مشاركة

الفصل 38

مؤلف: فتيحة
last update تاريخ النشر: 2026-07-21 07:49:22

مرّت عدة أيام...

لكن ذلك الشعور الغريب لم يفارق أروى.

كانت تستيقظ كل صباح وهي تشعر بثقلٍ في صدرها.

لا تعرف سببه...

ولا تستطيع تفسيره.

منذ الزيارة الأخيرة لعمها...

وهي تستعيد نظراته كلما أغمضت عينيها.

لم تكن تخيفها كلماته...

بل ذلك الصمت الذي سبقها.

كان ينظر إليها وكأنه يودعها.

هزّت رأسها محاولة طرد تلك الفكرة.

ثم أكملت خياطة أحد المعاطف داخل ورشة السجن.

لكن الإبرة انزلقت من بين أصابعها.

فتنهدت بصوت خافت.

انتبهت هناء إليها.

تركت ما بيدها.

واقتربت منها.

ثم قالت مبتسمة:

ــ منذ الصباح وأنتِ شاردة...

ماذا يشغل بالك؟

رفعت أروى رأسها.

وحاولت أن تبتسم.

لكن ابتسامتها كانت ضعيفة.

ــ لا شيء...

مجرد تعب.

هزت هناء رأسها.

ــ لا...

لقد عشت معكِ عامين.

أعرف متى تكونين متعبة...

وأعرف متى يكون هناك شيء يثقل قلبك.

خفضت أروى بصرها.

وبقيت صامتة.

اقتربت سلمى هي الأخرى.

وقالت وهي تمسك قطعة قماش:

ــ هل الأمر يتعلق بعمك؟

رفعت أروى عينيها بسرعة.

ثم قالت بدهشة:

ــ كيف عرفتِ؟

ابتسمت سلمى ابتسامة هادئة.

ــ لأنك بعد كل زيارة له تبقين سعيدة عدة أيام.

أما هذه المرة...

فعُدتِ وكأنك تحملين همًّا أكبر.

تنهدت أروى.

ثم وضعت الإبرة جانبًا.

وقالت بصوت خافت:

ــ في زيارته الأخيرة...

كان مختلفًا.

سألتها هناء:

ــ كيف؟

أجابت بعد لحظة صمت:

ــ كان ينظر إليّ بطريقة لم أفهمها.

وكأنه يريد أن يقول شيئًا...

لكنه تراجع في آخر لحظة.

ثم قال لي:

"أتمنى أن تكون شكوكي خاطئة."

تبادلت هناء وسلمى النظرات.

ثم سألتها هناء:

ــ وهل أخبركِ عمّا يقصده؟

هزت أروى رأسها.

ــ لا...

كلما سألته...

غيّر الحديث.

سكتت قليلًا.

ثم أضافت:

ــ منذ أن توفي والداي...

لم يبقَ لي في الدنيا غيره.

وأنا أعرفه جيدًا.

إذا أخفى عني شيئًا...

فذلك لأنه لا يريد أن يقلقني.

لكن...

هذا ما يقلقني أكثر.

ساد الصمت داخل الورشة.

حتى صوت آلات الخياطة...

بدا بعيدًا.

وضعت هناء يدها على كتف أروى.

وقالت برفق:

ــ لا تسبقي الأحداث.

ربما هو مجرد أمر يخص عمله...

أو مشكلة عابرة.

ابتسمت أروى ابتسامة باهتة.

وقالت:

ــ أتمنى ذلك...

بل أدعو الله أن يكون كل ما أشعر به مجرد وهم.

في تلك اللحظة...

أعلنت المشرفة انتهاء فترة العمل.

بدأت السجينات يرتبن أدواتهن.

أما أروى...

فبقيت للحظة تحدق من نافذة الورشة الصغيرة.

كانت السماء ملبدة بالغيوم.

وشعرت...

دون أن تعرف لماذا...

أن شيئًا كبيرًا يقترب.

في الجهة الأخرى من المدينة...

كان العم يجلس داخل مكتب المحقق الخاص.

لم تكن هذه زيارته الأولى.

لكنه هذه المرة بدا أكثر توترًا.

رفع المحقق رأسه عندما دخل.

ثم أشار إليه بالجلوس.

قال العم مباشرة:

ــ هل وصلت إلى شيء؟

أخذ المحقق نفسًا عميقًا.

ثم فتح ملفًا أمامه.

ــ بدأت تتضح بعض الخيوط...

