LOGINمرت الساعات وثقلت الدقائق كأنها جبال جاثمة فوق صدري المرتجف. كان الظلام قد لفّ غرفتي بالكامل، محولاً إياها إلى زنزانة انفرادية موحشة، إلا من خيط ضوء نحيل يتسلل من تحت الباب الموصد كأنه ثعبان أبيض يراقب تحركاتي. ومع ذلك الضوء، كانت تتسلل أصواتهم.. أصوات الأفاعي التي تخطط لذبح فريستها وهي حية، غير مبالية بصرخات روحي المكتومة.
كنتُ مستلقية على الأرض الباردة، أشعر ببرودة البلاط تمتص ما تبقى من حرارة في جسدي الهزيل. لم أعد أملك الطاقة حتى للصعود إلى سريري المتهالك؛ فجسدي الذي نُهك في تنظيف المحلات المجاورة طوال النهار، انهار تماماً تحت وطأة الصدمة. لم يكن ألم كدمات وجهي هو ما يؤلمني الآن، بل كان ألم الخيانة الذي ينهش قلبي من الداخل. كيف يمكن لرجل أن يحمل اسم "أب" ويوافق بدم بارد على انتزاع قطعة من كياني، من مخي، ليمنحها لآخر؟ هل صار دمي رخيصاً إلى هذا الحد في نظره؟ هل الكيمياء التي عشقتها، تلك العلوم التي كانت نافذتي الوحيدة للأمل، ستكون هي نفسها الأداة التي سيستخدمونها لتدمير وعيي وتحويلي إلى مجرد جسد بلا ذاكرة؟ سحبتُ نفسي ببطء شديد، مستندة إلى جدار الغرفة المقشر، وشعرت بصدى صوت "سمية" يأتي من الصالة؛ كان صوتها حاداً ومستفزاً، يقطر سماً: — "عثمان، اتصلتُ بالدكتور 'منير'. أخبرني أن المختبر الخاص التابع للمنظمة جاهز تماماً، والعملية يجب أن تتم سرّاً وبعيداً عن الأعين.. لا نريد فضائح أو أسئلة من المستشفى الحكومي، أنت تعرف أن هذه الإجراءات غير قانونية." سمعتُ صوت والدي، كان أجشاً ومتردداً لثانية واحدة فقط، ثانية خلتُ فيها أن بقايا إنسانيته ستنتفض، لكنه حسم أمره ببرود قتل كل أمل فيّ: — "وهل ستكون بخير؟ أعني.. ليال؟ هل ستستطيع ممارسة حياتها بعد استئصال هذا الجزء؟" ردت سمية بنبرة جمدت الدماء في عروقي، نبرة خالية من أي ذرة شفقة: — "ستكون حية، وهذا يكفينا. ربما تنسى بعض الأشياء التافهة، ربما تصبح أقل تمرداً وعناداً.. أليس هذا ما كنت تريده دائماً يا عثمان؟ ابنة مطيعة لا تسأل عن السفر ولا تعاندنا بكتبها اللعينة؟ ستعيش لخدمتنا، وهذا هو العدل." ضحكت ضحكة قصيرة مكتومة، ثم ساد صمت موحش. شعرتُ برعشة قوية تضرب أطرافي، وكأنني أرى نهايتي تُكتب أمامي بخطوط عريضة. الوقت يمر، ولم يعد لدي الكثير من الساعات قبل أن أفقد نفسي وهويتي للأبد. نظرتُ حولي في الغرفة كالمجنونة، أبحث عن أي ثغرة، أي مخرج. النافذة؟ كانت مغطاة بقضبان حديدية صدئة وضعها والدي منذ سنوات بحجة حمايتي من اللصوص، لكنني أدرك الآن بمرارة أنها كانت قضبان سجن استباقي وُضع لي خصيصاً. الباب؟ خشب زان متين لا يمكن لجسدي النحيل كسره مهما حاولت. في لحظة يأس مطلقة، ركلتُ حقيبة كتفي القديمة الملقاة في الزاوية المظلمة، فانزلق منها شيء صغير معدني لم ألحظه من قبل وسط فوضى أوراقي. كان "قرصاً صلباً" (Flash Drive) صغيراً، مغطى بطبقة كثيفة من الأتربة. تذكرتُه فجأة! هذا القرص وجدته مخبأً ببراعة داخل غلاف كتاب قديم ونادر للكيمياء العضوية، كان قد أهداه لي جدي قبل وفاته بأسابيع قليلة، وكان قد ضغط على يدي بقوة وهو يوصيني بصوت واهن: "يا ليال، الحقيقة لا تموت، هي فقط تتخفى وتنتظر من يمتلك الشجاعة للبحث عنها.. العلم هو السلاح الوحيد الذي لن يخونكِ أبداً." كان لدي لابتوب قديم، شاشته مهشمة وتكاد لا تعمل، وبطاريته تحتضر ولا تصمد لأكثر من دقائق معدودة. وضعته على حجري بيدي المرتجفة وقلبي يخفق بعنف كطبل حرب. أوصلت القرص، وانتظرتُ تلك الثواني التي بدت كأنها دهر من الانتظار القاتل. انفتح الملف الأول؛ كانت هناك جداول بيانية معقدة، معادلات جينية تتحدث عن "تعديل البروتينات في القشرة المخية"، وتقارير طبية مكتوبة بلغة علمية بحتة وصارمة، لم أفهم منها في البداية سوى القليل، لكن كلمات "مشروع فينيكس" كانت تتكرر في كل صفحة. ثم ظهرت صورة.. تجمدت أنفاسي في صدري. كانت صورة فوتوغرافية رقمية لوالدي "عثمان". لكنه لم يكن عثمان الذي أعرفه، ذاك الرجل المحطم الذي تفوح منه رائحة اليأس؛ كان أصغر سناً بكثير، ملامحه حادة وجادة كشفرة حلاقة، يرتدي معطفاً أبيض (بالطو) ناصع البياض، ويقف داخل مختبر متطور جداً مليء بالأجهزة التي لم أرها إلا في الأفلام الوثائقية. كانت خلفه لوحة كبيرة مليئة بمعادلات كيميائية تخص "النانو-تكنولوجي". لم يكن هناك فيديو، ولا صوت، ولا تفسير مكتوب.. فقط صورة لوالدي كعالم كيمياء مرموق في منظمة مجهولة، وأبحاث غامضة لا أفهم كنهها الحقيقي. توقفت أنفاسي تماماً. والدي عالم؟ لماذا كان يخفي هذا الأمر طوال هذه السنوات؟ ولماذا يدعي الجهل ويكره الكيمياء الآن بهذا القدر الجنوني؟ هل تلك الأبحاث هي السبب في رغبته في تمزيق جسدي اليوم؟ هل ياسين مجرد ضحية أخرى لهذه التجارب التي بدأها والدي نفسه؟ فجأة، سمعتُ صوت مفتاح يدور في قفل الباب بصرير معدني مزعج. أغلقُت اللابتوب بسرعة البرق ودفعته تحت السرير، ثم ارتميتُ على الأرض وتظاهرتُ بالنوم العميق، بينما كان قلبي يقرع طبولاً كادت أن تُسمع في أرجاء المنزل. دخلت سمية، كانت تحمل صينية طعام تفوح منها رائحة نفاذة غريبة، رائحة لم تشبه طعامنا المعتاد أبداً. وضعتها بجانبي بخشونة وقالت بنبرة ناعمة مرعبة، وهي تتأمل وجهي المدمى: — "كلي يا ليال، لا نريد لجسدكِ أن ينهار الآن. نحتاجكِ قوية ومستقرة من أجل 'العملية'. ياسين، أخوكِ الذي طالما صرختِ في وجهه، ينتظر تضحيتكِ بفارغ الصبر ليعود للحياة." نظرتُ إليها مباشرة في عينيها، ولأول مرة في حياتي، لم أرَ فيها عدواً شخصياً فقط، بل رأيتُ جزءاً من لغز كيميائي ضخم بدأ يتضح أمامي. ابتلعتُ ريقي وقلتُ بصوت ثابت، حاولتُ بكل ما أوتيت من قوة أن أخفي رعشته: — "سأفعل ما تريدون.. سأخضع للعملية وأعطي ياسين ما يريد، ولكن بشرط واحد لا تراجع عنه." توقفت سمية عند الباب، مذهولة من هدوئي المفاجئ وغير المتوقع: — "شرط؟ وأنتِ في هذا الموقف الضعيف؟ وما هو هذا الشرط يا عالمة الكيمياء الصغيرة؟" — "أريد أن أرى أخي ياسين غداً صباحاً.. وحدنا تماماً في غرفته. أريد أن أودعه بطريقتي الخاصة، وأن أهيئ نفسي نفسياً قبل أن يتم انتزاع جزء من روحي ومن مخي لزرعه فيه." نظرت إليّ بشك وريبة، قلبت عينيها يميناً ويساراً، لكن جشعها لإنقاذ ابنها المدلل غلب حذرها الفطري. — "حسناً، سأقنع عثمان بهذا الهراء. لكن لا تحاولي القيام بأي حماقة، فالحراس سيحيطون بالبيت من الخارج، ولن تستطيعي عبور عتبة الغرفة دون إذننا." خرجت وأغلقت الباب بمفتاحين هذه المرة. لم ألمس الطعام؛ فأنا كيميائية وأعرف تماماً أن تلك الرائحة النفاذة ليست إلا مخدراً قوياً يهدف لجعلي أنام لساعات طويلة دون تفكير أو حركة. زحفتُ نحو اللابتوب مرة أخرى، فتحته وأنا أتأمل صورة والدي بالمعطف الأبيض. لم يكن لدي وقت للبكاء أو للبحث في دهاليز الماضي الآن؛ فالموت يطرق بابي. فتحتُ ملفاً مشفراً آخر، كان مليئاً بالمعادلات الكيميائية المعقدة عن تفاعلات الأحماض المركزة مع المواد العضوية. بدأتُ أحفظ إحدى تلك المعادلات عن ظهر قلب، معادلة لمحفز كيميائي سريع الاشتعال، يمكن صنعه من مواد بسيطة موجودة في أي خزانة تنظيف. تذكرتُ وصية جدي الأخيرة: "العلم هو سلاحكِ الوحيد يا ابنتي في عالم لا يرحم الضعفاء". غداً، لقائي بياسين لن يكون للوداع أو للدموع، بل سيكون البداية لخطة هروب انتحارية لم تخطر ببال أحد. سأستخدم الكيمياء التي أرادوا حرماني منها لأصنع تذكرتي إلى الحرية، وسأكشف كل الأسرار التي حاول والدي دفنها في تلك الملفات، حتى لو كان الثمن هو إحراق "مختبر الجحيم" بمن فيه.لم يتحرك أحد.بقيت الصورة معلّقة على الشاشة، مضيئة وسط الظلام.والد ليال.واقفًا كما لم تره من قبل.حيًّا.وبجانبه ذلك الرجل الغريب، ممسكًا بالمفتاح رقم 17.حدّقت ليال في الصورة، وشعرت بأن شيئًا في داخلها يحاول استعادة ذكرى وجهٍ لم تره منذ سنوات.قالت بصوت خافت:— من هذا؟لم يجب أحد.التفتت إلى سليم.كان شاحبًا.وللمرة الأولى منذ عرفته، رأت الخوف واضحًا في عينيه.