ANMELDENلم يكد الصمت يعود إلى الغرفة حتى اندفعت قطة برية صغيرة من جهة الممر، كانت قد تسللت إلى المنزل من باب الحديقة دون أن ينتبه إليها أحد، وكأنها كانت تراقب اللحظة المناسبة منذ وقت طويل. كان مظهرها مضطربًا، وفراؤها مبللًا قليلًا من أثر العشب الخارجي، وعيناها تتحركان بسرعة بين الأثاث والأصوات. قفزت فوق حافة الطاولة بخفة مرتبكة وهي تحاول الهرب من صوت الشجار في الخارج، فاصطدمت بمزهرية زجاجية كانت موضوعة قرب النافذة. لم يكن الاصطدام قويًا في بدايته، لكنه كان كافيًا لإحداث خلل صغير في توازنها، فسقطت المزهرية على الأرض وتحطمت إلى قطع صغيرة، وتناثرت المياه والزهور فوق السجاد في بقع غير منتظمة.
انتفضت مريم من مكانها وقالت: "يا إلهي! من أين جاءت هذه القطة؟ آدم، لا تتحرك، الزجاج منتشر في كل مكان." نظر آدم إلى الأرض أولًا، ثم إلى القطة التي اختبأت خلف الأريكة وكأنها اختارت هذا المكان تحديدًا لتصبح غير مرئية، وقال: "يبدو أنها اختارت أسوأ لحظة ممكنة لتزورنا." ابتسم ياسين رغم شروده وقال: "على الأقل وجدت طريقة تجعل الجميع يتوقف عن الحديث... أو ربما تهرب من حديث لا تريد سماعه." رمقته مريم بنظرة سريعة فيها شيء من الاستغراب وقالت: "أو ربما هي فقط قطة خائفة، لا تحتاج إلى تحليل فلسفي لكل شيء." رفع ياسين حاجبيه قليلًا وكأنه يقيس الجملة قبل الرد: "وأنا لم أقل إنها فلسفة، مجرد ملاحظة." تدخل آدم محاولًا تخفيف التوتر الذي بدأ يتسلل إلى الجو: "دعونا نتفق أنها قطة سيئة التوقيت، وننتهي من الموضوع قبل أن نبدأ نقاشًا عنها أيضًا." قالت مريم وهي تشير نحو الزجاج المتناثر: "المشكلة ليست القطة، المشكلة هذا الفوضى. من سيصلحها الآن؟" أجاب ياسين بهدوء وكأنه يتحدث عن أمر بديهي: "الخادمة ستفعل، كما تفعل دائمًا." قالت مريم بسرعة، وقد بدا في صوتها شيء من الاعتراض: "هذا ليس جوابًا، أنا أسأل عن المسؤولية، ليس عن من سيكنس." نظر إليها آدم قليلًا، ثم إلى الأرض مرة أخرى، ثم قال بنبرة أهدأ: "مريم، لا داعي لتحويل الأمر إلى نقاش أخلاقي، حادث بسيط وانتهى." لكنها ردت بإصرار، وكأن الفكرة علقت في ذهنها: "ليس بسيطًا إذا كان من الممكن أن يتكرر. ماذا لو أصيب أحد؟" صمت ياسين لحظة، ثم قال وهو يحدق في القطة التي بدأت تتحرك ببطء خلف الأريكة: "إذن نغلق باب الحديقة جيدًا. انتهى النقاش." قالت مريم بحدة خفيفة، لكنها كانت أقرب إلى العادة منها إلى الغضب: "أنت دائمًا تختصر الأمور بهذه الطريقة." ابتسم ياسين دون أن يرفع صوته: "وأنتِ دائمًا توسعينها أكثر مما تحتمل." قبل أن يشتد الحديث أكثر، دخلت إحدى الخادمات بسرعة بعد أن سمعت صوت الزجاج، وكأنها كانت تنتظر خلف