LOGINوعلى الجانب الأخر كان حمزة يسير في ممرّ الدور الأول محاولًا أن يستعيد هدوءه بعد اللقاء المربك مع مالك، خطواته كانت متردّدة كأن الأرض صارت أثقل من أن يحملها جسده، وفجأة، يدٌ باردة امتدّت من الظلام، وقبضت على معصمه بقوةٍ مباغتة، فشهق بفزع، ودار بوجهه ليجد فريدة تجرّه خلفها كصيّادةٍ تسحب فريستها..
فتح فمه محتجًّا، وصوته خرج متقطّعًا وهو يقاوم قبضتها:
– ما الذي تفعلينه؟! أأصبتِ بالجنون؟! مالك… مالك في حجرته! سيشعر بنا يا مجنونة.
لكنها لم تلتفت إلى اعتراضه، عيناها تتوهجان ببريقٍ غامض، وابتسامةٌ متشفّية تتلوّى على شفتيها، دفعت الباب الصغير لغرفتها بقوة، وأدخلته معها، ثم أوصدته خلفهما ببطءٍ متعمَّد، كأنها تُحكم فخًّا لن ينجو منه..
اقتربت منه بخطواتٍ محسوبة، كتفاها يهتزّان بضحكةٍ مكتومة، ثم قالت بصوتٍ يقطر مكرًا:
– لا تخشَ شيئًا… لن يحسّ بشئ على الأقل ليس الآن، يكفيه ما فعلته تلك البائسة التي جلبها إلى هذا القصر… لقد مزّقت صلابته وأفقدته اتزانه.
جفّ حلق حمزة، وعيناه تراقبانها في ريبةٍ مشوبة بالرعب، وهو يقول لها بصوتٍ حاد:
– ماذا تقصدين؟! ماذا فعلتِ؟!
ضحكت ضحكة قصيرة، ثم أمالت رأسها جانبًا، تنظر إليه بعينين تتلألآن بخبثٍ أسود:
– لم أفعل أكثر من أن أزحزح الغشاوة عن عينيها… عرّفتها فقط من يكون زوجها الحقيقي.
تجمّد حمزة في مكانه، كأن كلماتها كانت خنجرًا غُرس في صدره، تراجع خطوة، عيناه اتسعتا حتى كادتا تنفجران، همس بصوتٍ مخنوق:
– أأنتِ… أنتِ قد كشفتِ لها..
لم يستطيع إكمال جملته إلا بسؤال:
- كيف فعلتِ ذلك؟!
كانت نشوة الانتصار ترقص في ملامحها، تقرّبت منه أكثر، كمن يهمس بسرٍّ مظلم، وقالت ببرودٍ قاتل:
– وضعتُ لها هاتفًا به هذا المقطع الخاص بالمُلثم خاصتنا، أردتُ أن أرى تلك النظرة في عينيه… أردتُ أن يتذوّق طعم السقوط، ولو للحظة.
في تلك اللحظة، شعر حمزة أن الجدران ضاقت عليهما، وأن الهواء في صدره تحوّل إلى لهب، عقلُه يصطخب بأسئلة لا يجرؤ على صياغتها، وقلبُه يطرق كطبول حرب..
لم يعد يسمع سوى ضحكتها المسمومة وهي تتردّد في أركان الغرفة، كأنها احتفالٌ شيطاني بسقوطٍ وشيك لا يعرف بعد من سيكون ضحيته الكبرى..
خلف الباب الخشبي الذي أغلقته فريدة بإحكام، وقفت عائشة كتمثالٍ من صخرٍ حيّ، لم تكن قد قصدت التلصّص، إنما ساقتها قدماها العجولتان إلى هنا حين لمحت فريدة تسحب حمزة من الممرّ في عجالةٍ غريبة..
وقفت تتردّد: أتناديهما؟ أم تمضي؟ لكن ضحكة فريدة، تلك الضحكة المجلجلة بالشماتة، اخترقت الخشب وتسللت إلى أذنيها، فجعلتها تلتصق بالجدار كمن يتخبّط في عاصفة لا منجى منها.
انحنى رأسها نحو الباب، أذناها تلتقطان الكلمات كأنها سياطٌ تنهال على جسدها، سمعت فريدة وهي تقول بنبرةٍ تقطر مكرًا وغلًّا:
– لم أفعل أكثر من أن أزحزح الغشاوة عن عينيها… عرّفتها فقط من يكون زوجها الحقيقي.
