Se connecterمش هتخدها مني!"
خرجت الصرخة من يوسف بعنف. كأنها تحدٍ للواقع نفسه. تحدٍ لكل الأسرار التي حاولت سرقة رهف منه مرة بعد مرة. --- الشاشة العملاقة المعلقة أمامهم كانت تومض باستمرار. الاسم المكتوب عليها بدأ يتغير. حروف تظهر. وحروف تختفي. كأن النظام يبحث عن شيء مفقود. أو يحاول تذكر شيء نسيه منذ زمن. --- رهف كانت واقفة في المنتصف. أنفاسها متسارعة. ورأسها يكاد ينفجر من الذكريات. صور كثيرة. أصوات كثيرة. وجوه لا تتذكر أسماءها. وأماكن لم ترها منذ عشرين عامًا. --- لكن وسط كل هذا... كان هناك شيء واحد ثابت. يد يوسف. --- تمسكت بها بقوة. دون وعي. كأنها آخر خيط يربطها بالحاضر. --- شعر يوسف بذلك. فنظر إليها. رغم الفوضى. رغم الخطر. رغم أن المكان كله كان ينهار. ابتسم ابتسامة صغيرة. متعبة. لكنها حقيقية. --- وقال بهدوء: "ابصيلي." --- نظرت إليه. --- "مهما شفتي." --- اقترب خطوة. --- "ومهما عرفتي." --- رفع يده وأزاح دمعة هربت من عينها. --- "أنا موجود." --- ارتجفت أنفاس رهف. --- وفي تلك اللحظة... شعرت أن قلبها يؤلمها. لأنها أدركت شيئًا كانت تهرب منه طوال الوقت. --- لم تعد تخاف فقدان الحقيقة. --- بل أصبحت تخاف فقدانه هو. --- لكن اللحظة لم تدم. --- لأن الشاشة أطلقت صوتًا حادًا. --- ثم ظهرت جملة جديدة: "الذاكرة الأصلية تم العثور عليها." --- ساد الصمت. --- ثم بدأت الصور تظهر. --- أمام الجميع. --- كأن الشاشة تعرض فيلمًا قديمًا. --- غرفة بيضاء. أطفال صغار. أجهزة مراقبة. باحثون يرتدون المعاطف. --- ثم ظهرت طفلة صغيرة. --- رهف. --- وبجانبها... ولد صغير. --- يوسف. --- شهقت رهف. --- أما يوسف فشعر أن قلبه توقف. --- الصورة كانت واضحة. لا تقبل الشك. --- كانا يعرفان بعضهما فعلًا. --- بل أكثر من ذلك. --- كانا معًا باستمرار. --- ضحكات. ألعاب. رسومات على الجدران. أيدٍ صغيرة متشابكة. --- ذكريات طفولة كاملة. --- ذكريات لم يعرف أي منهما أنها موجودة. --- شعرت رهف بالدموع تحرق عينيها. --- همست: "إحنا... كنا أصحاب؟" --- لكن آدم هز رأسه ببطء. --- "أكتر من كده." --- التفت الجميع إليه. --- ثم ظهرت صورة جديدة على الشاشة. --- صورة لطفلين يجلسان في زاوية بعيدة عن الآخرين. --- يوسف الصغير كان يلف ذراعه حول كتفي رهف الصغيرة. --- ويقول لها: "أنا هفضل معاكي." --- حتى في التسجيل المشوش... كان صوت الطفل واضحًا. --- تجمدت رهف. --- أما يوسف... فلم يستطع إبعاد عينيه عن المشهد. --- شعر بشيء غريب. شيء دافئ. ومؤلم. في الوقت نفسه. --- كأن قلبه يتذكر قبل عقله. --- ثم ظهرت صورة أخرى. --- رهف تبكي. --- ويوسف يعطيها سوارًا صغيرًا. --- السوار نفسه الذي ما زالت تحتفظ به حتى اليوم. --- شهقت رهف بقوة. --- وأمسكت معصمها فورًا. --- "السوار..." --- أومأ آدم. --- "كان بتاعه." --- نظرت رهف إلى يوسف بصدمة. --- "إنت اللي اديتهولي؟" --- لم يجد جوابًا. --- لأنه هو نفسه لم يكن يعرف. --- لكن شيئًا داخله أخبره أن هذا