لكنني ما زلت بحاجة إلى وقت حتى أتأكد منها.

نظر إليه العم باهتمام.

ــ أخبرني بما وصلت إليه.

أجاب المحقق بهدوء:

ــ كما طلبت...

بدأت بالبحث عن الفتاة التي ظهرت مع سمير في المقهى.

عرفت هويتها...

وعرفت بعض المعلومات المتعلقة بها.

لكنني لم أكتفِ بذلك.

تابعت تحركاتها خلال الأيام الماضية.

صمت لحظة.

ثم أكمل:

ــ حتى الآن...

لا أستطيع أن أقول إن هناك أمرًا غير طبيعي.

أطرق العم رأسه.

شعر بشيء من الارتياح.

ثم قال:

ــ هذا جيد...

أريد أن أتأكد فقط أنني لم أظلم سمير.

أغلق المحقق الملف.

ثم قال:

ــ لهذا السبب لم أتصل بك إلا بعد أن تأكدت من شيء واحد.

رفع العم رأسه.

ــ ما هو؟

أجاب المحقق:

ــ لا أريد أن أبني أي استنتاج قبل أن أحصل على دليل واضح.

ولهذا...

أحتاج إلى يومين إضافيين.

ظل العم صامتًا.

ثم قال:

ــ خذ الوقت الذي تحتاجه.

لكن...

أرجوك...

لا تعتمد على الظنون.

أريد الحقيقة فقط.

ابتسم المحقق ابتسامة خفيفة.

ــ وهذا ما أبحث عنه.

خرج العم من المكتب.

كانت الشمس تميل إلى الغروب.

وقف بجانب سيارته.

ثم رفع رأسه نحو السماء.

وأغمض عينيه.

تمتم بصوت بالكاد يُسمع:

ــ يا رب...

إن كان سمير بريئًا...

فأزل هذه الشكوك من قلبي.

وإن كنت أسير في الطريق الصحيح...

فامنحني القوة لأكمله.

فتح باب سيارته.

وقبل أن يركب...

رن هاتفه.

نظر إلى الشاشة.

كان المتصل...

مالك الشاعري.

أجاب سريعًا.

ــ السلام عليكم.

ــ وعليكم السلام.

كيف حالك؟

ــ بخير...

هل هناك جديد؟

أجاب مالك:

ــ لا جديد.

لكنني أردت أن أطمئن عليك.

منذ أيام وأنت منشغل.

ابتسم العم ابتسامة خفيفة.

ــ لا تقلق.

أوشكت أن أصل إلى ما أبحث عنه.

ساد الصمت لثوانٍ.

ثم قال مالك:

ــ فقط كن حذرًا.

أحيانًا...

البحث عن الحقيقة يجر صاحبه إلى ما لا يتوقعه.

ابتسم العم.

ــ لا تقلق...

أنا لا أفعل شيئًا سوى طرح بعض الأسئلة.

أنهى المكالمة.

وركب سيارته.

بينما كانت عينان تراقبانه من بعيد...

لكن العم لم ينتبه لهما.

انطلقت السيارة ببطء...

واختفت في زحام الطريق.

أما في داخله...

فكان يشعر لأول مرة...

أن الحقيقة أصبحت أقرب مما يتصور.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 76

    أشياء لا يعرفها الآخرون لم تكن الأيام التالية سهلة على أروى. رغم أنها استطاعت الحصول على المال الذي تحتاجه لعلاج نوال، إلا أن الاتفاق الذي وقعته مع رائد ظل حاضرًا في ذهنها. خمسة أوامر. لم تكن تعرف ما هي. ولا متى سيطلب منها تنفيذها. كل ما تعرفه أنها وافقت لأنها لم تكن تملك خيارًا آخر. ومع ذلك... كلما تذكرت أن نوال حصلت على ما تحتاجه، شعرت بشيء من الراحة. كان ذلك أهم شيء بالنسبة إليها. --- في صباح اليوم التالي، ذهبت أروى إلى المستشفى. أنهت الإجراءات المطلوبة، وسددت المبلغ الذي كان عليها دفعه. وقفت أمام موظفة الحسابات، تراجع الإيصال بين يديها. ــ هل هذا كل شيء؟ ــ نعم، هذا المبلغ يغطي الدفعة المطلوبة حاليًا. أغمضت أروى عينيها للحظة. شعرت براحة كبيرة. أخيرًا... لم تعد تفكر في كيفية تدبير المال. على الأقل في الوقت الحالي. أخذت الإيصال. وشكرت الموظفة. ثم توجهت إلى غرفة نوال. كانت نوال مستلقية على سريرها. ابتسمت عندما رأتها. ــ أروى! اقتربت منها وجلست بجانبها. ــ كيف تشعرين اليوم؟ ــ أفضل. ثم نظرت إليها بحنان. ــ وأنتِ؟ ابتسمت أروى. ــ أنا بخير. لم تخبرها ع

