Home / الرومانسية / أسوار العشق / البارت التاسع عشر

Share

البارت التاسع عشر

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-06-24 11:30:40

أشرقت شمس ذلك اليوم المنتظر، لتعلن عن بداية الصبح الأكثر تميزاً في حياة حسن. استيقظ بهمة ونشاط لم يعهدهما من قبل، واندفع نحو نافذة غرفته ليفتحها على مصراعيها، مستقبلاً شعاع الضحى الدافئ الذي غمره بفرحة غامرة، وتسلل برفق ليداعب جفونه ويتخلل أنسجة جسده، حتى استقر في أعماق قلبه النقي، يشع فيه بنور الأمل والتفاؤل.

وقف حسن يستنشق نسيم الصباح العليل، يملأ به رئتيه ببطء وعمق، ولسان حاله يؤكد أن هذا اليوم هو أجمل أيام عمره على الإطلاق. التفت نحو خزانة ملابسه، وفتحها وهو يشعر بحيرة عذبة تداعب عقله؛ فالأمر اليوم مختلف، والسعادة التي تملأ كيانه تجعله راغباً في أن يكون بأبهى وأجمل صورة تليق بلقاء حور. تنقلت عيناه بين الثياب، حتى استقر خياره في النهاية على قميص كاروهات أنيق يمتزج فيه اللونان الأحمر والأسود بجاذبية، ومعه بنطال جينز أزرق عصري.

خرج من غرفته بخطوات واثقة، وقرر الصعود إلى الطابق الأعلى حيث تقع شقته الجديدة التي أسسها لتكون عش الزوجية. دلف من الباب وتجول ببصره في أرجاء المكان وعيناه تلمعان بالبهجة؛ فكل ركن وكل قطعة أثاث هنا تحمل قصة وتفاصيل شقاء وغربة. وقف في منتصف الصالون، وراحت عيناه تتنقلان بين الجدران والقطع وكأنه يتحدث إلى أشخاص حقيقيين أمامها، فقال بنبرة هامسة تملؤها العاطفة

- كلها أسبوعين بالظبط.. وتيجي هنا اللي خطفت قلبي من أول نظرة، هتيجي تملأ الشقة دي بهجة وسعادة.. وأعيش معاها في نعيم العشق اللي حلمت بيه.

شعر براحة نفسية غريبة تسري في أوصاله، فتمدد على الأريكة الوثيرة في الصالون، وما هي إلا دقائق حتى غط في نوم عميق وهادئ. وفي عالم الأحلام، تجسدت له حور؛ رآها تأتي إليه بخطوات ناعمة وابتسامة ساحرة تزيّن وجهها، قبل أن ترتمي بين أحضانه في أمان تام.

استيقظ حسن فجأة على دقات قلبه المتسارعة وأثر الحلم الدافئ ما زال يداعب خياله، فاعتدل في جلسته وهو يرفع كفيه إلى السماء، وتمتم بتضرع ويقين

- يا رب.. حقق الحلم ده واجعلها من نصيبي.

✨✨✨✨✨✨✨

لم تستطع سمر أن تذوق طعم النوم طوال الليل؛ قضت ليلتها تتقلب في فراشها يميناً ويساراً، والحقد يأكل حشاياها ويشعل النيران في صدرها من هذه الزيجة. كانت التساؤلات تنهش عقلها بحنق.... لماذا حور بالذات؟ كيف تحظى بفوز كهذا وتتزوج من شاب وسيم وثري تتمناه أي فتاة، بينما لم تنل هي سوى مصطفى؟ ورغم أنوثتها الطاغية التي كانت تباهي بها، لم يتقدم لها في الماضي رجل بوزن حسن، وهي لا تدري ما السبب وراء ذلك، أو ربما كانت تعلمه في قرارة نفسها جيداً وتتعمد إنكاره وجحده.