— سليم... من هذا الرجل؟ظل ينظر إلى الشاشة لثوانٍ، ثم قال بصوت منخفض:— لم يكن من المفترض أن يظهر هنا.اقترب آدم من الشاشة.— أنت تعرفه؟رفع سليم عينيه إليه.— أعرفه... وأعرف أنك يفترض أن تعرفه أكثر مني.ساد الصمت.ابتلع آدم ريقه.— رأيته مرة واحدة فقط.— كاذب.جاء صوت الأم من خلفهم.استدار الجميع.كانت تقف عند مدخل المختبر، والملف القديم لا يزال مفتوحًا في يد ليال.قالت الأم:— لقد رآه أكثر من مرة.تجمّد آدم.— ليس من حقك أن تتحدثي.ابتسمت ابتسامة خالية من الفرح.— ولا يحق لك أن تتظاهر بأنك لم تكن جزءًا من البداية.نظرت ليال إلى الصورة مرة أخرى.— قلتِ إن أبي هو من بدأ المشروع.هزّت أمها رأسها ببطء.— قلت لك ما لم تكوني مستع
كانت الطائرة قد هبطت منذ أقل من ساعة.لكن ليال شعرت وكأنها عادت إلى زمن آخر.زمن لم تكن تتذكره بالكامل...أو ربما كانت تتذكره، لكنها ظلت تخاف من الاعتراف به.جلست داخل السيارة، تنظر من النافذة إلى الطريق الممتد أمامها.الهواء مختلف.الضوضاء مختلفة.حتى رائحة الشوارع بدت مألوفة بطريقة مؤلمة.قال آدم من المقعد الأمامي:"الإحداثيات تقود إلى قرية قريبة من مكان إقامتك القديمة."سألته ليال:"هل كنت تعرف هذا المكان؟"صمت.فقالت:"آدم."أجاب دون أن يلتفت:"كنت أعرفه من خلال والدك.""هل زرتَه من قبل؟""مرة واحدة.""متى؟""قبل الحريق."التفتت إليه بسرعة."ولماذا كنت هناك؟"نظر إلى سليم عبر المرآة."لأن والدك طلب مني أن أذهب."تدخل سليم:"لم يكن ذلك وقتًا مناسبًا للحديث."قالت ليال بحدة:"كل مرة تقولان فيها ذلك، أكتشف أن هناك شيئًا أخطر مما أخفيتماه."لم يرد أحد.كانت السيارة تسير في طريق ضيق تحيط به الأشجار والمنازل القديمة.ثم ظهرت أمامهم بوابة حديدية.توقفت السيارة.رفعت ليال رأسها.شعرت بصدمة مفاجئة.البوابة...كانت تعرفها.لم تتذكر من أين.لكن جسدها تذكر قبل عقلها.قال ياسين بصوت ضعيف:"هنا
لم تنطق ليال. كانت تحدق في الخريطة. المكان الذي عاشت فيه طفولتها. المكان الذي ظنت أنها تعرفه جيدًا. لكن الآن... لم تعد تثق حتى في ذكرياتها. قالت بصوت خافت: "أمي هناك." أجاب سليم: "على الأرجح." "ولماذا؟" نظر إلى الإحداثيات. "لأنها تعرف ما يوجد هناك." تدخل آدم: "وأنا أعرف شيئًا آخر." التفتت إليه. "ماذا؟" قال: "المكان الذي حددته الخريطة ليس بيتك." صمت قليلًا. "إنه مكان أقدم." سألت ليال: "أقدم من المشروع؟" هز رأسه. "أقدم من المنظمة نفسها." شعرت ليال بأن الأمر أصبح أكبر مما تخيلت. "إذن لماذا كان أبي يأخذني إلى هناك؟" توقف آدم. نظر إلى سليم. لكن سليم لم يتكلم. صرخت ليال: "ماذا تعرفان؟!" أجاب سليم أخيرًا: "والدك لم يأخذكِ إلى هناك." "ماذا؟" "أمك هي التي أخذتك." تجمدت. بدأت صورة قديمة تظهر في ذاكرتها. طريق طويل... سيارة سوداء... يد أمها وهي تمسك بيدها... وباب حديدي كبير. كانت تظن أنها زيارة عادية. لكنها الآن بدأت تتذكر. سألت: "كان هناك مبنى." قال سليم: "نعم." "وكنت أدخل إليه." "نعم." "لماذا؟"
