Home / التشويق / الإثارة / مهره الصقر / الفصل الثاني: عناد المهره

Share

الفصل الثاني: عناد المهره

Author: راكين
last update publish date: 2026-08-11 21:16:21

سلم على عمه منصور وباس يده باحترام:

ـ "كيفَك يا عمي منصور.. حمد الله على سلامتكم، نَوَّرتوا السرايا وبلدكم."

منصور حضنه بفخر:

ـ "الله يسلمك يا فارس يا ابن أخويا.. بسم الله ما شاء الله، بقت هيبتك تسد عين الشمس."

وفارس سلم على عمه وعاطفياً على الجد والجدة.. وفي هذه اللحظة، دار بجسمه وضخامته ليتعرف على باقي القادمين.

عينان فارس التقتا مباشرة بعيني مهرة!

الزمن توقف لثوانٍ. الهواء بينهما اتجمد!

فارس نظر إليها.. رأى عيونها العسلية الواسعة، ثباتها الشديد، وعزمتها التي تتحدى الجميع، بدون أي رهبة من هيبته أو من جو الصعيد الجديد عليها.

أما مهرة.. فبدلاً من أن تنزل عينها أو ترتبك أمام هيبة "صقر الصعيد".. رفعت رأسها لأعلى وثبتت نظرتها في عينيه بجرأة صريحة.

أخذ فارس خطوة بطيئة للإمام، وقفت ضخامته أمامها بالظبط، ونطق بلهجته الصعيدية الحادة والعميقة التي هزت جنبات المكان:

ـ "مرحب بيكِ يا بنت عمي في أرض الهواري.. نَوَّرتي نجعِك وبيت جَدِّك."

مهرة شعرت بهيبة نبرته، لكنها حطت يدها في جيب جاكيتها، وابتسمت ابتسامة تحدٍ رقيقة، ونطقت بثبات:

ـ "أهلاً بيك يا ابن عمي.. النور نور أهله ونور جدو وتيتة."

فارس ضيق عينيه بذكاء، ولمس جرأتها ونبرتها الثابتة التي لم يجرؤ أحد من قبل على استخدامها أمامه. قرب منها خطوة صغيرة، ونطق بصوت خفيض بلهجة صعيدية حازمة وموجهة لها هي فقط:

ـ "هنه في السرايا يا بنت العم.. الحرمة والهيبة ليهم أصول، وعيون الصقر بتلافي كل كلمة وكل خطوة تتخطى هنه. يا رِيت تكوني خابرة زين إنتِ واجفة في ضيف مين."

مهرة ابتسمت ابتسامة تحدٍ حادة، وقربت هي الأخرى خطوة صغيرة بثبات، ونطقت بصوت واطي ومباشر:

ـ "وأنا خابرة زين أنا مين يا ابن عمي.. مهرة المنصور مش بتخاف من العيون الشديدة، واللي بيحترم حريتي وشخصيتي بياخد عيوني.. غير كده، مفيش حد يقدر يفرض عليا حاجة!"

فارس حواجبه اتعقدت، وعلى عكس المتوقع، ظهرت ابتسامة حادة وباردة جداً على شفتيه، وواطى رأسه قليلاً ونطق بثقة صعيدية مرعبة:

ـ "المُهْرَة الشديدة جُت هنه أرض الصقر.. ونشوفوا مين فينا اللي نَفَسَه أطوَل يا بنت العم.. السرايا دي واسعة، والأيام جادمة بيناتنا."

مهرة واجهت نظره بمنتهى القوة:

ـ "والأيام بيننا يا فارس!"

التفت فارس وأعطاها ظهره بكل كبرياء وهيبة ودخل السرايا، بينما مهرة فضلت واقفة مكانها، والجدة فاطمة مسكت يدها بحنان: "تعالي يا بنيتي ندخل جوة نستريح."

في ممر السرايا بالدور الثاني...

كانت الحاجة فاطمة ماشيّة جنب مهرة وأمها فتحية، ماسكة إيد مهرة بحنان وبتمسح عليها. السرايا من جوة كانت عبارة عن تحفة معماريّة؛ السقوف العالية، الثريات الكريستال الضخمة، واللوحات الزيتية العتيقة لأجداد عيلة الهواري.

