Share

الفصل الثامن

Author: فتيحة
last update publish date: 2026-07-03 08:08:39

اخترقت صفارات سيارات الإسعاف سكون الليل، بينما كانت الأمطار لا تزال تنهمر فوق شوارع المدينة بلا رحمة.

توقفت السيارة أمام قسم الطوارئ، وسارع المسعفون إلى إنزال هبة على السرير المتحرك.

ركض أحدهم وهو يصرخ:

ــ أفسحوا الطريق!

اندفع الأطباء نحوها، ثم اختفت خلف الأبواب البيضاء التي أُغلقت بسرعة.

في الجهة الأخرى، كانت أروى تسير بخطوات متعثرة، يرافقها أحد المسعفين.

لم تكن تشعر بمن حولها.

كانت تحدق في يديها الملطختين بدماء هبة، وكأنها تراها للمرة الأولى.

اقتربت منها ممرضة تحمل قطعة قماش مبللة.

قالت بلطف:

ــ دعيني أنظف يديك.

سحبت أروى يديها بسرعة، وهزت رأسها بعنف.

ــ لا...

نظرت إليها الممرضة باستغراب.

همست أروى وصوتها يكاد لا يُسمع:

ــ أنقذوها أولًا...

أرجوكم...

أنقذوها.

أشفقت عليها الممرضة، فاكتفت بوضع يدها على كتفها، ثم ابتعدت مسرعة.

جلست أروى على أحد المقاعد، تحدق في الباب الذي اختفت خلفه هبة.

كانت الدقائق تمر ببطء قاتل.

حتى صوت المطر...

لم تعد تسمعه.

في تلك اللحظة...

كان رائد يقود سيارته بسرعة لم يعهدها من نفسه.

قبض بقوة على المقود، بينما كان صدى الكلمات التي سمعها في الهاتف يتردد داخل رأسه.

"الآنسة هبة تعرضت لحادث سير... نرجو حضورك إلى مستشفى..."

لم يكمل المتصل شيئًا آخر.

ولم يسأل رائد.

كل ما كان يفكر فيه...

أن يصل قبل فوات الأوان.

توقفت سيارته أمام المستشفى بعنف.

ترجل منها راكضًا.

لم ينتظر المصعد.

صعد الدرج بخطوات متسارعة، حتى وصل إلى قسم الطوارئ.

أوقف أول ممرضة صادفها.

ــ هبة...

أين هبة؟

نظرت إليه الممرضة، ثم أشارت إلى نهاية الممر.

ــ غرفة العمليات.

تركها وركض.

كان قلبه يخفق بعنف.

يردد في داخله:

لن يحدث لها شيء...

لن يحدث لها شيء...

توقف أمام الباب المغلق.

حاول الدخول.

لكن أحد الأطباء منعه.

ــ من فضلك... انتظر في الخارج.

نظر إليه بعجز.

ثم تراجع خطوة.

لأول مرة في حياته...

شعر بأنه عاجز عن فعل أي شيء.

بعد دقائق...

وصل والداه.

اقتربت والدته منه بسرعة.

ــ رائد...

ماذا حدث؟

هز رأسه بصمت.

لم يكن يملك جوابًا.

أما والده، فاكتفى بالنظر إلى باب غرفة العمليات، وقد ارتسمت على وجهه ملامح لم يستطع إخفاءها.

ساد الصمت.

لم يكن أحد يجرؤ على كسره.

وفجأة...

فُتح باب غرفة العمليات.

خرج الطبيب ببطء.

كانت ملامحه وحدها كافية لتخبرهم بكل شيء.

اقترب رائد منه بخطوات متثاقلة.

نظر إليه الطبيب بأسف.

ثم قال بصوت منخفض:

ــ نأسف...

لقد بذلنا كل ما نستطيع.

لكن الإصابة كانت بالغة.

شعر رائد وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميه.

ظل يحدق في الطبيب.

وكأنه لم يفهم ما قيل.

همس بصعوبة:

ــ ماذا...؟

كرر الطبيب بصوت أكثر هدوءًا:

ــ البقاء لله.

لم تعد بيننا.

في تلك اللحظة...

انطفأ كل شيء.

لم يصرخ رائد.

ولم يبكِ.

