مشاركة

الفصل 39

مؤلف: فتيحة
last update تاريخ النشر: 2026-07-22 08:32:02

مرّت ثلاثة أيام...

كان العم يحاول أن يشغل نفسه بأي شيء.

يرتب منزله...

يقرأ بعض الأوراق القديمة...

ويخرج أحيانًا للمشي.

لكن الحقيقة كانت تطارده في كل لحظة.

كلما تذكر وجه أروى خلف زجاج غرفة الزيارة...

شعر أن الوقت ينفد.

وفي صباح اليوم الرابع...

رن هاتفه.

التقطه بسرعة.

ــ السلام عليكم.

جاءه صوت المحقق.

ــ وعليكم السلام.

أعتذر لأنني لم أستطع مقابلتك.

اضطررت إلى السفر خارج المدينة في مهمة عاجلة.

لكنني أنهيت التقرير الذي طلبته.

اعتدل العم في جلسته.

ــ وهل وجدت شيئًا؟

ساد صمت قصير.

ثم قال المحقق:

ــ كل ما توصلت إليه موجود داخل الملف.

تركته في مكتبي.

ستسلمك السكرتيرة الظرف.

رفع العم رأسه.

ــ ومتى ستعود؟

ــ بعد يومين أو ثلاثة.

لكن لا داعي لانتظاري.

خذ الملف بنفسك.

أغلق العم الهاتف.

وبقي ينظر أمامه للحظات.

ثم تمتم:

ــ لعل الله يجعل فيه ما يطمئن قلبي.

بعد أقل من ساعة...

وصل إلى المكتب.

استقبلته السكرتيرة بابتسامة هادئة.

وقالت:

ــ الأستاذ أخبرني أنك ستأتي.

اختفت للحظات داخل الغرفة المجاورة.

ثم عادت وهي تحمل ظرفًا بنيًا كبيرًا.

وضعته أمامه.

ــ هذا هو.

وقد أوصاني ألا يفتحه أحد غيرك.

شكرها العم.

وأخذ الظرف بين يديه.

شعر بثقله.

لم يكن ثقيلاً بسبب الأوراق...

بل بسبب الأسئلة التي يحملها.

خرج من المبنى بخطوات بطيئة.

وقف بجانب سيارته.

نظر إلى الظرف.

ثم ابتسم ابتسامة خفيفة وقال لنفسه:

ــ بعد كل هذا الانتظار...

سأقرأه بهدوء عندما أصل إلى المنزل.

فتح باب السيارة.

ووضع الظرف على المقعد المجاور بعناية.

ثم أغلق الباب.

وأدار المحرك.

في الطريق...

كانت حركة السير اعتيادية.

محلات مفتوحة.

مارة يعبرون الأرصفة.

وسيارات تتوقف عند الإشارات.

لم يكن في المشهد ما يثير الريبة.

خفض العم سرعة السيارة عند الإشارة الحمراء.

ثم نظر سريعًا إلى الظرف.

مد يده نحوه...

لكنه تراجع.

وقال مبتسمًا:

ــ لا...

لن أقرأه هنا.

لا بد أن أكون هادئًا عندما أعرف الحقيقة.

عادت الإشارة إلى اللون الأخضر.

فتحركت السيارات من جديد.

بينما كان الظرف...

ما يزال مغلقًا كما هو.

واصل العم طريقه بهدوء.

كان يقود على مهل، وكأن قلبه يرفض الوصول بسرعة.

كلما وقع بصره على الظرف الموضوع إلى جواره...

شعر برغبة في فتحه.

ثم يتراجع.

أراد أن يقرأه في منزله...

بعيدًا عن ضجيج الشوارع.

وبعيدًا عن أي مقاطعة.

تنهد وهو يبتسم ابتسامة خافتة.

وقال لنفسه:

"لعل هذا الملف يريح قلبي أخيرًا."

في الجهة الأخرى من المدينة...

كانت حركة المرور تزداد ازدحامًا.

سيارات تتقدم ببطء.

وأخرى تنتظر دورها لعبور التقاطع الكبير.

كان كل شيء يبدو طبيعيًا.

لا شيء يلفت الانتباه.

ولا شيء يوحي بأن دقائق قليلة...