قفت الجدة قدام باب خشب أبنوس ضخم ومحفور عليه بنقوش إسلامية، وفتحت الباب بابتسامة دافية:

ـ "دي أوضتِك يا جمر.. طلّة بحريّة على الجناين والمزرعة، وكُلّها متجهزة من الليل عشانك يا بنيتي."

الأوضة كانت واسعة جداً، فيها سرير خشبي عريض مفروش بأقمشة بيضاء ناصعة، وشباك أركيت كبير بيبص على الجناين الخضرا وسواقي المية.

فتحية ابتسمت برقي وقربت بست رأس الحاجة فاطمة:

ـ "تسلم إيديكي يا أمي.. الأوضة جميلة ومريحة جداً، كتر خيركم."

الجدة فاطمة ضحكت بدفء وصوت حنون:

ـ "عيب الكلام ده يا فتحية يا بنيتي.. إنتو أصحاب البيت وهنه مطرحكم. ارتاحوا شوية على ما الوَكْل يجهز، العشا النهاردة لازم يليج بيكوا وبرجوع منصور."

سابتهم الجدة ونزلت، ومهرة اترمت على السرير بتعب ونفخت زفير طويل.

فتحية قعدت جنبها على طرف السرير، وبصت لها بجدية ورفق:

ـ "مهرة.. أنا شفت نظراتك إنتِ وفارس برة. بلاش يا بنتي تبدأي بالندية والتحدي ده، فارس هو كبير العيلة بعد جدك وسليمان عمك، والناس هنا ماشية بأمره.. بلاش تحطي نفسك في مواجهة معاه."

مهرة قعدت بسرعة ورجعت شعرها الكستنائي لورا بغضب:

ـ "مامي! أنتِ شفتي أسلوبه وطريقة كلامه؟! طالع من على الحصان كأنه إمبراطور زمانه، وبيفهمني إن خطواتي بحساب في بيتي! هو فاكر نفسه مين علشان يديني تعليمات؟"

فتحية مسكت إيدها بهدوء:

ـ "هو متعود على الهيبة والسيطرة يا مهرة.. دي بيئته ودول ناسه. اتعاملي بذكاء ودبلوماسية، مش لازم كل حاجة تبقى صدام."

مهرة ابتسمت ابتسامة حادة وضيقت عيونها العسلية:

ـ "الدبلوماسية دي لما أكون بتعامل مع حد بيحترم حريتي يا مامي.. لكن اللي فاكر إنه يقدر يلجم مهرة المنصور، هيدوق طعم الخسارة لأول مرة في حياته."

في المضيفة (مجلس الرجالة)

المضيفة كانت مليانة برجالة النجع وكبار العائلات اللي جايين يباركوا لمنصور على رجوعه. البخور الصندل ماليك المكان، وقهوة الهيل الصعيدية بتلف على الحاضرين.

كان الجد عبد الرحيم قاعد في الصدارة، وجنبه ابنه منصور وسليمان، وفارس قاعد بثبات وهيبة، لابس جلبابه الكحلي ومستند على عصايته الخيزران.

أحد كبار النجع نطق وهو بيصب القهوة:

ـ "نَوَّرت بلدك يا حاج منصور.. بس البلد اتغيرت عن زمان، وعيلة الجعافرة بقت بتناوش في أطراف الأراضي الغربية."

سليمان ضرب بعصايته على الأرض بغضب:

ـ "الجعافرة فاكرين إننا كبرنا ولا العافية سابتنا! والله لو خطوا خطوة زيادة في أرض الهواري لأكون دافنهم فيها!"

فارس رفع إيده ببهدوء وهيبة حسمت النقاش في ثانية:

ـ "اهدى يا أبوي.. الجعافرة بيلعبوا ع المكشوف عشان يستفزونا، والرد عليهم مش بالصوت العالي.. الرد هيكون بالقطع. والأرض الغربية تسلمت حراستها للرجالة الصبح، ومفيش صرصار هيعدي من هناك."

منصور بص لابن أخوه بفخر شديد من حكمته وقوته، ونطق باحترام:

ـ "عافاك الله يا فارس يا ابن أخويا.. كفيت ووفيت."

فارس ابتسم لعمّه باحترام، بس عينيه البنية كانت سارحة في حاجة تانية خالص.. كان بيفكر في البنت اللي عيونها العسلية كانت بتشع تحدي وثبات، وما تهزتش قدام هيبته ولا سنتيمتر واحد.