اكتفى بالتراجع خطوة.

ثم أخرى.

حتى استند إلى الجدار.

وأخفض رأسه.

أما والدته...

فانهارت باكية.

بينما أغلق والده عينيه طويلًا، ثم رفع رأسه نحو السقف، وكأنه يحاول إخفاء ألمه.

في الطرف الآخر من المستشفى...

جلست أروى في غرفة صغيرة خُصصت للمصابين الذين لم يتعرضوا لإصابات خطيرة.

كانت تحدق في الفراغ.

دخل الطبيب.

تفحص ضغطها بسرعة.

ثم سألها بلطف:

ــ ما اسمك؟

رفعت رأسها ببطء.

لكن الكلمات بقيت عالقة في حلقها.

كرر السؤال.

فانهمرت دموعها فجأة.

لم تستطع النطق بحرف واحد.

تنهد الطبيب.

ثم خرج بهدوء، وأوصى الممرضة بأن تتركها حتى تهدأ.

وقف سمير أمام نافذة الممر.

كان المطر يضرب الزجاج بقوة.

أغمض عينيه.

ثم مرر يده فوق وجهه.

اقترب منه شرطي.

ــ هل حالتك تسمح بأخذ أقوالك الآن؟

هز سمير رأسه ببطء.

ــ إذا كان لا بد من ذلك...

فأنا مستعد.

نظر الشرطي إلى وجهه المتعب.

ثم قال:

ــ سننتظر قليلًا.

غادر الشرطي.

وبقي سمير واقفًا مكانه.

بعد دقائق...

توجه نحو الغرفة التي تجلس فيها أروى.

فتح الباب بهدوء.

دخل دون أن يتكلم.

جلس على المقعد المقابل لها.

ساد بينهما صمت طويل.

لم يقطعه سوى صوت المطر.

ثم تنهد سمير.

وقال بصوت مبحوح:

ــ أروى...

رفعت عينيها إليه.

كانت الدموع لا تزال تملأ وجهها.

خفض رأسه.

وقال بصعوبة:

ــ آسف...

نظرت إليه دون أن تفهم.

أكمل، بينما كانت الكلمات تخرج منه بصعوبة شديدة:

ــ آسف...

لأنني لن أستطيع أن أحقق لك كل ما وعدتك به.

ارتجفت شفتا أروى.

لكنها لم تجد ما تقوله.

أما سمير...

فأدار وجهه بعيدًا عنها.

وأغلق عينيه...

لتنساب أول دمعة فوق خده

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 78

    لم تكن أروى قد خططت لهذا السفر يومًا.حتى صباح ذلك اليوم، كانت تظن أن أقصى ما سيحدث هو يوم عمل طويل داخل الشركة، وبعض الملفات التي تحتاج إلى مراجعة قبل نهاية الدوام.لكنها وجدت نفسها بعد وقت قصير تقف داخل المطار، تحمل حقيبتها الصغيرة وتسير إلى جانب رائد، وهي لا تزال غير مستوعبة كيف تغير كل شيء بهذه السرعة.كانت تنظر حولها بصمت.المطار مزدحم بالمسافرين.أصوات الإعلانات تأتي من كل اتجاه.وعربات الحقائب تتحرك بسرعة بين الناس.شعرت أروى بشيء من الارتباك.لم تكن قد سافرت منذ زمن طويل، ولم تعد تتذكر حتى آخر مرة جلست فيها داخل طائرة.لاحظ رائد شرودها.ــ هل هذه أول مرة تسافرين بالطائرة منذ فترة طويلة؟نظرت إليه للحظة.ــ نعم.ثم أضافت بصوت خافت:ــ منذ سنوات.لم يعلق.اكتفى بالنظر إلى الساعة ثم تابع طريقه.كانت أروى تمشي خلفه بخطوات هادئة، تحاول ألا تبدو متوترة.وعندما وصلا إلى بوابة الصعود، جلست إلى جواره في انتظار الإعلان.كانت تمسك حقيبتها فوق ساقيها بكلتا يديها.وبين حين وآخر، كانت تنظر إلى الطائرات من خلال الزجاج.شعرت بمزيج غريب من التوتر والرهبة.---بعد وقت قصير...جلسا داخل الطائرة.

