Home / التشويق / الإثارة / مهره الصقر / الفصل الرابع :مهره فى مخلب الصقر

Share

الفصل الرابع :مهره فى مخلب الصقر

Author: راكين
last update publish date: 2026-08-11 21:22:23

:في منتصف الليل.. منتصف الليل تماماً

السرايا كانت غارقة في هدوء مريب. الأضواء الخارجية خافتة، وصوت سواقي المية البعيدة هو الوحيد اللي بيشق صمت النجع.

جوة الأوضة، كانت مهرة قاعدة على طرف السرير، لابسة كوتشي أسود، بنطلون جينز، وجاكيت غامق. شعرها البني الكستنائي كان مربوط بعناية. عيونها العسلية بتلمع بذكاء حاد وتحدي مشتعل.

فارس فاكر إنه حاصرها بالتليفون والمفتاح والغفر.. بس غفل إن مهرة المنصور عقلها يوزن بلد!

قربت مهرة من الشباك الأركيت الكبير وبصت لتحت. الغفيرين كانوا قاعدين تحت الشجرة، واحد منهم سرحان في تليفونه والتاني بدأ يغلب عليه النوم.

طول النهار، مهرة مكنتش قاعدة بتبكي؛ كانت بتراقب! واكتشفت إن فرع شجرة التوت الضخمة الممتد من المزرعة قريب جداً من سور الشباك جانبي الأوضة.

بمنتهى الخفة والهدوء، فتحت الشباك بدون ما يطلع أي صوت. اتسلقت السور الخشبي، ومسكت في الفرع الثقيل بثبات، ونزلت بمرونة لورا السور الخلفي للمزرعة بعيد تماماً عن عيون الغفر!

رجليها لمست الأرض الترابية. عدلت جاكيتها، وبصت لشباك الأوضة بنظرة انتصار حارقة، ومهست بصوت واطي وواثق:

ـ "قلتلك يا فارس.. مفيش قفص في الدينا يقدر يحبس مهرة!"

طلعت تجري بخطوات سريعة وخفيفة بين شجر المانجو، متجهة الناحية الغربية للمزرعة عشان تطلع على الطريق الزراعي وتركب أي عربية ترجعها القاهرة!

في السادسة صباحاً.. في جناح فارس

كان فارس قايم من نومه، لابس جلبابه الأبيض الشاهق، وشاله على كتفه. نزل السلم بهيبته المعتادة وهو ماسك المفتاح في إيده، ناوي يدخل الأوضة ويشوف كبرياء بنت عمها اللي فاكر إنه بدأ يتكسر.

وصل للممر، حط المفتاح في القفل، ولفه ببرود.. فتح الباب ودخل.

ـ "صباح الخير يا بنت الـ..."

الكلمة اتجمدت على لسانه!

الأوضة كانت فاضية تماماً! السرير متسبس، والشباك الكبير مفتوح على آخره، والستائر البيضاء بتطير مع هواء الصباح!

فارس وقف ثواني في نص الأوضة، عينيه البنية اتوسعت بشدة، والدم هرب من وشه قبل ما يرجع يتدفق فيه بشرار أحمر مشتعل!

قرب من الشباك بسرعة مرعبة، بص لتحت ولقى فرع الشجرة المكسور خفيف.. وفي اللحظة دي بالظبط.. صقر الصعيد جُنّ جنونه!

الزلزال في السرايا

صوت صرخة فارس هزت أركان السرايا الشاهقة وزلزلت الحيطان:

ـ "يا غااااااافررررر! يا ولد الهوارااااااي!"

الصوت كان جبار زي الانفجار! الغفر في الجناين اتنفضوا من أماكنهم والرعب أكل قلوبهم، والعيلة كلها خرجت من أوضها مرعوبة؛ منصور، وفتحية، وسليمان، والحاجة فاطمة!

فارس نزل على السلم بسرعة الريح، عيونه كانت عبارة عن كتلة نار وجمر حقيقي، عروق رقبته وإيديه كانت بارزة زي الحبال، وقبضته على عصايته كانت هتكسر الخشب!

زق باب السرايا الخارجي بعنف، وصرخ في وش الغفر اللي جم بيجروا ويديهم بتترعش:

ـ "كنتوا فين يا كلاب؟! البنت هربت من الشباك من تحت دراعكم وأنتم نايمين على أذنكم!"

أحد الغفر بلع ريقها برعب:

ـ "يا.. يا فارس بيه.. والله ما حد عدى من البوابة الخارجية، إحنا كنا..."