في الجناين الخضراء (ساعة المغربية)

الشمس كانت بدأت تغرب، والجو في الصعيد بقى طراوة وجميل.

مهرة كانت حاسة بملل شديد في الأوضة، قررت تنزل تتمشى في الجناين اللي ورا السرايا. كانت لابسة فستان أبيض بسيط ولطيف، وشعرها المفرود بيهتز مع نسيم الهواء.

كانت ماشية بين شجر البرتقال والمانجو، بتتنفس الهواء النقي، وفجأة سمعت صوت خطوات خيل ثقيلة بتعدي من جنب السور الخشبي للجناين.

التفتت.. ولقيت فارس راكب حصانه الأسود الأدهم، وراجع بيه من أطراف المزرعة.

فارس أول ما شافها واقفة وسط الشجر، شد لجام الحصان ببراعة، والحصان صهل بصوت عالي ووقف في مكانه.

نزل فارس من على الحصان بهيبة، ومشي بخطوات هادية وثابتة لحد ما بقى يفصل بينهم مسافة صغيرة. الشال الأبيض كان ملفوف على رقبته، وعينيه الحادة كانت بتبص لها بتركيز شديد.

نطق فارس بلهجته الصعيدية الرنانة والعميقة:

ـ "الليل دخل يا بنت العم.. والجناين هنه في النجع مش أمان لطلة حريم بعد غروب الشمس."

مهرة صكّت على سنانها ورسمت ابتسامة سخرية حادة، وربعت إيديها:

ـ "مش أمان ليه يا ابن عمي؟ هو فيه ديابة في الجرين ولا السرايا مش متأمنة كويس؟"

فارس قرب خطوة، وصوته نزل لطبقة حادة ودافية في نفس الوقت:

ـ "السرايا متأمنة بالرجالة والسلاح.. بس الأصول هنه بتقول إن حريم الهواري متكونش برة الدار بعد المغرب. ودي مش نصيحة.. ده نظام البيت اللي مش بيتغير."

مهرة رفعت راسها لفوق، وعيونها العسلية لمعت بشرار التحدي، ونطقت بنبرة حادة وثابتة:

ـ "ونظام البيت ده يمشي على اللي عايش فيه طول عمره يا فارس بيه.. مش عليا. أنا اتعودت أتحرك وقت ما أحب وأخرج وقت ما أعوز.. ومفيش قانون هيحبسني."

فارس ضيق عينيه البنية بذكاء، وبص في عينيها مباشرة بنظرة مرعبة بثباتها، وقرب لحد ما بقت هيبته ومسافة أنفاسه مغطية عليها:

ـ "القانون هنه مش بالورق يا مهرة.. القانون ده هو كلمة فارس الهواري. والقاهرة باللي فيها وراكي، هنه إنتِ في أراضي الصقر.. ولما أقول الدار تتقفل.. يبقى الدار تتقفل!"

مهرة حست بقلبها يدق بسرعة غريبة من قربة وهيبته الشديدة، بس رفضت تظهر أي ضعف، وقربت خطوة صغيرة بثبات وصوت واطي:

ـ "وأنا مش هتنفس بإذنك يا فارس.. والأيام هتبينلك إن المَهرة دي مش بتتكسر!"

فارس ابتسم ابتسامة حادة وباردة جداً، وشاور بإيده ناحية باب السرايا الداخلي:

ـ "نشوفوا.. اتفضلي جُدامي على جوة يا بنت العم، العشا جاهز وجَدِك مستنينا.. وما تحبيش تخلي الحاج عبد الرحيم يستنى، ولا إيه؟"

مهرة بصت له بنظرة غيظ حارقة، ودبّت رجلها على الأرض الترابية ومشيت قدامه بغضب متداري، بينما فارس مشي وراها بثبات، وعينيه مش مفارقة خطوتها ولا شعرها اللي بيهتز في الهواء.. وهو بيتمتم في سره بابتسامة خفية:

على أطراف النجع (طريق المزارع)

كانت مهرة ماشية في الطريق الزراعي القريب من أطراف النجع، لابسـة دريس أسود محشم بس أنيق، شعرها البني الكستنائي متساب على كتفها، وماشية بتتنفس الهواء الصافي وتهرب من جدران السرايا والكلام اللي بيخنقها.

