LOGINكان أول ما شعرت به ليال هو الألم.
ليس ألم الجروح هذه المرة فقط، بل ذلك النوع الثقيل الذي يأتي بعد فقدان الوعي، كأن جسدها كله يرفض العودة للحياة دفعة واحدة. فتحت ليال عينيها ببطء. الضوء كان خافتًا. السقف خشبي. الصمت ثقيل بشكل غريب. حاولت أن تتحرك، لكن جسدها كان مثقلًا وكأنها خرجت من معركة طويلة لا تتذكر تفاصيلها. تذكرت المطر. تذكرت السقوط. ثم السيارة السوداء. فجأة اعتدلت بفزع، لكن الألم اخترق جسدها فورًا، فأطلقت تأوهًا خافتًا وأعادت ظهرها إلى السرير. التفتت حولها بسرعة. لا أحد. الغرفة فارغة تقريبًا. فقط سرير، وطاولة صغيرة، ونافذة مغلقة بإحكام. "ياسين؟" صوتها خرج ضعيفًا ومختنقًا. لا رد. نهضت رغم الدوخة، وسارت بخطوات متعثرة خارج الغرفة. البيت كان قديمًا… ريفيًا… معزولًا عن أي مدينة. خشب يئن مع كل خطوة. وصمت يجعلها تشعر أنها ليست في أمان. وصلت إلى غرفة أخرى. وفجأة توقفت. حقيبة مشروع فينيكس. رأتها على الطاولة. اقتربت بسرعة. فتحتها بلهفة. فارغة. تجمدت. "أين الأوراق؟" فتشت داخلها بعنف. قلبت الحقيبة رأسًا على عقب. لا شيء. "لا… لا…" بدأ صوتها يرتفع. أين الملفات؟!" صرخت وهي تضرب الطاولة. ارتجف جسدها. الشيء الوحيد الذي خاطروا بحياتهم لأجله… اختفي؟" هل كنتي تبحثين عن هذه؟ صوت هادئ جاء من خلفها. "من أنت؟" سؤالها خرج حادًا رغم ضعفها. نظر إليها للحظة طويلة. ثم قال: "اسمي مالك." توقفت. الاسم لم يكن مألوفًا. لكن في نبرته شيء جعلها تشعر أنه يكذب بسهولة. كان هو. الرجل الذي أنقذهم. مالك. واقف عند الباب، يحمل كوبًا في يده، وملامحه هادئة بشكل مريب. "أين الملفات؟" قالتها بعصبية واضحة. ابتسم ابتسامة خفيفة. "ليست موجودة هنا." اقترب خطوة. شعرت بشيء بارد في صدرها. "أنت أخدتهم؟" "أنا أنقذتكم." قالها ببساطة. "من غيري كنتوا ميتين دلوقتي." نظرت حولها بسرعة. "وأين ياسين؟" رفع رأسه بهدوء. "بخير." ثم أشار ناحية غرفة جانبية. اندفعت بسرعة. فتحت الباب. وجدته. كان ياسين مستلقيًا على سرير صغير، وجهه أكثر هدوءًا، يتنفس ببطء. لكن شيئًا في المشهد لم يطمئنها. كان هناك أنبوب صغير موصل بجانبه. جهاز بسيط يراقب نبضه. رجعت خطوة للخلف. "ماذا وضعت له؟" صوتها كان حادًا. رفع مالك الكوب الذي في يده. "لأ شئ مجرد محلول" ثم وضع الكوب على الطاولة. "وأنتي كذالك تحتاجين الي راحه" نظرت إليه بعصبيه وماذا يوجد بهذا "حليب دافئ." قالها بهدوء. لكن رائحته وصلت إليها فورًا. شيء غريب. معدني تقريبًا. تراجعت خطوة صغير." "لست جائعه " ابتسم. تناوليه فقط سوف تتحسنين اقترب من الطاولة. "إحنا دلوقتي في أمان، ومفيش داعي للتوتر." لكن عقلها كان يرفض الهدوء. لاحظت تفصيلة صغيرة. يده ليست ثابتة بالكامل. كوب آخر موضوع على الطاولة. نسخة مطابقة تقريبًا. فجأة فهمت. بدأت تتكلم بسرعة، محاولة تشتيته. "إنت بقالك قد إيه هنا؟" "قبل ما توصلوا." "عارف ليه المنظمة بتدور علينا؟" "جزء كبير." "مالك… إنت شغال مع مين بالظبط؟" توقف للحظة. وهنا فقط أخذ رشفة صغيرة من كوبه. لحظة واحدة فقط كانت كافية. انشغل بنفسه. نظرت إلى الكوب الآخر. وبهدوء شديد، بدلت مكانهما دون أن يشعر. ثم رفعت الكوب الأول إلى شفتيها. "ممكن أشرب