتهم..."

ساد الصمت للحظة.

"سمعت بابا والدكتور منير."

شعرت بقلبي يهبط إلى معدتي.

"ماذا سمعت؟"

أغمض عينيه ثم فتحهما.

"كانوا يقولون إنني نسخة تجريبية ناجحة..."

تجمد الدم في عروقي.

"...وأنك أنت المفتاح."

المفتاح.

الكلمة نفسها التي وجدتها في ملفات جدي.

الكلمة نفسها التي تكررت في كل الأسرار.

شعرت بدوار جديد.

لكن الوقت لم يكن يسمح بالانهيار.

احتضنته بقوة.

"اسمعني جيداً."

قلت وأنا أقاوم دموعي.

"لن يلمسك أحد بعد الآن."

بينما كنت أفصل الأنابيب، لاحظت شيئاً جعل معدتي تنقبض.

السائل المتدفق إلى وريده.

ذلك اللمعان الفسفوري الغريب.

نفس المادة.

نفس السم.

أغلقت المحبس بسرعة.

ثم استبدلت الكيس بآخر عادي وجدته على العربة المجاورة.

لم أكن أعرف بالضبط ماذا يفعلون به.

لكنني كنت أعرف أن استمرار دخول تلك المادة إلى دمه لن يساعده.

وفجأة...

دوى إنذار حاد في أرجاء المشفى.

تحولت الأضواء إلى اللون الأحمر.

تبعها صوت إلكتروني بارد:

"تحذير. اختراق أمني."

اتسعت عيناي.

لقد اكتشفوا هروبي.

سمعت صرخات الحراس في الخارج.

"أغلقوا المخارج!"

"ابحثوا في الطابق بالكامل!"

سندت ياسين على كتفي.

وتحركنا.

بدأت المطاردة.

كنا نترنح في الممرات الحمراء المغمورة بضوء الطوارئ.

أنفاسي تحترق.

جروحي تنزف من جديد.

أما ياسين فكان بالكاد يستطيع الوقوف.

وفي نهاية أحد الممرات ظهر باب معدني ثقيل.

دفعته بكل ما تبقى لدي من قوة.

انفتح.

دخلنا.

وأغلقته خلفنا.

ساد صمت غريب.

كان المكان بارداً بصورة غير طبيعية.

رائحة المواد الكيميائية تملأ الهواء.

رفوف زجاجية.

أجهزة تحليل.

ثلاجات مختبرية.

وطاولات معدنية.

مختبر فرعي.

اقتربت من الرفوف بسرعة.

كنت أبحث عن أي شيء قد يساعد ياسين.

أي شيء.

لكنني لم أكن أملك جواباً سحرياً.

لم أكن أعرف ماذا حقنوا في جسده طوال تلك السنوات.

كل ما كنت أملكه هو معرفتي بالكيمياء وبعض الأمل.

بدأت أفتش بين العبوات.

ثم سقطت إحداها من يدي.

تدحرجت أسفل المنضدة.

انحنيت لالتقاطها.

وهنا رأيتها.

حقيبة جلدية سوداء.

مخفية بعناية.

سحبتها نحوي.

نفخت طبقة الغبار التي تغطيها.

ثم فتحتها.

وتوقف العالم.

ملفات.

صور.

تقارير.

أقراص تخزين.

التقطت أول ملف.

على الغلاف كُتب:

"مشروع فينيكس."

وتحته:

"الحالة ب."

فتحت الصفحة الأولى.

صورة لياسين وهو في الثالثة من عمره.

الصفحة الثانية.

تحاليل دم.

الثالثة.

جداول حقن تمتد لسنوات.

الرابعة.

عبارة مكتوبة بالأحمر:

"الحالة التجريبية أظهرت استجابة أعلى من المتوقع."

شعرت بالغثيان.

لم يكتبوا اسمه.

لم يكتبوا طفلاً.

لم يكتبوا مريضاً.

كتبوا حالة تجريبية.

بدأت دموعي تنهمر بصمت.

سنوات كاملة.

سنوات وهم يراقبون السم ينمو داخله.

سنوات من الأكاذيب.

سنوات من التجارب.

جمعت الملفات والقرص الصلب بسرعة داخل حقيبتي.

هذه ليست أوراقاً فقط.

هذه أدلة.

أدلة قد تدمرهم جميعاً.

نظرت إلى ياسين.

كان ينهار من جديد.

اقتربت منه فوراً.

أمسكت بيده.

"اصمد."

همست.

"قليلاً فقط."

رفع عينيه نحوي.

بدا خائفاً.

ومتعباً.

وصغيراً جداً.