وفجأة.. الهدوء ده اتكسر بصوت عالي، صراخ، وضرب نار متقطع من بعيد!

مهرة وقفت مكانها، قلبها دق بسرعة. قربت بخطوات هادية ومستترة ورا شجر النخيل عشان تفهم فيه إيه. أول ما قربت من أرض "الحدّ" الفاصلة بين النجعين، عينها اتوسعت بصدمة!

عربيات نص نقل واقفة، ورجالة كتير شايلين سلاح وبيزعقوا. وفي النص.. شافت باباها منصور، وعمها سليمان، وفارس وإخواتها واقفين قدام كتيبة من رجالة عيلة الجعافرة!

الأصوات كانت عالية، والدم كان هيسيل بين العيلتين في أي لحظة بسبب النزاع على أرض الحد. مهرة أول ما ميزت وشوش أهلها وعرفت إن دي خناقة الموت بين عيلتها وأعدائهم.. محستش بنفسها، والخوف على باباها وإخواتها لغى أي تفكير في جسمها!

في قلب المعركة ⚡

كان واقف على رأس الجعافرة "أَيْهَم الجعفري".. الشاب اللي بتهتز له جبال الصعيد!

أَيْهَم (29 سنة).. قوة، ووسامة حادة، وكبرياء مالوش حدود. لابس جلباب صعيدي أسود وشال كحلي، عيونه سودا زي الليل الصافي، وملامحه حادة ومشتعلة بالشباب والقوة. أيهم مش مجرد كبير الجعافرة، ده أسطورة في الهيبة والسيطرة، ومحدش في الصعيد كله قدر يقف قدام كلمة منه!

أيهم كان واقف قدام فارس، عينيه بتشع شرار، ونطق بنبرة حادة وصوت رجولي قوي هز المكان:

ـ "أرض الحدّ دي حقتنا يا فارس! والنهارده حناخدوها بالذراع، وإذا كان عيلتك فاكرة إنها تقدر تتحدّى أَيْهَم الجعفري.. تبقوا بتحفروا قبركم بيدكم!"

فارس رفع سلاحه بمرونة وعينيه اتحولت لجمر:

ـ "الدم هو اللي حيفصل بيناتنا يا أَيْهَم! وأرض الهواري ما ياخدهاش جعفري طول ما فينا راجل بيتَنَفّس!"

الرجالة من الناحيتين عشّقوا السلاح.. والشرارة كانت خلاص هتحرق الكل!

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • مهره الصقر   الفصل الرابع عشر حق المهره

    انقطعت ألسنة الجميع وتجمّد الهواء في البهو بعد كلمة مروان الخائنة، وكان صمت المكان أشد هولاً من صوت الرصاص الخارجي! وفي لحظة لم يتوقعها أحد.. استقام الجد عبد الرحيم في وقفته كأن العمر ارتد به ثلاثين عاماً إلى الوراء! لم يتكلم، ولم يصرخ، بل مدّ يده بثبات عجيب نحو حزام منصوره الخفي، وسحب منه مسدساً أسود صغيراً، وبحركة خاطفة لم يدركها مروان وهو يبتسم بشر... "طَخخخخ!" دوت الطلقة في أرجاء السرايا، وسقط جدار الصمت! صرخ مروان صرخة مكتومة ويمسك بيده اليمنى التي ينزف منها الدم، وتراجع للخلف ينظر لجده بذهول ورعب لا يصدق! وقف الجد عبد الرحيم، ودخان المسدس يتصاعد من فوهته، وعيناه تفيضان بهيبة وجبروت صلب، ونطق بصوت هادئ للغاية، لكنه كان ينزل كالحديد على رؤوس الجميع: ـ "اللي يبيع ابن عمه ويشهد مع الغريب على حرمة بيته وعرضه.. ما يترفعش عليه سلاح فرسان، ولا يتقال له يا راجل! ده ياخد عياره في الإيد اللي اتمدت بالخيانة، وتقعدوه جوة كيف الحريم، وتجيبوا له الحكيم يربط جرحه.. وده العقاب اللي يستاهله ولد الهوارة لما ينسى أصله!" أشار الجد بعكازه للرجالة، فانطلق اثنان من كبار حراس السرايا، وسحبوا مروا

