تسجيل الدخولدوّى صوت إطلاق النار داخل القاعة كالرعد.
وفي اللحظة نفسها، انطفأت معظم الأضواء. ساد الارتباك. وتحرك الجميع بشكل غريزي بحثًا عن مصدر الخطر. أمسك يوسف بيد رهف فورًا وجذبها خلفه. كانت الحركة تلقائية. لم يفكر فيها. ولم يحتج إلى التفكير أصلًا. منذ اللحظة التي دخلت فيها حياته، أصبح حمايتها رد فعل طبيعيًا بالنسبة له. حتى لو لم يفهم السبب بالكامل. حتى لو كانت ذكرياته ناقصة. أما رهف، فكانت ما تزال تحت تأثير كلمات والدها. أخبري يوسف أن الوعد الذي قطعه لها وهو طفل كان السبب في نجاتها. الجملة لم تغادر عقلها. كانت تدور داخله باستمرار. كأنها مفتاح لذكرى تحاول الخروج. في الجهة المقابلة، سقط أحد الحراس أرضًا. الرصاصة أصابته في كتفه. لم يمت. لكنه صرخ من شدة الألم. وهنا فقط فهموا شيئًا مهمًا. الطلقة لم تكن موجهة إليهم. بل كانت رسالة. رسالة تقول إن هناك شخصًا آخر داخل المنشأة. شخص لم يكن ضمن الحسابات. رفع آدم سلاحه بسرعة، بينما تقدم كمال نحو أحد الأعمدة الخرسانية محتميًا خلفه. أما مصطفى فكان يراقب المداخل بعينين متوترتين. قال إبراهيم بصوت منخفض: ـ إحنا مش لوحدنا هنا. رد آدم ببرود: ـ عرفت ده من أول ما التسجيل اشتغل. نظر إليه يوسف بسرعة. ـ يعني إيه؟ تنهد آدم. ثم قال: ـ لأن اللي فعّل التسجيل ده مش النظام. ـ حد عايش. ـ حد كان مستني اللحظة دي. ساد الصمت لثوانٍ. ثم سمعوا صوت خطوات. هادئة. بطيئة. تقترب من آخر القاعة. التفت الجميع نحو المصدر. لكن الظلام كان كثيفًا. لا يظهر منه شيء. خطوة. ثم أخرى. ثم ثالثة. حتى خرج صاحبها أخيرًا إلى دائرة الضوء الخافتة. تجمدت رهف في مكانها. وتوقف قلبها لثانية كاملة. لأنها تعرف هذا الوجه. أو على الأقل... تشعر أنها تعرفه. رجل في أواخر الخمسينات. شعره اختلط فيه السواد بالبياض. وعيناه تحملان إرهاق سنوات طويلة. لكن الشيء الذي جعل الدم يتجمد في عروقها... كان الشبه. شبه مرعب. شبه لا يمكن تجاهله. كان يشبهها. يشبهها بصورة مخيفة. نظر الرجل إليها مباشرة. وكأنه لم يرَ أحدًا غيرها. ثم ابتسم. ابتسامة حزينة. ومليئة بالشوق. وقال بصوت مبحوح: ـ كبرتي يا رهف. شعرت رهف بأن الأرض اهتزت تحت قدميها. أما يوسف فشد قبضته فورًا. بينما اتسعت عينا مصطفى وكمال في اللحظة نفسها. وقالا معًا: ـ مستحيل! تقدم الرجل خطوة أخرى. ثم قال بهدوء: ـ واضح إن محدش كان متوقع أشوف اليوم ده. لم يستطع كمال إخفاء صدمته. لأول مرة منذ سنوات طويلة. بدا خائفًا. خائفًا فعلًا. همس: ـ سامر... ارتجفت شفتا رهف. سامر. الاسم الذي سمعته عشرات المرات خلال الساعات الماضية. والدها. الرجل الذي قيل إنه مات. الرجل الذي ظهر في التسجيلات. الرجل الذي بحث الجميع عنه. كان يقف الآن أمامها. حيًا. يتنفس. ينظر