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 77

    كان صباحًا عاديًا في الشركة.جلست أروى أمام مكتبها تراجع بعض الملفات التي تراكمت عليها منذ بداية الأسبوع.كانت تحاول أن تنهي عملها قبل نهاية الدوام، خصوصًا أنها لم تعد تريد ارتكاب أي خطأ آخر بعد ما حدث معها.كانت عيناها تنتقلان بين الأوراق والشاشة باستمرار.وبينما كانت تكتب بعض الملاحظات...وصلت ليان إلى مكتبها.ــ أروى، هل انتهيتِ من الملف؟رفعت أروى رأسها.ــ تقريبًا، بقيت بعض الأرقام فقط.ابتسمت ليان.ــ منذ أن خُصم نصف راتبك وأنتِ تعملين وكأنكِ تريدين شراء الشركة.ضحكت أروى بخفة.ــ لا تذكّريني.ثم عادت إلى عملها.لكنها لم تكن تعرف أن يومها الهادئ لن يستمر طويلًا.---في الطابق العلوي...كان رائد يقف أمام نافذة مكتبه.على مكتبه حقيبة صغيرة وبعض الملفات.كان من المفترض أن يسافر في رحلة عمل مهمة في ذلك اليوم.وكانت جميع الاستعدادات قد اكتملت.إلا أن هناك مشكلة واحدة.دخل سكرتيره إلى المكتب.كان وجهه شاحبًا قليلًا.ــ أستاذ رائد...التفت إليه.ــ ماذا هناك؟ــ أعتذر، لكنني لا أستطيع مرافقتك في الرحلة.تغيرت ملامح رائد.ــ لماذا؟ــ منذ الصباح وأنا أشعر بتعب شديد، والطبيب نصحني ألا أس

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 76

    أشياء لا يعرفها الآخرون لم تكن الأيام التالية سهلة على أروى. رغم أنها استطاعت الحصول على المال الذي تحتاجه لعلاج نوال، إلا أن الاتفاق الذي وقعته مع رائد ظل حاضرًا في ذهنها. خمسة أوامر. لم تكن تعرف ما هي. ولا متى سيطلب منها تنفيذها. كل ما تعرفه أنها وافقت لأنها لم تكن تملك خيارًا آخر. ومع ذلك... كلما تذكرت أن نوال حصلت على ما تحتاجه، شعرت بشيء من الراحة. كان ذلك أهم شيء بالنسبة إليها. --- في صباح اليوم التالي، ذهبت أروى إلى المستشفى. أنهت الإجراءات المطلوبة، وسددت المبلغ الذي كان عليها دفعه. وقفت أمام موظفة الحسابات، تراجع الإيصال بين يديها. ــ هل هذا كل شيء؟ ــ نعم، هذا المبلغ يغطي الدفعة المطلوبة حاليًا. أغمضت أروى عينيها للحظة. شعرت براحة كبيرة. أخيرًا... لم تعد تفكر في كيفية تدبير المال. على الأقل في الوقت الحالي. أخذت الإيصال. وشكرت الموظفة. ثم توجهت إلى غرفة نوال. كانت نوال مستلقية على سريرها. ابتسمت عندما رأتها. ــ أروى! اقتربت منها وجلست بجانبها. ــ كيف تشعرين اليوم؟ ــ أفضل. ثم نظرت إليها بحنان. ــ وأنتِ؟ ابتسمت أروى. ــ أنا بخير. لم تخبرها ع