  • مهره الصقر   الفصل الثالث عشر : طعنه الغدر

    عدت أيام على فاجعة المستشفى، ومرت ليلة ورا ليلة وسرايا الهواري عايشة في سكون مرعب، زي الهدوء اللي بيجي قبل الهبوب. الشمس كانت لسه بتشق طريقها على المزارع، والندى نازل على شجر النخل والزرع الأخضر. كانت الساعة جارية على ستة الصبح، والجو في السرايا هادي لدرجة إنك تسمع صوت زقزقة العصافير ونسيم الهواء العليل وهو بيهز الشجر. في الجناح العلوي، كانت الستائر الشيفون الأبيض بتتحرك بهدوء مع الهواء الدافي. مُهرة كانت قاعدة على طرف السرير، لابسة عباية بيضا واسعة وشال حرير خفيف ملفوف على رأسها بيغطي الضمادة اللي بقت أصغر. كانت ماسكة كباية ينسون دافية بيديها الاتنين، وبتبص من الشباك الكبير على الغيط الممتد. كان وشها شاحب بس بدأ يرجعله دمه ورونقه، وعينيها العسلية فيها هدوء عميق... هدوء ما تعرفش وراه رضا ولا عاصفة مستنيّة شرارة عشان تولع! فجأة، اتفتح باب الجناح ببطء شديد ومن غير أي صوت. دخل فارس وهو شايل في إيده صينية فطور صغيرة عليها العسل النحل والقشطة والعيش البلدي المخبوز طازة. كان لابس جلبابه الأبيض الخفيف، ووشه هادي، وعليه نظرة حنية دافية تمسح كل وجع الدنيا. حط الصينية على الطاولة الجانبية

  • مهره الصقر   الفصل الثانى عشر

    صوت صفارات الإسعاف وصعق محركات السيارات كان يشق سكون الليل بطريقه نحو مستشفى النجع الكبير!كانت السيارة السوداء الضخمة تتطوح في الأزقة بسرعة جنونية، وقدم فارس تضغط على دواسة البنزين بكل قهر العالم. وفي المقعد الخلفي، كانت مُهرة ترقد ورأسها المدمى في أحضان "فتحية" (أم فارس) التي كانت تبكي وتنحب بصلوات خافته، بينما ينظر إليها فارس عبر المرآة الأمامية بعيون تشتعل بنار جهنم وجنون لم يسبق له مثيل!وصلت السيارة وأُحيلت الساحة أمام المستشفى إلى حالة طوارئ قصوى!ترجل فارس كالإعصار، ورفع مُهرة بين ذراعيه بالكامل، وركض بها عبر الممرات البيضاء وصوته الرعدي يزلزل الأسقف:ـ "دكتور فوراً!! أي حد يلحق حُرْمَة فارس الهواري!! بسرعااااة!"هرع الأطباء والممرضات، وسُحبت مُهرة من بين يديه على الحمالة المتحركة نحو غرفة العمليات والطوارئ، وأُغلق الباب الزجاجي المعتم في وجهه!سقط فارس بظهره على الحائط الأبيض، وعيناه مثبتتان على آثار دمائها الحارة التي صبغت يده وجلبابه الكحلي. استند ببراجمه على الجدار وضرب الخرسانة بيده الصلبة ضربة أحدثت صوتاً كالانفجار، والأنفاس تتصاعد من صدره المجهد كأنه بركان محبوس.وصلت س

  • مهره الصقر   الفصل الحادى عشر: كسر الرهان

    أشرقت شمس اليوم التالي على سرايا الهواري محمّلة بهواءٍ ثقيل ينبئ بعاصفة وشيكة، هدوء ما قبل المولد كان يخيم على الساحة والمزارع الممتدة. وفي قلب هذا الهدوء المشحون، كان فارس ومروان يستعدان لتجهيز خيولهما في الإسطبلات البعيدة عن المبنى الرئيسي للسرايا، حيث انشغل الجميع بتنسيق ساحة السباق الكبرى.في الجناح العلوي، كانت مُهرة تنقّب في أوراقها وحوائجها لتسليم الملفات الأثرية والأوراق الخاصة بالمزارع التي طلبها الجد عبد الرحيم. كانت السرايا شبه خاوية في تلك اللحظة؛ فالخدم انشغلوا في الإعداد الخارجي، ورجال العيلة متجمعون عند المضياف البعيد.لكن ظلاً خبيثاً كان يترقب هذه اللحظة بالذات!فُتح باب الجناح ببطءٍ مريب، ودخلت سعاد بخطوات متسللة، عينان تفيضان بالغل الحاقد والشرار الأسود بعد طردها وافتضاح أمرها بالأمس. كانت قد تسللت من الباب الخلفي للمطبخ دون أن يراها أحد، والغيظ ينهك عقلها بعدما خصرت مكانتها وكرامتها أمام العيلة بسبب هذه القاهرية!توقفت مُهرة وأمسكت بحافة المكتب، والتفتت بحدة لتفاجأ بسعاد تقف عند أعتاب الغرفة والشر يملأ ملامحها، فنطقت مُهرة بنبرة حادة وكبرياء صلب:ـ "أنتِ إيه اللي جا

