ログインانزلق الباب الإلكتروني ببطء خلفي، مطلقاً صفيراً خافتاً بدا كأنه آخر تحذير قبل السقوط في الهاوية. خرجت إلى الممر وأنا أضغط على جرح كتفي بيدي المرتجفة. كان الهواء بارداً بصورة مؤلمة، يتسلل عبر ملابسي الممزقة ويغرس أنيابه في الجروح المنتشرة على جسدي.
ارتجفت قدماي للحظة. الأرضية البيضاء اللامعة انعكست عليها أضواء المصابيح الفلورية الشاحبة، بينما كان طنين الكهرباء يملأ الصمت الثقيل. شعرت بدوار مفاجئ جعل الجدران تبدو وكأنها تميل حولي. لا... ليس الآن. عضضت على شفتي بقوة حتى تذوقت طعم الدم، وأجبرت نفسي على التقدم. في نهاية الممر كانت أصوات الصراخ تتسرب من مكتب المدير. تعرفت فوراً على صوت الدكتور منير، يختلط بصوت والدي الغاضب. لم أستطع تمييز الكلمات، لكن النبرة وحدها كانت كافية لتخبرني أن شيئاً خرج عن السيطرة. أحكمت قبضتي على بطاقة الدخول التي سرقتها من جيب الدكتور منير. الغرفة رقم 4. ياسين هناك. كل ثانية تأخير قد تكون الأخيرة. سرت بمحاذاة الجدار، أحاول ألا أترك آثار الدماء خلفي. كانت أنفاسي قصيرة ومتقطعة، بينما ينبض الألم في كتفي وبطني مع كل خطوة. وفجأة... وصل إلى سمعي وقع أقدام. أقدام ثقيلة ومنظمة. تجمدت في مكاني. اقترب الصوت أكثر. ثم أكثر. أدرت رأسي بسرعة، فوجدت باب غرفة تخزين جانبية يبعد خطوات قليلة فقط. اندفعت نحوه. مررت البطاقة على القارئ. ضوء أخضر. انفتح الباب. قفزت إلى الداخل وأغلقته خلفي قبل جزء من الثانية من وصول أصحاب الخطوات. غرقت الغرفة في شبه ظلام. كانت ضيقة ومكتظة بالملفات والصناديق المعدنية. رائحة الورق القديم والمطهرات الطبية امتزجت في الهواء حتى كادت تخنقني. وضعت يدي على فمي محاوِلة كتم أنفاسي. ثم مر الرجلان. رأيتهما من خلال شق ضيق بين الباب وإطاره. بدلتان سوداوان متطابقتان. خطوات متناسقة بشكل مرعب. وجهان جامدان بلا تعبير. وعلى صدريهما شعار لم أره من قبل. ثلاثة مثلثات متشابكة تكوّن شكلاً يشبه عيناً مفتوحة. شعرت بقشعريرة تسري في جسدي. "يجب نقل العينة أ والعينة ب إلى الطائرة قبل الفجر." قال الأول بصوت بارد. "الدكتور منير فقد السيطرة على الوضع." رد الثاني. "البروتوكول يقضي بالاستلام المباشر." العينة أ. العينة ب. ابتلعت ريقي بصعوبة. لم يقولوا ليال. لم يقولوا ياسين. لم يقولوا طفلين. بالنسبة لهم كنا مجرد عينات. مجرد أرقام داخل ملف. استمر الرجلان في السير حتى اختفت أصواتهما تدريجياً. عندها فقط سمحت لنفسي بالتنفس. خرجت من مخبئي والغضب يغلي في داخلي. لن أسمح لهم بأخذنا. لن أكون عينة لأحد. وصلت أخيراً إلى الغرفة رقم 4. توقفت أمام الباب للحظة. خوف غريب اجتاحني. ماذا لو وصلت متأخرة؟ ماذا لو فقدته بالفعل؟ ارتجفت يدي وأنا أمرر البطاقة. انفتح الباب. وتحطم شيء بداخلي. كان ياسين مستلقياً فوق السرير. أجهزة المراقبة تحيط به من كل جانب. أنابيب وأسلاك تخرج من جسده الصغير. وجهه شاحب بصورة مخيفة. كأنه تمثال من الشمع. اقتربت ببطء. للحظة اختفت الأجهزة من حولي. رأيت فقط الطفل الذي كان يركض خلفي في الحديقة عندما كنا صغاراً. الطفل الذي كنت أظنه سبب كل مشاكلي. الطفل الذي اكتشفت متأخرة أنه ضحية مثلي تماماً. شعرت بحرقة في عيني. كيف استطعت أن أكرهه؟ كيف صدقت أكاذيبهم كل تلك السنوات؟ مددت يدي ولمست خده البارد. "ياسين..." همست. "استيقظ... أرجوك." تحركت جفونه ببطء. ثم فتح عينيه بصعوبة. "ليال؟" خرج صوته ضعيفاً كأنه قادم من مكان بعيد. "أنا هنا." ابتسم ابتسامة صغيرة متعبة. "هل انتهت التجربة؟" توقفت أنفاسي. "أي تجربة؟" سعل عدة مرات قبل أن يجيب. "سمعتهم..." ساد الصمت للحظة. "سمعت بابا والدكتور منير." شعرت بقلبي يهبط إلى معدتي. "ماذا سمعت؟" أغمض عينيه ثم فتحهما. "كانوا يقولون إنني نسخة تجريبية ناجحة..." تجمد الدم في عروقي. "...وأنك أنت المفتاح." المفتاح. الكلمة نفسها التي وجدتها في ملفات جدي. الكلمة نفسها التي تكررت في كل الأسرار. شعرت بدوار جديد. لكن الوقت لم يكن يسمح بالانهيار. احتضنته بقوة. "اسمعني جيداً." قلت وأنا أقاوم دموعي. "لن يلمسك أحد بعد الآن." بينما كنت أفصل الأنابيب، لاحظت شيئاً جعل معدتي تنقبض. السائل المتدفق إلى وريده. ذلك اللمعان الفسفوري الغريب. نفس المادة. نفس السم. أغلقت المحبس بسرعة. ثم استبدلت الكيس بآخر عادي وجدته على العربة المجاورة. لم أكن أعرف بالضبط ماذا يفعلون به. لكنني كنت أعرف أن استمرار دخول تلك المادة إلى دمه لن يساعده. وفجأة... دوى إنذار حاد في أرجاء المشفى. تحولت الأضواء إلى اللون الأحمر. تبعها صوت إلكتروني بارد: "تحذير. اختراق أمني." اتسعت عيناي. لقد اكتشفوا هروبي. سمعت صرخات الحراس في الخارج. "أغلقوا المخارج!" "ابحثوا في الطابق بالكامل!" سندت ياسين على كتفي. وتحركنا. بدأت المطاردة. كنا نترنح في الممرات الحمراء المغمورة بضوء الطوارئ. أنفاسي تحترق. جروحي تنزف من جديد. أما ياسين فكان بالكاد يستطيع الوقوف. وفي نهاية أحد الممرات ظهر باب معدني ثقيل. دفعته بكل ما تبقى لدي من قوة. انفتح. دخلنا. وأغلقته خلفنا. ساد صمت غريب. كان المكان بارداً بصورة غير طبيعية. رائحة المواد الكيميائية تملأ الهواء. رفوف زجاجية. أجهزة تحليل. ثلاجات مختبرية. وطاولات معدنية. مختبر فرعي. اقتربت من الرفوف بسرعة. كنت أبحث عن أي شيء قد يساعد ياسين. أي شيء. لكنني لم أكن أملك جواباً سحرياً. لم أكن أعرف ماذا حقنوا في جسده طوال تلك السنوات. كل ما كنت أملكه هو معرفتي بالكيمياء وبعض الأمل. بدأت أفتش بين العبوات. ثم سقطت إحداها من يدي. تدحرجت أسفل المنضدة. انحنيت لالتقاطها. وهنا رأيتها. حقيبة جلدية سوداء. مخفية بعناية. سحبتها نحوي. نفخت طبقة الغبار التي تغطيها. ثم فتحتها. وتوقف العالم. ملفات. صور. تقارير. أقراص تخزين. التقطت أول ملف. على الغلاف كُتب: "مشروع فينيكس." وتحته: "الحالة ب." فتحت الصفحة الأولى. صورة لياسين وهو في الثالثة من عمره. الصفحة الثانية. تحاليل دم. الثالثة. جداول حقن تمتد لسنوات. الرابعة. عبارة مكتوبة بالأحمر: "الحالة التجريبية أظهرت استجابة أعلى من المتوقع." شعرت بالغثيان. لم يكتبوا اسمه. لم يكتبوا طفلاً. لم يكتبوا مريضاً. كتبوا حالة تجريبية. بدأت دموعي تنهمر بصمت. سنوات كاملة. سنوات وهم يراقبون السم ينمو داخله. سنوات من الأكاذيب. سنوات من التجارب. جمعت الملفات والقرص