Home / الرومانسية / وجع باسم الحب / الفصل السابع و الثلاثون

Share

الفصل السابع و الثلاثون

last update publish date: 2026-06-21 01:04:39

تردد صدى الطلقة داخل المخزن المهجور كالرعد.

لحظة واحدة فقط...

لكنها كانت كافية لتقلب المشهد بالكامل.

تجمد الجميع في أماكنهم.

وتناثر الزجاج فوق الأرض الخرسانية في صوت حاد أشبه بالإنذار.

أما رهف فشعرت بقلبها يقفز إلى حلقها.

لم تكن خائفة من الرجل الملثم بقدر خوفها من شيء آخر...

الملف.

ذلك الملف الذي سقط من يد مصطفى وانزلق فوق الأرض عدة أمتار.

الملف الذي يبدو أن الجميع مستعد للقتل من أجله.

رفع الرجل الملثم سلاحه مرة أخرى.

وقال بصوت بارد:

"ابتعدوا عن الملف."

لكن أحدًا لم يتحرك.

خاصة يوسف.

كانت عيناه مثبتتين على رهف أولًا.

يتأكد أنها بخير.

ثم على المسلح.

ثم على الملف.

في ثوانٍ قليلة كان عقله يحاول استيعاب عشرات الاحتمالات.

وأغلبها سيئ.

للغاية.

اقترب إبراهيم خطوة إلى الأمام.

وقال بهدوء:

"لو كنت عايز الملف كنت خدته قبل ما نوصل."

ضحكة ساخرة خرجت من الرجل الملثم.

"أنا مش جاي أخده."

صمت لحظة.

ثم أضاف:

"أنا جاي أتأكد إنه ما يتفتحش."

تبادل مصطفى وإبراهيم نظرة سريعة.

نظرة فهمها الاثنان.

ولم يفهمها أحد غيرهما.

وهنا أدرك يوسف شيئًا مهمًا.

الرجل ده...

مش مجرد مأجور.

يعرف الحقيقة.

أو جزءًا منها على الأقل.

قال يوسف بحدة:

"مين اللي باعتك؟"

لكن الرجل لم يرد.

بل وجه فوهة السلاح مباشرة نحو الملف.

وكأنه يستعد لإطلاق النار عليه.

في تلك اللحظة تحرك مصطفى فجأة.

بسرعة لم يتوقعها أحد.

اندفع نحو الملف.

وانطلقت طلقة ثانية.

صرخت رهف.

لكن الطلقة لم تصب مصطفى.

بل ارتطمت بالأرض على بعد سنتيمترات منه.

استطاع الإمساك بالملف واحتضنه بقوة.

ثم رفع رأسه نحو الرجل الملثم.

ولأول مرة منذ بداية الأحداث...

ظهر الغضب الحقيقي على وجهه.

"كفاية."

قالها بصوت منخفض.

لكن وقعها كان أقوى من الصراخ.

"خسرت ناس كتير بسبب الأسرار دي."

"وخسرت عمري كله وأنا بحاول أصلح الغلط."

"ومش هسمح لحد يدفن الحقيقة تاني."

ساد الصمت.

حتى الرجل الملثم توقف عن الحركة.

كأنه لم يتوقع هذه المواجهة.

لكن بعد ثوانٍ...

بدأ يصفق ببطء.

تصفيق هادئ.

مستفز.

"جميل."

قالها بسخرية.

"جميل جدًا."

ثم أضاف:

"بس المشكلة إن الحقيقة اللي بتحاول تحميها هتدمرهم أكتر من الكذب."

شعرت رهف بقشعريرة تسري في جسدها.

كلما اقتربوا من الإجابة...

زاد الرعب.

كأن الحقيقة نفسها وحش يختبئ في الظلام.

اقترب يوسف من عمه.

وقف بجواره.

ثم قال للرجل الملثم:

"لو عندك حاجة تقولها... قولها."

ابتسم الرجل.

رغم أن نصف وجهه كان مخفيًا.

إلا أن ابتسامته كانت واضحة.

ومزعجة.

"تمام."

قالها بهدوء.

"خلينا نبدأ بسؤال بسيط."

ثم وجه نظره نحو رهف.

مباشرة.

شعرت رهف بأنفاسها تتعثر.

وقال:

"إنتِ متأكدة إن حياتك بدأت يوم اتولدتي؟"

ساد صمت ثقيل.