وقبل ما يكمل كلامه، فارس طار فيه ومسكه من زومار رقبته برعب شديد، وصوته طلع رنان ومرعب هز النجع كله:

ـ "أقسم بالله العظيم لو ما رجعتش قبل ما الشمس تتنصف في السماء.. لأكون غفركم كلكم ودافنكم في أراضي الجعافرة! اقلبوا النجع شبر شبر! حاصروا الطرق والمحطات والعربيات! مفيش صرصار يخرج من النجع ده!"

فتحية صرخت ولطمت على خدودها:

ـ "بنتي! مهرة يا حبيبتي! عملت في روحك إيه يا بنتي!"

منصور جرى على فارس بذهول وصدمة:

ـ "فارس! يا بني البنت معرفش حاجة في الطرق هنا، والطريق الغربي مقطوع وفيه قطاع طرق!"

فارس التفت لعمّه منصور، وكانت عينيه حمرة تماماً زي الدم، ونطق بصوت واطي، مرعب، ومحمل بغضب لم يشهده أحد من قبل:

ـ "لو وصلت لآخر الدينا يا عمي.. جاوية ولا قاهرة.. هجيبها من شعرها! والبنت دي عقابها النهار ده مش هيكون محبَس.. عقابها هيكون لجم لكبريائها قدام النجع كله!"

ركب فارس حصانه الأدهم ببراعة وحصل على سلاحه، وشد اللجام بقوة خلت الحصان يصهل بصوت مرعب ويرفع رجليه في الهواء، وانطلق بيه زي السهم المسموم في وسط أراضي الصعيد.. ووراه عشرات السيارت والرجال!

على أطراف الطريق الزراعي المهجور

كانت الشمس قد بدأت تشرق وتبث حرارتها على الطرق الترابية المحاطة بزراعات القصب العالية.

كانت مهرة تسير بسرعة، أنفاسها متسارعة، وحذاؤها قد أُترِبَ بالكامل، لكن كبرياءها كان يقود خطواتها. لم يكن هاتفها معها، والمسار الذي سلكته اتضح أنه مقطوع وبعيد تماماً عن المحطة الرئيسية التي ظنت أن للوصول إليها سبيلاً سهلاً.

وقفت عند مفارق الطرق وهي تمسح العرق عن جبينها، ثم نظرت حولها؛ زراعات قصب ممتدة على الجانبين، وصمت قاتل يلف المكان!

وفجأة.. سمعت صوت محركات سيارات جيب قادمة بسرعة مرعبة من بعيد، وراءها صوت حوافر حصان تهز الأرض هزاً!

انفض قلب مهرة في صدرها، وبلعت ريقها وهي تتراجع خطوة إلى الخلف:

ـ "معقولة لحقني بالسرعة دي?!"

ركضت وسط أرض القصب لتختبئ، لكن صوت صهيل الحصان القوي كان أسرع منها!

وفي ثوانٍ معدودة.. قطعت سيارة الجيب طريق الخروج، ووقف الحصان الأسود الأدهم أمامها ببراعة يحسم المسافة بينه وبينها!

رفع الحصان قدميه في الهواء وصهل بصوت هز الأرض، ثم نزل فارس من على ظهره!

لم يكن فارس هذه المرة مجرد رجل غاضب.. بل كان عبارة عن عاصفة سوداء! جلبابه الأبيض قد اتسخ بالتراب من أثر الركض، وعيناه البنيتان حمراوان كالجمر المشتعل، وعروق جبهته برزت بشدة.

تراجعت مهرة خطوة إلى الخلف، ورفعت رأسها وثبتت عينيها العسليتين فيه، ورغم الرعب الذي هاجم قلبها من هيئته، رفضت أن تظهر أي ضعف أو تراجع.

مشى فارس بخطوات ثقيلة ومرعبة حتى أصبح واقفاً أمامها مباشرة. لم ينطق بكلمة واحدة.. بل أمسك معصم يدها بقبضة من حديد جعلتها تصرخ!

ـ "آآه! سيب إيدي يا متخلف!".. صرخت مهرة وهي تحاول التملص وضربه بيدها الأخرى.

نطق فارس بصوت خفيض جداً، بنبرة حادة وباردة كالسيف:

ـ "فاكرة إن أرض الهواري ساحة لعب في القاهرة يا بنت العم؟ فاكرة إن الصقر بيغفل عن أرضه؟"

نظرت مهرة في عينيه بتحدٍ وجنون:

ـ "أنا مش أرضك ولا ملكك! سيبني أرجع القاهرة، أنا بكرهك وبكره تحكماتك المتخلفة دي!"