الصلب بسرعة داخل حقيبتي. هذه ليست أوراقاً فقط. هذه أدلة. أدلة قد تدمرهم جميعاً. نظرت إلى ياسين. كان ينهار من جديد. اقتربت منه فوراً. أمسكت بيده. "اصمد." همست. "قليلاً فقط." رفع عينيه نحوي. بدا خائفاً. ومتعباً. وصغيراً جداً. لكنه ما زال يقاوم. ومثلما كنت أقاوم أنا. في تلك اللحظة أدركت شيئاً واحداً. لم يعد الأمر مجرد هروب. لم يعد الأمر مجرد نجاة. لقد أصبح حرباً. حرباً ضد كل من حولنا. وضد الحقيقة التي حاولوا دفنها لسنوات طويلة. أمسكت حقيبتي. وسندت ياسين. ثم توجهنا نحو باب المختبر. إلى المجهول. لكن هذه المرة... كنا نحمل الحقيقة معنا.لم يتحرك أحد.بقيت الصورة معلّقة على الشاشة، مضيئة وسط الظلام.والد ليال.واقفًا كما لم تره من قبل.حيًّا.وبجانبه ذلك الرجل الغريب، ممسكًا بالمفتاح رقم 17.حدّقت ليال في الصورة، وشعرت بأن شيئًا في داخلها يحاول استعادة ذكرى وجهٍ لم تره منذ سنوات.قالت بصوت خافت:— من هذا؟لم يجب أحد.التفتت إلى سليم.كان شاحبًا.وللمرة الأولى منذ عرفته، رأت الخوف واضحًا في عينيه.— سليم... من هذا الرجل؟ظل ينظر إلى الشاشة لثوانٍ، ثم قال بصوت منخفض:— لم يكن من المفترض أن يظهر هنا.اقترب آدم من الشاشة.— أنت تعرفه؟رفع سليم عينيه إليه.— أعرفه... وأعرف أنك يفترض أن تعرفه أكثر مني.ساد الصمت.ابتلع آدم ريقه.— رأيته مرة واحدة فقط.— كاذب.جاء صوت الأم من خلفهم.استدار الجميع.كانت تقف عند مدخل المختبر، والملف القديم لا يزال مفتوحًا في يد ليال.قالت الأم:— لقد رآه أكثر من مرة.تجمّد آدم.— ليس من حقك أن تتحدثي.ابتسمت ابتسامة خالية من الفرح.— ولا يحق لك أن تتظاهر بأنك لم تكن جزءًا من البداية.نظرت ليال إلى الصورة مرة أخرى.— قلتِ إن أبي هو من بدأ المشروع.هزّت أمها رأسها ببطء.— قلت لك ما لم تكوني مستع
كانت الطائرة قد هبطت منذ أقل من ساعة.لكن ليال شعرت وكأنها عادت إلى زمن آخر.زمن لم تكن تتذكره بالكامل...أو ربما كانت تتذكره، لكنها ظلت تخاف من الاعتراف به.جلست داخل السيارة، تنظر من النافذة إلى الطريق الممتد أمامها.الهواء مختلف.الضوضاء مختلفة.حتى رائحة الشوارع بدت مألوفة بطريقة مؤلمة.قال آدم من المقعد الأمامي:"الإحداثيات تقود إلى قرية قريبة من مكان إقامتك القديمة."سألته ليال:"هل كنت تعرف هذا المكان؟"صمت.فقالت:"آدم."أجاب دون أن يلتفت:"كنت أعرفه من خلال والدك.""هل زرتَه من قبل؟""مرة واحدة.""متى؟""قبل الحريق."التفتت إليه بسرعة."ولماذا كنت هناك؟"نظر إلى سليم عبر المرآة."لأن والدك طلب مني أن أذهب."تدخل سليم:"لم يكن ذلك وقتًا مناسبًا للحديث."قالت ليال بحدة:"كل مرة تقولان فيها ذلك، أكتشف أن هناك شيئًا أخطر مما أخفيتماه."لم يرد أحد.كانت السيارة تسير في طريق ضيق تحيط به الأشجار والمنازل القديمة.ثم ظهرت أمامهم بوابة حديدية.توقفت السيارة.رفعت ليال رأسها.شعرت بصدمة مفاجئة.البوابة...كانت تعرفها.لم تتذكر من أين.لكن جسدها تذكر قبل عقلها.قال ياسين بصوت ضعيف:"هنا