بس مية الأول؟" "اتفضلي." قالها وهو يراقبها. دخلت المطبخ. خرجت بعد ثوانٍ. وضعت الكوب على شفتيها. لكنها لم تشرب. كانت تشم فقط. رائحة قوية… مهدئة بشكل واضح. منوم. رجعت بسرعة إلى حالتها الطبيعية، وأخفت ارتباكها. ثم قالت بصوت منخفض: "أنا تعبانة شوية… ممكن أجلس ؟" "طبعًا." قالها بهدوء. جلست. ثم مالت برأسها ببطء. وأغمضت عينيها. سكون. "نمتِ بسرعة." قال مالك وهو يقترب. لم يتحرك منها رد. اقترب أكثر. "هذا جيد… كنتِ محتاجة ده." ثم أخرج هاتفه. "هنا الوحدة." قالها بصوت منخفض. "معايا العينات." توقف لحظة. "والملفات كمان." صمت. "أريد حقي." "ولو مدفعوش… هبلّغ عن كل حاجة." كان يتكلم وهو لا ينتبه. وفي تلك اللحظة… فتحت ليال عينًا واحدة ببطء شديد. سمعته. كل شيء. لم تكن نائمة. كانت تنتظر. بهدوء شديد، مدت يدها نحو الطاولة. وأخذت الزجاجة. ثم نهضت فجأة. وضربته بها على رأسه بكل قوتها. تحطم الزجاج. وسقط مالك أرضًا فاقد الوعي. الخط على الهاتف ما زال مفتوحًا. "الو؟! الو؟!" صوت الدكتور منير جاء من الطرف الآخر. "ماذا يحدث؟!" أغلقت ليال الهاتف فورًا. وقفت لثوانٍ تلتقط أنفاسها. ثم ركضت نحو ياسين. هزته بسرعة. "ياسين! استيقظ!" فتح عينيه ببطء. "ليال…" "انهض بسرعة!" بدأت أصوات سيارات تُسمع من الخارج. صوت محركات. كثير. توقفت. اقتربت من النافذة. ورأتهم. سيارات سوداء. تتوقف عند بداية الطريق. ثم باب واحد يُفتح. رجال. كثيرون. التفتت بسرعة إلى ياسين. رفعتُه بصعوبة على كتفها. "ليس هذا وقت نوم…" قالتها وهي تكاد تنهار. حملته. وتوجهت نحو الباب. لكن قبل أن تلمسه… سمعت طرقًا عنيفًا. ثم صوت كسر. "هم هنا!" اتسعت عيناها. والسيارات وصلت عند باب البيت من الخارج.كانت دقات قلب ليال تصم أذنيها. حملت ياسين بكل ما تبقى لديها من قوة، بينما كانت أصوات الرجال تقترب من المنزل من كل جانب. دوّت صرخات متداخلة، وأصوات أقدام ثقيلة، وتعليمات حادة تصدر عبر أجهزة الاتصال. نظرت حولها بعينين مذعورتين تبحثان عن أي منفذ للنجاة. نافذة؟ مستحيل. الباب الخلفي؟ لقد وصلوا إليه بالفعل. وفجأة وقعت عيناها على باب خشبي صغير خلف خزانة قديمة. تجمدت لثوانٍ. دفعت الخزانة بكل ما أوتيت من قوة، فانكشف الباب تدريجيًا. خلفه ظهر درج حجري يهبط إلى الأسفل. قبو. أسرعت تسند ياسين وتهبط به الدرجات، ثم أغلقت الباب فوقهما بحذر. غرق المكان في ظلام كثيف. جلست على الأرض الباردة تضم ياسين إلى صدرها، بينما كانت أصوات الاقتحام تعصف بالمنزل فوق رأسيهما. تحطم الباب الرئيسي. ثم انتشرت الأقدام في أرجاء البيت. «فتشوا كل شيء!» «لا تتركوا زاوية واحدة دون تفتيش!» حبست ليال أنفاسها. وشعرت بارتجاف جسد ياسين بين ذراعيها. همست قرب أذنه: «اهدأ... لن يجدونا.» لكنها لم تكن واثقة من كلماتها. مرت الدقائق ببطء قاتل. أصوات الأبواب تُفتح وتُغلق. الأثاث يُقلب. والرجال يفتشون كل شبر من الم