الباب منذ اللحظة الأولى. وحين رأت الفوضى تنهدت بهدوء مألوف، ثم قالت: "لا تقلقوا، سأهتم بالأمر. فقط ابتعدوا قليلًا حتى لا يصيبكم الزجاج." أومأت مريم، ثم ابتعدت مع آدم وياسين إلى الجهة الأخرى من الغرفة. بدأت الخادمة تجمع القطع بعناية شديدة، وكأنها تحفظ شكل كل قطعة في ذاكرتها، ثم مسحت المياه ورتبت الزهور في مزهرية أخرى أقل فخامة لكنها أكثر أمانًا. كانت القطة تراقبها من خلف الأريكة بعينين حذرتين، قبل أن تستغل لحظة انشغالها وتهرب بخفة نحو الحديقة، تاركة خلفها أثرًا صغيرًا من الفوضى وكأنها لم تكن موجودة أصلًا. قال آدم وهو يتابعها بعينيه: "هربت وكأنها لم تفعل شيئًا." رد ياسين: "ربما هي الوحيدة هنا التي لا تحمل مسؤولية أي شيء." نظرت مريم إليهما وقالت: "حتى القطة فهمت أن البقاء في مكان فيه توتر ليس فكرة جيدة." لم يرد أحد، لكن النظرة بين آدم وياسين كانت كافية لتقول إن الجملة لم تمر مرورًا عابرًا، وكأنها علقت في زاوية خفية من التفكير. وبعد دقائق عاد كل شيء إلى مكانه، وعادت الخادمة إلى عملها بصمت، بينما استأنف الثلاثة حديثهم وكأن الحادثة لم تكن سوى استراحة صغيرة وسط يوم طويل، رغم أن أثرها ظل عالقًا في الهواء. جلس آدم على الأريكة، ووضع أمامه جهازًا لوحيًا كبيرًا، بينما فتح ياسين حاسوبه المحمول ووضعه على ركبتيه. كانت أمامهما ملفات المخطوطات، وصفحات ممسوحة ضوئيًا، وملاحظات مكتوبة بعناية حول الكلمات التي احتاجت إلى مراجعة دقيقة. ظاهريًا، كان الاثنان منشغلين بالعمل، لكن الحقيقة أن تركيزهما لم يكن كاملًا، وكأن جزءًا منهما ما زال في مكان آخر من الغرفة. كان آدم يحدق في إحدى الصفحات دون أن يقلبها منذ عدة دقائق. عادت إليه كلمات صديقه التي سمعها قبل قليل، وظلت تتكرر في رأسه رغم محاولته العودة إلى الترجمة. كان يفكر في ياسين، وفي السنوات التي قضاها إلى جانب مريم، وفي القرار الذي اتخذه بصمت، وكأنه قرر أن يخسر شيئًا عزيزًا دون أن يسمح لنفسه بالشكوى، أو حتى الاعتراف بأنه خسر فعلًا. أما ياسين، فكان أكثر هدوءًا في مظهره. كانت أصابعه تتحرك على لوحة المفاتيح بإيقاع منتظم، يراجع جملة ويعدل أخرى، لكن عينيه كانتا أحيانًا تتوقفان فوق الشاشة دون أن تقرآ شيئًا. كان يفكر في عطلة نهاية الأسبوع التي ستأتي، وفي المواعيد التي رتبتها أمه بإصرار لطيف، وفي المرأة التي ربما يجلس أمامها قريبًا محاولًا أن يبدأ علاقة جديدة، بينما جزء منه ما زال عالقًا في علاقة قديمة لم تُغلق تمامًا. قال آدم بعد فترة من الصمت: "هذه الجملة تحتاج إلى إعادة صياغة. المعنى في الأصل أعمق من الترجمة الحرفية." رفع ياسين عينيه عن الحاسوب وقال: "صحيح. سأضع ملاحظة عليها ونعود إليها لاحقًا." قال آدم: "لاحقًا؟ أنت عادة لا تترك جملة معلقة." أجابه ياسين بنبرة عادية، لكنها كانت تحمل شيئًا من التغيير: "اليوم يمكنني أن أترك بعض الأشياء معلقة." توقف آدم قليلًا، كأنه يحاول فهم ما وراء الجملة، ثم قال: "هل تقصد الجمل… أم أشياء أخرى؟" ابتسم ياسين ابتسامة خفيفة، لم تصل إلى عينيه تمامًا: "أحيانًا لا فرق." نظر آدم إليه لحظة طويلة، لكنه لم يعلّق، وكأن أي تعليق قد يفتح بابًا لا يريد فتحه الآن. في تلك الأثناء كانت مريم قد بقيت معهم فترة أخرى، تحاول المشاركة في العمل، لكنها شعرت تدريجيًا أنها لا تفعل شيئًا سوى النظر إلى آدم وهو يعمل بتركيز، ثم إلى ياسين الذي بالكاد يرفع عينيه عنها. كان هناك شيء في هذا التوازن غير المعلن يجعلها تشعر بأنها زائدة عن المشهد، أو ربما جزء منه لا يجد مكانه الصحيح. وبعد أن عجزت عن إيجاد شيء مفيد تقوم به، نهضت فجأة. قالت: "سأذهب إلى المطبخ." رفع آدم رأسه وقال: "لماذا؟" ابتسمت بثقة، وكأنها اتخذت قرارًا صغيرًا لكنه مهم: "لأنني قررت أن أفعل شيئًا مفيدًا بدل أن أجلس وأراقبكما." قال ياسين دون أن يرفع عينيه عن الشاشة: "هذا قرار جيد." نظرت إليه مريم وقالت: "لا تبدُ سعيدًا جدًا." أجاب بهدوء: "أنا سعيد… بطريقتي." هزت رأسها وضحكت بخفة، ثم اتجهت إلى المطبخ بخطوات سريعة، وكأنها تهرب من شيء لا تريد تسميته. بعد دقائق بدأت أصوات الأواني تصل إليهما من المطبخ. فتحت مريم الثلاجة وأخرجت الدجاج والخضار، ثم بدأت تعد حساءً دافئًا بتركيز غير معتاد عليها. لم تكن بارعة في الطبخ، لكنها كانت مصرة على أن تجعل هذه المحاولة ناجحة، وكأنها تريد إثبات شيء لنفسها قبل الآخرين. وحين عادت بعد فترة، حملت معها وعاءً صغيرًا، ووضعت الحساء أمام آدم بفخر واضح، وكأنها تقدم إنجازًا شخصيًا. قالت: "تفضل. حساء دجاج من صنع يدي." نظر آدم إلى الوعاء، ثم إليها، وكأنه يحاول قراءة نيتها قبل الطعم. قالت بسرعة: "ولا تقل شيئًا قبل أن تجربه. أنا متأكدة أن حسائي أفضل من كل ما أعدته لك الخادمة." ضحك آدم وقال: "هذا تحدٍ خطير… هل هو تحدٍ للطعم أم للثقة؟" ردت مريم وهي تضع الملعقة أمامه بإصرار: "كلاهما. جرب فقط." رفع آدم الملعقة وتذوق قليلًا، ثم توقف لحظة وكأنه يوازن بين الصدق واللباقة. كانت مريم تنتظر النتيجة بقلق واضح، تحاول أن تخفيه لكنها لا تنجح تمامًا. قال أخيرًا: "إنه جيد." رفعت حاجبيها بانتصار صغير. "جيد فقط؟" ابتسم آدم وقال: "حسنًا، ممتاز. الآن هل ستسمحين لي بأن آكل قبل أن تشرحي لي فوائد حسائك الطبية؟" ضحكت مريم وجلست إلى جواره، وكأن التوتر السابق تراجع خطوة إلى الخلف. أما ياسين، فكان لا يزال أمام حاسوبه، لكن