لم تنطق ليال. كانت تحدق في الخريطة. المكان الذي عاشت فيه طفولتها. المكان الذي ظنت أنها تعرفه جيدًا. لكن الآن... لم تعد تثق حتى في ذكرياتها. قالت بصوت خافت: "أمي هناك." أجاب سليم: "على الأرجح." "ولماذا؟" نظر إلى الإحداثيات. "لأنها تعرف ما يوجد هناك." تدخل آدم: "وأنا أعرف شيئًا آخر." التفتت إليه. "ماذا؟" قال: "المكان الذي حددته الخريطة ليس بيتك." صمت قليلًا. "إنه مكان أقدم." سألت ليال: "أقدم من المشروع؟" هز رأسه. "أقدم من المنظمة نفسها." شعرت ليال بأن الأمر أصبح أكبر مما تخيلت. "إذن لماذا كان أبي يأخذني إلى هناك؟" توقف آدم. نظر إلى سليم. لكن سليم لم يتكلم. صرخت ليال: "ماذا تعرفان؟!" أجاب سليم أخيرًا: "والدك لم يأخذكِ إلى هناك." "ماذا؟" "أمك هي التي أخذتك." تجمدت. بدأت صورة قديمة تظهر في ذاكرتها. طريق طويل... سيارة سوداء... يد أمها وهي تمسك بيدها... وباب حديدي كبير. كانت تظن أنها زيارة عادية. لكنها الآن بدأت تتذكر. سألت: "كان هناك مبنى." قال سليم: "نعم." "وكنت أدخل إليه." "نعم." "لماذا؟"
لم تتحرك ليال.ظلت عيناها معلقتين بالباب.خطوات واحدة...هادئة.ثابتة.تقترب.قال سليم بصوت منخفض:"مهما حدث... لا تفتحي الباب."نظرت إليه ليال."أنت قلت إننا سنعرف من كان يطارد من.""نعم.""إذن دعه يدخل."رفع سليم عينيه إليها."ليال، أنتِ لا تعرفين آدم."أجابته بحدة:"وأنت تعرفه؟"لم يرد.فجأة...توقفت الخطوات أمام الباب.ثانية واحدة من الصمت.ثم ثلاث طرقات.طرق...طرق...طرق.جاء صوت من الخارج:"ليال."تجمدت.كان صوته.آدم.اقترب ياسين من ليال وهمس:"لا تفتحي."التفتت إليه."لماذا؟"نظر إلى الباب بخوف."لأنني أتذكره."توقف كل شيء داخلها."ماذا تتذكر؟"رفع ياسين يده إلى رأسه."المختبر..."ثم أغمض عينيه."أبي كان يصرخ."سألته ليال:"والدك؟""والدك أنتِ."نظر إلى سليم."كان يصرخ عليه."تغير وجه سليم.ثم قال:"ياسين..."لكن ياسين أكمل:"وكان آدم هناك."ساد الصمت.من خلف الباب، قال آدم:"أعرف أنكم تسمعونني."ثم أضاف:"وأعرف أن سليم أخبركم أشياء كثيرة."نظر سليم إلى ليال."لا تستمعي إليه."لكن آدم تابع:"لكنه لم يخبركِ عن الليلة الأخيرة."شعرت ليال بأن قلبها توقف.الليلة الأخيرة.ليلة اخت
لم تتحرك ليال.بقيت واقفة أمام سليم، تحدق في عينيه، بينما كانت كلمات ياسين الأخيرة تتردد في رأسها."رأيته مع أبي."لم يكن الأمر مجرد ذكرى عابرة.كان ياسين يعرفه.وسليم كان يعرف والدها.لكن السؤال الذي لم تستطع ليال تجاهله كان أبسط من كل ذلك:لماذا أخفى عنها الحقيقة؟قالت بصوت منخفض:"أريد أن أعرف ماذا حدث في ذلك اليوم."لم يجب سليم.اقتربت خطوة."اليوم الذي رأيت فيه أبي."صمت."ماذا حدث؟"رفع سليم عينيه إليها.بدا وكأنه اتخذ قرارًا لم يكن يريد اتخاذه.قال:"والدك لم يختفِ."تجمدت ليال."ماذا؟""كان حيًا عندما غادر المختبر."شعرت بأن أنفاسها توقفت."أنت متأكد؟"أومأ."كنت معه.""إلى أين ذهب؟"خفض سليم رأسه."إلى المكان الذي أخفى فيه الملف."اشتدت ملامح ليال."أي ملف؟"لم يجب.صرخت:"أي ملف يا سليم؟!"التفت ياسين إليهما بقلق.لكن سليم ظل هادئًا."الملف الأصلي.""الذي يحتوي على كل شيء.""أسماء المشاركين.""نتائج التجارب.""والأشخاص الذين موّلوا المشروع."صمت لحظة.ثم أضاف:"والدك لم يكن يحاول إنقاذ نفسه.""كان يحاول إسقاط المنظمة بالكامل."شعرت ليال بقشعريرة."ولماذا لم يفعل؟"نظر إليها.