كان أول ما شعرت به ليال هو الألم.ليس ألم الجروح هذه المرة فقط، بل ذلك النوع الثقيل الذي يأتي بعد فقدان الوعي، كأن جسدها كله يرفض العودة للحياة دفعة واحدة. فتحت ليال عينيها ببطء.الضوء كان خافتًا.السقف خشبي.الصمت ثقيل بشكل غريب.حاولت أن تتحرك، لكن جسدها كان مثقلًا وكأنها خرجت من معركة طويلة لا تتذكر تفاصيلها.تذكرت المطر.تذكرت السقوط.ثم السيارة السوداء.فجأة اعتدلت بفزع، لكن الألم اخترق جسدها فورًا، فأطلقت تأوهًا خافتًا وأعادت ظهرها إلى السرير.التفتت حولها بسرعة.لا أحد.الغرفة فارغة تقريبًا.فقط سرير، وطاولة صغيرة، ونافذة مغلقة بإحكام."ياسين؟"صوتها خرج ضعيفًا ومختنقًا.لا رد.نهضت رغم الدوخة، وسارت بخطوات متعثرة خارج الغرفة.البيت كان قديمًا… ريفيًا… معزولًا عن أي مدينة.خشب يئن مع كل خطوة.وصمت يجعلها تشعر أنها ليست في أمان.وصلت إلى غرفة أخرى.وفجأة توقفت.حقيبة مشروع فينيكس.رأتها على الطاولة.اقتربت بسرعة.فتحتها بلهفة.فارغة.تجمدت."أين الأوراق؟"فتشت داخلها بعنف.قلبت الحقيبة رأسًا على عقب.لا شيء."لا… لا…"بدأ صوتها يرتفع.أين الملفات؟!"صرخت وهي تضرب الطاولة.ارتجف
أغلقت ليال باب المختبر خلفها بقوة حتى ارتجت مفاصله المعدنية، ثم استندت إليه لثوانٍ قصيرة تحاول التقاط أنفاسها. كان صدرها يعلو ويهبط بعنف، بينما امتزجت رائحة المواد الكيميائية العالقة بملابسها برائحة الدم التي لم تفارقها منذ ساعات.في يدها اليمنى كانت تقبض على حقيبة مشروع فينيكس كأنها كنز انتزعته من قلب الوحش نفسه.أما يدها الأخرى فكانت تسند ياسين.شعرت بضعفه يزداد مع كل خطوة.كان رأسه يتأرجح، ووجهه الشاحب يزداد بياضًا تحت أضواء الطوارئ الحمراء."ليال..."همس بصوت متعب.التفتت إليه فورًا."أنا هنا.""أشعر بالبرد."ضغطت على أسنانها.رغم أن جسدها كله كان يرتجف من الألم، خلعت سترتها الممزقة ووضعتها فوق كتفيه."تحمل قليلًا."قالتها وهي تحاول الابتسام."سنخرج."في تلك اللحظة دوى صوت الإنذار مجددًا في أنحاء المشفى.ثم تبعه صوت آلي بارد:"تحذير أمني. تحذير أمني. تم رصد اختراق داخلي."شعرت ليال بأن الوقت ينفد.في الطابق الإداري، كان الوضع أشبه بانفجار وشيك.وقف الدكتور منير أمام شاشة المراقبة، يتصبب عرقًا رغم برودة المكان."مستحيل..."همس وهو يشاهد آخر تسجيل.ظهرت ليال على الشاشة وهي تدخل غرفة
انزلق الباب الإلكتروني ببطء خلفي، مطلقاً صفيراً خافتاً بدا كأنه آخر تحذير قبل السقوط في الهاوية. خرجت إلى الممر وأنا أضغط على جرح كتفي بيدي المرتجفة. كان الهواء بارداً بصورة مؤلمة، يتسلل عبر ملابسي الممزقة ويغرس أنيابه في الجروح المنتشرة على جسدي. ارتجفت قدماي للحظة. الأرضية البيضاء اللامعة انعكست عليها أضواء المصابيح الفلورية الشاحبة، بينما كان طنين الكهرباء يملأ الصمت الثقيل. شعرت بدوار مفاجئ جعل الجدران تبدو وكأنها تميل حولي. لا... ليس الآن. عضضت على شفتي بقوة حتى تذوقت طعم الدم، وأجبرت نفسي على التقدم. في نهاية الممر كانت أصوات الصراخ تتسرب من مكتب المدير. تعرفت فوراً على صوت الدكتور منير، يختلط بصوت والدي الغاضب. لم أستطع تمييز الكلمات، لكن النبرة وحدها كانت كافية لتخبرني أن شيئاً خرج عن السيطرة. أحكمت قبضتي على بطاقة الدخول التي سرقتها من جيب الدكتور منير. الغرفة رقم 4. ياسين هناك. كل ثانية تأخير قد تكون الأخيرة. سرت بمحاذاة الجدار، أحاول ألا أترك آثار الدماء خلفي. كانت أنفاسي قصيرة ومتقطعة، بينما ينبض الألم في كتفي وبطني مع كل خطوة. وفجأة... وصل إلى سمعي وقع أقدام.