ابتسم فارس ابتسامة شاحبة ومرعبة، وبدون أن يمنحها فرصة للتحدث مجدداً، حملها ببراعة على كتفه رغم محاولاتها المستميتة لضربه على ظهره والصراخ:

ـ "نزلني يا فارس! نزلني يا وحش!"

وضعها داخل المقعد الخلفي لسيارة الجيب بجمود، وأغلق الباب بالمفتاح، ثم التفت إلى الرجال والغفر الواقفين برعب:

ـ "على السرايا فوراً!"

العودة إلى السرايا

دخلت السيارات بوابات السرايا بكبح حاد أطار الغبار في كل مكان!

كان الجميع واقفين بانتظارهم على أعصابهم؛ الجد عبد الرحيم، وسليمان، ومنصور، وفتحية التي كانت تبكي، وآسر ونور.

نزل فارس من السيارة، وفتح الباب الخلفي وسحب مهرة من يدها بحزم، ثم نزل بها إلى ساحة السرايا أمام الجميع.

هرولت فتحية نحوها وهي تبكي:

ـ "مهرة! يا حبيبتي أنتِ كويسة?!"

اقترب منصور بقلق شديد:

ـ "سيب إيدها يا فارس! البنت رجعت خلاص، اهدى يا بني!"

التفت فارس إلى الجميع بصوت جهوري هز أركان البيت:

ـ "محدش يتدخل! البنت دي كسرَت كلمة السرايا وهربت في نَص الليل، واللي بيحصل ده مش مجرد غلطة.. دي قلة هيبة!"

اقترب الجد عبد الرحيم بخطوات ثقيلة، وصوته الصعيدي الحنون تحول إلى صرامة العمد:

ـ "اهدى يا فارس يا ولدي.. البنت أهي رجعت سليمة زينة، والحمد لله إن محدش من أعدائنا لمحها."

نظر فارس إلى جده، ثم جال بعينيه المشتعلتين ونظر إلى مهرة التي كانت واقفة بصدر يعلو ويهبط من الغضب وعينان تطلقان الشرار.

اقترب فارس منها خطوة، ووطأ رأسه لمستواها، ثم نطق بقرار نزل كالصاعقة على القاعة كلها:

ـ "من النهار ده يا بنت العم.. مفيش خروج، ومفيش كلام، ومفيش رجوع للقاهرة نهائياً.. والجمعة الجاية.. كتب كتابنا هيكون هنه في السرايا!"

شلت الصدمة المكان بالكامل!

اتسعت عينا مهرة بذهول وعدم تصديق، وصرخت بانهيار وتحدٍ:

ـ "كتب كتاب مين يا مجنون أنت؟! أنا أتجوزك أنت؟! في أحلامك يا فارس! أموت نفسي ولا أكون لواحد متخلف زيك!"

وضع فارس يده في جيبه، وابتسم ابتسامة حادة وباردة جداً، ثم نطق بثقة صعيدية مرعبة:

ـ "هتكوني مراتي يا مَهرة.. وده مش طلب، ده الحكم اللي صدر في أرض الهواري لجاماً لكبريائك.. وفرحنا الجمعة الجاية!"

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • مهره الصقر   الفصل الرابع عشر حق المهره

    انقطعت ألسنة الجميع وتجمّد الهواء في البهو بعد كلمة مروان الخائنة، وكان صمت المكان أشد هولاً من صوت الرصاص الخارجي! وفي لحظة لم يتوقعها أحد.. استقام الجد عبد الرحيم في وقفته كأن العمر ارتد به ثلاثين عاماً إلى الوراء! لم يتكلم، ولم يصرخ، بل مدّ يده بثبات عجيب نحو حزام منصوره الخفي، وسحب منه مسدساً أسود صغيراً، وبحركة خاطفة لم يدركها مروان وهو يبتسم بشر... "طَخخخخ!" دوت الطلقة في أرجاء السرايا، وسقط جدار الصمت! صرخ مروان صرخة مكتومة ويمسك بيده اليمنى التي ينزف منها الدم، وتراجع للخلف ينظر لجده بذهول ورعب لا يصدق! وقف الجد عبد الرحيم، ودخان المسدس يتصاعد من فوهته، وعيناه تفيضان بهيبة وجبروت صلب، ونطق بصوت هادئ للغاية، لكنه كان ينزل كالحديد على رؤوس الجميع: ـ "اللي يبيع ابن عمه ويشهد مع الغريب على حرمة بيته وعرضه.. ما يترفعش عليه سلاح فرسان، ولا يتقال له يا راجل! ده ياخد عياره في الإيد اللي اتمدت بالخيانة، وتقعدوه جوة كيف الحريم، وتجيبوا له الحكيم يربط جرحه.. وده العقاب اللي يستاهله ولد الهوارة لما ينسى أصله!" أشار الجد بعكازه للرجالة، فانطلق اثنان من كبار حراس السرايا، وسحبوا مروا