التفتت بجانبها تتطلع إلى زوجها المستغرق في النوم، مستغلاً يوم إجازته، فاجتاحتها موجة عارمة من الاشمئزاز والنفور وهي تستمع إلى غطيطه والأصوات المزعجة التي يصدرها. وفي ثوانٍ معدودة، عقدت مقارنة ظالمة وسريعة بين ملامحه وهيئته، وبين صورة حسن الجذابة الراقية التي انطبعت في مخيلتها.

نهضت من فوق الفراش بضيق، ووقفت أمام المرآة تستعرض تفاصيل جسدها وأنوثتها بزهو، وتمتمت بغيظ

- هو العريس ده أعمى مش بيشوف؟ إزاي ساب كل الأنوثة دي ورايح يختار حور؟

ثم أرجعت الأمر كله إلى لون عيني حور، معتقدة أنه السر الوحيد الذي جذب حسن إليها، غافلة تماماً عن لغة الأرواح وتلاقيها؛ فهي لم تكن تفقه شيئاً عن تلك اللغة السامية الطاهرة.

بدأت في تبديل ملابسها، فارتدت بنطالاً أسود شديد الضيق برزت معه تفاصيل جسدها، ونسقت معه بلوزة صفراء فاقع لونها. وقبل أن تغادر، وقفت تضع مساحيق التجميل بكثافة على وجهها، ونثرت قطرات من عطرها النفاذ الفواح الذي ملأ أركان الغرفة.

خرجت متوجهة إلى المصنع، وطوال الطريق كانت صامتة غارقة في شرودها، تفكر في خطة شيطانية تقودها للإيقاع بحسن في شباكها وإفساد خطبته من حور، بل وصل بها الأمر والجموح إلى تمني قضاء ليلة واحدة بين أحضانه لتثبت لنفسها وللجميع أنها الأقوى والأجمل.

وصلت إلى المصنع وجلست خلف ماكينتها، تجمع حولها نظرات الفتيات وهمهماتهن المستنكرة لهيئتها الصارخة، لكنها لم تعرْهن أي اهتمام. وبعد ساعتين من العمل الشكلي وهي على هذه الحالة من التشتت، نهضت فجأة من مقعدها وتوجهت بخطوات واثقة نحو مكتب المدير جلال.

دلفت إلى الداخل، وراحت تتهادى في مشيتها بغنج حتى وصلت إلى مكتبه الضخم، ثم انحنت بجرأة فوق سطح المكتب لتظهر تفاصيل صدرها بوضوح؛ فقد كانت تتعمد ذلك لإثارته، وقالت بنبرة خفيضة

- صباح الخير يا جلال بيه.. كنت جاية أطلب منك إجازة لباقي اليوم.

لم ينتبه جلال لحروف كلماتها، بل بدا في تلك اللحظة ككلب وجد عظمة سالت عليها لعابه الفاسدة؛ تطلع إلى جسدها المكشوف بشهوة حيوانية أطاحت بعقله، فتخلى عن مقعده فوراً ووقف بجوارها، لتعتدل هي في وقفتها بابتسامة نصر خبيثة.

سألها جلال ونبرة صوته لاهثة من أثر الإثارة

- إجازة إيه وعشمان فيكي تقعدي معايا؟ إيه السبب اللي يخليكي تمشي وتسيبيني؟

أجابت بنبرة تقطر دلالاً

- أصل النهاردة خطوبة أخت جوزي يا بيه، ولازم أكون موجودة.

وما إن أنهت كلماتها، حتى امتدت يدا جلال الجائعة لتفتح أزرار بلوزتها الصفراء بعنف، وراحت أصابعه تجوب بحرية في جسدها المستسلم. أطلقت سمر ضحكة خليعة تملؤها الميوعة والافتخار؛ فقد وصلت إلى غايتها الدنيئة، وأثبتت لنفسها أن أنوثتها الطاغية لا يستطيع أي رجل مقاومتها كما تتوهم.

نترك لهما ذلك المكتب القذر الذي تملؤه المعصية، ونتوجه إلى مكان آخر.

✨✨✨✨✨✨✨✨✨

كان هذا الصباح مختلفاً تماماً في قلب حور عن كل ما سبقه من أيام. استيقظت منذ خيوط الفجر الأولى، والنشاط يسري في أوصالها كدماء جديدة، يملؤها حماس جارف وحيوية لم تعهدها من قبل، استعداداً لاستقبال الضيوف في مساء هذا اليوم الموعود.