لم تستطع ليال أن تتحرك.كان الرجل يقف أمامها.لم يعد وجهه مجرد صورة قديمة في ذاكرتها.ولم يعد صوتًا خرج من تسجيل مجهول.كان هنا.أمامها.حيًا.حقيقيًا.والدها.سقط الملف من يدها، وارتطم بالأرض بصوت خافت.لكنها لم تسمعه.كل ما كانت تسمعه هو دقات قلبها.اقترب الرجل خطوة."ليال..."تراجعت إلى الخلف.رفعت المسدس نحوه.ارتجفت يدها."لا تقترب."توقف.لم يحاول الدفاع عن نفسه.لم يطلب منها أن تخفض السلاح.فقط نظر إليها.وكان في عينيه شيء جعلها أكثر ارتباكًا.الحزن.قال بصوت منخفض:"كنت أعرف أن هذه اللحظة ستأتي."ضحكت ليال بمرارة."كنت تعرف؟""كنت تعرف أنني سأبحث عنك؟"أومأ."نعم.""وكنت تعرف أنني سأكبر وأنا أعتقد أنك ميت؟"خفض رأسه."نعم."اشتعل الغضب في عينيها."إذن لماذا؟"لم يجب.اقتربت خطوة."لماذا تركتني؟"ظل صامتًا."لماذا تركت أمي تفعل كل ما فعلته؟"ارتجفت نبرتها."لماذا تركتني أعيش سنوات وأنا لا أعرف حتى من أنا؟"رفع عينيه إليها.وقال:"لأن بقائي بجانبك كان سيقتلك."تجمدت."ماذا؟""لو عرفوا أنك ابنتي..."توقف لحظة."لكنتِ أصبحتِ هدفهم منذ اليوم الأول."قالت:"لكني كنت هدفهم بالفعل."أ
كانت دقات قلب ليال تصم أذنيها. حملت ياسين بكل ما تبقى لديها من قوة، بينما كانت أصوات الرجال تقترب من المنزل من كل جانب. دوّت صرخات متداخلة، وأصوات أقدام ثقيلة، وتعليمات حادة تصدر عبر أجهزة الاتصال. نظرت حولها بعينين مذعورتين تبحثان عن أي منفذ للنجاة. نافذة؟ مستحيل. الباب الخلفي؟ لقد وصلوا إلي
كان أول ما شعرت به ليال هو الألم.ليس ألم الجروح هذه المرة فقط، بل ذلك النوع الثقيل الذي يأتي بعد فقدان الوعي، كأن جسدها كله يرفض العودة للحياة دفعة واحدة. فتحت ليال عينيها ببطء.الضوء كان خافتًا.السقف خشبي.الصمت ثقيل بشكل غريب.حاولت أن تتحرك، لكن جسدها كان مثقلًا وكأنها خرجت من معركة طويلة لا ت
أغلقت ليال باب المختبر خلفها بقوة حتى ارتجت مفاصله المعدنية، ثم استندت إليه لثوانٍ قصيرة تحاول التقاط أنفاسها. كان صدرها يعلو ويهبط بعنف، بينما امتزجت رائحة المواد الكيميائية العالقة بملابسها برائحة الدم التي لم تفارقها منذ ساعات.في يدها اليمنى كانت تقبض على حقيبة مشروع فينيكس كأنها كنز انتزعته من
توقفت أنفاسي تماماً خلف ذلك الباب، كأن الهواء نفسه تجمد داخل رئتي. الرواق الطويل بدا فجأة أكثر ضيقاً، وأكثر برودة، حتى الأضواء البيضاء المعلقة في السقف صارت ترتجف أمام عينيّ كأنها على وشك الانطفاء. كنت أضع يدي المرتعشة فوق فمي محاوِلة كتم أنفاسي، لكن تلك التنهيدة الصغيرة التي أفلتت مني دون إرادة كا