ستغيّر مصير عشرات الأشخاص.

اقترب العم من التقاطع.

خفف سرعته.

وتوقف خلف صف من السيارات في انتظار الإشارة.

ألقى نظرة عابرة إلى الساعة.

ثم عاد ينظر إلى الطريق أمامه.

وفجأة...

دوّى صوت بوق طويل مزق هدوء المكان.

التفتت الأنظار جميعها.

وفي آخر الشارع...

كانت شاحنة ضخمة تندفع بسرعة غير مألوفة.

بدأت المركبات تبتعد عن مسارها في محاولة لتفاديها.

لكن الوقت كان قد فات.

اصطدمت الشاحنة بأول سيارة بقوة هائلة.

فاندفعت السيارة إلى التي أمامها.

ثم بدأت السيارات تتصادم الواحدة تلو الأخرى.

تحول التقاطع في لحظات...

إلى فوضى عارمة.

أصوات ارتطام الحديد...

وتحطم الزجاج...

وصراخ الناس...

ملأت المكان.

حاول العم أن يدير المقود مبتعدًا.

لكن سيارة أخرى اندفعت نحوه بقوة بعد أن تلقت الضربة.

ثم...

وقع الاصطدام.

بقوة لم يسبق أن شعر بمثلها.

ارتفع الظرف عن المقعد المجاور.

وسقط على أرضية السيارة...

دون أن ينفتح.

بعد دقائق...

دوّت صفارات سيارات الإسعاف.

ورجال الإطفاء.

والشرطة.

بدأ المسعفون يركضون بين السيارات المحطمة.

يحاولون إنقاذ المصابين.

وتجمّع العشرات من الناس خلف الحواجز.

ينظرون بذهول إلى حجم الكارثة.

قال أحد الواقفين:

"يا إلهي... لم أرَ حادثًا بهذا الحجم من قبل."

ورد آخر:

"يبدو أن سائق الشاحنة فقد السيطرة."

هز رجل شرطة رأسه وهو ينظر إلى المشهد.

ثم قال لزميله:

"ابدأ بحصر عدد المصابين... واستدعِ المزيد من سيارات الإسعاف."

وسط ذلك الركام...

كانت سيارة العم قد تحطمت من مقدمتها.

والظرف البني...

ما زال ملقى داخلها.

مغلقًا...

كما كان.

لم ينتبه إليه أحد.

ولم يعلم أحد...

أنه كان يحمل إجاباتٍ انتظرها صاحبه أيامًا طويلة.

إجابات...

لن يقرأها أبدًا.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 76

    أشياء لا يعرفها الآخرون لم تكن الأيام التالية سهلة على أروى. رغم أنها استطاعت الحصول على المال الذي تحتاجه لعلاج نوال، إلا أن الاتفاق الذي وقعته مع رائد ظل حاضرًا في ذهنها. خمسة أوامر. لم تكن تعرف ما هي. ولا متى سيطلب منها تنفيذها. كل ما تعرفه أنها وافقت لأنها لم تكن تملك خيارًا آخر. ومع ذلك... كلما تذكرت أن نوال حصلت على ما تحتاجه، شعرت بشيء من الراحة. كان ذلك أهم شيء بالنسبة إليها. --- في صباح اليوم التالي، ذهبت أروى إلى المستشفى. أنهت الإجراءات المطلوبة، وسددت المبلغ الذي كان عليها دفعه. وقفت أمام موظفة الحسابات، تراجع الإيصال بين يديها. ــ هل هذا كل شيء؟ ــ نعم، هذا المبلغ يغطي الدفعة المطلوبة حاليًا. أغمضت أروى عينيها للحظة. شعرت براحة كبيرة. أخيرًا... لم تعد تفكر في كيفية تدبير المال. على الأقل في الوقت الحالي. أخذت الإيصال. وشكرت الموظفة. ثم توجهت إلى غرفة نوال. كانت نوال مستلقية على سريرها. ابتسمت عندما رأتها. ــ أروى! اقتربت منها وجلست بجانبها. ــ كيف تشعرين اليوم؟ ــ أفضل. ثم نظرت إليها بحنان. ــ وأنتِ؟ ابتسمت أروى. ــ أنا بخير. لم تخبرها ع