صحيح. --- أن هذه الذكرى حقيقية. --- وفجأة... اختفت الصور. --- وحل مكانها تسجيل جديد. --- رجل يرتدي معطفًا أبيض. وجهه غير واضح. --- لكنه قال جملة واحدة فقط: "افصلوا الأطفال الثلاثة." --- ساد الصمت. --- ثم أكمل: "رهف." "يوسف." "وآدم." --- شحب وجه آدم. --- أما كمال... فأغلق عينيه. --- كأنه يعرف ما سيأتي. --- قال الرجل في التسجيل: "لو استمروا مع بعض..." --- توقف للحظة. --- ثم أكمل: "المشروع كله هيفشل." --- تجمد الجميع. --- رهف همست: "ليه؟" --- لكن التسجيل أجاب. --- "لأن الرابط بينهم أقوى من التعديل." --- شعرت القشعريرة تسري في الأجساد. --- أما يوسف... فنظر إلى رهف. --- وهي نظرت إليه. --- وفي تلك اللحظة... فهما شيئًا واحدًا. --- أن كل المحاولات التي فرقت بينهما... لم تنجح بالكامل. --- لكن قبل أن يستوعب أحد معنى ذلك... انطلقت صفارات إنذار جديدة. أعلى من أي وقت مضى. --- ثم ظهرت رسالة أخيرة على الشاشة: "تم تحديد المسؤول عن حذف الذاكرة." --- صمت. --- الجميع انتظر الاسم. --- ثانية. ثانيتان. ثلاث. --- ثم ظهر الاسم أخيرًا. --- ولم يكن كمال. --- ولم يكن مصطفى. --- بل شخصًا لم يتوقعه أحد. --- شخصًا يقف بينهم منذ البداية. --- شخصًا تجمد وجهه فور ظهور اسمه. --- إبراهيم. --- وانتهى الفصل على نظرات الصدمة التي اجتاحت الجميع... بينما تراجع إبراهيم خطوة إلى الخلف وهو يهمس: "أنا أقدر أفسر..." خرجت الكلمات من إبراهيم بصعوبة. لكن أحدًا لم يرد. أحدًا لم يتحرك. حتى الهواء بدا وكأنه تجمد داخل المكان. كانت الشاشة ما تزال مضيئة. والاسم ظاهرًا أمام الجميع بوضوح. إبراهيم. المسؤول عن حذف الذاكرة. شعرت رهف بأن عقلها يرفض استيعاب ما يحدث. كم مرة ظنت أنها وصلت إلى الحقيقة؟ وكم مرة اكتشفت أن هناك حقيقة أخرى مختبئة خلفها؟ نظرت إلى إبراهيم. الرجل الذي وثقت به. الذي وقف معهم. الذي أنقذهم أكثر من مرة. وقالت بصوت مرتجف: "قول إن ده كذب." أغلق إبراهيم عينيه للحظة. طويلة. مؤلمة. ثم فتحهما من جديد. لكن هذه المرة لم تكن هناك محاولة للهرب. ولا محاولة للإنكار. قال بهدوء: "نفذت الأمر." ساد الصمت. صمت مرعب. أما يوسف فقبض على يده بقوة حتى برزت عروقها. وقال ببرود: "مين اللي أمرك؟" رفع إبراهيم رأسه ببطء. ونظر مباشرة نحو كمال. الجميع التفت إليه. لكن المفاجأة كانت أن كمال لم يبدُ غاضبًا. بل كان يراقب إبراهيم بصمت. كأنه ينتظر اعترافًا تأخر سنوات طويلة. تنهد إبراهيم. وقال: "الأمر جه من الإدارة." "من ناس أكبر من كمال." اتسعت عينا آدم. أما مصطفى فشحب وجهه. وكأن اسمًا معينًا خطر بباله. اسم لا يريد سماعه. اقترب آدم خطوة. "مين؟" ابتلع إبراهيم ريقه. ثم قال: "المؤسسون." تجمد المكان. حتى كمال رفع رأسه بسرعة. وكأن الكلمة أصابته هو أيضًا. قال يوسف: "مؤسسون إيه؟" ضحك إبراهيم ضحكة قصيرة خالية من أي فرح. وقال: "أنتم لسه فاكرين إن المشروع ده بدأ مع كمال؟" ثم هز رأسه. "كمال نفسه كان مجرد قطعة." نظر الجميع إلى كمال. لكن