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 75

    أما رائد... فبقي في مكتبه. كان يعلم أن الخطأ لا يستحق خمسة أشهر. كان يعلم أن خسارة الشركة محدودة. وكان يعلم أيضًا... أن أروى لم تتعمد ما حدث. لكن هذا لم يكن ما يريده. هو لم يكن يعاقبها على التقرير. كان يعاقبها على شيء آخر. على هبة. على السنوات الثلاث التي عاشها وهو يحمل ألم فقدها. وعلى السنتين اللتين خرجت أروى قبلهما من السجن. نظر إلى الملف أمامه. ثم قال ببرود: ــ سنتان لم تقضيهما هناك... وأنا سأجعلك تدفعين ثمنهما هنا. لكنه عندما تذكر وجهها وهي تقول: "أرجوك..." ساد الصمت في المكتب. لثوانٍ قليلة... شعر بوخزة من الذنب. لكنه تجاهلها. وأعاد فتح ملفه. لم يكن مستعدًا للتراجع. أما أروى... فلم تكن تعرف أن الخطأ الذي ارتكبته بسبب إرهاقها وضغط العمل لم يكن سوى بداية لأشهر ستصبح فيها حياتها أكثر صعوبةمرّت الأسابيع التالية ببطء.كانت أروى قد اعتادت على نصف راتبها.أو حاولت أن تعتاد عليه على الأقل.أصبحت تحسب كل درهم قبل أن تنفقه.تتخلى عن أشياء كانت تعتبرها بسيطة.وتبحث دائمًا عن الأرخص.لكنها لم تندم على شيء.فطالما استطاعت الاستمرار في عملها...وطالما بقيت قادرة على م

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 74

    مرّت عدة أيام منذ ذلك الصباح...لكن أروى لم تستطع أن تنسى ما حدث في الممر.كلما رأت رائد من بعيد...كانت تتوتر دون إرادة منها.لم تكن تعرف سبب غضبه.ولم تكن تعرف لماذا اقترب منها بتلك الطريقة.لكن جسدها كان يتذكر.تتذكر يده وهي تمسك بذراعها.وتتذكر ظهرها عندما اصطدم بالحائط.وتتذكر نظراته الغاضبة.لذلك...كانت تتجنب النظر إليه قدر الإمكان.---في ذلك اليوم، كان العمل أكثر ضغطًا من المعتاد.تراكمت الملفات فوق مكتب أروى.ملف بعد آخر.وتقرير بعد آخر.كلما انتهت من مجموعة، وصلت أخرى.كانت ليان تساعدها قدر استطاعتها، لكن حجم العمل كان أكبر من المعتاد.ــ أروى، هل انتهيتِ من التقرير؟رفعت رأسها بسرعة.ــ تقريبًا.ــ الأستاذ خالد يحتاجه قبل الظهر.ــ سأحاول إنهاءه الآن.عادت إلى الحاسوب.كانت عيناها تؤلمانها من كثرة التركيز.شربت القليل من الماء.ثم واصلت العمل.لم تنتبه إلى خطأ صغير في إحدى الأرقام.رقم واحد فقط...لكنه غيّر نتيجة الحساب النهائي.راجعته مرة.ثم أرسلته.وما إن ضغطت على زر الإرسال...حتى انتقلت إلى الملف التالي.كانت تظن أن كل شيء انتهى.لكنها لم تكن تعلم...أن ذلك الخطأ الصغ

  • أحببت قاتلة حبيبتي   الفصل 73

    أريد فقط تقريرًا كاملًا. ــ حاضر. أخذ المدير الملف وغادر. لم تمر ساعات كثيرة... حتى بدأ الأمر. كانت أروى منهمكة في عملها عندما جاءها الأستاذ خالد. وضع أمامها مجموعة من الملفات. قال: ــ أروى، أحتاج منك إنهاء هذه قبل نهاية الدوام. نظرت إلى الكمية. ثم رفعت رأسها. ــ كلها اليوم؟ ــ للأسف. هناك ضغط في القسم. أومأت. ــ حسنًا. ابتسم خالد. ــ أعتمد عليك. بدأت العمل. لم تسأل لماذا ازدادت المهام فجأة. فهي اعتادت أن تثبت نفسها. لكنها لم تكن تعلم... أن بعض تلك المهام لم تأتِ مصادفة. --- مرّت الأيام. وفي كل يوم... كانت أروى تحصل على عمل أكثر. ملفات إضافية. مراجعات. تقارير عاجلة. مهام كان يمكن توزيعها على أكثر من موظف. ومع ذلك... لم تشتكِ. كانت تعود إلى غرفتها في المساء متعبة. تخلع حذاءها. وتجلس على طرف السرير. ثم تنظر إلى يديها. أحيانًا كانت تشعر أنها لم تعد تملك طاقة حتى لتغيير ملابسها. لكنها كانت تتذكر نوال. فتنهض. تحضر شيئًا بسيطًا لتأكله. ثم تراجع حساباتها. تقتطع مصاريف الإيجار. مصاريف الطعام. المواصلات.

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status