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 75

    أما رائد... فبقي في مكتبه. كان يعلم أن الخطأ لا يستحق خمسة أشهر. كان يعلم أن خسارة الشركة محدودة. وكان يعلم أيضًا... أن أروى لم تتعمد ما حدث. لكن هذا لم يكن ما يريده. هو لم يكن يعاقبها على التقرير. كان يعاقبها على شيء آخر. على هبة. على السنوات الثلاث التي عاشها وهو يحمل ألم فقدها. وعلى السنتين اللتين خرجت أروى قبلهما من السجن. نظر إلى الملف أمامه. ثم قال ببرود: ــ سنتان لم تقضيهما هناك... وأنا سأجعلك تدفعين ثمنهما هنا. لكنه عندما تذكر وجهها وهي تقول: "أرجوك..." ساد الصمت في المكتب. لثوانٍ قليلة... شعر بوخزة من الذنب. لكنه تجاهلها. وأعاد فتح ملفه. لم يكن مستعدًا للتراجع. أما أروى... فلم تكن تعرف أن الخطأ الذي ارتكبته بسبب إرهاقها وضغط العمل لم يكن سوى بداية لأشهر ستصبح فيها حياتها أكثر صعوبةمرّت الأسابيع التالية ببطء.كانت أروى قد اعتادت على نصف راتبها.أو حاولت أن تعتاد عليه على الأقل.أصبحت تحسب كل درهم قبل أن تنفقه.تتخلى عن أشياء كانت تعتبرها بسيطة.وتبحث دائمًا عن الأرخص.لكنها لم تندم على شيء.فطالما استطاعت الاستمرار في عملها...وطالما بقيت قادرة على م

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 74

    مرّت عدة أيام منذ ذلك الصباح...لكن أروى لم تستطع أن تنسى ما حدث في الممر.كلما رأت رائد من بعيد...كانت تتوتر دون إرادة منها.لم تكن تعرف سبب غضبه.ولم تكن تعرف لماذا اقترب منها بتلك الطريقة.لكن جسدها كان يتذكر.تتذكر يده وهي تمسك بذراعها.وتتذكر ظهرها عندما اصطدم بالحائط.وتتذكر نظراته الغاضبة.لذلك...كانت تتجنب النظر إليه قدر الإمكان.---في ذلك اليوم، كان العمل أكثر ضغطًا من المعتاد.تراكمت الملفات فوق مكتب أروى.ملف بعد آخر.وتقرير بعد آخر.كلما انتهت من مجموعة، وصلت أخرى.كانت ليان تساعدها قدر استطاعتها، لكن حجم العمل كان أكبر من المعتاد.ــ أروى، هل انتهيتِ من التقرير؟رفعت رأسها بسرعة.ــ تقريبًا.ــ الأستاذ خالد يحتاجه قبل الظهر.ــ سأحاول إنهاءه الآن.عادت إلى الحاسوب.كانت عيناها تؤلمانها من كثرة التركيز.شربت القليل من الماء.ثم واصلت العمل.لم تنتبه إلى خطأ صغير في إحدى الأرقام.رقم واحد فقط...لكنه غيّر نتيجة الحساب النهائي.راجعته مرة.ثم أرسلته.وما إن ضغطت على زر الإرسال...حتى انتقلت إلى الملف التالي.كانت تظن أن كل شيء انتهى.لكنها لم تكن تعلم...أن ذلك الخطأ الصغ