شعرت رهف بأن الأرض تميد تحتها.

نفس السؤال.

نفس الفكرة.

تعود من جديد.

كأن الجميع مصرّ على انتزاع هويتها منها.

رفع يوسف صوته بغضب:

"بطل لعب بالألغاز."

لكن الرجل تجاهله.

واستمر ينظر إلى رهف.

"لو عرفتي الحقيقة كاملة..."

"هتكرهي الناس اللي بتحبيهم."

هنا تغيرت ملامح يوسف.

وتغيرت ملامح مصطفى.

حتى محسن بدا متوترًا بشكل غير طبيعي.

وكأن الجملة أصابت نقطة حساسة جدًا.

لاحظت رهف ذلك فورًا.

ونظرت بينهم.

شخصًا تلو الآخر.

ثم سألت بصوت مرتجف:

"إيه اللي مخبينه عني؟"

لم يجب أحد.

وهنا كان الصمت أسوأ من أي إجابة.

شعرت بشيء ينكسر داخلها.

لأنها بدأت تدرك أن الجميع يعرف شيئًا.

الجميع.

إلا هي.

رفعت عينيها نحو يوسف.

كانت تبحث عن نفي.

عن طمأنة.

عن أي شيء.

لكنها رأت التردد في عينيه.

ولأول مرة منذ زمن طويل...

شعرت بالألم.

ألم حقيقي.

ليس خوفًا.

ولا حزنًا.

بل خيبة.

قالت بصوت خافت:

"إنت كمان؟"

تجمد يوسف.

وكأن السؤال أصابه مباشرة في قلبه.

تقدم خطوة نحوها.

"رهف..."

لكنها تراجعت خطوة للخلف.

خطوة صغيرة.

إلا أنها كانت كافية لتشعره بشيء لم يشعر به من قبل.

الخسارة.

في تلك اللحظة بالذات...

ابتسم الرجل الملثم.

لأنه رأى ما كان يريده.

الشك.

بدأ أخيرًا يتسلل بينهم.

وهذا أخطر من أي سلاح.

وفي الخارج...

بعيدًا عن المخزن.

داخل سيارة سوداء متوقفة في الظلام.

كان شخص مجهول يراقب كل ما يحدث عبر شاشة صغيرة.

وحين رأى تراجع رهف عن يوسف...

ابتسم ببطء.

وقال:

"ممتاز."

ثم أضاف بهدوء:

"المرحلة الثالثة بدأت."

وأغلق الشاشة.

بينما كانت العاصفة الحقيقية...

لم تبدأ بعد.

بقيت المسافة الصغيرة بين يوسف ورهف معلقة في الهواء.

خطوة واحدة فقط.

لكنها بدت أكبر من كل المسافات التي قطعاها معًا.

يوسف لم يكن خائفًا من الرجل الملثم.

ولا من السلاح.

ولا حتى من الحقيقة التي يحاول الجميع إخفاءها.

كان خائفًا من النظرة الموجودة الآن في عيني رهف.

نظرة الشك.

لأنها المرة الأولى التي يشعر فيها أنها لا تنظر إليه كملجأ.

بل كجزء من اللغز.

وجزء من الكذب.

تنفس ببطء.

ثم قال:

"أنا عمري ما كذبت عليكِ."

رفعت رهف عينيها إليه.

وكانت الدموع تلمع فيهما رغم أنها رفضت السقوط.

"بس خبيت."

الكلمة أصابته في مقتل.

لأنها كانت صحيحة.

إلى حد ما.

لم يكن يعرف الحقيقة كاملة.

لكنه كان يعرف أجزاءً منها.

وأجزاءً كثيرة لم يجرؤ على قولها.

ليس خوفًا على نفسه.

بل خوفًا عليها.

لكن كيف يشرح ذلك الآن؟

وكيف سيصدق أحد أصلًا؟

في هذه اللحظة قطع الرجل الملثم المشهد بصوت ساخر:

"رائع."

"حتى الآن ما زلتم تتصرفون وكأن عندكم وقت."

ثم وجه السلاح نحو السقف وأطلق رصاصة ثالثة.

اهتز المكان كله.

وتساقطت بعض القطع المعدنية الصدئة.

صرخت رهف لا إراديًا.

فاندفع يوسف أمامها فورًا.

دون تفكير.

غريزة خالصة.