هذه المرة لم يعترض. لم يغضب. لم ينكر. وهنا فقط فهموا أن الكلام حقيقي. شعرت رهف بقشعريرة تسري في جسدها. كلما اقتربت من النهاية... اتسعت القصة أكثر. كأنها متاهة لا تنتهي. اقترب يوسف منها دون وعي. حتى أصبحت كتفه تلامس كتفها. وجوده وحده جعلها أكثر ثباتًا. رغم كل شيء. رغم الخوف. رغم الذكريات التي تتفجر داخل رأسها. كان هناك جزء منها يهدأ كلما اقترب. لاحظ يوسف ارتجاف أصابعها. فأمسك يدها بين يديه. برفق هذه المرة. بعكس كل المرات السابقة. كأنه يخشى أن تنكسر. نظرت إليه. فوجدته ينظر إليها بالفعل. دون كلام. دون أسئلة. فقط نظرة واحدة كانت كافية لتقول كل شيء. أنا هنا. لن أتركك. شعرت رهف بحرارة غريبة تنتشر داخل صدرها. ورغم الفوضى المحيطة بهم... ورغم أن حياتها كلها تتهاوى أمامها... وجدت نفسها تبتسم ابتسامة صغيرة. متعبة. لكن حقيقية. لاحظ آدم ذلك. فصمت للحظة. ثم أشاح بنظره. وكأن مشهدًا قديمًا عاد إليه. مشهد من طفولتهم. قبل أن يسرق المشروع كل شيء. وفجأة... انطفأت الشاشة. ثم اشتعلت مرة أخرى. لكن هذه المرة لم يظهر اسم. ظهرت صورة. صورة قديمة. شديدة القدم. رجلان يقفان أمام مبنى ضخم. أحدهما شاب يشبه كمال في شبابه. أما الآخر... فلم يعرفه أحد. إلا مصطفى. الذي تراجع خطوة فجأة. وشحب وجهه بالكامل. همست المرأة: "مصطفى... إنت تعرفه؟" ظل ينظر إلى الصورة. كأن شبحًا خرج من قبره. ثم قال بصوت خافت: "مستحيل." اقترب يوسف. "مين ده؟" رفع مصطفى رأسه ببطء. وقال: "ده مؤسس المشروع الحقيقي." سكت الجميع. ثم أضاف: "والد رهف." كأن قنبلة انفجرت داخل المكان. شهقت رهف. وتجمدت المرأة. أما كمال فبدا وكأنه تلقى ضربة قوية. قالت رهف: "إيه؟" لم تستطع قول أكثر من ذلك. كانت الكلمات نفسها أكبر من قدرتها على الاستيعاب. اقترب مصطفى من الشاشة. ويده ترتجف. ثم قال: "أنا كنت فاكر إنه مات." "كلنا افتكرنا إنه مات." ظهرت صورة جديدة فجأة. وثيقة قديمة. ملف رسمي. وفي أعلاه اسم واضح. الدكتور سامر الرفاعي. مؤسس المشروع. الحالة: مفقود. آخر ظهور: قبل عشرين عامًا. بدأت أنفاس رهف تتسارع. كل ثانية تمر كانت تضيف سؤالًا جديدًا. إذا كان والدها هو مؤسس المشروع... فلماذا أُخفيت الحقيقة؟ ولماذا مُسحت ذكرياتها؟ ولماذا يطاردها الجميع؟ وفجأة ظهر تسجيل صوتي جديد. خشخشة. تشويش. ثم صوت رجل. هادئ. عميق. "إذا وصلتِ إلى هذه الرسالة يا رهف..." تجمدت في مكانها. الدموع امتلأت عينيها فورًا. لأنها شعرت بشيء غريب. شيء يشبه الحنين. رغم أنها لا تتذكر الصوت. "إذا وصلتي إلى هنا..." تابع الصوت. "فمعنى ذلك أن كل شيء فشل." ساد الصمت. حتى الأنفاس اختفت. "وأنتِ الآن في خطر أكبر مما تتخيلين." شعرت رهف بأن قلبها يدق بعنف. أما يوسف فاقترب أكثر. حتى أصبح واقفًا أمامها تقريبًا. كأنه مستعد لحمايتها من مجرد الكلمات. ثم جاء الجزء الذي قلب كل شيء. قال الصوت: "ولا تثقي بأحد..." صمت للحظة. ثم أكمل: "حتى أنا." وانقطع التسجيل فجأة. في اللحظة نفسها اهتز المبنى