جميع فصول : الفصل -الفصل 39

39 فصول

مملوكة لهُ

كان الليل قد انقضى، والفجر انشقّ منذ ساعات، غير أنّ الغرفة ما زالت غارقة في سوادها، لا نافذة فيها ولا أثر لضوء، كان مالك يجلس في منتصفها، كتمثال أُرهق بالانتظار، عيناه غائرتان من سهرٍ لم يعرف النوم طريقه إليه، تحدّقان في شاشات متراصّة لا تكفّ عن بث صور الحطام، وأصوات المراسلين التي تتقاطع بين الاتهامات والتكهّنات..حتى فُتح الباب بصريرٍ خافت، ودخل حمزة بخطوات متردّدة، يحمل على وجهه مزيجًا من التعب واليقظة، انحنى قليلًا، ثم قال بصوت خافت ولكنه حازم:• سيدي... لقد بدأت أجهزة المخابرات تحرّياتها رسميًّا.تحرّكت عين مالك ببطء نحو حمزة، ثم ارتفع رأسه كمن يزيح عن صدره ثِقلاً كاد يخنقه، ارتسمت على محيّاه ابتسامة واهنة، وقال بلهجة ثابتة:• "إذن... لقد ابتعد الخطر عنا واللعبة تسير كما أردنا، ولن تصل إلينا أي تهمة.ساد صمت قصير، قطعه مالك بنبرة متأنّية، أقرب إلى الهمس:• الجرحى... الذين أُخرجوا من السوق، كيف حالهم؟اقترب حمزة خطوة إلى الأمام، ورفع صوته قليلًا:• الإصابات متوسطة وخفيفة، جميعهم أحياء.أغمض مالك عينيه لحظة، ثم فتحهما وقال:• هل سقط ضحية غير الخمسة الذين فجّروا أنفسهم طواعية؟أجابه
last updateآخر تحديث : 2026-06-01
اقرأ المزيد

خطوة في ميراث الدم

لم يكن الفجر قد انسلخ عن ليله بعد، بينما القصـر العتيق يغطّ في سكونٍ مهيب، لا يقطعه سوى وقع خطواتٍ متسارعة على الرخام البارد، اندفع الخادم بخوفٍ ظاهر، يصعد الدرج العريض بخطى مضطربة حتى بلغ جناح شاهين، ووقف يطرق الباب بارتباك:• يا سيدي شاهين… قوم بالله عليك، ترى الأمر ما هو هيّن؛ جدّك يطلبك حالاً.تقلّب شاهين في مضجعه، عينيه المثقلتين بسهرةٍ لم يُغلق فيها جفن، فما زالت صورة غسق تطارده كطيفٍ لا يغيب. جلس على الفراش نصف يقظ، صوته مبحوح:– خير يا ولَد… وش السالفة؟ ليه جدّي يبيّني بهالوقت؟فتح الخادم الباب بتردد، ثم انحنى بخشوعٍ وهو يقول:– والله ما أدري يا طويل العمر، بس الواضح إن السالفة ثقيلة، وجدّك ما يقبل تأجيل.جلس شاهين على طرف السرير، مسح وجهه بكفه، ونظر للخادم بعينٍ مشدودة وهو يقول له:– زين… خبر جدي إني چاي الحين.انتفض قلب شاهين، إذ يعلم أن جده لا يستدعيه عند الساعات الأولى من الصباح إلا في شأنٍ جلل، فارتدى عباءته على عجل، ومضى نحو الباب والخادم يتبعه بخطواتٍ مترددة، والرهبة تسبق أنفاسه وعقله يضج بملايين الاحتمالات التي قد يكون جده طلبه في هذا الليل لأجلها..خرج شاهين من جناحه
last updateآخر تحديث : 2026-06-01
اقرأ المزيد