وقف بينها وبين مصدر الخطر.

وكأنه مستعد لتلقي الرصاصة بنفسه.

توقفت رهف للحظة.

رغم غضبها.

رغم شكها.

ورغم ألمها.

إلا أنها لاحظت شيئًا واحدًا.

يوسف لم يتردد.

ولا لثانية.

الرجل الملثم ضحك بخفوت.

"وهنا تكمن المشكلة."

التفت الجميع إليه.

فأكمل:

"الحب دائمًا يفسد الحسابات."

ساد الصمت.

لكن هذه المرة كان مصطفى هو من تحرك.

أغلق الملف بقوة بين يديه.

ثم نظر إلى الرجل الملثم وقال:

"أنت مش جاي تمنع الحقيقة."

"أنت جاي تخاف منها."

اختفت الابتسامة من وجه الرجل.

لأول مرة.

ولأول مرة شعر الجميع أن مصطفى أصاب هدفه.

اقترب إبراهيم خطوة.

وقال بهدوء:

"مين اللي بعتك؟"

لم يجب الرجل.

لكن عينيه تحركتا للحظة.

لحظة صغيرة جدًا.

إلا أن محسن لاحظها.

واتسعت عيناه فجأة.

كأنه تذكر شيئًا.

أو عرف شيئًا.

أو ربط بين أحداث كثيرة دفعة واحدة.

نظر إلى الرجل الملثم طويلًا.

ثم همس:

"لا..."

التفت إليه يوسف.

"في إيه؟"

لكن محسن لم يجب فورًا.

ظل يحدق في الرجل.

ثم قال بصوت خافت:

"أنا أعرفه."

تجمد الجميع.

حتى الرجل الملثم نفسه.

بدا عليه التوتر للحظة قصيرة.

ثم اختفى.

يوسف عقد حاجبيه.

"تعرفه إزاي؟"

رفع محسن رأسه ببطء.

وقال:

"لأن ده مش أول مرة أشوفه."

صمت.

ثم أكمل:

"أنا شوفته يوم الحادث."

شعرت رهف بأنفاسها تتسارع.

الحادث.

الكلمة التي أصبحت مرتبطة بكل كارثة في حياتهم.

يوسف اقترب خطوة.

"أي حادث؟"

ابتلع محسن ريقه.

ثم قال:

"اليوم اللي مات فيه أبوك."

تجمد يوسف.

كأن أحدهم ضربه بقوة.

ومنذ بداية الأحداث...

لم يكن أحد يتحدث عن وفاة والده.

ولا عن تفاصيلها.

ولا عن السبب الحقيقي وراءها.

كان ملفًا مغلقًا.

مؤلمًا.

ومدفونًا.

لكن الآن...

عاد للواجهة من جديد.

نظر يوسف إلى الرجل الملثم.

ثم إلى محسن.

وقال بصوت خرج بصعوبة:

"إنت بتقول إن الراجل ده كان موجود يوم وفاة أبويا؟"

أومأ محسن ببطء.

"وأكتر من كده."

"كان بيشتغل مع الشخص اللي أصدر الأوامر."

ساد الصمت.

صمت ثقيل.

مخيف.

حتى الرجل الملثم لم يعد يضحك.

أما رهف...

فبدأت تشعر أن الحقيقة تتشعب في كل اتجاه.

كل إجابة تفتح عشرين سؤالًا جديدًا.

وكل سر يكشف سرًا أكبر.

لكن أكثر ما أخافها...

هو شيء آخر.

شيء بدأ يتشكل داخلها بوضوح.

إحساس أن ما يحدث الآن ليس مجرد صراع على ملف.

ولا مجرد مؤامرة.

بل تصفية حسابات قديمة.

قديمة جدًا.

حسابات بدأت قبل سنوات.

قبل أن تعرف معنى الحب.

وقبل أن يعرف يوسف معنى الفقد.

وفجأة...

انطفأت أنوار المخزن بالكامل.

غرق المكان في الظلام.

وارتفعت صرخة من مكان مجهول.

ثم دوى صوت ارتطام عنيف.

تلاه صوت سقوط شيء على الأرض.

وفي الظلام...

سمعوا صوت الرجل الملثم يقول:

"فات الأوان..."