لم تتحرك ليال.ظلت عيناها معلقتين بالباب.خطوات واحدة...هادئة.ثابتة.تقترب.قال سليم بصوت منخفض:"مهما حدث... لا تفتحي الباب."نظرت إليه ليال."أنت قلت إننا سنعرف من كان يطارد من.""نعم.""إذن دعه يدخل."رفع سليم عينيه إليها."ليال، أنتِ لا تعرفين آدم."أجابته بحدة:"وأنت تعرفه؟"لم يرد.فجأة...توقفت الخطوات أمام الباب.ثانية واحدة من الصمت.ثم ثلاث طرقات.طرق...طرق...طرق.جاء صوت من الخارج:"ليال."تجمدت.كان صوته.آدم.اقترب ياسين من ليال وهمس:"لا تفتحي."التفتت إليه."لماذا؟"نظر إلى الباب بخوف."لأنني أتذكره."توقف كل شيء داخلها."ماذا تتذكر؟"رفع ياسين يده إلى رأسه."المختبر..."ثم أغمض عينيه."أبي كان يصرخ."سألته ليال:"والدك؟""والدك أنتِ."نظر إلى سليم."كان يصرخ عليه."تغير وجه سليم.ثم قال:"ياسين..."لكن ياسين أكمل:"وكان آدم هناك."ساد الصمت.من خلف الباب، قال آدم:"أعرف أنكم تسمعونني."ثم أضاف:"وأعرف أن سليم أخبركم أشياء كثيرة."نظر سليم إلى ليال."لا تستمعي إليه."لكن آدم تابع:"لكنه لم يخبركِ عن الليلة الأخيرة."شعرت ليال بأن قلبها توقف.الليلة الأخيرة.ليلة اخت
لم تتحرك ليال.بقيت واقفة أمام سليم، تحدق في عينيه، بينما كانت كلمات ياسين الأخيرة تتردد في رأسها."رأيته مع أبي."لم يكن الأمر مجرد ذكرى عابرة.كان ياسين يعرفه.وسليم كان يعرف والدها.لكن السؤال الذي لم تستطع ليال تجاهله كان أبسط من كل ذلك:لماذا أخفى عنها الحقيقة؟قالت بصوت منخفض:"أريد أن أعرف ماذا حدث في ذلك اليوم."لم يجب سليم.اقتربت خطوة."اليوم الذي رأيت فيه أبي."صمت."ماذا حدث؟"رفع سليم عينيه إليها.بدا وكأنه اتخذ قرارًا لم يكن يريد اتخاذه.قال:"والدك لم يختفِ."تجمدت ليال."ماذا؟""كان حيًا عندما غادر المختبر."شعرت بأن أنفاسها توقفت."أنت متأكد؟"أومأ."كنت معه.""إلى أين ذهب؟"خفض سليم رأسه."إلى المكان الذي أخفى فيه الملف."اشتدت ملامح ليال."أي ملف؟"لم يجب.صرخت:"أي ملف يا سليم؟!"التفت ياسين إليهما بقلق.لكن سليم ظل هادئًا."الملف الأصلي.""الذي يحتوي على كل شيء.""أسماء المشاركين.""نتائج التجارب.""والأشخاص الذين موّلوا المشروع."صمت لحظة.ثم أضاف:"والدك لم يكن يحاول إنقاذ نفسه.""كان يحاول إسقاط المنظمة بالكامل."شعرت ليال بقشعريرة."ولماذا لم يفعل؟"نظر إليها.