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 73

    أريد فقط تقريرًا كاملًا. ــ حاضر. أخذ المدير الملف وغادر. لم تمر ساعات كثيرة... حتى بدأ الأمر. كانت أروى منهمكة في عملها عندما جاءها الأستاذ خالد. وضع أمامها مجموعة من الملفات. قال: ــ أروى، أحتاج منك إنهاء هذه قبل نهاية الدوام. نظرت إلى الكمية. ثم رفعت رأسها. ــ كلها اليوم؟ ــ للأسف. هناك ضغط في القسم. أومأت. ــ حسنًا. ابتسم خالد. ــ أعتمد عليك. بدأت العمل. لم تسأل لماذا ازدادت المهام فجأة. فهي اعتادت أن تثبت نفسها. لكنها لم تكن تعلم... أن بعض تلك المهام لم تأتِ مصادفة. --- مرّت الأيام. وفي كل يوم... كانت أروى تحصل على عمل أكثر. ملفات إضافية. مراجعات. تقارير عاجلة. مهام كان يمكن توزيعها على أكثر من موظف. ومع ذلك... لم تشتكِ. كانت تعود إلى غرفتها في المساء متعبة. تخلع حذاءها. وتجلس على طرف السرير. ثم تنظر إلى يديها. أحيانًا كانت تشعر أنها لم تعد تملك طاقة حتى لتغيير ملابسها. لكنها كانت تتذكر نوال. فتنهض. تحضر شيئًا بسيطًا لتأكله. ثم تراجع حساباتها. تقتطع مصاريف الإيجار. مصاريف الطعام. المواصلات.

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 72

    ثم أضافت بسرعة: ــ ربما أحتاج فقط إلى بعض القهوة. ابتسمت ليان. ــ هذه أول مرة أراكِ تدافعين عن القهوة. ضحكت أروى بخفة. لكن ضحكتها لم تكن طبيعية. كانت مجرد محاولة لإخفاء الارتباك. ــ سأعود إلى مكتبي. أومأت ليان. ــ حسنًا، لكن إذا شعرتِ بأي تعب أخبريني. ــ سأفعل. استدارت أروى... ومشت. لكن خطواتها كانت أبطأ من المعتاد. --- جلست أمام مكتبها. فتحت الحاسوب. ظهرت الملفات أمامها. حدقت في الشاشة. ثم وضعت أصابعها على لوحة المفاتيح. كتبت سطرًا. ثم توقفت. حاولت أن تركز. لكن عقلها عاد إليها من جديد. يد رائد وهي تقبض على ذراعها. دفعه لها. صوته. نظراته. والسؤال الذي لم تفهمه حتى الآن: "لماذا أنتِ هنا؟" رفعت يدها إلى كتفها مرة أخرى. همست: ــ ماذا كان يقصد؟ هل أخطأت في شيء؟ هل هناك مشكلة في عملي؟ لكنها لم تجد أي تفسير. كانت تتعامل معه مثل أي مدير. احترمته. أنجزت ما طُلب منها. لم تتجاوز حدودها. فلماذا يعاملها وكأنها ارتكبت في حقه جريمة؟ أخفضت عينيها. ثم حاولت طرد الأفكار من رأسها. فتحت أحد الملفات. وأجبرت نفسها عل

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 71

    ارتجف صوت أروى. ــ أستاذ رائد... أنا... لا أفهم... بقي ينظر إليها. كأن كلماتها لم تصل إليه. كان صدره يعلو ويهبط بسرعة. وقبضتاه ما زالتا تضغطان على كتفيها. كل ما كان يراه أمامه... لم يكن أروى. بل وجه هبة. ضحكتها. وابتسامتها. وذلك اليوم... اليوم الذي انتهى فيه كل شيء. اشتدت قبضته دون أن يشعر. فشهقت أروى من الألم. وحاولت أن تتراجع... لكن الحائط كان خلفها. لم يكن أمامها أي مهرب. كانت المرة الأولى منذ خروجها من السجن... التي تشعر فيها بذلك العجز. نظرت إلى عينيه. لم ترَ فيهما الكراهية فقط... بل شيئًا آخر. وجعًا... كأن هذا الرجل يحمل جرحًا قديمًا لا يتوقف عن النزيف. لكنها... لم تعرف سببه. ولا لماذا كانت هي أمامه. --- في تلك اللحظة... وقعت عين رائد على وجهها. لم يرَ تحديًا. ولا شماتة. ولا ابتسامة مستفزة. رأى امرأة شاحبة. مرتبكة. ترفع رأسها بصعوبة بسبب فارق الطول بينهما. وعيناها... كانتا مليئتين بالخوف. خوف حقيقي. ساد صمت ثقيل. ثم... نظر إلى يديه. كانت أصابعه ما تزال تقبض على كتفيها بقوة. اتسعت عيناه قليلًا. وكأنه استيقظ فجأة من كابوس. تركها فورً

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status