  • مهره الصقر   الفصل الثالث عشر : طعنه الغدر

    عدت أيام على فاجعة المستشفى، ومرت ليلة ورا ليلة وسرايا الهواري عايشة في سكون مرعب، زي الهدوء اللي بيجي قبل الهبوب. الشمس كانت لسه بتشق طريقها على المزارع، والندى نازل على شجر النخل والزرع الأخضر. كانت الساعة جارية على ستة الصبح، والجو في السرايا هادي لدرجة إنك تسمع صوت زقزقة العصافير ونسيم الهواء العليل وهو بيهز الشجر. في الجناح العلوي، كانت الستائر الشيفون الأبيض بتتحرك بهدوء مع الهواء الدافي. مُهرة كانت قاعدة على طرف السرير، لابسة عباية بيضا واسعة وشال حرير خفيف ملفوف على رأسها بيغطي الضمادة اللي بقت أصغر. كانت ماسكة كباية ينسون دافية بيديها الاتنين، وبتبص من الشباك الكبير على الغيط الممتد. كان وشها شاحب بس بدأ يرجعله دمه ورونقه، وعينيها العسلية فيها هدوء عميق... هدوء ما تعرفش وراه رضا ولا عاصفة مستنيّة شرارة عشان تولع! فجأة، اتفتح باب الجناح ببطء شديد ومن غير أي صوت. دخل فارس وهو شايل في إيده صينية فطور صغيرة عليها العسل النحل والقشطة والعيش البلدي المخبوز طازة. كان لابس جلبابه الأبيض الخفيف، ووشه هادي، وعليه نظرة حنية دافية تمسح كل وجع الدنيا. حط الصينية على الطاولة الجانبية

  • مهره الصقر   الفصل الثانى عشر

    صوت صفارات الإسعاف وصعق محركات السيارات كان يشق سكون الليل بطريقه نحو مستشفى النجع الكبير!كانت السيارة السوداء الضخمة تتطوح في الأزقة بسرعة جنونية، وقدم فارس تضغط على دواسة البنزين بكل قهر العالم. وفي المقعد الخلفي، كانت مُهرة ترقد ورأسها المدمى في أحضان "فتحية" (أم فارس) التي كانت تبكي وتنحب بصلوات خافته، بينما ينظر إليها فارس عبر المرآة الأمامية بعيون تشتعل بنار جهنم وجنون لم يسبق له مثيل!وصلت السيارة وأُحيلت الساحة أمام المستشفى إلى حالة طوارئ قصوى!ترجل فارس كالإعصار، ورفع مُهرة بين ذراعيه بالكامل، وركض بها عبر الممرات البيضاء وصوته الرعدي يزلزل الأسقف:ـ "دكتور فوراً!! أي حد يلحق حُرْمَة فارس الهواري!! بسرعااااة!"هرع الأطباء والممرضات، وسُحبت مُهرة من بين يديه على الحمالة المتحركة نحو غرفة العمليات والطوارئ، وأُغلق الباب الزجاجي المعتم في وجهه!سقط فارس بظهره على الحائط الأبيض، وعيناه مثبتتان على آثار دمائها الحارة التي صبغت يده وجلبابه الكحلي. استند ببراجمه على الجدار وضرب الخرسانة بيده الصلبة ضربة أحدثت صوتاً كالانفجار، والأنفاس تتصاعد من صدره المجهد كأنه بركان محبوس.وصلت س