إليها. شعرت الدموع تملأ عينيها دون إرادة منها. لكنها لم تتحرك. لم تستطع. كان هناك شيء يمنعها. سنوات من الأسئلة. وسنوات من الغضب. وسنوات من الحرمان. كلها وقفت بينها وبينه. لاحظ سامر ذلك. فانطفأت ابتسامته تدريجيًا. وقال بصوت مكسور: ـ عارف إن عندك حق تكرهيني. ـ وعارف إن عندك مليون سؤال. ـ لكن صدقيني... توقف لحظة. وكأنه يحاول إيجاد الكلمات المناسبة. ثم أكمل: ـ مفيش يوم واحد عدى عليا من غير ما أفكر فيكي. شعرت رهف بوخزة مؤلمة في قلبها. لكن قبل أن ترد... دوى انفجار هائل في عمق المنشأة. اهتزت الأرض بقوة. وتساقطت قطع من الخرسانة من السقف. وانطلقت صفارات الإنذار من جديد. لكن هذه المرة كانت مختلفة. أكثر حدة. وأكثر رعبًا. ثم ظهر تحذير أحمر ضخم على إحدى الشاشات القريبة: "بروتوكول الإبادة النهائية تم تفعيله." ساد الصمت. نظر الجميع إلى الشاشة. ثم إلى بعضهم. قبل أن يهمس آدم بجملة جعلت الدم يبرد في عروقهم جميعًا: ـ إحنا مش قدام انهيار منشأة... ـ إحنا قدام عد تنازلي لمحو كل الأدلة. رفع سامر رأسه بسرعة. وتحولت ملامحه فجأة. من أب مشتاق إلى رجل يعرف حجم الكارثة. ثم قال بصوت حاسم: ـ لو عايزين تخرجوا أحياء... لازم نوصل لغرفة الأصل قبل ما الوقت يخلص. تبادل الجميع النظرات. لكن رهف لم تكن تنظر إلى أي منهم. كانت تنظر فقط إلى الرجل الذي عاد من الموت. والدها. والسؤال الذي ظل يطاردها سنوات طويلة كان يشتعل داخلها الآن أكثر من أي وقت مضى: إذا كان حيًا طوال هذه السنوات... فلماذا تركها وحدها؟ كان السؤال يشتعل داخل رهف كالنار. حتى أصوات الإنذارات التي تملأ المنشأة لم تستطع أن تطغى عليه. وقفت في مكانها تنظر إلى سامر. إلى الرجل الذي انتظرته طوال عمرها. الرجل الذي تخيلت لقائه مئات المرات. لكن الواقع لم يكن يشبه أي شيء تخيلته. لم تركض نحوه. لم تبكِ بين ذراعيه. ولم تنادِه "أبي". كل ما شعرت به في تلك اللحظة كان خليطًا مؤلمًا من الشوق والغضب. تقدم سامر خطوة واحدة. لكن رهف تراجعت خطوة للخلف. توقفت ملامحه للحظة. وكأن حركتها أصابته أكثر من أي رصاصة. قال بصوت هادئ: "رهف..." قاطعته فورًا. "لا." ساد الصمت. حتى الإنذارات بدت أبعد قليلًا. حدقت فيه بعينين دامعتين. لكن دموعها لم تسقط. "إنت ما لكش حق تنادي اسمي كأنك كنت موجود." انقبض فك يوسف وهو يسمع كلماتها. أما سامر فبقي صامتًا. كأنه يمنحها الحق في أن تقول كل ما بداخلها. أكملت بصوت يرتجف: "أنا كبرت لوحدي." "كنت محتاجة أب." "كنت محتاجة حد يحميني." "كنت محتاجة أعرف ليه كل الناس عندها أهل وأنا لأ." شعرت بأنفاسها تتسارع. والسنوات كلها تخرج منها دفعة واحدة. "كنت فين؟" هذه المرة لم يكن السؤال مجرد كلمات. كان وجع عمر كامل. أغمض سامر عينيه. ولثانية واحدة بدا أكبر بعشر