بالكامل. أقوى من أي مرة سابقة. وسقطت أجزاء ضخمة من السقف. وتعالت صفارات الإنذار. وظهر على الشاشة تحذير أحمر ضخم: "إغلاق المنشأة خلال 15 دقيقة." نظر آدم إلى الجميع. ثم قال لأول مرة بنبرة حاسمة: "الوقت خلص." "إما نخرج دلوقتي..." توقف. ثم نظر إلى رهف مباشرة. "أو نموت وإحنا لسه بندور على الحقيقة." وانتهى الفصل بينما كانت رهف تنظر إلى التسجيل المنطفئ... وتتردد داخل رأسها آخر كلمات سمعتها: "ولا تثقي بأحد... حتى أنا." وكان السؤال الذي بدأ يلتهمها من الداخل: إذا كان والدها نفسه طلب منها ألا تثق به... ففيمن يمكنها أن تثق الآن؟"يوسف ما كانش صدفة في حياتك."انقطع التسجيل.وتحولت الشاشة إلى السواد.لكن الكلمات بقيت عالقة في الهواء.ثقيلة.موجعة.وكأنها فتحت بابًا لم يعد بالإمكان إغلاقه.---شعرت رهف بأن قلبها يخفق بعنف.ونظرت إلى الشاشة وكأنها تنتظر أن تعود الصورة من جديد.أن تكمل أمها الجملة.أن تشرح.أن تخبرها أي شيء.لكن الشاشة بقيت سوداء.صامتة.باردة.---قالت رهف بصوت مرتجف:"كمل..."وكأن أمها ما زالت تسمعها."لو سمحتي كملي..."---لكن لا أحد أجاب.---أما يوسف فكان واقفًا في مكانه.عاجزًا عن إبعاد عينيه عن الشاشة.شعر بشيء غريب داخل صدره.شيء بين الخوف والأمل.---لأن جزءًا منه كان يريد معرفة الحقيقة.وجزءًا آخر كان يخشاها.---اقترب سامر من لوحة التحكم.وبدأ يضغط على الأزرار بسرعة.محاولًا استعادة التسجيل.---ثوانٍ مرت كأنها ساعات.ثم عاد جزء من النظام للعمل.وظهرت صورة ليلى مجددًا.لكن التشويش كان أقوى هذه المرة.---رفعت ليلى رأسها نحو الكاميرا.وكان واضحًا أنها تبكي.---قالت بصوت متقطع:"لو وصلتي للمرحلة دي...""يبقى أكيد عرفتي جزء من الحقيقة."---توقفت للحظة.ثم أغلقت عينيها وكأنها تجمع شجاعتها
"يوسف ما كانش صدفة في حياتك."انقطع التسجيل.وتحولت الشاشة إلى السواد.لكن الكلمات بقيت عالقة في الهواء.ثقيلة.موجعة.وكأنها فتحت بابًا لم يعد بالإمكان إغلاقه.---شعرت رهف بأن قلبها يخفق بعنف.ونظرت إلى الشاشة وكأنها تنتظر أن تعود الصورة من جديد.أن تكمل أمها الجملة.أن تشرح.أن تخبرها أي شيء.لكن الشاشة بقيت سوداء.صامتة.باردة.---قالت رهف بصوت مرتجف:"كمل..."وكأن أمها ما زالت تسمعها."لو سمحتي كملي..."---لكن لا أحد أجاب.---أما يوسف فكان واقفًا في مكانه.عاجزًا عن إبعاد عينيه عن الشاشة.شعر بشيء غريب داخل صدره.شيء بين الخوف والأمل.---لأن جزءًا منه كان يريد معرفة الحقيقة.وجزءًا آخر كان يخشاها.---اقترب سامر من لوحة التحكم.وبدأ يضغط على الأزرار بسرعة.محاولًا استعادة التسجيل.---ثوانٍ مرت كأنها ساعات.ثم عاد جزء من النظام للعمل.وظهرت صورة ليلى مجددًا.لكن التشويش كان أقوى هذه المرة.---رفعت ليلى رأسها نحو الكاميرا.وكان واضحًا أنها تبكي.---قالت بصوت متقطع:"لو وصلتي للمرحلة دي...""يبقى أكيد عرفتي جزء من الحقيقة."---توقفت للحظة.ثم أغلقت عينيها وكأنها تجمع شجاعتها