شهقت عائشة بلا صوت، كأن الهواء سُحب من رئتيها، جسدها كله ارتجف حتى أوشكت ركبتاها أن تخونانها، نظرت حولها بعينين متسعتين، وكأن الجدران نفسها تنكر ما سمعته، كيف لرجُل مالك وذراعه الأيمن أن يخونه مع زوجته بهذا الشكل!
تابعت الحديث حتى صدع صوت حمزة المرتجف، مصدومًا:
– أأنتِ… أنتِ من كشفتِ لها..
جملة واحدة سقطت على قلب عائشة كحجرٍ في بئرٍ عميقة، تموّج صداها في روحها حتى كادت تفقد وعيها وهي تتخيل وضع مالك الأن، لم تعد قادرة على تمييز دقّات قلبها من طرقات دمائها في أذنيها..
أخذت خطوة للوراء، حذاؤها كاد يصدر صريرًا على الأرضية، فأمسكت أنفاسها خوفًا من أن ينفضح وجودها، وضعت يدها على صدرها تكتم الارتجاف، وعيناها تلمعان بدموعٍ لم تجد طريقها للنزول بعد..
كانت كل كلمة تسمعها من فريدة، ضحكةٌ أخرى تُشعل في صدرها نارًا، وجدت نفسها عاجزة بين خيارين كلاهما موت: أن تقتحم الغرفة وتكشف نفسها وتفصحهما، أو أن تظل صامتة وتبتلع السمّ الذي سرى في عروقها..
شعرت للحظة أن القصر كلّه يهتز، أن أبوابه ونوافذه تنطق بالخيانة، وأن الجدران التي طالما احتمت بها لم تعد سوى شاهدٍ أصم على جريمةٍ تتجاوز الخيانة إلى ضربٍ من الجنون..
وفي تلك اللحظة، ارتسم على وجهها ذهولٌ مطلق، ممزوج بخوفٍ من القادم، لقد سمعت ما لم يكن ينبغي أن يُسمع، وأدركت أنّ ما هو آتٍ لن يترك قلبًا في هذا المكان إلا ويحيله رمادًا..
كانت خطواتها متثاقلة، كأن الأرض تثقل قدميها بقيود خفية، كان وجهها شاحبًا، والدموع العالقة في عينيها تتأرجح على حافة الانهيار..
لم تكن تصدّق أنّ الكلمات التي تسلّلت إلى مسامعها منذ لحظات يمكن أن تصدر عن فريدة… لكن وقعها كان أقسى من أن يُحتمل!
شعرت أن شيئًا انكسر في داخلها، شيئًا لم يعد له جبر..
وحين رفعت عينيها، باغتها حضور معاذ أمامها، لم تكن قد انتبهت لوجوده في الممر، كأنه خرج فجأة من العدم!
بدا عليها الارتباك، وازدادت دهشتها حين رأت بوضوح أن باب غرفة ملك يُغلق بهدوء خلفه، تسارعت أنفاسها، وارتسمت على وجهها علامات حيرة لم تستطع إخفاءها..
نظر إليها بعيناه العميقتان الصافيتان، اللذان ارتسم فيهما بريق خجول يخفي إعجابًا لم يجرؤ يومًا على التصريح به، ارتبك حين التقت نظراته بعينيها، فتلعثم في وقفته، ثم حاول أن يتماسك، إلا أن الخجل ظل يطبع ملامحه..
توقفت عائشة للحظة، مشدوهة، وقد ازداد اضطرابها حين رأت في عينيه ما لم تجرؤ على الاعتراف به حتى لنفسها، لم يكن يجب أن يراها هكذا… منهارة، مهزومة، وقد انكشف ضعفها أمامه، أطرقت بصرها سريعًا، محاولة أن تتوارى من نظراته..
حدّقت فيه بعينين متسعتين، وكأن سؤالًا صامتًا يصرخ بينهما قبل أن ينطق لسانها:
ــ أنت هنا؟! منذ متى وأنت في القصر؟
ارتبك معاذ للحظة، وكأن السؤال باغته، فتراجع بخطوة صغيرة إلى الوراء، وابتلع ريقه بصعوب وهو لم يعرف أيُّ إجابة يقدّمها، لكنّ صوته خرج خافتًا، مرتبكًا:
ــ من… من بضعة أيام فقط.
قالها وهو يتجنب النظر مباشرة إلى عينيها، كأنّ الحقيقة أوسع من الكلمات التي تلعثم بها، ترددت عائشة بين أن تواصل استجوابه، أو أن تصرف بصرها عنه كي لا ينكشف ضعفها أكثر، كانت تشعر أن الأرض تهتز تحت قدميها، وأن وجوده المفاجئ يزيد ارتباكها فوق ما هي فيه..