  • مهره الصقر   الفصل الحادى عشر: كسر الرهان

    أشرقت شمس اليوم التالي على سرايا الهواري محمّلة بهواءٍ ثقيل ينبئ بعاصفة وشيكة، هدوء ما قبل المولد كان يخيم على الساحة والمزارع الممتدة. وفي قلب هذا الهدوء المشحون، كان فارس ومروان يستعدان لتجهيز خيولهما في الإسطبلات البعيدة عن المبنى الرئيسي للسرايا، حيث انشغل الجميع بتنسيق ساحة السباق الكبرى.في الجناح العلوي، كانت مُهرة تنقّب في أوراقها وحوائجها لتسليم الملفات الأثرية والأوراق الخاصة بالمزارع التي طلبها الجد عبد الرحيم. كانت السرايا شبه خاوية في تلك اللحظة؛ فالخدم انشغلوا في الإعداد الخارجي، ورجال العيلة متجمعون عند المضياف البعيد.لكن ظلاً خبيثاً كان يترقب هذه اللحظة بالذات!فُتح باب الجناح ببطءٍ مريب، ودخلت سعاد بخطوات متسللة، عينان تفيضان بالغل الحاقد والشرار الأسود بعد طردها وافتضاح أمرها بالأمس. كانت قد تسللت من الباب الخلفي للمطبخ دون أن يراها أحد، والغيظ ينهك عقلها بعدما خصرت مكانتها وكرامتها أمام العيلة بسبب هذه القاهرية!توقفت مُهرة وأمسكت بحافة المكتب، والتفتت بحدة لتفاجأ بسعاد تقف عند أعتاب الغرفة والشر يملأ ملامحها، فنطقت مُهرة بنبرة حادة وكبرياء صلب:ـ "أنتِ إيه اللي جا

  • مهره الصقر   الفصل العاشر: شمس الهواريه

    أشرقت شمس الصعيد على سرايا الهواري وهي تنبض بهيبة وجلال جديدين. لم يعد اسم مُهرة مجرد اسم زوجة قاهرية دخلت الدار غريبة، بل أصبحت "ست السرايا" بكلمة الجد عبد الرحيم وبصمة كبرياء لا تُكسر، تصون كرامة بيتها وتدير شؤونه بعقل يوزن بلد.في البهو السفلي الواسع، كانت مُهرة تشرف بنفسها على ترتيبات الدار بجانب فتحية أم فارس. عباءتها العنابية الراقية وشالها الحريري كانا يعكسان حضوراً يفيض بالأصالة والهدوء، بينما كان الخدَم والعمال يتحركون بإشارة من يدها الرقيقة بكل احترام وتقدير. كانت الطمأنينة تخيم على المكان بعد كشف ألاعيب سعاد وطردها خارج السرايا، لكن هدوء سرايا الهواري دائماً ما يخبئ خلفه عواصف جديدة لا تؤمن بالهدنة.فجأة، دوت في ساحة السرايا الخارجية أصوات صهيل خيلٍ حاد، يتبعها ركض خيول متسارع وصوت خطوات ثقيلة لأحذية جلدية فاخرة تصطدم بالأرضية الرخامية. فتح منصور والد فارس باب المجلس الكبير، يتبعه شاب في أوائل الثلاثينات، فارع الطول، يرتدي الجلباب الصعيدي الأنيق والمصنوع من أجود أنواع الصوف، وعلى وجهه ابتسامة ثقة جريئة تلمع بعيون حادة وذكية.نطق منصور بصوت عالٍ ومرحب يهز البهو:ـ "يا مرحب ي

  • مهره الصقر   الفصل التاسع : جموح المهره

    في جناح فارس ومهرة (لحظة الاشتعال) ساد صمتٌ قاتل في الغرفة، كأن الهواء تجمد فجأة!كانت شاشة الهاتف تلمع بالرسالة الغريبة، وعينا فارس تحولتا إلى جمرة من الجحيم. ثوانٍ معدودة مرت وهو ينظر للشاشة، قبل أن يمتد كفه الضخم ويمسك الهاتف بعنف، وعروق يده بارزة كالسلاسل!مهرة وقفت فوراً، وجهها شحب من الصدمة، ونطقت بنبرة يهزها الذهول:ـ "فارس! الرقم ده أنا معرفوش.. والرسالة دي أكيد فيه حاجة غلط!"التفت فارس إليها ببطء مرعب. خطواته الثقيلة وقفت أمامها مباشرة، وعيناه تنظران في عينيها بنظرة حادة كالسكين، ونطق بصوت خفيض، بحّة الغضب الصعيدي تخرج من بين أسنانه:ـ "مين اللي كاتب الرسالة دي يا مهرة؟ ومين اللي مستنيكي في النجع في نص الليل وساعة العتمة؟"مهرة رفعت رأسها بثبات رغم ارتعاش جسدها، وحطت يدها على صدره بثقة ورجاء:ـ "وحياة خوفك على أختك مريم يا فارس.. وحياة الوعد اللي قطعته ليا من شوية، أنا معرفش صاحب الرقم ده، ولا ليّا اتفاق مع حد! دي لعبة ملعوبة عشان تهد اللي بينّا!"فارس صرّ على أسنانه، وعقله يصارع بين غريزة الصقر الشكاك التي تربى عليها، وبين دفء حنيتها وصدق عينها العسلية التي تنظر إليه بغير

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status