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 75

    أما رائد... فبقي في مكتبه. كان يعلم أن الخطأ لا يستحق خمسة أشهر. كان يعلم أن خسارة الشركة محدودة. وكان يعلم أيضًا... أن أروى لم تتعمد ما حدث. لكن هذا لم يكن ما يريده. هو لم يكن يعاقبها على التقرير. كان يعاقبها على شيء آخر. على هبة. على السنوات الثلاث التي عاشها وهو يحمل ألم فقدها. وعلى السنتين اللتين خرجت أروى قبلهما من السجن. نظر إلى الملف أمامه. ثم قال ببرود: ــ سنتان لم تقضيهما هناك... وأنا سأجعلك تدفعين ثمنهما هنا. لكنه عندما تذكر وجهها وهي تقول: "أرجوك..." ساد الصمت في المكتب. لثوانٍ قليلة... شعر بوخزة من الذنب. لكنه تجاهلها. وأعاد فتح ملفه. لم يكن مستعدًا للتراجع. أما أروى... فلم تكن تعرف أن الخطأ الذي ارتكبته بسبب إرهاقها وضغط العمل لم يكن سوى بداية لأشهر ستصبح فيها حياتها أكثر صعوبةمرّت الأسابيع التالية ببطء.كانت أروى قد اعتادت على نصف راتبها.أو حاولت أن تعتاد عليه على الأقل.أصبحت تحسب كل درهم قبل أن تنفقه.تتخلى عن أشياء كانت تعتبرها بسيطة.وتبحث دائمًا عن الأرخص.لكنها لم تندم على شيء.فطالما استطاعت الاستمرار في عملها...وطالما بقيت قادرة على م

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 74

    مرّت عدة أيام منذ ذلك الصباح...لكن أروى لم تستطع أن تنسى ما حدث في الممر.كلما رأت رائد من بعيد...كانت تتوتر دون إرادة منها.لم تكن تعرف سبب غضبه.ولم تكن تعرف لماذا اقترب منها بتلك الطريقة.لكن جسدها كان يتذكر.تتذكر يده وهي تمسك بذراعها.وتتذكر ظهرها عندما اصطدم بالحائط.وتتذكر نظراته الغاضبة.لذلك...كانت تتجنب النظر إليه قدر الإمكان.---في ذلك اليوم، كان العمل أكثر ضغطًا من المعتاد.تراكمت الملفات فوق مكتب أروى.ملف بعد آخر.وتقرير بعد آخر.كلما انتهت من مجموعة، وصلت أخرى.كانت ليان تساعدها قدر استطاعتها، لكن حجم العمل كان أكبر من المعتاد.ــ أروى، هل انتهيتِ من التقرير؟رفعت رأسها بسرعة.ــ تقريبًا.ــ الأستاذ خالد يحتاجه قبل الظهر.ــ سأحاول إنهاءه الآن.عادت إلى الحاسوب.كانت عيناها تؤلمانها من كثرة التركيز.شربت القليل من الماء.ثم واصلت العمل.لم تنتبه إلى خطأ صغير في إحدى الأرقام.رقم واحد فقط...لكنه غيّر نتيجة الحساب النهائي.راجعته مرة.ثم أرسلته.وما إن ضغطت على زر الإرسال...حتى انتقلت إلى الملف التالي.كانت تظن أن كل شيء انتهى.لكنها لم تكن تعلم...أن ذلك الخطأ الصغ