لاحظ معاذ ارتجاف يديها، وارتباك ملامحها، والظل الثقيل الذي يُطبق على وجهها، التقط أنفاسه بعمق، ثم همس بصوت خافت فيه من القلق أكثر مما فيه من الجرأة:
ــ ما لكِ يا عائشة؟ تبدين شاحبة… هل حدث شيء؟
كلمات بسيطة، لكنها اخترقت قلبها كسهم، لأنها أيقظت في داخلها جرحًا لا تستطيع أن تبوح به، أرادت أن تصرخ، أن تخبره بالخيانة التي مزقت ثقتها، لكنها لم تجد في حلقها سوى الصمت..
ارتعشت شفتيها للحظة، ثم قالت ببرود متكلّف وهي تزيح نظرها عنه:
ــ لا شيء… أنا بخير.
لكن صوتها كان يفضحها، مبحوحًا كأن الدموع قد نهشته من الداخل، أسرعت بخطواتها نحو غرفتها، أما هو، فظل واقفًا للحظة مشدوهًا، يحمل في قلبه خليطًا من الخجل والاعتراف المكبوت، لم يكن يريد أن يفضح مشاعره، لكنه كان عاجزًا عن كبح الانجذاب الذي يزداد كلما لمح ضعفها، وكلما رآها تكسر صمتها بدمعة خفية..
لقد خرج من عند ملك بعدما غفت أخيرًا، ووجد نفسه صدفة أمام عائشة، لكن قلبه أيقن أن الصدفة هذه ليست عابرة… بل هي امتحان يزداد قسوته كلما ابتعدت عنه بخطوة..
كان يدرك أنه أسير حبها منذ زمن بعيد، حبّ لم ينضج يومًا في العلن، ولم يتجاوز حدود الصمت..
كلما رآها، ازداد قلبه تعلقًا بها، كأنها قدر لا يستطيع منه فكاكًا، ومع ذلك ظل يخفي مشاعره وراء قناع الخجل والهيبة، يخشى أن يجرحها اعترافه، أو أن يغدو حبّه عبئًا على قلب مثقل بما يكفي..
أغلقت عائشة باب غرفتها خلفها بعنف، وكأنها تحاول أن تحجب عن العالم دموعها، ارتمت على حافة السرير، وسقطت دموعها بغزارة لم تستطع كبحها، كانت ترى في خيالها وجه حمزة، ذلك الذي منحته قلبها، والذي سحبت خيانته البساط من تحت كل أحلامها..
تمزقت بين حبٍّ آمنت به حتى العمى، وخيانة كشفت لها كم كانت ساذجة، وكم كانت عمياء!
وفي الخارج، ظل معاذ واقفًا أمام الباب لحظة أطول مما ينبغي، أصغى إلى صمت الغرفة، كأنه يتمنى لو يسمع أنينها ليقتسم معها وجعها..
ثم استدار ببطء، يحمل قلبًا مثقلاً بالشوق والخوف، وقناعة واحدة تترسخ داخله: أنه، مهما طال صمته، سيظل واقفًا على عتبة حبها، أسيرًا لا خلاص له.