لم تترك ركناً في المنزل الصغير إلا ونفضت عنه الغبار، أعادت ترتيب الأثاث البسيط بعناية فائقة، ثم طافت في أرجاء الشقة تنثر عطرها الخفيف لتبث في المكان روحاً من البهجة والترحاب تليق بالفرحة التي تطرق بابهم أخيراً.

بعد أن انتهت من كل شيء، دلفت إلى غرفتها، ووقفت أمام خزانتها الخشبية المتواضعة تفتح ضلفتيها. تسمرت في مكانها شاردة، تجول ببصرها بين الثياب القليلة تحاول انتقاء فستان مناسب لهذه المناسبة السعيدة، لكن غصّة حادة باغتت قلبها حين تذكرت حقيقة واقعها؛ فهي لا تملك في جعبتها سوى فستانين لا غير! لقد ارتدت الأول الأبيض ذو الورود الزرقاء في الزيارة الماضية، ولم يعد أمامها خيار سوى أن ترتدي الفستان الآخر اليوم.

وفي مشهد يفيض بالقسوة، اندفعت فكرة سوداء لتلتهم فرحتها الصباحية من أين لأبيها، ذلك الرجل الطيب الكادح الذي أثقلت كاهله السنون، أن يشتري لها جهاز عرسها؟ إنه لا يملك نقوداً تفيض عن قوت يومهم، فكيف بتكاليف الزواج والجهيز الثقيلة؟ تسلل الحزن إلى أعماقها وخيم الشحوب على ملامحها، لكنها سرعان ما قاومت انكسارها، ونفضت تلك الهواجس عن عقلها مستسلمة لقضاء الله، ومتمتمة بيقين

- حسبي الله ونعم الوكيل، هو خير وكيل وهو نعم المدبر.

مدت يدها وسحبت فستانها الثاني، وتطلعت إلى تفاصيله البسيطة بتمعن، وسرعان ما تلاشت غيوم حزنها وارتسمت على شفتيها ابتسامة خجولة دافئة حين قفزت إلى مخيلتها كلمات حسن في زيارته السابقة. تذكرت ثناءه العفوي والتلقائي على لون عينيها وجمالهما الطاغي، كما تذكرت نبرة صوته المهذبة وكلماته الصادقة التي لمست أوتار قلبها مباشرة؛ فصدقه الشديد كان يملك قوة اختراق مذهلة تصل إلى الأعماق دون استئذان.

تحركت حور بخطوات وئيدة نحو النافذة، وفتحتها لتستقبل النسمات العليلة، وتطلعت إلى السماء المتسعة وراحت تدعو الله بقلب خاشع ونبضات متسارعة أن ييسر لها أمرها، ويفتح لها أبواب فضله، فهي تثق ثقة عمياء في قدرته سبحانه وتعالى على تدبير الأمور وتبديل الأحوال من حيث لا تحتسب.

أغلقت النافذة برفق، وخرجت مرة أخرى إلى الخارج، تطوف بناظريها في أرجاء المنزل لتتأكد للمرة الأخيرة أن كل شيء يقف على ما يرام قبل قدوم الضيوف.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • أسوار العشق    البارت الرابع والعشرون

