LOGIN# الفصل السابع
## المنزل الذي لم يُنسَ تجمدت أوديت في مكانها. عيناها مثبتتان على السقف. أنفاسها أصبحت بطيئة وثقيلة. الصوت كان حقيقيًا. لم يكن خيالًا. لم يكن الريح. كان هناك شخص في الطابق العلوي. شخص يتحرك. وشخص أغلق بابًا منذ لحظات. نظر لوسيان نحو الدرج الخشبي الطويل. ثم عاد إليها. — ابقي هنا. — قلت لا. — أوديت. — وأنت قلت إن المنزل فارغ. لم يجب. لأنه لم يكن يملك إجابة. --- أخرج هاتفه. وأضاء المصباح. ثم بدأ يصعد الدرج ببطء. بعد لحظة واحدة فقط... تبعته أوديت. سمع خطواتها خلفه. فالتفت بضيق. — عنيدة. — ولن أبقى وحدي في الأسفل. كاد يعترض. لكنه استسلم أخيرًا. --- كان الطابق العلوي أكثر ظلمة. وأكثر برودة. كأن أحدًا لم يدخله منذ سنوات طويلة. غطت طبقة من الغبار الأرضية الخشبية. وتدلت خيوط العنكبوت من الزوايا. لكن شيئًا ما لفت انتباه أوديت فورًا. آثار أقدام. حديثة. واضحة. فوق الغبار. انحنت بسرعة. — لوسيان. اقترب منها. ورأى ما رأته. تصلب فكه. — شخص كان هنا. همست: — وربما ما زال هنا. --- تابعا السير. حتى وصلا إلى نهاية الممر. كان هناك باب نصف مفتوح. تبادل الاثنان النظرات. ثم دفعه لوسيان ببطء. صرير طويل مزق الصمت. وانفتح الباب. كانت الغرفة فارغة. تقريبًا. سرير قديم. خزانة خشبية. ومكتب صغير قرب النافذة. لكن الشيء الغريب... أن النافذة كانت مفتوحة. والستائر تتحرك مع الريح. ركضت أوديت نحوها. ونظرت إلى الخارج. الشارع خالٍ. لا أحد. لكن فوق حافة النافذة مباشرة... وجدت شيئًا. ورقة مطوية. موضوعة بعناية. وكأن أحدهم تركها عمدًا. --- التقطتها بسرعة. وفتحتها. هذه المرة لم تكن رسالة تهديد. بل رسم. خريطة صغيرة. تحتوي على عدة خطوط وعلامات. وفي أسفلها جملة واحدة. > "ما تبحثون عنه أقرب مما تظنون." عبست أوديت. — ماذا يعني هذا؟ اقترب لوسيان. أخذ الورقة. وبدأ يدرسها. وفجأة تغيرت نظرته. — أعرف هذا المكان. رفعت رأسها بسرعة. — ماذا؟ أشار إلى إحدى العلامات. — هذه ليست خريطة لباريس. — إذًا ماذا؟ رفع عينيه إليها. — إنها خريطة القصر. --- ساد الصمت. شعرت أوديت بقشعريرة. القصر؟ إذًا كل هذا الوقت... كان السر موجودًا هناك؟ ليس في مونمارتر؟ ولا في المنزل؟ بل في القصر نفسه؟ نظرت إلى الخريطة. ثم إلى لوسيان. — لماذا أرسلها لنا؟ — ربما ليقودنا إلى شيء. — أو إلى فخ. أجابتها نظراته هذه المرة. لأنه كان يفكر بالأمر نفسه. --- أثناء نزولهما الدرج مجددًا... وقع بصر أوديت على إطار صورة قديم معلق على الجدار. توقفت فجأة. اقتربت أكثر. كانت صورة جماعية. قديمة جدًا. جدها. الرجل المجهول الذي ظهر في الصورة السابقة. عدة أشخاص آخرين. وأطفال. حدقت أوديت أكثر. ثم شعرت بقلبها يقفز. كانت هناك طفلة صغيرة بشعر نحاسي طويل. تشبهها بشكل مخيف. وبجانبها... صبي بعينين خضراوين. لوسيان. اتسعت عيناها. — مستحيل. اقترب لوسيان. ورأى الصورة. ثم أغلق عينيه للحظة. وكأنه كان يتمنى ألا تجدها. — كنت تعرفني. همست. لم يجب. — كنت تعرفني منذ طفولتي. صمت. — لوسيان. رفع رأسه أخيرًا. — نعم. شعرت بالصدمة. — لماذا لم تخبرني؟ — لأنك لا تتذكرين. — هذا ليس جوابًا. زفر ببطء. ثم قال: — عندما كنتِ في السادسة أو السابعة كنتِ تزورين جدك كثيرًا. كانت عائلتي تزوره أيضًا. كنا نلتقي أحيانًا. لكن بعد وفاة والديك توقفت الزيارات. ثم مرت السنوات. شعرت أوديت وكأن الأرض تميد تحتها. كانت تبحث عن إجابات طوال الأيام الماضية. لكن كل إجابة كانت تفتح عشرة أسئلة جديدة. --- في طريق العودة إلى القصر كانت تمطر بغزارة. جلست بصمت. تفكر. في الصور. وفي الرسائل. وفي الكذب. خصوصًا الكذب. لماذا أخفى عنها معرفته السابقة بها؟ ولماذا أخفى أن جدها كان جزءًا من حياته منذ الطفولة؟ قطعت الصمت أخيرًا. — هل هناك شيء آخر لم تخبرني به؟ نظر إلى الطريق. ثم قال: — نعم. اشتعل غضبها فورًا. — رائع. — لكنني سأخبرك به عندما أصل للتأكد منه. ضحكت بسخرية. — أكرهك أحيانًا. ظهرت ابتسامة صغيرة جدًا على شفتيه. لثانية فقط. — وأحيانًا فقط؟ اتسعت عيناها. ثم التفتت نحو النافذة بسرعة. لأنها كرهت حقيقة أنها كادت تبتسم. --- عندما وصلا إلى القصر... كان الليل قد حلّ. استقبلهما الصمت المعتاد. لكن قبل أن يدخلا... ركض أحد الموظفين نحوهما. كان وجهه شاحبًا. وأنفاسه متقطعة. — آنسة أوديت... سيدي لوسيان... تجمد الاثنان. — ماذا حدث؟ قال الموظف بصوت مرتجف: — دخل أحدهم إلى المكتبة. شعرت أوديت بانقباض في صدرها. — ماذا؟ — وجدنا هذا فوق الطاولة الرئيسية. أخرج ظرفًا أسود. وأعطاه للوسيان. أخذه ببطء. ثم فتحه. وفي اللحظة نفسها... اختفى اللون من وجهه. انتزعت أوديت الورقة من يده. ونظرت إليها. كانت تحتوي على صورة واحدة فقط. صورة التقطت لها هي ولوسيان قبل ساعات. أمام منزل مونمارتر. وفي الخلفية... كان هناك شخص يقف ويراقبهما. شخص يحمل مظلة سوداء. لكن وجهه غير واضح. أما العبارة المكتوبة أسفل الصورة فكانت: > **"أنتم تقتربون أكثر مما ينبغي."** **نهاية الفصل السابع.**##الفصل الثامن عشرظلّت أوديت تحدّق في الصورة بصمت، كأنها تخشى أن يبدّد أي صوت هشاشة تلك اللحظة. مرّرت إبهامها برفق على حافتها الباهتة، بحركة غريزية أشبه بملامسة ذكرى بعيدة، بينما كان الورق العتيق يحمل آثار الزمن بوضوح؛ ألوانه بهتت، وأطرافه اصفرّت، لكن ملامح الطفلين بقيت واضحة بما يكفي لتُعرَفا.حاولت أن تتذكر أغمضت عينيها لثوانٍ، مستسلمة لذلك الفراغ الذي يسبق انبثاق الذكريات. بحثت في أعماقها عن أي شيء... صوت ضحكة، رائحة الحديقة، خرير ماء النافورة، أو حتى ومضة عابرة من ذلك اليوم لكن لم يأتِ شيء.وحين فتحت عينيها مجددًا، لم تجد سوى الصورة بين يديها... وصمت ذاكرتها همست بصوت خافت، بدا أقرب إلى اعتراف مؤلم منه إلى إجابة:"لا أتذكرها..."ثم رفعت رأسها ببطء نحو مادلين، وقد ارتسمت الحيرة على ملامحها."لا أتذكر أنني التقيت لوسيان عندما كنت صغيرة."أطرقت مادلين برأسها، وانعكست الحسرة في عينيها قبل أن تجيب برقة:"كان عمركما صغيرًا جدًا."توقفت لحظة، ثم أضافت بابتسامة شاحبة سرعان ما اختفت:"مرت سنوات طويلة منذ ذلك اليوم."