حيرة غسق

كان القصر غارقًا في سكونٍ مهيب، والليل يلفظ أنفاسه الأخيرة قبل أن يطلّ الفجر، كانت غسق تخطو بخفةٍ على أطراف قدميها في الممر الطويل المؤدي إلى غرفتها، قلبها يخفق كطيرٍ حبيس يحاول الإفلات من قفصه الذهبي، لم يكن النوم يعرف طريقًا إليها منذ أيام، وأثقلتها الأفكار والهموم التي تلاحقها في كل زاوية، خطوات غُسق كانت حذرة وهي تشقُّ أروقة البيت الكبير، كمن يحاول الهروب من جدارٍ يراقبه، أرادت أن تنسحب إلى غرفتها بعيدًا عن العيون، لكن القدر كان لها بالمرصاد..من آخر الرواق، برز يمان، طويل القامة، عريض المنكبين، يحمل في نظراته شيئًا من غربة رجلٍ عاش بعيدًا وعاد ليجد الأرض غير الأرض، توقف أمامها، والضوء الخافت يتسلل من خلفه، يرسم ملامحه كطيفٍ مفاجئ، وهو يقول لها بصوت منخفض لكن فيه حدة لا تُخفى:• إلى أين تمضين يا غسق في هذه الساعة؟ الليل ما زال مخيمًا، وأهل الدار جميعهم نيام.ارتبكت للحظة ويدها تقبض على ثوبها، لكن كبرياءها لم يسمح أن يظهر الضعف في عينيها، فرفعت رأسها وقالت بثبات:– ما يخصّك يا يمان… أنا أعرِف دربي.اقترب منها بخطواتٍ ثقيلة، عيناه تُحدّقان في وجهها كمن يحاول أن يقرأ ما تخفيه:• لا،
last updateآخر تحديث : 2026-06-02
اقرأ المزيد

نصفها الآخر

تسرّبت خيوط الفجر الأولى من خلال شقوق النوافذ الخشبية، فانسكب ضوئها على بيتٍ متواضع على طرف القرية، بيتٍ يشيخ جدرانهُ لكن يظلله دفء الألفة أكثر مما تحميه الحجارة، في المطبخ الواسع نسبيًا، التفّت الأسرة حول مائدة فطور بدويّ صريح؛ بيض بلدي تفوح رائحته من المقلاة، وجبن قديم تعتق في القِلل حتى اشتدّ طعمه، وسمن صافٍ يلمع بلونه الذهبي في الصحون الصغيرة، وإلى جانبه خبز التنور الساخن وشاي أسود ثقيل يعلوه بخار كثيف..ساد بينهم هدوءٌ غريب لا يقطعهُ سوى خشخشة الملاعق وصوت ارتشاف خافت، حتى قطع الأب السكون، بصوته الجهوريٌّ العميق، كوقع الطبول في صمت الفجر، وهو يضع كوب الشاي بقوة على الطاولة قائلًا:— عُسير أقنع آل واقاداب بعروس الدم.انكسرت السكينة دفعة واحدة؛ بينما اتسعت عين الأم، وقد أفلتت الخبز من يدها ليسقط في الطبق، بينما التوأم تبادلتا نظرات حادة خاطفة؛ ضي شحب وجهها المرتبك، أما تولاي فقد تماسكت، تجاهد لتخفي ارتجافًا داخليًا لا يراه سواها..تطلعت نحوه ضي بعينيها العذبتين اللتين اعتادتا أن ترسما في الوجود ألحانًا وألوانًا، رفعت وجهها نحو أبيها وقد ارتجف صوتها كوترٍ خافت:– عروس الدم؟ تعني...
last updateآخر تحديث : 2026-06-02
اقرأ المزيد

ما وراء الملثّم

ارتجفت يدُ ملك وهي تُشير إلى الهاتف الملقى بين يديه، عيناها متسعتان كمن وقعت لتوّها على لعنةٍ لا سبيل للهرب منها، وانفجرت الكلمات من فمها كالرصاص:– أنت… إرهابي! هذا أنت، يا مالك! وجهك، صوتك… أنت الملثّم في هذا التسجيل!اهتز الهواء بينهما بتلك التهمة، كأن جدارًا شُيّد فجأة ليفصل روحين اعتقدتا أنهما اقتربتا للحظة واحدة، قلبها كان يخبط في صدرها بعنفٍ، حتى أحست أن الضلوع تُوشك على التصدع، وأن الأرض تميد تحت قدميها فترنحت قليلًا قبل أن يخطو مالك نحوها ببطء، وجهه جامد الملامح لكن عينيه تضجّان باضطرابٍ مكتوم، رفع يده في محاولةٍ للمس كتفها، وصوته خرج مبحوحًا لكنه ثابت:– ملك… اسمعيني، الأمر ليس كما ترينه؛ لم تكن عينيك يومًا عدوّتي، فكيف تجعلينني عدوًّا الآن؟ارتدت إلى الوراء بسرعة، حتى اصطدم ظهرها بجدار الغرفة، حدّقت فيه بعينين دامعتين، وهي تهز رأسها بعنف:– لا تقترب! لا تلمسني… كذبتَ عليّ طوال الوقت، كنتَ تُخفي وجهك وحقيقتك… وما ظننته حبًّا صار خداعًا! كله خداع.ارتسم الألم على تقاطيع وجهه، لكنه لم يترك لمشاعره أن تسقط، فاقترب خطوة أخرى منها وصوته هذه المرة أشدّ رجاءً، وأقرب إلى المناجاة:–
last updateآخر تحديث : 2026-06-03
اقرأ المزيد