    أشرقت شمس الصباح الدافئة، لتعلن بنورها الساطع عن مولد فجر جديد انشق من بين ضلوع الظلام القاتم، وبدد عتمة الخوف التي كانت تسكن الأرجاء. تسللت أشعة الضحى برفق عبر ستائر الغرفة، لداعبت تلك الأهداب الكثيفة لحور. فتحت عينيها بتثاقل، ونظرت حولها بنعاس، لتجد الدبدوب الأحمر القابع بين أحضانها ما زال يسكن مكانه ويدفئ مضجعها. انفرجت أساريرها وابتسمت من أعماق قلبها؛ فقد أيقنت الآن أن ما عاشته بالأمس لم يكن مجرد حلم وردي عابر، بل هو واقع ملموس وحقيقة ستغير مجرى حياتها. رفعت الدبدوب، ألقت عليه تحية الصباح العفوية وقبلته برقة، قبل أن يقطع خلوتها صوت طرقات متتالية على باب الغرفة. نهضت حور من فراشها، وعدلت هندامها ثم فتحت الباب، لتتفاجأ بزوجة أخيها سمر تقف أمامها وهي تحمل ابنها آدم على كتفها بضيق، وقالت بنبرتها الآمرة المعتادة - صباح الخير يا حور.. خدي آدم خليه جنبك و خللى بالك منه لحد ما أرجع من الشغل كالعادة. تجمعت الحمرة في وجنتي حور وشعرت بخجل شديد أخرس لسانها؛ راحت تبحث عن كلمات رقيقة تسعفها في هذا الموقف الصعب، لكن العبارات تبخرت وتركتها تواجه مأزقاً حرجاً. أخذت نفساً خفيفاً وقالت بأسف حقيق

  • أسوار العشق    البارت الثالث والعشرون

    عقب إنصراف الضيوف، وإغلاق الباب على أصداء أقدامهم، وقفت حور في ردهة المنزل يتملكها طوفان من مشاعر غريبة وعذبة، عجزت عن تفسيرها أو وضع مسمى لها. لكن الشيء الوحيد الذي كانت تدركه وتستشعره بيقين، هو تلك السعادة العارمة التي تجتاح صدرها؛ سعادة حقيقية افتقدتها منذ سنوات طوال، وتحديداً منذ ذلك اليوم البعيد الذي ظهرت فيه نتيجتها في الشهادة الإعدادية وحققت فيه نجاحاً باهراً. في زاوية الصالة، كانت سمر تقف واجمة، ترمقها بنظرات حقد مسمومة وكراهية تقطر من عينيها، بيد أن حور تعمدت التغاضي تماماً عن تلك النظرات البائسة؛ فلن تسمح اليوم لأي أشياء عقيمة أو نفوس مريضة أن تعكر صفو مزاجها الراقص فرحاً. أدارت ظهرها ودلفت إلى غرفتها لتستريح، ولم تمر لحظات حتى لحق بها والدها عادل، والابتسامة ترتسم على وجهه المتعب الذي تبدلت ملامحه إلى الراحة. كان يحمل في يده حقيبة هدايا أنيقة، واقترب منها يطبع قبلة حانية على جبينها وهو يمد يده بالحقيبة قائلاً - خدى يا حبيبتي.. دي هدية حسن ليكِ، كان جايبها معاه وهو داخل في أول الزيارة ونساها في الصالون. تطلع عادل إليها بنظرات تفيض بالفخر والسعادة، ثم انصرف وأغلق الباب خل

  • أسوار العشق    البارت الثانى والعشرون

    عادت حافلة العائلة إلى المنزل، وترجل منها حسن وهو يشعر بجسده خفيفاً كأنه لا يطمس بقدميه فوق الرصيف؛ فقد أطاحت به الفرحة العارمة في فضاءات بعيدة، واكتست خطواته مرونة وحيوية افتقدها منذ سنوات غربته الطويلة. دلف إلى ردهة المنزل بجسد حاضر وعقل مغيب تماماً، غارقاً في تفاصيل وجه حور ونبرات صوتها التي ما زالت تعزف في أذنيه. لم يكن حسن عابئاً بالجدل الساخن الدائر بين أفراد عائلته في الصالون؛ حيث كان عصام ما زال متشبثاً بوقاره المصطنع واعتراضه الحاد، قائلاً بنبرة يملؤها التحذير - يا جماعة اسمعوني بس، البنت أصغر منه بسنين كتير، جيل غير الجيل.. طريقة تفكيرها وعيشتها مش هتناسب طبيعة حسن ولا حياته بره، الجواز مش شكل حلو وخلاص برى محمد قلم الدفاع سريعاً ليقف في صف أخيه، ورد بمؤازرة حماسية - بالعكس يا عصام، أنا شايف إن في بينهم قبول وتآلف من نوع خاص جداً.. تآلف رباني ظهر ووضح أوي في كلامهم ونظراتهم مع إنها أول مرة يقعدوا مع بعض بجد. وبعدين أنا مع حسن وبأيده جداً في فكرة إنه ياخدها معاه الإمارات، ده حقهم يبنوا حياتهم سوا من أول يوم. سقطت الكلمات في روع حسن، فانتفض من شروده وانتبه للحديث، لكنه تر