ثم اختفى كل شيء في صمت مرعب.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • وجع باسم الحب   الفصل السابع و الخمسون

    "يوسف ما كانش صدفة في حياتك."انقطع التسجيل.وتحولت الشاشة إلى السواد.لكن الكلمات بقيت عالقة في الهواء.ثقيلة.موجعة.وكأنها فتحت بابًا لم يعد بالإمكان إغلاقه.---شعرت رهف بأن قلبها يخفق بعنف.ونظرت إلى الشاشة وكأنها تنتظر أن تعود الصورة من جديد.أن تكمل أمها الجملة.أن تشرح.أن تخبرها أي شيء.لكن الشاشة بقيت سوداء.صامتة.باردة.---قالت رهف بصوت مرتجف:"كمل..."وكأن أمها ما زالت تسمعها."لو سمحتي كملي..."---لكن لا أحد أجاب.---أما يوسف فكان واقفًا في مكانه.عاجزًا عن إبعاد عينيه عن الشاشة.شعر بشيء غريب داخل صدره.شيء بين الخوف والأمل.---لأن جزءًا منه كان يريد معرفة الحقيقة.وجزءًا آخر كان يخشاها.---اقترب سامر من لوحة التحكم.وبدأ يضغط على الأزرار بسرعة.محاولًا استعادة التسجيل.---ثوانٍ مرت كأنها ساعات.ثم عاد جزء من النظام للعمل.وظهرت صورة ليلى مجددًا.لكن التشويش كان أقوى هذه المرة.---رفعت ليلى رأسها نحو الكاميرا.وكان واضحًا أنها تبكي.---قالت بصوت متقطع:"لو وصلتي للمرحلة دي...""يبقى أكيد عرفتي جزء من الحقيقة."---توقفت للحظة.ثم أغلقت عينيها وكأنها تجمع شجاعتها

  • وجع باسم الحب   الفصل السابع و الخمسون

    "يوسف ما كانش صدفة في حياتك."انقطع التسجيل.وتحولت الشاشة إلى السواد.لكن الكلمات بقيت عالقة في الهواء.ثقيلة.موجعة.وكأنها فتحت بابًا لم يعد بالإمكان إغلاقه.---شعرت رهف بأن قلبها يخفق بعنف.ونظرت إلى الشاشة وكأنها تنتظر أن تعود الصورة من جديد.أن تكمل أمها الجملة.أن تشرح.أن تخبرها أي شيء.لكن الشاشة بقيت سوداء.صامتة.باردة.---قالت رهف بصوت مرتجف:"كمل..."وكأن أمها ما زالت تسمعها."لو سمحتي كملي..."---لكن لا أحد أجاب.---أما يوسف فكان واقفًا في مكانه.عاجزًا عن إبعاد عينيه عن الشاشة.شعر بشيء غريب داخل صدره.شيء بين الخوف والأمل.---لأن جزءًا منه كان يريد معرفة الحقيقة.وجزءًا آخر كان يخشاها.---اقترب سامر من لوحة التحكم.وبدأ يضغط على الأزرار بسرعة.محاولًا استعادة التسجيل.---ثوانٍ مرت كأنها ساعات.ثم عاد جزء من النظام للعمل.وظهرت صورة ليلى مجددًا.لكن التشويش كان أقوى هذه المرة.---رفعت ليلى رأسها نحو الكاميرا.وكان واضحًا أنها تبكي.---قالت بصوت متقطع:"لو وصلتي للمرحلة دي...""يبقى أكيد عرفتي جزء من الحقيقة."---توقفت للحظة.ثم أغلقت عينيها وكأنها تجمع شجاعتها