لكنه ما زال يقاوم.

ومثلما كنت أقاوم أنا.

في تلك اللحظة أدركت شيئاً واحداً.

لم يعد الأمر مجرد هروب.

لم يعد الأمر مجرد نجاة.

لقد أصبح حرباً.

حرباً ضد كل من حولنا.

وضد الحقيقة التي حاولوا دفنها لسنوات طويلة.

أمسكت حقيبتي.

وسندت ياسين.

ثم توجهنا نحو باب المختبر.

إلى المجهول.

لكن هذه المرة...

كنا نحمل الحقيقة معنا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • مختبر الجحيم    لحظة الانكسار :

    في جناحٍ معزول داخل أحد المراكز الطبية التابعة للمنظمة، كان الصمت يثقل المكان كأنه جدار غير مرئي يضغط على صدور من فيه.الإضاءة كانت خافتة، وباردة، وأجهزة المراقبة تصدر أصواتًا متقطعة تشبه أنفاسًا لا تريد أن تنتهي.كانت الأم جالسة إلى جوار سرير ابنها.وجهه شاحب، وملامحه منهكة، كأن الحياة نفسها تراجعت عنه خطوة خطوة.كانت تمسك بيده بقوة، وكأنها إن أفلتتها… سيفلت معها كل شيء.دخل طبيبان بهدوء، يتبادلان نظرات لا تخلو من القلق.قال أحدهما بصوت منخفض:"الحالة تتدهور بسرعة… لم يعد هناك استجابة حقيقية."رفعت الأم رأسها بسرعة."افعلوا شيئًا.""أي شيء."تبادل الأطباء نظرة قصيرة، ثم قال الآخر بحذر:"يمكننا تجربة محاليل إضافية… لكنها لن تعالجه.""ستُبقيه فقط في حالة صراع مستمر بين الحياة والموت."تجمدت ملامحها."يعني ماذا؟"أجاب الطبيب:"يعني أنه لن يعيش طبيعيًا… ولن يموت بسهولة أيضًا."ساد الصمت.ثم قالت الأم بصوت مرتجف لكنه حاد:"افعلوه.""لا يهم… فقط اجعلوه يبقى."تراجع الطبيب خطوة."هذا ليس علاجًا… إنه تأجيل للألم."ارتفع صوتها فجأة:"قلت افعلوه!"في تلك اللحظة، تحرك ابنها بصعوبة.فتح عينيه بب

  • مختبر الجحيم    الوجه الذي لم يكشف:

    كان الليل قد تمدد فوق الطريق الترابي كستارٍ أسود ثقيل، يبتلع ما تبقى من ضوء خلفهما.كل خطوة كانت تصدر صوتًا خافتًا على الأرض المبتلة، وكأن الطبيعة نفسها تحاول ألا تُحدث ضجيجًا.كانت ليال تسير خلف الرجل، لكنها لم تكن تسير معه حقًا.كانت تراقبه.كل حركة.كل التفاتة.كل صمت.لم يكن الخوف وحده ما يملأ صدرها… بل ذلك الإحساس المزعج بأنها لا تعرف من يقف أمامها.منذ لحظة خروجهما من المنشأة، لم يسألها سؤالًا واحدًا عن حالها.لم يطلب شكرًا.لم يظهر عليه ارتباك.وكأن كل شيء محسوب مسبقًا.توقفت فجأة."قف."توقف الرجل فورًا.لم يلتفت بسرعة، بل ببطء محسوب، وكأنه كان يتوقع هذه اللحظة منذ البداية.رفعت ليال المسدس.يدها ترتجف قليلًا، لكنها ثابتة بما يكفي لتوجهه نحو صدره."من أنت؟"الصمت سقط بينهما لثوانٍ طويلة.لم يبدُ عليه أي انزعاج.لا خوف.لا صدمة.فقط نظرة هادئة بشكل يثير القلق."قلت من أنت؟"اشتدت قبضتها على السلاح."لا تجعلني أكرر السؤال."تنهد بهدوء.ثم قال بصوت منخفض:"ضعي السلاح يا ليال.""لن يفيدك الآن."اتسعت عيناها."كيف تعرف اسمي؟"لم يجب مباشرة.بل نظر إليها نظرة طويلة، كأنه يحاول أن يخ