  • أسوار العشق    البارت الحادى والعشرون

    يلتفت للكلمات بقدر ما فتنته عفوية طريقتها التي سحرت لبه، فرد بهيام ومرح - أعمل إيه طيب؟ ما أنا واقف قدام لوحة جميلة، وبسمع لحن أجمل. لمح في عينيها لمحة شرود، وكأنه قرأ أفكارها وسر توجسها. استدار ونظر إلى الشارع محاولاً السيطرة على نبضاته المتسارعة، هامساً لنفسه بالتمهل فستكون ملكه بعد أسبوعين. ثم قال وهو ما زال ينظر للخارج - عارف إنك زمانك بتقولي في سرك ده بياع كلام، حافظ كلمتين وجاي يثبتني بيهم. اتسعت عينا حور دهشة؛ فقد كان هذا تحديداً ما يدور في عقلها! صمتت تستمع إليه بفضول، فالتفت إليها بملامح كستها الجدية والصدق، وسألها - أنتِ عارفة أنا عندي كام سنة؟ هزت رأسها نفيًا بحيرة؛ فهي لم تهتم بالسؤال ولم يخطر ببالها. أخذ حسن نفساً عميقاً، ومد ساعديه على سور الشرفة قائلاً بعمق - بصي.. لو بشهادة الميلاد فأنا عندي اتنين وتلاتين سنة. ولو بحساب المواقف الصعبة والوجع اللي عشته يبقى عندي متين سنة.. أما بحساب العمر اللي فرحت فيه بجد.. فهو يدوب خمس دقايق، من ساعة ما شفتك. لامست كلماته العميقة شغاف قلبها، ونظرت إليه بعينين يملؤهما التعاطف والشفقة؛ فقد شعرت من نبرته بحجم المعاناة التي عاشها

  • أسوار العشق    البارت العشرون

    يجلس عادل وحور أمام شاشة التلفاز بجسدين حاضرين وعقلين غائبين؛ فكل نبضة تمر تقربهما من الموعد الحاسم. كانت حور مأخوذة بفيضان مشاعرها، تتساءل بوجل... هل سينتهي الأمر هنا؟ فذلك الرجل الذي لم تلتقِ به إلا لماماً، زرع في صدرها راحة عجيبة هزت قناعاتها السابقة بالرفض، وجعلتها تترقب قدومه بلهفة خفية أنكرتها على نفسها. وفي تلك الأثناء، كان عادل يحمل على كتفيه هماً أثقل من الجبال؛ شارد الذهن في كيفية تدبير تكاليف جهاز ابنته، ولديه يقين دامغ بأن ابنه مصطفى لن يمد له يد العون ولو بنذر يسير، فأنانيته أعمت بصيرته. أما في الغرفة المجاورة، فكانت سمر تجوب الأركان كالنمر الحبيس، ينهش الغضب ملامحها وهي تنزل اللعنات على زوجها مصطفى لعجزه عن إيقاف هذه الزيجة. كان مصطفى يستمع إلى ثورتها بدهشة واستنكار؛ فما الذي يهمها إن تزوجت حور أو عنست؟ في كلتا الحالتين لن يدفع هو قرشاً واحداً، لكنه آثر الصمت تجنباً للسيد جلال الذي يسكن تفكير زوجته في الخفاء. قطع هذا التوتر صوت جرس الباب. انتفضت حور كعصفور ذعور وركضت لتهرع إلى غرفتها، بينما نهض عادل بأنفاس متثاقلة ليفتح الباب. وما إن سحب الترباس حتى أطل وجه حسن، وعينا