ــ معاذ... ملك... ادخلا.من خلف الباب، ارتفع صدى الخطوات المسرعة، واختلطت شهقات ملك بنَفَسها المتقطع، بينما دخل معاذ هادئًا وبثبات واضح..أما مالك، فقد أغمض عينيه لحظة، زفر بعمق، وقلبه يتأرجح بين رغبة شديدة في إظهار سعادته وحنينٍ لم يستطع كتمانه، فيما وقفت عائشة إلى جانبه كظلٍّ ثقيلٍ يرفض التلاشي..اندفع الباب بقوةٍ إلى الداخل، فدخلت ملك أولًا، ثوبها مضطرب وحجابها ينزلق من على كتفيها، دموعها تملأ وجهها، تركض بجنونٍ نحو السرير، ثم تهوي بجانب مالك، تكاد تختنق بين شهقاتها وهي تلتصق به بكلتا يديها، كأنها تخشى أن يتلاشى من بين ذراعيها أو أن تتركه ثانيةً...ارتعشت كلماتها وهي تسأله بصوتٍ مخنوق:ــ أنت بخير؟ بالله عليك، قُل لي إنك بخير...فتح مالك عينيه نصف فتحة، فالتقت نظراته المرهقة بوجهها الغارق بالدموع، انعكست في قلبه صرخة لا يسمعها أحد سواه، لكنها لم تترجم إلا بابتسامةٍ واهنة على طرف شفتيه، لم يستطع أن يرفع يده نحوها، غير أن أنفاسه الحارة المتقطعة كانت كافية لتجعل قلبها يخفق بجنونٍ أكبر، فتزداد التصاقًا به كأنها تريد أن تحميه بجسدها الضعيف..خلفها كا
ــ انتظروا! أرجوكم… لا تتركوني! مالك… مالك!أصداء صراخها ارتدت بين جدران القصر العالية، والضوء في الممرات كان يتراقص بشكلٍ مضطرب كأنه يرتجف من رهبة اللحظة، بينما تركوا البقية من خلفهم وزوجات مالك البقية يبكون وينحون، ورجاله المقربين وجوههم واجمة كأنهم صعقوا فجأة مما يحدث، كانت خطواتهم الثقيلة، وصوت أنفاسهم المتسارعة، تمتزج بصوتها المبحوح، في مشهدٍ بدا وكأنه سباق بين الموت والحياة..دخلوا أخيرًا إلى غرفة عائشة، التي فتحت الباب بعُجالة، وأفسحت لهم الطريق، أشعلت المصابيح في أركان الغرفة حتى اشتعل النور فيها، فأظهرت ما في الغرفة من أداوتٍ طبية وفراش مُجهز لأي حالة طوارئ، أسرع معاذ وحمزة بوضع مالك على الفراش العريض، فيما اندفعت ملك لترتمي بجواره من جديد، لكن معاذ حال بينها وبينه، عينيه تلمعان بالغضب والذعر معًا:ــ كفى يا ملك! إن أردتِ له الحياة، دعي عائشة تفعل ما يجب فعله.كلمات معاذ ارتطمت بها كالسكاكين، فتجمدت في مكانها، وصدرها يتردد فيه نحيبٌ مكتوم، بينما عائشة تقدمت بثبات نحو السرير، ويدها ترتجف وهي تزيح شعر مالك عن جبينه، تنظر إليه بعينين تعرفان أكثر مما ت
كانت الشمس تميل إلى الغروب، تُلقي بآخر أنفاسها الحمراء فوق أطراف المدينة، فيمسح لونها الحادّ على البيوت الطينية والأزقة الضيقة ملامح لوحة غامضة، نصفها في النور ونصفها في الظل..كانت ضي تسير وحدها، خطواتها متزنة، وفي عينيها بقايا فرح يومٍ قضته مع صديقاتها الوحيدة، ضحكاتهن لا تزال ترنّ في أذنها كأغنية قصيرة، لكنها كلما ابتعدت عن الطرق المزدحمة واقتربت من الأزقة الأكثر عزلة، كان قلبها ينقبض شيئًا فشيئًا، كأن يدًا خفية تضغط على صدرها بقوةٍ لا تعرف مصدرها..كان الظلام يتسرب رويدًا، ويغمر الزوايا، ويحوّل الأبواب المغلقة إلى أفواهٍ صامتة، بينما هنا عيونٌ تراقبها من ثقوبها، استشعرت أنفاسًا مضطربة خلفها، لكنها لم تكن أنفاسها، فرفعت رأسها بخوفٍ مكتوم، ثم أسرعت الخطى، تتمسك بما تبقى من شوارع مضاءة..ومن عند زاوية غارقة في السواد، خرج هو يامن...واقفًا بصلابة، كأنما كان في انتظارها منذ زمن، قامته العالية تحجب جزءًا من الطريق، وشعره الأملس ينسدل على جبينه، وعيناه تلمعان بلمعةٍ تشبه حدّ السكاكين، على وجهه ارتسمت ابتسامة باهتة، لكنها لم تحمل ودًا، بل كانت أشبه بابتسامة ذئبٍ يطي