سنوات. ثم قال بصوت مبحوح: "كل يوم بعيد عنك كان عقاب." ضحكت رهف بمرارة. "العقاب كان ليا أنا." سقط الصمت مجددًا. ولم يجد سامر ما يقوله. لأنه لأول مرة منذ سنوات طويلة... لم يكن هناك تفسير كافٍ. --- اهتزت الأرض بعنف. وتساقطت قطع خرسانية من السقف. التفت آدم بسرعة نحو إحدى الشاشات. كانت الأرقام تتغير باستمرار. ثم قال بحدة: "باقي أقل من خمسة وعشرين دقيقة." رفع مصطفى رأسه. "علشان إيه؟" أجابه آدم دون أن يبعد عينيه عن الشاشة: "علشان كل حاجة هنا تختفي." شحب وجه إبراهيم. "تقصد المنشأة؟" هز آدم رأسه ببطء. "المنشأة والبيانات." ثم أضاف بصوت أكثر خطورة: "والناس اللي جوه لو ما خرجوش." ساد التوتر بين الجميع. لكن سامر استعاد تركيزه بسرعة. وأشار إلى ممر جانبي لم يلحظه أحد من قبل. "غرفة الأصل من هناك." نظر إليه كمال. ولأول مرة منذ ظهوره بدا الغضب واضحًا في عينيه. "لسه ناوي تدخلهم هناك؟" التفت سامر إليه. "بعد كل اللي حصل؟ أيوه." اقترب كمال خطوة. "إنت عارف كويس اللي جوه." "وعارف إن الحقيقة دي لو خرجت..." قاطعه سامر ببرود: "فهي هتدمر ناس كتير." صمت لحظة. ثم أكمل: "وأنت أولهم." تبادل الرجلان نظرات طويلة. ثقيلة. مليئة بتاريخ لا يعرفه الباقون. --- بينما كانوا يتحركون نحو الممر الجديد... كانت رهف تسير بصمت. وعقلها يغلي بالأسئلة. وفجأة شعرت بيد تلامس يدها. التفتت. فوجدت يوسف بجوارها. لم يقل شيئًا في البداية. اكتفى بالنظر إليها. نظرة هادئة وسط كل الفوضى. قال أخيرًا: "إنتِ كويسة؟" كادت تضحك من السؤال. هل يمكن أن تكون بخير بعد كل هذا؟ لكنها فهمت ما يقصده. لم يكن يسأل عن جسدها. كان يسأل عن قلبها. تنهدت ببطء. "مش عارفة." أومأ برأسه. وكأنه يتفهم الإجابة تمامًا. ثم قال: "مش لازم تعرفي دلوقتي." نظرت إليه. فابتسم ابتسامة صغيرة. متعبة. لكنها صادقة. "في حاجات بنفهمها مع الوقت." شعرت رهف بشيء دافئ يتسلل إلى صدرها رغم كل شيء. وجود يوسف كان يشبه المرساة وسط العاصفة. كلما شعرت أن العالم ينهار... وجدته هناك. ثابتًا. قريبًا. حقيقيًا. وقبل أن تتمكن من الرد... توقف آدم فجأة في مقدمة المجموعة. ورفع يده محذرًا. تجمد الجميع. ساد الصمت. ثم سمعوا الصوت. خطوات. لكنها لم تكن خطوات شخص واحد. بل عشرات الأشخاص. تقترب من الجهة المقابلة للممر. اقتربت أكثر. وأكثر. حتى ظهر أول ظل في نهاية الممر. ثم الثاني. ثم الثالث. شحب وجه مصطفى فور رؤيتهم. أما سامر فتمتم بكلمة واحدة فقط: "لا..." عبس يوسف. "مين دول؟" رفع سامر عينيه نحو الظلال القادمة. وكان الرعب واضحًا في ملامحه لأول مرة. ثم قال بصوت منخفض: "المؤسسون." وفي اللحظة التالية... خرجت الشخصيات الغامضة إلى الضوء. لتبدأ المواجهة التي انتظرها الجميع منذ عشرين عامًا."