  • أسوار العشق    البارت التاسع عشر

    أشرقت شمس ذلك اليوم المنتظر، لتعلن عن بداية الصبح الأكثر تميزاً في حياة حسن. استيقظ بهمة ونشاط لم يعهدهما من قبل، واندفع نحو نافذة غرفته ليفتحها على مصراعيها، مستقبلاً شعاع الضحى الدافئ الذي غمره بفرحة غامرة، وتسلل برفق ليداعب جفونه ويتخلل أنسجة جسده، حتى استقر في أعماق قلبه النقي، يشع فيه بنور الأمل والتفاؤل. وقف حسن يستنشق نسيم الصباح العليل، يملأ به رئتيه ببطء وعمق، ولسان حاله يؤكد أن هذا اليوم هو أجمل أيام عمره على الإطلاق. التفت نحو خزانة ملابسه، وفتحها وهو يشعر بحيرة عذبة تداعب عقله؛ فالأمر اليوم مختلف، والسعادة التي تملأ كيانه تجعله راغباً في أن يكون بأبهى وأجمل صورة تليق بلقاء حور. تنقلت عيناه بين الثياب، حتى استقر خياره في النهاية على قميص كاروهات أنيق يمتزج فيه اللونان الأحمر والأسود بجاذبية، ومعه بنطال جينز أزرق عصري. خرج من غرفته بخطوات واثقة، وقرر الصعود إلى الطابق الأعلى حيث تقع شقته الجديدة التي أسسها لتكون عش الزوجية. دلف من الباب وتجول ببصره في أرجاء المكان وعيناه تلمعان بالبهجة؛ فكل ركن وكل قطعة أثاث هنا تحمل قصة وتفاصيل شقاء وغربة. وقف في منتصف الصالون، وراحت عينا

  • أسوار العشق    البارت الثانى

    دلفت حور من باب المدرسة بخطوات مرتجفة وقلب ينبض بالدعاء. التفتت حولها لتلقي تحية الصباح على زميلاتها اللاتي بدا عليهن التوتر، وتوجه الجميع بلهفة نحو اللوحات المعلقة لإحضار النتيجة. وفجأة، شق صمت المكان صرخة فرحة عارمة أطلقتها فرح؛ صديقة حور المقربة وتوأم روحها.ركضت فرح نحو حور وهي تلوح بيديها وتكا

  • أسوار العشق    البارت الثامن عشر

    بينما كان عادل منهمكاً في عمله الشاق، يتصبب عرقاً ويسابق الوقت لإنجاز مهامه، تناهى إلى مسامعه صوت مألوف أتاه من الخلف يلقي عليه التحية بنبرة بشوشة وابتسامة دافئة. التفت عادل، وتجمد في مكانه لبرهة يرد التحية بشرود وعقل مضطرب؛ تضاربت الأفكار في رأسه كعاصفة مفاجئة، وساوره ظن سيئ بأن الشاب قادم اليوم

  • أسوار العشق    البارت السابع عشر

    عاد حسن إلى المنزل بصحبة والدته وأخويه، والوجوم الذي كان يعلو وجهه قبل الزيارة قد تبدد تماماً، ليحل محله هدوء مريب وهوام لم يخفَ على أحد منذ أن وطئت قدماه بيت حور.جلس في الصالون بجوارهم، بجسد حاضر وعقل غائب؛ فما زالت تلك الكلمات القليلة المتعثرة التي تفوهت بها وهي تستأذن للمغادرة ترن في أذنيه، تطر

  • أسوار العشق    البارت الأول

    للمرة الأولى يحتار القلم من أين يبدأ سرد هذه القصة، لينتهي به المطاف بالعودة إلى البداية؛ لنحيا معًا معاناة تلك الحورية منذ نعومة أظافرها. سأروي لكم سنواتها الأولى سريعًا، لتعيشوا معي حكايتها.. مع تمنياتي لكم بقراءة ممتعة.في حي السيدة زينب العتيق، حيث تفوح رائحة التاريخ من الأزقة والشوارع الشعبية،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status