توقفت أنفاسي تماماً خلف ذلك الباب، كأن الهواء نفسه تجمد داخل رئتي. الرواق الطويل بدا فجأة أكثر ضيقاً، وأكثر برودة، حتى الأضواء البيضاء المعلقة في السقف صارت ترتجف أمام عينيّ كأنها على وشك الانطفاء. كنت أضع يدي المرتعشة فوق فمي محاوِلة كتم أنفاسي، لكن تلك التنهيدة الصغيرة التي أفلتت مني دون إرادة كانت كافية لتحطم كل شيء.ساد الصمت لثوانٍ قاتلة.ثم سمعت وقع خطوات والدي.خطوة… تليها أخرى… بطيئة وثقيلة، لكنها كانت تضرب قلبي بعنف كأن كل خطوة مسمار جديد يُدق داخل صدري. حاولت التراجع، لكن ظهري اصطدم بالحائط البارد، وجسدي المنهك لم يعد قادراً حتى على الهرب.توقف الصوت أمام الباب مباشرة.ثم انفتح ببطء.ظهر والدي أولاً، وجهه غارق في الظلال، لكن عينيه كانتا واضحتين بما يكفي لأرى داخلهما شيئاً لم أره من قبل… مزيجاً مرعباً من الذهول والغضب والخوف. خلفه وقفت سمية، متجهمة كعادتها، إلا أن نظراتها هذه المرة حملت حقداً مكشوفاً بلا أي محاولة لإخفائه.تجمدتُ في مكاني.كانت الضمادات حول ذراعي قد تشبعت بالدم مجدداً، والدوار يلتهم رأسي، لكن ذلك لم يكن شيئاً مقارنة بما يدور داخلي الآن. الحقيقة التي سمعتها قب
لم تكن السيارة السوداء تشق طريقها نحو مختبر سري تحت الأرض كما تخيلت طوال الرحلة، بل توقفت أمام مشفى خاص ضخم تحيط به أسوار معدنية عالية وكاميرات مراقبة تتحرك ببطء فوق البوابات. بدا المكان هادئًا بشكل مرعب، هدوء لا يشبه المستشفيات الطبيعية، بل يشبه الأماكن التي تُخفى فيها الأسرار خلف الجدران البيضاء اللامعة.انفتح باب السيارة بعنف، وقبل أن أستوعب ما يحدث، قبض والدي على ذراعي بقسوة وسحبني معه. شعرت بأصابعه تنغرس في جلدي كأنني مجرمة تحاول الهرب، لا ابنته التي تربت بين يديه. في الجهة الأخرى، كان الممرضون يهرعون نحو ياسين، يدفعون سريره بسرعة داخل المشفى بينما الأجهزة المتصلة بجسده تطلق أصواتًا حادة ومتقطعة.كان وجه ياسين شاحبًا بصورة مخيفة، شاحبًا لدرجة جعلته يبدو كجثة أكثر من كونه إنسانًا حيًا. صدره يرتفع وينخفض بصعوبة، وعيناه مغمضتان تمامًا، كأن جسده دخل حربًا لا يملك القوة ليستيقظ منها.داخل المدخل الرئيسي وقف رجل طويل يرتدي معطفًا أبيض ناصعًا. عرفته فورًا… الدكتور "منير". لم يكن في ملامحه أي شيء بشري؛ لا قلق، لا خوف، لا حتى تعاطف بسيط مع طفل يحتضر أمامه. كانت عيناه باردتين بطريقة جعلتني