وفي باحة قصر الجعافرة، كان الغروب قد ألقى سدوله على الحجر العتيق، فصار اللون البرتقالي الهادئ يسيطر على الأرجاء إلا من وقع خطوات شاهين المتوترة، يذرع الممر جيئةً وذهابًا كذئبٍ حبيسٍ في قفصٍ ضاق به صدره، يديه تتشابكان، وعيناه تقدحان شررًا من القلق، وأنفاسه تضطرب كأنها لا تجد مستقَرًّا في صدره..ومن بين أبواب القصر المزخرفة خرجت وردة، بوقار امرأةٍ تحمل في عينيها فراسةً ودهاءً وصرامةً لم تُفلح السنين في النيل منها..كانت شامخة، جبهتها عالية، نظرتها ثاقبة كحدّ السيف، ولها حضورٌ يأسر من يقف أمامها، رفعت طرف ثوبها الداكن بخفةٍ وهي تمشي نحوه، ثم وقفت قبالته، صمتت برهة، ثم انطلقت كلماتها بلهجةٍ تجمع الحنوّ والحزم معًا:ــ يا شاهين… من زمان وانا تاركتك، عسى إنك تيجي وتفضفض، لكنك ما جيت.توقف هو عن الدوران، وحدّق فيها بعينين يملؤهما صراعٌ لم يعرف كيف يكتمه أكثر، ثم رفع يده إلى صدره كأنه يكشف سرًّا دفينًا وقال بصوتٍ خافتٍ متحشرج:ــ "عمه… أنا وقعت.. لقد وقعت في حبّ، وما هو مثل حبّ الناس، هو عشقٌ من نارٍ ما ترحم.شهقت وردة بخفةٍ، ولم يكن في دهشتها ضعف، بل ذكاء امر
في فناء المدرسة، حيث تتناثر أوراق الأشجار اليابسة على بلاطٍ باهتٍ من أثر مواسم طويلة، جلست تولاي وضيّ إلى طاولة خشبيّة قديمة عند طرف السور، تفصل بينهما أكواب ورقية من قهوتهما المُرّة التي اعتادوا شربها، لم تمسّها أيديهما منذ وُضعت حتى بردت وفقدت طعمها، كانت أصوات الطالبات حولهما متقطّعة وضاحكة، كأنّها تنتمي لعالمٍ آخر لا يخصّهما...شبكت تولاي أصابعها أمامها، وهي تُحدّق في الفراغ وتُراجع مشهدًا طريًّا ما زال يلوح أمامها..فارس، ذلك الضابط الهادئ الملامح، وهو يومئ لها بطرف الحديث، لمّح لمبتغاه، ثم انسحب تاركًا قلبها في تشتت مُربك، حتى قلبت الكلمة في صدرها عشرات المرّات منذ وقوفه أمامها بحجّة ابنته الصغيرة، لكنّها لم تجرؤ أن تفتح الحديث مع ضيّ..وإلى جوارها، ضيّ كانت تضم حقيبتها إلى صدرها بإحكام، نظراتها تتفادى العيون، بينما ذكرى يامن ونظرته الثقيلة، ولمسته التي أربكتها، وذاك الخوف المباغت الذي تسلّل إلى قلبها تُحاصرها كدُخانٍ خانق، لم تخبر تولاي بشيء؛ ولم تعرف كيف تصوغ الكلمات دون أن تنفجر الدموع أو يفلت منها تلك الرعشة التي تخشى أن تُفضح..طال السكون بينهما حتى صا
ابتسم شاهين نصف ابتسامة، ابتسامة لا تصل لعينيه، وقال بثباتٍ وهدوءٍ بارد:ــ وبالفعل يا غسق… بتقالك بالدهب، واللي عملته كان لأجل جدّك عسير اللي بدأ وتدخّل فيما لا يعنيه، بس استغليت الفرصة عشان أتزوّجك، وأنتِ عارفة إنّه من غير هالفرصة عسير ما عمره يوافق يسلّمك لي، واللي بين العسيرات والجعافرة كبير.ارتعشت شفتاها من الغضب، فانعكست النار في عينيها القويتين، وقالت بحدةٍ تكاد تُشعل المكان:ــ يعني عملت كل هذا عشان توطّي راس جدّي وتجبره على شي ما كان يوم يوافق عليه برضاه؟! لا يا شاهين، أنا ما أقبل أوطّي راس سيّدي عسير عشانك، حتّى لو قلبي يبيك، حتّى لو أنا… أتمناك.بقى أصيل خلفها متيقظًا، عينيه تتابعان شاهين كالنسر وهو يقترب خطوة، لكن شاهين ظلّ ساكنًا مكانه، كأن كلماتها ضربته في مقتل، انهت غسق حديثها واستدارت بعنف، والدم يغلي في عروقها، وعباءتها السوداء التفت حولها مع هبّة ريحٍ قوية، ثم بدأت تخطو مبتعدة عنه بخطى ثابتة وغاضبة..بقي شاهين واقفًا في الظلام، يتابعها وهي تغادر، والليل يبتلع ملامحها شيئًا فشيئًا، تبعها أصيل سريعًا وهو يلتصق بها كل تعتليه، لكن نظراته