  • مختبر الجحيم    الهروب الاخير

    فتحت ليال عينيها ببطء.لم يكن الضوء عادياً… كان أبيض حادًا يضرب جفنيها كإبر صغيرة، يجعل الرؤية مشوشة ومؤلمة في الوقت نفسه.حاولت أن تتحرك، لكن جسدها لم يستجب فورًا، كأنها لا تملك السيطرة عليه بالكامل.شيء بارد كان يغرس في ذراعها.التفتت بصعوبة.محاليل شفافة تتدفق داخل عروقها عبر أنبوب طبي دقيق.تجمدت أنفاسها.هذه المحاليل…ليست غريبة عليها.هذه نفس التقنية… نفس الأسلوب… نفس المادة التي كانت تُستخدم مع ياسين.ارتجف صوتها وهي تهمس:"لا…"حاولت أن تسحب ذراعها بعنف، لكن الألم اخترقها، وجعلها تتراجع.كان المكان غرفة عمليات معقمة، جدرانها بيضاء باردة، وأجهزة مراقبة تصدر طنينًا منتظمًا يشبه عدّاد الوقت.كأن كل شيء هنا محسوب بدقة… حتى أنفاسها.فُتح الباب فجأة.دخل رجل يرتدي معطفًا طبيًا.وجهه هادئ أكثر من اللازم، وهذا ما أخافها.اقترب منها دون استعجال."لا تتحركي… ما يتم حقنك به سيعيد استقرارك فقط."ارتفعت عينا ليال بغضب."ابتعد عني!"حاولت أن تدفعه، لكن جسدها كان أضعف من أن يستجيب.مدّ يده بحقنة شفافة، وبدأ يملؤها بسائل داكن اللون."أرجوكِ… لن يؤلمك شيء."لكن نبرة صوته كانت تكذب كل كلمة.وفي

  • مختبر الجحيم    خيانة لم تُروَ :

    ساد الصمت داخل القاعة بعد كلمات الأم الأخيرة.لم يكن صمتًا عاديًا، بل كان ثقيلًا، كأنه جدار غير مرئي يضغط على صدر ليال ويمنع عنها الهواء.كانت واقفة في مكانها، تحدق في المرأة التي أمامها، وكأنها تراها لأول مرة في حياتها.لم تعد ترى “أمها”.بل ترى غريبة تمامًا.شخصًا صنع من الألم مشروعًا، ومن الخوف هدفًا، ومن البشر أرقامًا.ارتجفت شفتاها."أطفال… لا يحتاجهم أحد؟"تكرر الكلمات ببطء، وكأن عقلها يرفض تصديقها.لكن الأم لم تنظر إليها.كانت واقفة عند النافذة، تتأمل البحر وكأنه أكثر أمانًا من عيني ابنتها.اشتعل صوت ليال فجأة:"هل تسمعين نفسك؟"تقدمت خطوة."تسمين البشر… أدوات؟"رفعت الأم عينيها ببطء.ولأول مرة لم يكن في نظرتها دفء."كنتُ في مكان لا يسمح بالضعف."قالت بصوت منخفض."الوقت لم يكن في صالحي."ضحكت ليال ضحكة قصيرة، لكنها كانت مكسورة."ولا في صالحهم أيضًا، أليس كذلك؟"ساد الصمت.ثم قالت الأم:"عندما رفض والدك المشروع… ظننت أنه لا يفهم.""كان يرى العالم بشكل مثالي أكثر مما يجب.""يرى أن هناك حدودًا لا يجب تجاوزها."توقفت لحظة.ثم أكملت:"أما أنا… فكنت أرى ابني يموت أمامي."ارتجفت نبرته

  • مختبر الجحيم    الحقيقه التي لم تكتمل:

    تجمدت ليال في مكانها.لم تستطع أن تخطو خطوة واحدة إلى الأمام، ولم تملك القوة للتراجع.كانت المرأة تقف أمام النافذة الزجاجية العملاقة، وظهرها إليها، بينما امتد البحر اللامتناهي خلفها حتى تلاشى عند الأفق. كانت الأمواج ترتطم بصخور الجزيرة في هدوء غريب، هدوء بدا مصطنعًا، كأن الطبيعة نفسها تخفي تحت سكونها عاصفة لم تبدأ بعد.لم تكن ليال ترى سوى ذلك الظهر.ظهر امرأة بحثت عنها طوال عمرها.امرأة رسمت ملامحها في خيالها آلاف المرات، حتى أصبحت تتساءل أحيانًا إن كانت تتذكرها حقًا، أم أنها كانت تحب صورةً اخترعها عقل طفلة لم تستوعب يومًا معنى الفقد.ازدادت ضربات قلبها حتى شعرت أنها تسمعها داخل أذنيها.ارتجفت شفتاها.خرج صوتها خافتًا، بالكاد سمعته هي نفسها."أمي... أهذه أنتِ؟"توقف الزمن.لم تجب المرأة.بقيت للحظات تنظر إلى البحر، ثم أخذت نفسًا عميقًا واستدارت ببطء شديد.التقت عيناهما.وفي اللحظة نفسها شعرت ليال وكأنها تنظر إلى انعكاسها بعد عشرين عامًا.العينان ذاتهما.اللون نفسه.طريقة رفع الحاجبين عند الدهشة.حتى النظرة التي تحمل مزيجًا من القوة والحزن كانت متطابقة بصورة مؤلمة.للمرة الأولى فهمت لم