عادت أوديت إلى الصورة، وكأنها تأمل أن تمنحها ما عجزت عنه ذاكرتها تأملت تف
##الفصل السابع عشر#ما أخفته مادلينأغمضت مادلين عينيها للحظة، كأنها تحاول أن تعود بذاكرتها إلى زمن كانت تتمنى لو استطاعت محوه من حياتها. بدا واضحًا أن كل كلمة ستنطق بها ستنتزع منها جزءًا من تلك الذكرى التي حملتها بصمت لسنوات طويلة. تنفست ببطء، ثم رفعت رأسها قليلًا. "قبل الحريق... بثلاثة أيام."انخفض صوتها عند الجملة الأخيرة، حتى كاد يضيع وسط السكون الذي خيّم على المكتبة لم تتعجلها أوديت وقفت في مكانها، وعيناها مثبتتان على وجه مادلين، تخشى أن تقاطعها فتضيع منها تفصيلة قد تكون مفتاحًا لكل ما تبحث عنه. أما لوسيان، فظل جالسًا بصمت، إلا أن نظرته لم تغادر مادلين لحظة واحدة. لم يكن في ملامحه ما يكشف عما يدور في داخله، لكنه بدا منصتًا إلى أبعد حد، وكأنه يعرف أن ما سيُقال الآن ليس مجرد ذكرى قديمة، بل قطعة مفقودة من الحقيقة. تابعت مادلين بعد صمت قصير: "في ذلك اليوم... جاء رجل إلى القصر." خرجت الجملة ببطء، كأنها ما زالت ترى ذلك المشهد أمامها انعقد حاجبا أوديت قليلًا، لكنها لم تتكلم انتظرت كانت تعلم أن مقاطعة الذكرى قد تجعلها تتوقف. مرت لحظات قبل أن تسأل بهدوء: "من كان؟" هزت مادل
## الفصل السادس عشر# ما أخفته مادلين تسللت خيوط الصباح الأولى إلى المكتبة بخجل، بعدما انقشعت الغيوم التي غطت السماء طوال الليل. عبر الضوء الزجاج الطويل للنوافذ، وانعكس فوق الأرضية الخشبية اللامعة، ليرسم خطوطًا ذهبية امتدت بهدوء بين الطاولة والأريكة، بينما كانت آخر قطرات المطر تنساب ببطء على الزجاج قبل أن تسقط إلى الحديقة. لم يبقَ من المدفأة سوى جمرات متوهجة، تنبض بلون أحمر خافت، ترسل دفئًا خفيفًا يكفي لأن يمنع برودة الفجر من التسلل إلى أرجاء المكتبة. تحركت أوديت قليلًا عقدت حاجبيها وهي تشعر بثقل لطيف يستقر فوق كتفيها فتحت عينيها ببطء، ولم تستوعب في البداية أين هي. بقيت تحدق في السقف لثوانٍ، تحاول أن تستعيد آخر ما تتذكره. المكتبة...الأوراق... دفتر يوميات جدها... وصورة الرجل السادس تذكرت أنها كانت تقرأ، ثم... انقطع كل شيء اعتدلت قليلًا في جلستها، فانزلقت البطانية عن أحد كتفيها. توقفت أنزلت بصرها إليها مررت أطراف أصابعها فوق نسيجها الصوفي الناعم، وكأنها تتحقق من أنها ليست جزءًا من حلم ما زالت عالقة فيه. لم تكن قد أحضرتها معها كانت متأكدة من ذلك رفعت رأسها ببطء، وأخذت تتأمل ال
## الفصل الخامس عشر # تقارب خفي ازدادت حدة المطر مع مرور الوقت لم يعد مجرد خلفية هادئة، بل صار جزءًا من المكان؛ يملأ الفراغات بين الكلمات، ويغسل بصوته الثقيل الصمت الذي عاد ليستقر في المكتبة. ارتفعت ألسنة اللهب داخل المدفأة، فأطلقت دفئًا لطيفًا امتزج برائحة الخشب المحترق والكتب القديمة، تلك الرائحة التي لا توجد إلا في الأماكن التي احتفظت بذكريات أكثر مما احتفظت بالبشر. لم يعد يُسمع سوى صوت تقليب الصفحات وصوت قلم أوديت وهو يتحرك فوق دفتر