لم تستطع ليال أن تتحرك.كان الرجل يقف أمامها.لم يعد وجهه مجرد صورة قديمة في ذاكرتها.ولم يعد صوتًا خرج من تسجيل مجهول.كان هنا.أمامها.حيًا.حقيقيًا.والدها.سقط الملف من يدها، وارتطم بالأرض بصوت خافت.لكنها لم تسمعه.كل ما كانت تسمعه هو دقات قلبها.اقترب الرجل خطوة."ليال..."تراجعت إلى الخلف.رفعت المسدس نحوه.ارتجفت يدها."لا تقترب."توقف.لم يحاول الدفاع عن نفسه.لم يطلب منها أن تخفض السلاح.فقط نظر إليها.وكان في عينيه شيء جعلها أكثر ارتباكًا.الحزن.قال بصوت منخفض:"كنت أعرف أن هذه اللحظة ستأتي."ضحكت ليال بمرارة."كنت تعرف؟""كنت تعرف أنني سأبحث عنك؟"أومأ."نعم.""وكنت تعرف أنني سأكبر وأنا أعتقد أنك ميت؟"خفض رأسه."نعم."اشتعل الغضب في عينيها."إذن لماذا؟"لم يجب.اقتربت خطوة."لماذا تركتني؟"ظل صامتًا."لماذا تركت أمي تفعل كل ما فعلته؟"ارتجفت نبرتها."لماذا تركتني أعيش سنوات وأنا لا أعرف حتى من أنا؟"رفع عينيه إليها.وقال:"لأن بقائي بجانبك كان سيقتلك."تجمدت."ماذا؟""لو عرفوا أنك ابنتي..."توقف لحظة."لكنتِ أصبحتِ هدفهم منذ اليوم الأول."قالت:"لكني كنت هدفهم بالفعل."أ
توقفت أنفاسي تماماً خلف ذلك الباب، كأن الهواء نفسه تجمد داخل رئتي. الرواق الطويل بدا فجأة أكثر ضيقاً، وأكثر برودة، حتى الأضواء البيضاء المعلقة في السقف صارت ترتجف أمام عينيّ كأنها على وشك الانطفاء. كنت أضع يدي المرتعشة فوق فمي محاوِلة كتم أنفاسي، لكن تلك التنهيدة الصغيرة التي أفلتت مني دون إرادة كا
لم تكن السيارة السوداء تشق طريقها نحو مختبر سري تحت الأرض كما تخيلت طوال الرحلة، بل توقفت أمام مشفى خاص ضخم تحيط به أسوار معدنية عالية وكاميرات مراقبة تتحرك ببطء فوق البوابات. بدا المكان هادئًا بشكل مرعب، هدوء لا يشبه المستشفيات الطبيعية، بل يشبه الأماكن التي تُخفى فيها الأسرار خلف الجدران البيضاء
مرت ليلة قاسية، لم يكن الوجع الجسدي المبرح هو ما سلبني القدرة على إغماض جفني، بل كانت تلك الأفكار التي تنهش رأسي كالمسامير الصدئة، تخترق وعيي وتعيد ترتيب مخاوفي في طوابير لا تنتهي. في الصباح، فُتح الباب بصرير مزعج كأنه أنين الروح، ودخلت "سمية" ببرودها المعهود وجبروتها الذي ترتديه كدرع لا يلين. أخبر
كانت الساعة المعلقة على حائط غرفتي الباردة تصدر دقاتٍ منتظمة ومستفزة، كأنها عد تنازلي لشيء مجهول ينتظرني خلف أبواب هذا المنزل الملعون. نظرتُ إلى بقع الرطوبة التي رسمت لوحاتٍ كئيبة على السقف، وشعرتُ ببرودة الغرفة تتسلل إلى عظامي رغم حرارة الصيف في الخارج. جلستُ على طرف سريري المتهالك، أصوات "السوست"