  • مختبر الجحيم    الجزيره:

    شعرت ليال وكأنها تغوص في بحرٍ بلا نهاية.كانت الأصوات بعيدة ومشوشة، تتداخل مع الظلام الذي يحيط بها من كل جانب.ثم بدأ كل شيء يعود ببطء.صوت أمواج.صوت رياح خفيفة.ورائحة ملح البحر.فتحت عينيها بصعوبة.كان الضوء الساطع يتسلل عبر نافذة زجاجية ضخمة تمتد من الأرض حتى السقف.رمشت عدة مرات محاولة استيعاب ما تراه.لم تكن داخل الطائرة.ولم تكن داخل غرفة المستشفى.بل داخل غرفة واسعة أشبه بجناح فاخر في فندق مطل على البحر.نهضت ببطء.فشعرت بألم خفيف في رأسها.وضعت يدها على عنقها.وتذكرت فجأة.الطائرة.الرجل الغامض.والظلام الذي ابتلعها.قفزت من السرير."ياسين!"لم يجبها أحد.بدأ قلبها يخفق بعنف.نظرت حولها بسرعة.الغرفة خالية.لا حراس.لا أقفال.لا كاميرات ظاهرة.وهذا ما أخافها أكثر.اقتربت من الباب بحذر.وضعت يدها على المقبض.ثم فتحته.انفتح بسهولة.تجمدت للحظة.ثم خرجت.كان الممر خارج الغرفة مختلفًا عن أي مكان رأته من قبل.جدران بيضاء ناصعة.أرضية زجاجية لامعة.وشاشات إلكترونية مثبتة على الجدران تعرض بيانات ورسومات معقدة.في نهاية الممر امتدت نوافذ ضخمة تكشف مشهدًا جعلها تتوقف.البحر.بحر أزرق

  • مختبر الجحيم    طريق بلا عودة:

    ظل صوت الإنذار يتردد في أرجاء المنشأة كنبضٍ معدني متواصل، يضرب الجدران الخرسانية ويعود منها أقوى، حتى بدا وكأنه جزء من الهواء نفسه.أضواء حمراء خافتة أخذت تدور فوق السقف، فتغرق الغرفة بين لحظة وأخرى في ظلال متحركة جعلت الوجوه تبدو غريبة ومشوهة.لكن ليال لم تعد تسمع شيئًا.لم تعد تسمع الإنذار.ولا ص

  • مختبر الجحيم    صفحات من الماضي:

    بقيت ليال تحدق في الملف الأسود لعدة ثوانٍ طويلة.لم يكن مجرد ملف.كان يبدو وكأنه قطعة من ماضٍ دفن عمدًا تحت طبقات لا تنتهي من الأسرار.استقرت عيناها على الغلاف الداكن، وشعرت بثقل غريب يجثم فوق صدرها.منذ ساعات فقط كانت تعتقد أنها تعرف من تكون.تعرف من كانت والدتها.وتعرف الحقيقة التي عاشت حياتها كل

  • مختبر الجحيم    الشبح الحي :

    سقطت الصورة من بين أصابع ليال.لم تسمع صوت ارتطامها بالأرض.ولم ترَ حتى كيف استقرت فوق البلاط البارد.كل ما كانت تراه هو ذلك الوجه.ذلك الوجه الذي ظل يطاردها في أحلامها منذ طفولتها.وجه المرأة التي قيل لها إنها ماتت.وجه والدتها.بقيت عيناها معلقتين بالصورة وكأن الزمن توقف فجأة.اختفت الأصوات من حو

  • مختبر الجحيم    القادم من الظلال :

    لم يكن صمتًا عاديًا، بل ذلك النوع من الصمت الذي يضغط على الصدر ويجعل التنفس أصعب. شعرت ليال وكأن الجدران تقترب ببطء من بعضها، وكأن الهواء نفسه أصبح أثقل من أن يُستنشق.كانت تسمع نبضات قلبها بوضوح.نبضة.ثم أخرى.ثم ثالثة.سريعة، متوترة، تكاد تصرخ داخل أذنيها.رفعت بصرها ببطء نحو الوجوه المحيطة بها.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status