حضوره بدا أقل اندماجًا من قبل. رفع عينيه للحظة، نظر إلى الوعاء، ثم إلى آدم ومريم، وكأنه يقارن بين شيء قريب جدًا وشيء بعيد جدًا، قبل أن يعود إلى الشاشة مرة أخرى. لم يقل شيئًا. لكن آدم قال بهدوء وهو يلتفت إليه: "لن تأكل؟" أجاب ياسين بعد لحظة قصيرة: "لاحقًا." قالت مريم بسرعة، وكأنها لاحظت نمطًا: "أنت تقول هذه الكلمة كثيرًا اليوم." ابتسم ياسين دون أن يرد، وكأن الرد نفسه لم يعد ضروريًا. وكانت الغرفة هادئة من جديد، لكن الهدوء هذه المرة كان مليئًا بأشياء لم تُقل؛ مريم التي كانت تحاول الاقتراب أكثر، ياسين الذي بدأ يتعلم كيف يبتعد دون أن يعلن ذلك، وآدم الذي بدأ يلاحظ أن بعض الصمت أثقل من أي اعتراف. وفي الخارج، كانت الشمس تميل ببطء نحو العصر، بينما بقيت صفحات المخطوطات مفتوحة أمامهما، تنتظر ترجمة لم يكن أيٌّ منهما قادرًا على التركيز فيها تمامًا.كانت ماريا تجلس خلف مكتبها في زاوية الاستوديو، وتضع سماعاتها حول رقبتها، ثم ترفع عينيها كل بضع ثوانٍ نحو الشاشة أمامها. كانت تراجع قائمة طويلة من الملاحظات، وتحذف سطرًا، ثم تعيده، ثم تتنهد وتكتب ملاحظة جديدة. وفي الجهة الأخرى كانت ليان تقف أمام الشاشة الكبيرة، وتحرك القلم الإلكتروني ببطء فوق التصميم، بينما وقف آدم إلى جوارها وهو يعقد ذراعيه ويتابع ما تفعله. قال آدم وهو يميل قليلًا نحو الشاشة ويشير بإصبعه إلى طرف الملصق"أظن أن اللون هنا داكن أكثر من اللازم." توقفت ليان عن تحريك القلم، ثم نظرت إلى المكان الذي أشار إليه قبل أن تنظر إليه مباشرة"أنا تعمدت أن أجعله داكنًا، لأن الخلفية فاتحة، وإذا خففته أكثر سيضيع." اقترب آدم من الشاشة، ثم وضع يده على حافة المكتب"لكن العنوان سيصبح أضعف، والعين ستتجه إلى هذه الزاوية بدلًا منه." رفعت ليان حاجبها، ثم حركت القلم مرة أخرى"وهذا هو سبب وجود المساحة الفارغة هنا، حتى يبقى العنوان واضحًا." تراجع آدم نصف خطوة، ثم وضع يده على ذقنه وهو يتأمل التصميم"لكنني ما زلت أعتقد أن درجة أفتح ستكون أفضل." نظرت ليان إليه لحظة، ثم عادت إلى الشاشة"وأنا ما ز
كان الاستوديو قد دخل في ذلك الهدوء الذي لا يشبه السكون، بل يشبه ورشة عمل تعمل بكامل طاقتها من دون ضجيج زائد؛ صوت لوحة المفاتيح يأتي من الزاوية، وحفيف الأوراق يتحرك بين المكاتب، وصوت القلم الإلكتروني يلامس سطح الجهاز اللوحي أمام ليان في نقرات متتابعة وخفيفة. كانت الشمس تدخل من النوافذ الكبيرة بزاوية مائلة، فتسقط على الأرض الخشبية وعلى أطراف المكاتب، بينما بقيت بعض الشاشات مضاءة بألوان مختلفة جعلت المكان يبدو كأنه يعيش بين عالمين؛ عالم العمل الواقعي، وعالم الصور والأفكار التي لم تولد بعد إلا