يوسف ما كانش صدفة في حياتك."انقطع التسجيل.وتحولت الشاشة إلى السواد.لكن الكلمات بقيت عالقة في الهواء.ثقيلة.موجعة.وكأنها فتحت بابًا لم يعد بالإمكان إغلاقه.---شعرت رهف بأن قلبها يخفق بعنف.ونظرت إلى الشاشة وكأنها تنتظر أن تعود الصورة من جديد.أن تكمل أمها الجملة.أن تشرح.أن تخبرها أي شيء.لكن الشاشة بقيت سوداء.صامتة.باردة.---قالت رهف بصوت مرتجف:"كمل..."وكأن أمها ما زالت تسمعها."لو سمحتي كملي..."---لكن لا أحد أجاب.---أما يوسف فكان واقفًا في مكانه.عاجزًا عن إبعاد عينيه عن الشاشة.شعر بشيء غريب داخل صدره.شيء بين الخوف والأمل.---لأن جزءًا منه كان يريد معرفة الحقيقة.وجزءًا آخر كان يخشاها.---اقترب سامر من لوحة التحكم.وبدأ يضغط على الأزرار بسرعة.محاولًا استعادة التسجيل.---ثوانٍ مرت كأنها ساعات.ثم عاد جزء من النظام للعمل.وظهرت صورة ليلى مجددًا.لكن التشويش كان أقوى هذه المرة.---رفعت ليلى رأسها نحو الكاميرا.وكان واضحًا أنها تبكي.---قالت بصوت متقطع:"لو وصلتي للمرحلة دي...""يبقى أكيد عرفتي جزء من الحقيقة."---توقفت للحظة.ثم أغلقت عينيها وكأنها تجمع شجاعتها
"يوسف ما كانش صدفة في حياتك."انقطع التسجيل.وتحولت الشاشة إلى السواد.لكن الكلمات بقيت عالقة في الهواء.ثقيلة.موجعة.وكأنها فتحت بابًا لم يعد بالإمكان إغلاقه.---شعرت رهف بأن قلبها يخفق بعنف.ونظرت إلى الشاشة وكأنها تنتظر أن تعود الصورة من جديد.أن تكمل أمها الجملة.أن تشرح.أن تخبرها أي شيء.لكن الشاشة بقيت سوداء.صامتة.باردة.---قالت رهف بصوت مرتجف:"كمل..."وكأن أمها ما زالت تسمعها."لو سمحتي كملي..."---لكن لا أحد أجاب.---أما يوسف فكان واقفًا في مكانه.عاجزًا عن إبعاد عينيه عن الشاشة.شعر بشيء غريب داخل صدره.شيء بين الخوف والأمل.---لأن جزءًا منه كان يريد معرفة الحقيقة.وجزءًا آخر كان يخشاها.---اقترب سامر من لوحة التحكم.وبدأ يضغط على الأزرار بسرعة.محاولًا استعادة التسجيل.---ثوانٍ مرت كأنها ساعات.ثم عاد جزء من النظام للعمل.وظهرت صورة ليلى مجددًا.لكن التشويش كان أقوى هذه المرة.---رفعت ليلى رأسها نحو الكاميرا.وكان واضحًا أنها تبكي.---قالت بصوت متقطع:"لو وصلتي للمرحلة دي...""يبقى أكيد عرفتي جزء من الحقيقة."---توقفت للحظة.ثم أغلقت عينيها وكأنها تجمع شجاعتها
"دي بداية تفعيل المشروع داخلك."سقطت الكلمات كالصاعقة.لكن هذه المرة...لم تكن الصدمة بسبب ما قيل.بل بسبب الطريقة التي نظر بها الرجل إلى رهف.وكأنه لا يرى فتاة.بل يرى سرًا دفن منذ عشرين عامًا.---ظهر العد التنازلي على جميع الشاشات.04:1204:1104:10وكانت الثواني تنزلق بسرعة مخيفة.بينما اهتزت أرضية القاعة من جديد.وتساقطت أجزاء صغيرة من السقف.---تقدمت رهف خطوة للأمام.ورغم الخوف الذي ينهش قلبها، رفعت رأسها بعناد.