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 73

    أريد فقط تقريرًا كاملًا. ــ حاضر. أخذ المدير الملف وغادر. لم تمر ساعات كثيرة... حتى بدأ الأمر. كانت أروى منهمكة في عملها عندما جاءها الأستاذ خالد. وضع أمامها مجموعة من الملفات. قال: ــ أروى، أحتاج منك إنهاء هذه قبل نهاية الدوام. نظرت إلى الكمية. ثم رفعت رأسها. ــ كلها اليوم؟ ــ للأسف. هناك ضغط في القسم. أومأت. ــ حسنًا. ابتسم خالد. ــ أعتمد عليك. بدأت العمل. لم تسأل لماذا ازدادت المهام فجأة. فهي اعتادت أن تثبت نفسها. لكنها لم تكن تعلم... أن بعض تلك المهام لم تأتِ مصادفة. --- مرّت الأيام. وفي كل يوم... كانت أروى تحصل على عمل أكثر. ملفات إضافية. مراجعات. تقارير عاجلة. مهام كان يمكن توزيعها على أكثر من موظف. ومع ذلك... لم تشتكِ. كانت تعود إلى غرفتها في المساء متعبة. تخلع حذاءها. وتجلس على طرف السرير. ثم تنظر إلى يديها. أحيانًا كانت تشعر أنها لم تعد تملك طاقة حتى لتغيير ملابسها. لكنها كانت تتذكر نوال. فتنهض. تحضر شيئًا بسيطًا لتأكله. ثم تراجع حساباتها. تقتطع مصاريف الإيجار. مصاريف الطعام. المواصلات.

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 72

    ثم أضافت بسرعة: ــ ربما أحتاج فقط إلى بعض القهوة. ابتسمت ليان. ــ هذه أول مرة أراكِ تدافعين عن القهوة. ضحكت أروى بخفة. لكن ضحكتها لم تكن طبيعية. كانت مجرد محاولة لإخفاء الارتباك. ــ سأعود إلى مكتبي. أومأت ليان. ــ حسنًا، لكن إذا شعرتِ بأي تعب أخبريني. ــ سأفعل. استدارت أروى... ومشت. لكن خطواتها كانت أبطأ من المعتاد. --- جلست أمام مكتبها. فتحت الحاسوب. ظهرت الملفات أمامها. حدقت في الشاشة. ثم وضعت أصابعها على لوحة المفاتيح. كتبت سطرًا. ثم توقفت. حاولت أن تركز. لكن عقلها عاد إليها من جديد. يد رائد وهي تقبض على ذراعها. دفعه لها. صوته. نظراته. والسؤال الذي لم تفهمه حتى الآن: "لماذا أنتِ هنا؟" رفعت يدها إلى كتفها مرة أخرى. همست: ــ ماذا كان يقصد؟ هل أخطأت في شيء؟ هل هناك مشكلة في عملي؟ لكنها لم تجد أي تفسير. كانت تتعامل معه مثل أي مدير. احترمته. أنجزت ما طُلب منها. لم تتجاوز حدودها. فلماذا يعاملها وكأنها ارتكبت في حقه جريمة؟ أخفضت عينيها. ثم حاولت طرد الأفكار من رأسها. فتحت أحد الملفات. وأجبرت نفسها عل

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 71

    ارتجف صوت أروى. ــ أستاذ رائد... أنا... لا أفهم... بقي ينظر إليها. كأن كلماتها لم تصل إليه. كان صدره يعلو ويهبط بسرعة. وقبضتاه ما زالتا تضغطان على كتفيها. كل ما كان يراه أمامه... لم يكن أروى. بل وجه هبة. ضحكتها. وابتسامتها. وذلك اليوم... اليوم الذي انتهى فيه كل شيء. اشتدت قبضته دون أن يشعر. فشهقت أروى من الألم. وحاولت أن تتراجع... لكن الحائط كان خلفها. لم يكن أمامها أي مهرب. كانت المرة الأولى منذ خروجها من السجن... التي تشعر فيها بذلك العجز. نظرت إلى عينيه. لم ترَ فيهما الكراهية فقط... بل شيئًا آخر. وجعًا... كأن هذا الرجل يحمل جرحًا قديمًا لا يتوقف عن النزيف. لكنها... لم تعرف سببه. ولا لماذا كانت هي أمامه. --- في تلك اللحظة... وقعت عين رائد على وجهها. لم يرَ تحديًا. ولا شماتة. ولا ابتسامة مستفزة. رأى امرأة شاحبة. مرتبكة. ترفع رأسها بصعوبة بسبب فارق الطول بينهما. وعيناها... كانتا مليئتين بالخوف. خوف حقيقي. ساد صمت ثقيل. ثم... نظر إلى يديه. كانت أصابعه ما تزال تقبض على كتفيها بقوة. اتسعت عيناه قليلًا. وكأنه استيقظ فجأة من كابوس. تركها فورً

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status