على الشاشات. جلست ليان أمام جهازها، وقد رفعت شعرها إلى الخلف بطريقة عملية، وتركت بعض الخصلات القصيرة تنسدل قرب وجهها. كانت ترتدي قميصًا أخضر داكنًا بأكمام مطوية إلى ما فوق المعصمين، وبنطالًا أسود بسيطًا، وحذاءً مسطحًا مريحًا يناسب ساعات العمل الطويلة. لم تكن ملابسها تحمل شيئًا من المبالغة؛ كل ما فيها كان عمليًا وهادئًا، مثل طريقتها في العمل نفسها. كان أمامها غلاف كتاب على الشاشة، وقد وضعت بجواره ثلاث نسخ مختلفة للملصق الترويجي. في الأولى كان العنوان كبيرًا جدًا، وفي الثانية كانت الصورة أكثر وضوح
«بدأ الحب هادئًا كضوءٍ لا يُرى، ثم صار في القلب بابًا لا يُغلق.» لم يكن آدم قد اعتاد أن يرى العمل يتوقف أمامه بهذه الطريقة. كان مكتبه ممتلئًا بالأجهزة والملفات، وعلى الطاولة أمامه نسخة من الكتاب الذي قضى الفريق أسابيع طويلة في مراجعته وتجهيزه للنشر. كانت الصفحات مرتبة، والغلاف جاهزًا، والمواد الترويجية أُرسلت إلى الطباعة، وحتى خطة الإطلاق كانت قد حُددت بدقة. ثم وصل القرار. تأجيل نشر الكتاب. قرأ آدم الرسالة مرة، ثم أعاد قراءتها ببطء، كأن الكلمات قد تتغير إذا منحها فرصة أخرى. لم تتغير. وضع الجهاز اللوحي على المكتب، لكن أصابعه بقيت فوقه لحظة أطول مما ينبغي. كان التعب المتراكم من الأيام الماضية قد جعل أعصابه أضعف مما اعتاد، وكان في داخله شعور بأن كل ما بنوه بدأ يتداعى قبل أن يحصلوا حتى على فرصة لرؤية نتيجته. دخل ياسين، وكان يحمل بعض الأوراق. قال بهدوء: "وصلني القرار أيضًا. طلبوا تأجيل الموعد حتى تُراجع بعض الإجراءات." رفع آدم عينيه إليه. "أي إجراءات؟" "لم يوضحوا التفاصيل كاملة." ضحك آدم ضحكة قصيرة، خالية من المرح. "طبعًا لم يوضحوا." دخلت مريم بعده، وكانت تحمل حاسوبها تحت ذر
«بعضُ الحكايات لا تبدأ باعترافٍ صريح، بل بقلبٍ يجد في وجود شخصٍ آخر مكانًا يهدأ فيه.» لم يتغير شيء في اليوم التالي بصورة يمكن أن يلاحظها شخص من الخارج، ومع ذلك شعر كل واحد منهما بأن شيئًا صغيرًا قد تحرك في داخله. لم يصبحا فجأة عاشقين، ولم تتبدل طريقة حديثهما، ولم تتوقف حياتهما عن السير في الاتجاه الذي كانت تسير فيه؛ لكن المسافة بينهما لم تعد كما كانت. صار هناك شيء غير مرئي، يشبه بابًا فُتح قليلًا، ولم يعد أيٌّ منهما يريد أن يعيده إلى الإغلاق الكامل. استيقظ آدم قبل موعده بوقت قصير، وكان أول ما فكر فيه هو العمل، ثم تذكر فجأة أن ليان ستعود مساءً. استغرب من نفسه؛ فقد كان طوال سنوات يستيقظ وفي رأسه قائمة من الملفات والمواعيد والالتزامات، أما الآن فقد تسلل وجه واحد بين تلك الأشياء دون استئذان. جلس على حافة السرير، مرر يده على وجهه، ثم قال لنفسه بابتسامة ساخرة: "يبدو أن لدي مشكلة جديدة." وفي الجهة الأخرى من المنزل، كانت ليان تقف أمام المرآة وهي ترتب شعرها، وحين تذكرت أنه أمسك يدها الليلة الماضية، توقفت أصابعها لحظة. شعرت بالحرارة تصعد إلى وجهها. أدارت رأسها إلى الجانب، وكأن المرآة نفس