  • وجع باسم الحب   الفصل السادس و الخمسون

    "دي بداية تفعيل المشروع داخلك."سقطت الكلمات كالصاعقة.لكن هذه المرة...لم تكن الصدمة بسبب ما قيل.بل بسبب الطريقة التي نظر بها الرجل إلى رهف.وكأنه لا يرى فتاة.بل يرى سرًا دفن منذ عشرين عامًا.---ظهر العد التنازلي على جميع الشاشات.04:1204:1104:10وكانت الثواني تنزلق بسرعة مخيفة.بينما اهتزت أرضية القاعة من جديد.وتساقطت أجزاء صغيرة من السقف.---تقدمت رهف خطوة للأمام.ورغم الخوف الذي ينهش قلبها، رفعت رأسها بعناد.وقالت:"أنا تعبت."ساد الصمت.فأكملت بنبرة مرتجفة:"كل واحد بيقول نص حقيقة.""كل واحد بيخبي جزء.""وأنا اللي بدفع التمن."ثم أشارت إلى الشاشات حولها."قولوا الحقيقة كاملة."---نظر الرجل الذي يشبه يوسف إليها طويلًا.ثم ابتسم ابتسامة غريبة.ليست ساخرة.وليست باردة.بل حزينة.وكأنه يرى شخصًا يعرفه منذ زمن بعيد.---قال بهدوء:"الحقيقة كاملة هتوجعك."---ردت رهف بسرعة:"أنا عشت عمري كله في وجع.""مبقاش فارق."---في تلك اللحظة...شعر يوسف بشيء يتحرك داخله.ألم غريب.لأن كلماتها لم تكن موجهة للرجل فقط.كانت موجهة للحياة كلها.---نظر إليها.ورأى الإرهاق المختبئ خلف قوتها.س

  • وجع باسم الحب   الفصل الخامس و الخمسون

    تم إيقاظ الأصل.كانت العبارة الحمراء تومض على الشاشات المحيطة بهم كنبضات قلب عملاق يحتضر.صفارات الإنذار مزقت السكون.الأضواء الزرقاء تحولت إلى حمراء.والمنشأة بأكملها بدأت تهتز بعنف.لكن رهف لم ترَ شيئًا من ذلك.كل ما رأته كان يوسف.أو بالأحرى... الرجل الذي جلست إلى جواره، وثقت به، وخافت عليه، وتعلقت به دون أن تشعر.كان جاثيًا على ركبتيه وسط القاعة، يضغط رأسه بقوة وكأنه يحاول منع عقله من الانفجار.ركضت نحوه دون تفكير.هبطت بجواره على الأرض.وأمسكت وجهه بين كفيها."يوسف... بص لي."كان جسده يرتجف.وأنفاسه متقطعة.أما عيناه فكانتا مليئتين بالألم.ألم لم ترَه فيه من قبل.رفع نظره إليها بصعوبة.وقال بصوت مبحوح:"أنا مش عارف أنا مين."كانت الجملة بسيطة.لكنها أصابت قلبها مباشرة.لأنها خرجت من رجل يقف فوق أرض تتهاوى تحت قدميه.رجل اكتشف في دقائق أن حياته كلها قد تكون كذبة.وأن ذكرياته ربما ليست ذكرياته.وأن اسمه نفسه قد لا يكون اسمه.شعرت رهف بغصة مؤلمة.ثم هزت رأسها بقوة."لا."نظر إليها.فأكملت وهي تقترب أكثر:"أنا أعرف إنت مين."ارتجفت شفتاه.كأنها قالت شيئًا لا يصدق.أما هي فأكملت دون ت

  • وجع باسم الحب   الفصل الرابع و الخمسون

    بقّى عشر دقائق على بدء المرحلة الأخيرة.تردّد الصوت الآلي في أنحاء المنشأة كأنه حكم نهائي لا يمكن التراجع عنه.وقفت رهف للحظات تحدق في الممرات السفلية حيث اختفى الرجال الذين حملوا آدم.شعرت بقبضة باردة تعتصر قلبها.آدم كان دائمًا أقوى شخص بينهم.الأكثر قدرة على النجاة.فإذا تمكنوا من القبض عليه...فهذا يعني أن خصومهم أقوى مما تخيلوا.إلى جوارها، كان يوسف يراقب المكان بعينين حادتين.ثم قال بصوت منخفض:"لازم نتحرك."أومأت رهف.لكنها لم تبعد نظرها عن الأسفل."مش هنسيبه."التفت إليها يوسف.ورأى الإصرار في عينيها.ذلك الإصرار الذي أصبح يعرفه جيدًا.ابتسم ابتسامة خفيفة رغم خطورة الموقف.وقال:"عارف."ثم أضاف:"علشان كده لازم نوصل لغرفة الأصل."تحركا بسرعة عبر الممر المعدني.وكانت الاهتزازات تزداد مع كل دقيقة تمر.في بعض الأماكن ظهرت شقوق جديدة في الجدران.وفي أماكن أخرى كانت أنظمة الإضاءة تتعطل تدريجيًا.بدت المنشأة وكأنها تحتضر.وكأنها تستعد لدفن أسرارها معها.بعد دقائق من السير، وصلا إلى بوابة ضخمة لم تكن موجودة على الخرائط التي شاهداها سابقًا.باب معدني هائل.يمتد من الأرض إلى السقف.وفي