  • مهره الصقر   الفصل العاشر: شمس الهواريه

    أشرقت شمس الصعيد على سرايا الهواري وهي تنبض بهيبة وجلال جديدين. لم يعد اسم مُهرة مجرد اسم زوجة قاهرية دخلت الدار غريبة، بل أصبحت "ست السرايا" بكلمة الجد عبد الرحيم وبصمة كبرياء لا تُكسر، تصون كرامة بيتها وتدير شؤونه بعقل يوزن بلد.في البهو السفلي الواسع، كانت مُهرة تشرف بنفسها على ترتيبات الدار بجانب فتحية أم فارس. عباءتها العنابية الراقية وشالها الحريري كانا يعكسان حضوراً يفيض بالأصالة والهدوء، بينما كان الخدَم والعمال يتحركون بإشارة من يدها الرقيقة بكل احترام وتقدير. كانت الطمأنينة تخيم على المكان بعد كشف ألاعيب سعاد وطردها خارج السرايا، لكن هدوء سرايا الهواري دائماً ما يخبئ خلفه عواصف جديدة لا تؤمن بالهدنة.فجأة، دوت في ساحة السرايا الخارجية أصوات صهيل خيلٍ حاد، يتبعها ركض خيول متسارع وصوت خطوات ثقيلة لأحذية جلدية فاخرة تصطدم بالأرضية الرخامية. فتح منصور والد فارس باب المجلس الكبير، يتبعه شاب في أوائل الثلاثينات، فارع الطول، يرتدي الجلباب الصعيدي الأنيق والمصنوع من أجود أنواع الصوف، وعلى وجهه ابتسامة ثقة جريئة تلمع بعيون حادة وذكية.نطق منصور بصوت عالٍ ومرحب يهز البهو:ـ "يا مرحب ي

  • مهره الصقر   الفصل التاسع : جموح المهره

    في جناح فارس ومهرة (لحظة الاشتعال) ساد صمتٌ قاتل في الغرفة، كأن الهواء تجمد فجأة!كانت شاشة الهاتف تلمع بالرسالة الغريبة، وعينا فارس تحولتا إلى جمرة من الجحيم. ثوانٍ معدودة مرت وهو ينظر للشاشة، قبل أن يمتد كفه الضخم ويمسك الهاتف بعنف، وعروق يده بارزة كالسلاسل!مهرة وقفت فوراً، وجهها شحب من الصدمة، ونطقت بنبرة يهزها الذهول:ـ "فارس! الرقم ده أنا معرفوش.. والرسالة دي أكيد فيه حاجة غلط!"التفت فارس إليها ببطء مرعب. خطواته الثقيلة وقفت أمامها مباشرة، وعيناه تنظران في عينيها بنظرة حادة كالسكين، ونطق بصوت خفيض، بحّة الغضب الصعيدي تخرج من بين أسنانه:ـ "مين اللي كاتب الرسالة دي يا مهرة؟ ومين اللي مستنيكي في النجع في نص الليل وساعة العتمة؟"مهرة رفعت رأسها بثبات رغم ارتعاش جسدها، وحطت يدها على صدره بثقة ورجاء:ـ "وحياة خوفك على أختك مريم يا فارس.. وحياة الوعد اللي قطعته ليا من شوية، أنا معرفش صاحب الرقم ده، ولا ليّا اتفاق مع حد! دي لعبة ملعوبة عشان تهد اللي بينّا!"فارس صرّ على أسنانه، وعقله يصارع بين غريزة الصقر الشكاك التي تربى عليها، وبين دفء حنيتها وصدق عينها العسلية التي تنظر إليه بغير

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status