لم تعرف ليان ماذا تفعل بتلك الجملة. بقيت تحدق فيه لثانيتين، ثم شعرت فجأة بأن عينيها أصبحتا أكثر فضولًا مما ينبغي، فأدارت رأسها إلى الجانب، وأخذت تنظر من خلال النافذة إلى السماء التي بدأت تظلم فوق البيوت. كان ضوء المساء ينسحب ببطء من بين الغيوم، تاركًا خلفه لونًا أزرق هادئًا، لكنها لم تكن ترى شيئًا منه فعلًا. كانت فقط تحاول ألا تنظر إليه. ابتلع آدم ريقه بصعوبة، ثم ابتسم ابتسامة صغيرة مرتبكة. لم يكن يعرف إن كان قد تجاوز حدًا لا ينبغي تجاوزه، لذلك مرر يده على مؤخرة عنقه وقال: "أنا... ربما تكلمت أكثر مما يجب." أجابته ليان بسرعة، وكأنها كانت تنتظر فرصة لإنهاء الحديث: "لا، لا بأس." ثم سكتت. انتظرت لحظة. ولما أدركت أن آدم لم يقل شيئًا، أضافت بتوتر: "أقصد... يمكنك أن تقول ما تريد." رفع آدم حاجبه قليلًا، وقال بنبرة خفيفة: "هذا يبدو كأنه إذن رسمي." التفتت إليه بسرعة، ثم أدركت أن وجهه يحمل ابتسامة صغيرة. "لم أقصد ذلك." "أعرف." خفضت عينيها إلى الكأس. "فقط... لا تجعلني أبدو وكأنني قلت شيئًا غريبًا." ابتسم آدم، لكنه لم يضحك هذه المرة. قال: "أنتِ لم تقولي شيئًا غريبًا." ترددت، ثم قال
توقفت ليان على بعد خطوات من منزل آدم، لكنها لم تدخل مباشرة. كان ياسين ومريم قد وصلا بالفعل، وبدل أن يصعدا إلى السيارة فورًا، بقيا واقفين أمام الباب يتحدثان مع آدم في حديث بدا عاديًا في ظاهره، إلا أن ليان شعرت أن وجودها بينهم جعل قلبها أسرع من اللازم.قالت مريم وهي تبتسم لآدم: "كنا سنغادر مباشرة، لكن ياسين أراد أن يطمئن عليك قبل أن نذهب. قال إنك تبدو أفضل قليلًا، لكنه لا يثق بقدرتك على الاعتناء بنفسك."ضحك آدم بخفة، وأسند كتفه إلى إطار الباب وقال: "ياسين يعرف أنني أستطيع الاعتناء بنفسي، لكنه يحب أن يتصرف وكأنني سأضيع إذا تركني وحدي يومًا واحدًا."رفع ياسين حاجبه وقال بهدوء: "أنا فقط لا أريد أن أعود وأجدك في المستشفى مرة أخرى، لأنني حينها سأضطر إلى سماع محاضرة طويلة من الطبيب ومن والدتك معًا."قال آدم وهو يبتسم: "اطمئن، لن أعطيك هذه المتعة. سألتزم بالدواء والطعام والراحة، حتى لو اضطررت إلى كتابة جدول على الحائط."وقفت ليان قرب المدخل، تستمع إليهم بصمت، بينما كانت أصابعها تمسكان بحزام حقيبتها. لم تكن تعرف إن كان عليها الاقتراب أو الانتظار، لكنها عندما التقت عينا آدم بعينيها، شعرت فجأة أن