وقالت:"أنا تعبت."ساد الصمت.فأكملت بنبرة مرتجفة:"كل واحد بيقول نص حقيقة.""كل واحد بيخبي جزء.""وأنا اللي بدفع التمن."ثم أشارت إلى الشاشات حولها."قولوا الحقيقة كاملة."---نظر الرجل الذي يشبه يوسف إليها طويلًا.ثم ابتسم ابتسامة غريبة.ليست ساخرة.وليست باردة.بل حزينة.وكأنه يرى شخصًا يعرفه منذ زمن بعيد.---قال بهدوء:"الحقيقة كاملة هتوجعك."---ردت رهف بسرعة:"أنا عشت عمري كله في وجع.""مبقاش فارق."---في تلك اللحظة...شعر يوسف بشيء يتحرك داخله.ألم غريب.لأن كلماتها لم تكن موجهة للرجل فقط.كانت موجهة للحياة كلها.---نظر إليها.ورأى الإرهاق المختبئ خلف قوتها.س
تم إيقاظ الأصل.كانت العبارة الحمراء تومض على الشاشات المحيطة بهم كنبضات قلب عملاق يحتضر.صفارات الإنذار مزقت السكون.الأضواء الزرقاء تحولت إلى حمراء.والمنشأة بأكملها بدأت تهتز بعنف.لكن رهف لم ترَ شيئًا من ذلك.كل ما رأته كان يوسف.أو بالأحرى... الرجل الذي جلست إلى جواره، وثقت به، وخافت عليه، وتعلقت به دون أن تشعر.كان جاثيًا على ركبتيه وسط القاعة، يضغط رأسه بقوة وكأنه يحاول منع عقله من الانفجار.ركضت نحوه دون تفكير.هبطت بجواره على الأرض.وأمسكت وجهه بين كفيها."يوسف... بص لي."كان جسده يرتجف.وأنفاسه متقطعة.أما عيناه فكانتا مليئتين بالألم.ألم لم ترَه فيه من قبل.رفع نظره إليها بصعوبة.وقال بصوت مبحوح:"أنا مش عارف أنا مين."كانت الجملة بسيطة.لكنها أصابت قلبها مباشرة.لأنها خرجت من رجل يقف فوق أرض تتهاوى تحت قدميه.رجل اكتشف في دقائق أن حياته كلها قد تكون كذبة.وأن ذكرياته ربما ليست ذكرياته.وأن اسمه نفسه قد لا يكون اسمه.شعرت رهف بغصة مؤلمة.ثم هزت رأسها بقوة."لا."نظر إليها.فأكملت وهي تقترب أكثر:"أنا أعرف إنت مين."ارتجفت شفتاه.كأنها قالت شيئًا لا يصدق.أما هي فأكملت دون ت
بقّى عشر دقائق على بدء المرحلة الأخيرة.تردّد الصوت الآلي في أنحاء المنشأة كأنه حكم نهائي لا يمكن التراجع عنه.وقفت رهف للحظات تحدق في الممرات السفلية حيث اختفى الرجال الذين حملوا آدم.شعرت بقبضة باردة تعتصر قلبها.آدم كان دائمًا أقوى شخص بينهم.الأكثر قدرة على النجاة.فإذا تمكنوا من القبض عليه...فهذا يعني أن خصومهم أقوى مما تخيلوا.إلى جوارها، كان يوسف يراقب المكان بعينين حادتين.ثم قال بصوت منخفض:"لازم نتحرك."أومأت رهف.لكنها لم تبعد نظرها عن الأسفل."مش هنسيبه."التفت إليها يوسف.ورأى الإصرار في عينيها.ذلك الإصرار الذي أصبح يعرفه جيدًا.ابتسم ابتسامة خفيفة رغم خطورة الموقف.وقال:"عارف."ثم أضاف:"علشان كده لازم نوصل لغرفة الأصل."تحركا بسرعة عبر الممر المعدني.وكانت الاهتزازات تزداد مع كل دقيقة تمر.في بعض الأماكن ظهرت شقوق جديدة في الجدران.وفي أماكن أخرى كانت أنظمة الإضاءة تتعطل تدريجيًا.بدت المنشأة وكأنها تحتضر.وكأنها تستعد لدفن أسرارها معها.بعد دقائق من السير، وصلا إلى بوابة ضخمة لم تكن موجودة على الخرائط التي شاهداها سابقًا.باب معدني هائل.يمتد من الأرض إلى السقف.وفي