مخاوف العشق

تململ مالك بجسده وهو لا يريد منها أن تبتعد عنه بأي ثمن، كانت حدقتاه تشتعلان غضبًا مكتومًا، كمن انتُزع من لحظة خلاصٍ كان على بُعد أنفاسٍ منها، الطرق تكرر مرةً أخرى، أكثر إصرارًا، كأن القادم خلف الباب لن يرحل قبل أن يحطّم كل جدارٍ بينه وبين الداخل..كانت أنفاسهما تتقاطع في صمتٍ متوتر، واللحظة التي كانت على وشك أن تكشف المستور تبعثرت وتلاشت كحلمٍ استيقظ صاحبه قبل اكتماله...قام مالك من الفراش واندفع نحو الباب بخطواتٍ كانت تُحدث صدىً في صدر الأرض من تحته، قبضته انعقدت على المقبض بقوةٍ تنذر بالانفجار، وما إن فتح حتى بدا كأن الباب يُنتزع من مفاصله لا يُفتح فحسب..في العتبة ظهر معاذ، وجهه محمّل بارتباكٍ وقلق، عيناه لا تكفان عن المسير بين أخته التي وقفت مذعورة وزوجها الذي يتأجج غضبًا..قال معاذ بصوتٍ متقطعٍ يسبق أنفاسه:- ملك… هل أنت بخير؟لم ينتظر ردًّا، بل اندفع إلى الداخل كما يندفع منقذٌ إلى بيتٍ يشتعل، وأطبق ذراعيه على أخته، جاذبًا إياها إلى صدره، تمايل جسدها المرتجف بين ذراعيه كغصنٍ هشٍّ نالته الريح، فيما كانت عيناها تائهتين، لا تعرفان إلى أي وجهٍ تستقران: وجه أخٍ جاء مسرعًا يحمل القلق ف
last updateآخر تحديث : 2026-06-03
اقرأ المزيد

أسير عينيها

وعلى الجانب الأخر كان حمزة يسير في ممرّ الدور الأول محاولًا أن يستعيد هدوءه بعد اللقاء المربك مع مالك، خطواته كانت متردّدة كأن الأرض صارت أثقل من أن يحملها جسده، وفجأة، يدٌ باردة امتدّت من الظلام، وقبضت على معصمه بقوةٍ مباغتة، فشهق بفزع، ودار بوجهه ليجد فريدة تجرّه خلفها كصيّادةٍ تسحب فريستها..فتح فمه محتجًّا، وصوته خرج متقطّعًا وهو يقاوم قبضتها:– ما الذي تفعلينه؟! أأصبتِ بالجنون؟! مالك… مالك في حجرته! سيشعر بنا يا مجنونة.لكنها لم تلتفت إلى اعتراضه، عيناها تتوهجان ببريقٍ غامض، وابتسامةٌ متشفّية تتلوّى على شفتيها، دفعت الباب الصغير لغرفتها بقوة، وأدخلته معها، ثم أوصدته خلفهما ببطءٍ متعمَّد، كأنها تُحكم فخًّا لن ينجو منه..اقتربت منه بخطواتٍ محسوبة، كتفاها يهتزّان بضحكةٍ مكتومة، ثم قالت بصوتٍ يقطر مكرًا:– لا تخشَ شيئًا… لن يحسّ بشئ على الأقل ليس الآن، يكفيه ما فعلته تلك البائسة التي جلبها إلى هذا القصر… لقد مزّقت صلابته وأفقدته اتزانه.جفّ حلق حمزة، وعيناه تراقبانها في ريبةٍ مشوبة بالرعب، وهو يقول لها بصوتٍ حاد:– ماذا تقصدين؟! ماذا فعلتِ؟!ضحكت ضحكة قصيرة، ثم أمالت رأسها جانبًا، تن
last updateآخر تحديث : 2026-06-03
اقرأ المزيد