"دي بداية تفعيل المشروع داخلك."سقطت الكلمات كالصاعقة.لكن هذه المرة...لم تكن الصدمة بسبب ما قيل.بل بسبب الطريقة التي نظر بها الرجل إلى رهف.وكأنه لا يرى فتاة.بل يرى سرًا دفن منذ عشرين عامًا.---ظهر العد التنازلي على جميع الشاشات.04:1204:1104:10وكانت الثواني تنزلق بسرعة مخيفة.بينما اهتزت أرضية القاعة من جديد.وتساقطت أجزاء صغيرة من السقف.---تقدمت رهف خطوة للأمام.ورغم الخوف الذي ينهش قلبها، رفعت رأسها بعناد.وقالت:"أنا تعبت."ساد الصمت.فأكملت بنبرة مرتجفة:"كل واحد بيقول نص حقيقة.""كل واحد بيخبي جزء.""وأنا اللي بدفع التمن."ثم أشارت إلى الشاشات حولها."قولوا الحقيقة كاملة."---نظر الرجل الذي يشبه يوسف إليها طويلًا.ثم ابتسم ابتسامة غريبة.ليست ساخرة.وليست باردة.بل حزينة.وكأنه يرى شخصًا يعرفه منذ زمن بعيد.---قال بهدوء:"الحقيقة كاملة هتوجعك."---ردت رهف بسرعة:"أنا عشت عمري كله في وجع.""مبقاش فارق."---في تلك اللحظة...شعر يوسف بشيء يتحرك داخله.ألم غريب.لأن كلماتها لم تكن موجهة للرجل فقط.كانت موجهة للحياة كلها.---نظر إليها.ورأى الإرهاق المختبئ خلف قوتها.س
تم إيقاظ الأصل.كانت العبارة الحمراء تومض على الشاشات المحيطة بهم كنبضات قلب عملاق يحتضر.صفارات الإنذار مزقت السكون.الأضواء الزرقاء تحولت إلى حمراء.والمنشأة بأكملها بدأت تهتز بعنف.لكن رهف لم ترَ شيئًا من ذلك.كل ما رأته كان يوسف.أو بالأحرى... الرجل الذي جلست إلى جواره، وثقت به، وخافت عليه، وتعلقت به دون أن تشعر.كان جاثيًا على ركبتيه وسط القاعة، يضغط رأسه بقوة وكأنه يحاول منع عقله من الانفجار.ركضت نحوه دون تفكير.هبطت بجواره على الأرض.وأمسكت وجهه بين كفيها."يوسف... بص لي."كان جسده يرتجف.وأنفاسه متقطعة.أما عيناه فكانتا مليئتين بالألم.ألم لم ترَه فيه من قبل.رفع نظره إليها بصعوبة.وقال بصوت مبحوح:"أنا مش عارف أنا مين."كانت الجملة بسيطة.لكنها أصابت قلبها مباشرة.لأنها خرجت من رجل يقف فوق أرض تتهاوى تحت قدميه.رجل اكتشف في دقائق أن حياته كلها قد تكون كذبة.وأن ذكرياته ربما ليست ذكرياته.وأن اسمه نفسه قد لا يكون اسمه.شعرت رهف بغصة مؤلمة.ثم هزت رأسها بقوة."لا."نظر إليها.فأكملت وهي تقترب أكثر:"أنا أعرف إنت مين."ارتجفت شفتاه.كأنها قالت شيئًا لا يصدق.أما هي فأكملت دون ت
بقّى عشر دقائق على بدء المرحلة الأخيرة.تردّد الصوت الآلي في أنحاء المنشأة كأنه حكم نهائي لا يمكن التراجع عنه.وقفت رهف للحظات تحدق في الممرات السفلية حيث اختفى الرجال الذين حملوا آدم.شعرت بقبضة باردة تعتصر قلبها.آدم كان دائمًا أقوى شخص بينهم.الأكثر قدرة على النجاة.فإذا تمكنوا من القبض عليه...فهذا يعني أن خصومهم أقوى مما تخيلوا.إلى جوارها، كان يوسف يراقب المكان بعينين حادتين.ثم قال بصوت منخفض:"لازم نتحرك."أومأت رهف.لكنها لم تبعد نظرها عن الأسفل."مش هنسيبه."التفت إليها يوسف.ورأى الإصرار في عينيها.ذلك الإصرار الذي أصبح يعرفه جيدًا.ابتسم ابتسامة خفيفة رغم خطورة الموقف.وقال:"عارف."ثم أضاف:"علشان كده لازم نوصل لغرفة الأصل."تحركا بسرعة عبر الممر المعدني.وكانت الاهتزازات تزداد مع كل دقيقة تمر.في بعض الأماكن ظهرت شقوق جديدة في الجدران.وفي أماكن أخرى كانت أنظمة الإضاءة تتعطل تدريجيًا.بدت المنشأة وكأنها تحتضر.وكأنها تستعد لدفن أسرارها معها.بعد دقائق من السير، وصلا إلى بوابة ضخمة لم تكن موجودة على الخرائط التي شاهداها سابقًا.باب معدني هائل.يمتد من الأرض إلى السقف.وفي