ملاحظاتها بين الحين والآخر، كانت تدون كلمة، ثم تشطبها بعد ثوانٍ، وكأنها حتى لم تعد تثق بأفكارها. أعادت ترتيب الصور أمامها للمرة العاشرة وضعت صورة الرجل السادس إلى جانب رسالة جدها الأخيرة، ثم بجوار قائمة الأسماء التي عثرت عليها قبل يومين. لا شيء. . . لا شيء يربط بينها بطريقة واضحة وذلك ما كان يقتلها لو كانت الأدلة متناقضة لوجدت سبيلًا لفهمها لكنها كانت تبدو... ناقصة كأن أحدهم تعمد أن يترك لها نصف الحقيقة فقط عضّت طرف قلمها وهي تحدق في الأوراق ثم همست لنفسها: "هناك شيء لا أراه..." رفعت صورة أخرى أمام الضوء قلبتها تفحصت ظهرها أعادت النظر في ا
# الفصل الرابع عشر## شكوك**اليوم السابع منذ قراءة الوصية**كان الليل قد ابتلع آخر خيوط المساء منذ ساعات، ولم يبقَ في الخارج سوى المطر.لم يكن يهطل بعنف، بل بإصرار هادئ، كأنه يعرف أن القصور القديمة تحتفظ بأسرارها أفضل حين ترافقها السماء بالبكاء. كانت قطرات الماء ترتطم بالنوافذ الزجاجية العالية بإيقاع منتظم، بينما كانت الرياح تداعب أغصان الأشجار العتيقة المحيطة بقصر لوران، فتطلق بين الحين والآخر أنينًا خافتًا يشبه همسات أشباح عالقة في الماضي.في الداخل، كانت المكتبة تغرق في دفء المدفأة الحجرية.لهيبها البرتقالي كان ينعكس على رفوف الكتب الممتدة حتى السقف، فيرسم ظلالًا متراقصة فوق المجلدات الجلدية القديمة، وكأن التاريخ نفسه يتحرك بين تلك الجدران.جلسَت أوديت وحدها إلى الطاولة الطويلة التي تتوسط المكتبة.أمامها كانت الفوضى تفرض سيادتها؛ رسائل صفراء أكل الزمن أطرافها، صور فوتوغرافية باهتة، قصاصات جرائد، ملاحظات كتبتها بخط يدها، ودفتر صغير امتلأت صفحاته بالأسئلة أكثر من الإجابات.منذ أسبوع كامل، لم يعد هذا المكان مجرد مكتبة بالنسبة لها بل أصبح غرفة تحقيق ومتاهة وساحة حرب تخوضها ضد ماضٍ يرف
# الفصل الثالث عشر ## الرجل السادس **اليوم السادس منذ قراءة الوصية** لم تنم أوديت تلك الليلة. في الحقيقة... لم تستطع. كلما أغلقت عينيها ظهر أمامها الجدار الحجري. والصورة. والوجه الممزق. والعبارة المكتوبة أسفله. > **"ابحثوا عن الرجل السادس."** كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرًا عندما استسلمت أخيرًا لفكرة النوم مستحيل. نهضت من سريرها. وفتحت نافذة غرفتها. دخل هواء باريس البارد. حاملًا معه رائحة المطر. وقفت تنظر إلى حدائق القصر المظلمة. محاولة ترتيب أفكارها. لكن الأسئلة كانت أكثر من أن تُرتب. من هو الرجل السادس؟ ومن مزق وجهه من الصورة؟ ولماذا يريد شخص ما أن يجبرها على البحث عنه؟ والأهم... لماذا شعرت أن الجميع يعرفون شيئًا عنه عداها؟ --- في صباح اليوم التالي... اجتمع الجميع في مكتبة القصر. كانت الطاولة ممتلئة بالصور والرسائل واليوميات. وكأنها غرفة تحقيق حقيقية. جلست أوديت أمام الصورة الكبيرة. تحدق في المكان الذي كان يجب أن يظهر فيه الرجل السادس. لكن كل ما بقي كان تمزيقًا متعمدًا. كأن شخصًا ما أراد محو وجوده بالكامل. دخل لوسيان وهو يحمل فنجانين من القهوة. و