  • وجع باسم الحب   الفصل الثالث و الخمسون

    ما هو السر الذي يربط رهف ويوسف منذ الطفولة؟ظل السؤال يتردد داخل القاعة حتى بعد اختفاء الصورة.كان الظلام يحيط بهما من كل جانب، بينما بقيت الشاشة السوداء أمامهما كأنها تتعمد تركهما وسط دوامة من الاحتمالات.شعرت رهف بأن قلبها يخفق بسرعة.ليس بسبب الرجل الغامض.ولا بسبب ظهور آدم.بل بسبب ذلك الإحساس الغريب الذي بدأ يكبر داخلها كلما اقتربت من الحقيقة.كأن جزءًا من روحها يعرف الإجابة...لكن ذاكرتها ما زالت ترفض البوح بها.اشتعلت الأضواء الاحتياطية أخيرًا.بخفتوتها المعتادة.فعاد المكان إلى الظهور تدريجيًا.التفتت رهف نحو يوسف.فوجدته شاردًا.ملامحه متجهمة أكثر من المعتاد.وعيناه غارقتان في التفكير.همست:"بم تفكر؟"انتبه إليها فورًا.وكأنه كان بعيدًا جدًا وعاد في اللحظة الأخيرة.تنهد ببطء.ثم قال:"في حاجة مش مريحة."عقدت حاجبيها."إيه هي؟"أجاب وهو ينظر إلى الشاشة المنطفئة:"كل اللي بيحصل حاسس إنه متخطط له."ساد الصمت بينهما.ثم أومأت رهف ببطء.لأنها شعرت بالأمر نفسه.منذ بداية الأحداث وهناك من يدفعهم خطوة بعد خطوة نحو مكان معين.حقيقة معينة.أو ربما مصير معين.---واصلا السير عبر الممر

  • وجع باسم الحب   الفصل الثالث و الاربعون

    لم تستطع رهف أن تبعد عينيها عن الصورة.كأن الزمن توقف.وكأن كل الأصوات من حولها اختفت فجأة.لم تعد تسمع الانفجارات.ولا صوت الرياح.ولا حتى دقات قلبها.فقط تلك المرأة.المرأة التي تحمل الطفلة بين ذراعيها.امرأة لم ترها من قبل.ومع ذلك...شعرت بشيء غريب يجذبها إليها.شيء عميق.ومؤلم.همست بصوت مرتجف

  • وجع باسم الحب   الفصل الثاني و الاربعون

    00:5800:5700:56كان الرقم الأحمر يتناقص أمام أعينهم كحكم بالإعدام.كل ثانية تمر كانت تُنتزع من أعمارهم.وكل نبضة قلب كانت أقرب إلى النهاية.تجمد الجميع لوهلة.تلك اللحظة القصيرة التي يصطدم فيها العقل بالخطر فلا يعرف هل يهرب أم يقاتل.لكن إبراهيم كان أول من تحرك.انطلق نحو لوحة الكهرباء القديمة ال

  • وجع باسم الحب   الفصل الواحد و الاربعون

    "لقد بدأ العد التنازلي."سقطت الكلمات من فم كمال بهدوء.لكن أثرها كان أشبه بقنبلة انفجرت داخل المخزن.تصلب إبراهيم في مكانه.وشحب وجهه بصورة جعلت يوسف يلتفت إليه فورًا."عد تنازلي لإيه؟"لم يجب إبراهيم.بل ظل ينظر إلى كمال وكأنه يرى كابوسًا عاد من الماضي.أما كمال...فكان يبتسم.ابتسامة رجل يعرف شي

  • وجع باسم الحب   الفصل الأربعون

    تجمد الزمن حول رهف.لم تعد تسمع أصوات الرصاص.ولا صراخ الرجال.ولا ارتطام الأجساد بالأرض.كل شيء اختفى.كأن العالم كله انكمش داخل تلك الورقة الصغيرة بين يديها."العنصر الأساسي للمشروع: رهف مصطفى الهلالي."أعادت قراءة السطر مرة.ثم مرتين.ثم عشر مرات.وفي كل مرة كانت الكلمات تصبح أكثر قسوة.وأقل منط

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status