ما هو السر الذي يربط رهف ويوسف منذ الطفولة؟ظل السؤال يتردد داخل القاعة حتى بعد اختفاء الصورة.كان الظلام يحيط بهما من كل جانب، بينما بقيت الشاشة السوداء أمامهما كأنها تتعمد تركهما وسط دوامة من الاحتمالات.شعرت رهف بأن قلبها يخفق بسرعة.ليس بسبب الرجل الغامض.ولا بسبب ظهور آدم.بل بسبب ذلك الإحساس الغريب الذي بدأ يكبر داخلها كلما اقتربت من الحقيقة.كأن جزءًا من روحها يعرف الإجابة...لكن ذاكرتها ما زالت ترفض البوح بها.اشتعلت الأضواء الاحتياطية أخيرًا.بخفتوتها المعتادة.فعاد المكان إلى الظهور تدريجيًا.التفتت رهف نحو يوسف.فوجدته شاردًا.ملامحه متجهمة أكثر من المعتاد.وعيناه غارقتان في التفكير.همست:"بم تفكر؟"انتبه إليها فورًا.وكأنه كان بعيدًا جدًا وعاد في اللحظة الأخيرة.تنهد ببطء.ثم قال:"في حاجة مش مريحة."عقدت حاجبيها."إيه هي؟"أجاب وهو ينظر إلى الشاشة المنطفئة:"كل اللي بيحصل حاسس إنه متخطط له."ساد الصمت بينهما.ثم أومأت رهف ببطء.لأنها شعرت بالأمر نفسه.منذ بداية الأحداث وهناك من يدفعهم خطوة بعد خطوة نحو مكان معين.حقيقة معينة.أو ربما مصير معين.---واصلا السير عبر الممر
مش هتخدها مني!"خرجت الصرخة من يوسف بعنف.كأنها تحدٍ للواقع نفسه.تحدٍ لكل الأسرار التي حاولت سرقة رهف منه مرة بعد مرة.---الشاشة العملاقة المعلقة أمامهم كانت تومض باستمرار.الاسم المكتوب عليها بدأ يتغير.حروف تظهر.وحروف تختفي.كأن النظام يبحث عن شيء مفقود.أو يحاول تذكر شيء نسيه منذ زمن.---رهف
اهتزاز الباب الحديدي لم يكن مجرد طرق.كان كأنه شيء حي يحاول الخروج.مرة بعد مرة…أقوى…وأعنف…حتى بدأت البراغي المعدنية تصدر صريرًا عاليًا.---تراجع إبراهيم خطوة للخلف."إقفلوا الباب ده!"لكن لم يتحرك أحد.لأن الجميع كان ينظر إلى نفس النقطة.إلى الباب.---يوسف شد على يد رهف بقوة."خليكِ ورايا."ق
الظلام كان كاملًا هذه المرة.ليس مجرد انقطاع إضاءة.بل كأن المخزن كله تم ابتلاعه من العالم.حتى أصوات الخارج اختفت.وكأن الكون أغلق عليهم الباب.لم يبقَ سوى أنفاس متقطعة.وخوف ثقيل يضغط على الصدور.---وفي هذا السواد…كانت يد يوسف ما زالت تمسك يد رهف.لم يتركها.لم يفكر حتى في ذلك.كأن الظلام نفسه
"آخر شخص شاف آدم قبل اختفائه... كان إنتِ."الكلمات لم تُسمع فقط.بل سقطت داخل رهف كأنها حدثت الآن.وليس قبل عشرين عامًا.تراجعت خطوة.ثم خطوة أخرى.لكنها اصطدمت بذراع يوسف خلفها.فثبتها دون أن يتركها.ليس لأنها بخير.بل لأنها كانت على وشك الانهيار.---"كفاية!"صرخ كمال.وصوته هذه المرة لم يكن هادئ