ما هو السر الذي يربط رهف ويوسف منذ الطفولة؟ظل السؤال يتردد داخل القاعة حتى بعد اختفاء الصورة.كان الظلام يحيط بهما من كل جانب، بينما بقيت الشاشة السوداء أمامهما كأنها تتعمد تركهما وسط دوامة من الاحتمالات.شعرت رهف بأن قلبها يخفق بسرعة.ليس بسبب الرجل الغامض.ولا بسبب ظهور آدم.بل بسبب ذلك الإحساس الغريب الذي بدأ يكبر داخلها كلما اقتربت من الحقيقة.كأن جزءًا من روحها يعرف الإجابة...لكن ذاكرتها ما زالت ترفض البوح بها.اشتعلت الأضواء الاحتياطية أخيرًا.بخفتوتها المعتادة.فعاد المكان إلى الظهور تدريجيًا.التفتت رهف نحو يوسف.فوجدته شاردًا.ملامحه متجهمة أكثر من المعتاد.وعيناه غارقتان في التفكير.همست:"بم تفكر؟"انتبه إليها فورًا.وكأنه كان بعيدًا جدًا وعاد في اللحظة الأخيرة.تنهد ببطء.ثم قال:"في حاجة مش مريحة."عقدت حاجبيها."إيه هي؟"أجاب وهو ينظر إلى الشاشة المنطفئة:"كل اللي بيحصل حاسس إنه متخطط له."ساد الصمت بينهما.ثم أومأت رهف ببطء.لأنها شعرت بالأمر نفسه.منذ بداية الأحداث وهناك من يدفعهم خطوة بعد خطوة نحو مكان معين.حقيقة معينة.أو ربما مصير معين.---واصلا السير عبر الممر
الليل كان تقيل بشكل غير طبيعي…البيت من بره شكله هادي، لكن الهدوء ده كان كأنه قشرة رقيقة جدًا فوق حاجة تحتها بتغلي.جوه البيت، مصطفى كان قاعد في الصالة، ماسك ورق قديم قدامه، عينيه بتقرا بسرعة وكأنه بيحاول يلحق حاجة قبل ما تضيع.رهف كانت في أوضتها، لكن قلبها مش هادي.من وقت ما رجعت من المستشفى وهي ح
صوت الزجاج المكسور ما كانش مجرد صوت عابر… كان زي إشارة إن الهدوء اللي كانوا عايشين فيه انتهى رسميًا. في ساحة الجامعة، الطلبة بدأوا يجروا في اتجاهات مختلفة، وصرخات خفيفة انتشرت بسرعة، لكن مفيش حد كان فاهم إيه اللي حصل بالظبط. رهف كانت واقفة مكانها، عينيها مثبتة على الاتجاه اللي جه منه الصوت. قل
الورقة كانت بين إيد رهف…بس وزنها كان تقيل بشكل غريب.مش بسبب الورق نفسه…لكن بسبب اللي مكتوب فيه."لو عايزة الحقيقة… ابعدي عن بيت مصطفى."رهف فضلت باصة للكتابة كذا ثانية من غير ما ترمش.كأن عقلها بيحاول يرفض يفهم.منار قربت منها:منار:رهف… مين اللي كتب ده؟مازن كان مركز مع لؤي مش مع الورقة.لكن ل
لم يكن الصمت في غرفة رهف هذه المرة مجرد غياب صوت…بل كان ثِقلًا يخنق المكان كله.الهواء نفسه بدا وكأنه أصبح أبطأ.رهف كانت واقفة مكانها، عينيها مثبتة على الورقة التي سقطت من يدها، وكأنها تحاول تستوعب معنى الجملة اللي اتكتبت فيها."إنتي مش بنت مصطفى الحقيقي…"كلمة واحدة كانت كفيلة إنها تهز كل حاجة ج