العاشق المفتون

استيقظ يامن فجأة على شعاعٍ باهت يتسلل من بين الستائر الثقيلة، ضرب عينيه فأجفل وكأنه ارتكب خطيئة لا تغتفر..جلس في الفراش متيبسًا، أنفاسه متلاحقة، قلبه يخبط في صدره كطبول حربٍ ضارية، وقف وتقدم نحو ليمد يده إلى النافذة، فالتقطت عيناه وضوح الصباح، الشمس قد ارتفعت، والعالم في الخارج يضج بالحياة، باغته نور النهار ينسكب من بين شقوق الستائر الثقيلة بقوة فتركها وعاد إلى فراشه مشوش الفكر، عيناه تائهتان كمن أُلقي به في زمنٍ لا يعرفه، قلبه ارتجف، وصرخة أمه القديمة تتردّد في داخله:"لا يحق لك أن تستيقظ إلا في الليل… حين ينام أخوك."زفر أنفاسًا مضطربة، وهو يحاول أن يطرد الضوء ويستعيد الظلام، فألقى جسده ثانية على الفراش محاولًا أن يجبر عينيه على الإطباق، أن يعود إلى الظلمة، إلى ليلٍ لم يعد موجودًا إلا داخل قلبهُ وعقله..تقلب، دفن رأسه في الوسادة، غطى أذنيه بيديه، لكن النوم كان يهرب منه كأنه يُعاقبه، وحين أطبق جفنيه بقوة، تسللت إليه الصور كسهامٍ غادرة...تراءت له ملامح أبيه، ذاك الوجه الغائب الذي لم يعرفه إلا في شذرات الذاكرة، ثم انبثق المشهد الأقسى: أخوه التوأم… ممددًا في الغرفة الفاصلة بينهما، كظل
last updateآخر تحديث : 2026-06-04
اقرأ المزيد

موعدٌ على حدِّ السيوف

كان الليل يوشك أن ينسحب عن الصحراء، والنجوم تترنح في كبد السماء تراقب ما سيُحاك في النهار القادم، خيام الواقاداب توهجت على ضوء الفجر المتسلل، والنار المشتعلة في موقدٍ دائريٍّ تتراقص ألسنتها مع هبوب الريح، وفي قلب المعسكر اجتمع كبار العشيرة حول جذع نخلة مقطوع اتخذوه مقعدًا، فيما انتشر فرسانهم في أطراف الساحة يشحذون سيوفهم ويجهزون رواحيلهم..جلس الشيخ سالم الواقادابي، كتفاه العريضتان مغطاتان بعباءةٍ من صوف الجِمال، وعيناه المتقدتان كشرر النار تراقبان وجوه رجاله، ملامحه تشهد على حروبٍ قديمة ودماءٍ أُريقت ليبقى اسم الواقاداب عاليًا، رفع صوته الخشن الذي يقطع سكون الفجر:ــ اليوم المجلس سيقام… عسير جايينا بفرضٍ ما فعلناه من قبل.. عروس الدم، والجعافرة بيحسابوا إنّا بنخضع بلا كلمة.ردّ عليه عُبيد، أحد شيوخ الفرع الأصغر، وهو يُقلّب بين يديه مسبحته:ــ والله يا شيخ عمار الدم غالٍ، لكن ترك المجلس يفرض علينا الهوان أوجع، إن وافقنا، نوافق بكرامة بنات الواقاداب ما يروحْنَ خدامات عند الجعافرة، يروحْنَ ملكات، ورافعين روسهن.تقدّم صقر الواقادابي، شاب تشتعل في عينيه شرارة التحدي، يضرب بسيفه على راحته ق
last updateآخر تحديث : 2026-06-04
اقرأ المزيد
السابق
1234
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status