LOGINتقلبت حور على الفراش، تتشرّب راحة المكان، وكأن جسدها كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات. كانت نائمة، مسترخية، وعلى شفتيها ابتسامة صغيرة لم تشعر حتى بوجودها.
كم مضى من الزمن منذ نامت هذه النومة المريحة؟ لا كوابيس... لا أصوات غامضة... لا كابوس يفزعها، ولا ذلك الإحساس المرعب الذي كان يلاحقها في كل ليلة. حتى ملمس الفراش أعجبها كثيرًا؛ كان من الحرير الخالص، ناعمًا إلى درجة جعلتها تتمنى لو بقيت مغمضة العينين إلى الأبد. لكن شيئًا ما جعلها تفتح عينيها شيئًا فشيئًا... رمشت مرة. ثم ثانية. وفجأة... تجمدت ابتسامتها. كان هناك رجل يقف أمامها بكل شموخ. حدقت فيه حور للحظات، وكأن عقلها رفض أن يستوعب ما تراه. ما هذا الجمال؟ سبحان من خلقه وأبدع في خلقه! كان رجلًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ طويلًا، عريض المنكبين، ذا حضور طاغٍ يملأ المكان من حوله دون أن يخطو خطوة واحدة. شعره أسود كالليل، وعيناه سوداوان عميقتان تحيط بهما رموش كثيفة، وحاجباه عريضان، وأنفه متناسق، ولحيته كثيفة بعض الشيء، زادت ملامحه هيبة ووقارًا. كان يرتدي جلبابًا أسود فخمًا يشبه أزياء السلاطين، وقد وضع يديه خلف ظهره، واقفًا بثبات وكأنه صاحب المكان والزمان معًا. رمشت حور بعينيها، تفتحهما وتغلقهما. قالت في سرها: — هل ما زلت أحلم؟ أغمضت عينيها مرة أخرى، ثم فتحتهما. لا يزال هنا. ركزت نظرها فيه... وفجأة اختفى! كأنه لم يكن موجودًا أصلًا. انتفضت حور من مكانها، وجلست على الفراش مفزوعة، وقلبها يخبط داخل صدرها. — أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! وضعت يدها على صدرها وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة. ثم بدأت ذاكرتها تستعيد ما وقع ليلة أمس... الشيخ... الدائرة... المارد... النار... والاختفاء المفاجئ. ابتلعت ريقها بصعوبة. — هل كان هذا الشيء حقيقة... أم مجرد حلم؟ سكتت لحظة. ثم شهقت بخوف. — وإذا كان حقيقة... فهذا يعني أنني الآن فعلًا في عالم الجن؟! مجرد التفكير في الأمر جعل جسدها يقشعر. نظرت حولها بسرعة. — وأين ذهب ذلك الجني الذي أحضرني؟ هل تركني وحدي؟ وأين أنا أصلًا؟! نهضت من الفراش، وبدأت تدور في المكان بحذر. كانت الغرفة أقل ما يقال عنها أنها فيلا ضخمة جدًا، يغلب عليها اللون الأحمر والذهبي، وقد أُتقن تصميمه على طراز الديكور العربي الأصيل. كان كل شيء فيه فخمًا إلى درجة يصعب تصديقها. الجدران مزينة بنقوش دقيقة، والأبواب واسعة، والأثاث فاخر، وحتى الستائر بدت وكأنها صُنعت خصيصًا لقصر ملكي. وقفت حور وسط المكان، ثم وضعت يديها على رأسها. — أين أنا بالضبط؟! وفي الخارج، كان أزار قد أمر الخدم بأن يحضروا كل ما ترغب به، وألا يتركوها بحاجة إلى شيء. وبعد وقت قصير... انفتح الباب. التفتت حور بسرعة. كانت خادمتان تقفان عند الباب، في هيئة عادية تشبه هيئة الإنس. دخلتا وهما تحملان أطباقًا كثيرة. قالت إحداهما بهدوء: — سيدتي، أحضرنا لكِ طعامكِ. حدقت حور فيهما. — أين أنا؟ لم تجب أي منهما. ساد الصمت. قطبت حور حاجبيها، ثم رفعت صوتها قليلًا: — ألا تسمعانني؟ سألتكما أين أنا؟ لكن لا جواب. تقدمتا فقط، ووضعتا أمامها أشهى الأطباق، ثم خرجتا وأغلقتا الباب خلفهما. بقيت حور تحدق في الباب. ثم نظرت إلى الطعام. كانت رائحته زكية إلى درجة جعلت معدتها تصدر صوتًا واضحًا. تمتمت: — والله... حتى الجوع غلبني. جلست. وبدأت تأكل. ومع أول لقمة، تغيرت ملامحها بالكامل. — يا لطيف... ما هذا؟! كان اللحم مطهوًا بطريقة غريبة ولذيذة، والدجاج متبلًا بنكهات لم تعرفها من قبل، والخضار والفواكه طازجة، وكل شيء مضبوط بطريقة دقيقة، وكأن الطهاة أمضوا ساعات طويلة في إعداد طبق واحد. أخذت تأكل وهي تتلذذ بكل لقمة. — لم أتذوق في حياتي طعامًا كهذا... حتى إنها نسيت خوفها للحظات. وبعد أن شبعت، تنفست براحة ومسحت يديها بالمنديل. — الحمد لله... وما إن قالتها حتى انفتح الباب من جديد. دخلت الخادمتان وأخذتا الأطباق دون أن تنطقا بكلمة. حدقت حور فيهما باستغراب. — هل أنتما خادمتان أم روبوتان؟! لم تجب أي منهما. خرجتا. رفعت حور حاجبها. ثم لمعت في رأسها فكرة جعلتها تقفز من مكانها. — يا ويلي! أيمكن أن تكون هناك كاميرات ويراقبونني؟! بدأت تنظر حولها. تحت الطاولة... خلف الستائر... في زوايا الغرفة... — لا، لا... مستحيل! ثم ارتعبت فجأة من فكرة أخرى. — أم يمكن أن يكونوا من الجن فعلًا؟! شهقت. — أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! اتجهت إلى الباب الرئيسي تضرب عليه بكل قوتها. — افتحوا الباب!! أريد الخروج! لا أحد يجيب. ضربت الباب مرة أخرى. — ألا يسمعني أحد؟! ثم أخذت تدور في المكان وهي تردد: — بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الارض ولا في السماء وهو السميع العليم... استمرت على هذا الحال حتى أنهكها التعب. استلقت فوق السرير على بطنها وهي تفكر في الورطة التي ألقت نفسها فيها. وفي مكان خر. كان أزار يطيل النظر إليها، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة. ضحك بهدوء وقال: — والله... غريب أمركم يا معشر البشر. --- مرّ أسبوع كامل على هذا الحال. نفس الروتين. نفس الغرفة. نفس الخادمات. كادت حور تُجن. لا يسمحون لها بالخروج، والخادمات لا يجبنها عن أي سؤال، وكلما حاولت معرفة أين هي، وجدت أمامها الصمت فقط. لم تجد حيلة لنفسها سوى النوم والأكل. ومع مرور الأيام، بدأت تستعيد صحتها شيئًا فشيئًا. عاد وجهها إلى نضارته، واستعادت قوتها، وبدأ جسدها يعود إلى حالته الطبيعية. والأغرب من ذلك كله... أن الأحلام والحالة التي كانت تحدث لها اختفت فجأة وكأن شيئًا ما في هذا العالم أوقفها. وكأن هذا المكان، رغم رعبه، منح جسدها هدنة لم تعرفها منذ زمن طويل.استيقظت حور مفزوعة من غفوتها، ورأسها مستند إلى وسادة خشنة داخل بيت بسيط في الجبل. فتحت عينيها على اتساعهما، وأخذت تلتفت حولها في ذهول، وكأنها تحاول أن تفهم أين هي، وكيف وصلت إلى هذا المكان. ثم اندفعت الذكريات إلى رأسها دفعة واحدة... ليلة الأمس. حضن أزار. دفء جسده. صوته. ذلك الشعور بالأمان الذي لم تعرف مثله من قبل. جلست فجأة، ثم التفتت إلى جانبها تبحث عنه، وقلبها يخفق بعنف. — «أزار؟» لم يجبها أحد. نهضت بسرعة، وأخذت تبحث بعينيها في أرجاء الغرفة. — «أين أزار؟ أين ذهب؟» فتحت الباب وخرجت مسرعة إلى باحة المنزل، والدموع تنهمر من عينيها دون توقف. — «أزار! أزار! أين أنت؟!» كان صوتها يرتجف، يحمل خوفًا موجعًا، وكأن قلبها يخبرها بأنه فقدته للأبد. وما إن بلغت منتصف الباحة حتى توقفت فجأة. كانت خالتها حليمة هناك، تجمع الحطب، وما إن سمعت صوتها حتى رفعت رأسها. تجمدت في مكانها للحظات، ثم اتسعت عيناها غير مصدقة. — «حور؟!» التفتت حور إليها. — «خالتي...» ألقت حليمة ما في يدها واندفعت نحوها. — «يا إلهي! حور! أحقًّا أنتِ؟!» احتضنتها بقوة، وأخذت تبكي وهي تتحسس
توالت الأيام. وكان كل يوم يمر يجعل القرار أكثر قسوة. نفذ آزار ما عزم عليه. كان سيعيد حور إلى عالمها. لكن رغم قراره، لم يستطع منع نفسه من مراقبتها من بعيد. كان يتابعها بعينيه، يعرف متى تأكل، ومتى تنام، وكان أكثر ما يؤلمه هو بكاءها. كل ليلة. بصمت. كان يعلم أنها لم تعد قادرة على تصور حياتها بعيدًا عنه. وكان ذلك بالتحديد سبب إصراره على الفراق. فعالمه ليس مكانًا يناسبها. في صباح اليوم المقرر لرحيلها، ارتدت حور عباءتها البسيطة التي جاءت بها إلى هذا العالم للمرة الأولى. رفضت أن ترتدي أي شيء من ملابس القصر. ورفضت أن تحمل معها أي هدية. لم تكن تريد ذكرى. لأن الذكريات، تتحول إلى سكاكين. سارت خلف الخدم بخطوات بطيئة. كل خطوة كانت تبدو لها وكأنها تنتزع جزءًا من قلبها. حتى وصلت إلى البوابة الكبيرة للجناح الملكي. انفتحت البوابة ببطء. ورأته. كان آزار واقفًا هناك. بقامته المهيبة، وملامحه الصارمة، وعينيه اللتين أخفتا خلف برودهما عاصفة كاملة. تعلقت عيناها به. ولم تستطع الحركة. أما هو، فنظر إليها طويلًا قبل أن ينطق باسمها: — «حور...» ارتجف قلبها. اقت
في خضم الصراعات المظلمة التي كانت تعصف بعوالم الجان، كانت حور أمام ملكهم القاسي، عاجزة عن التنفس أمام تلك النظرات التي كان آزار يرمقها بها. كانت نظراته نارية، نافذة، كأنها تحاول اختراق أعماقها. كانت تعرف منذ البداية أنه رجل متزوج وله أبناء، ولم تكن تلك الحقيقة مجهولة عنها. لكنها، رغم معرفتها، لم تكن مستعدة لسماعها بهذه الصراحة القاسية. لقد أخبرها أن له ثلاث زوجات. الأولى كانت ابنة عمه، زواجه منها امتداد لتقاليد العشيرة وأعرافها القديمة، أما الثانية والثالثة، فلم تكونا سوى زيجتين سياسيتين، فرضتهما التحالفات بين القبائل والممالك، وحاجة العرش إلى تثبيت نفوذه وحماية حدوده. وقفت أمامه بعزة نفس تحاول أن تخفي ارتعاشة روحها، بينما كان آزار يراقبها بصمت، يحاول بدوره السيطرة على عاصفة هوجاء كانت تتصاعد في صدره. كان يعلم أنها تتألم... ويعلم أنها تعلقت به بشدة. وربما كان أكثر ما يخيفه أنه بدأ يتعلق بها هو الآخر. ضاقت عيناه حين لاحظ أنها لم تمس الطعام الموضوع أمامها... قال بصرامة: — «حور، كلي.» لم تجبه. اكتفت بإدارة وجهها بعيدًا عنه، وكأن الطعام صار آخر ما يشغلها في هذه ال
كان الجني يتوسل إليه، وصوته يرتجف من شدة الألم: — «ارحمني يا جلالتك، ارحمني... أنا مجرد رسول... ارحمني ارجوك...» وكان لا يزال يغرز يديه في بطنه أكثر فأكثر، بينما يصرخ من شدة الألم: — «من أرسلك؟ من؟ هل هو أحد أعدائي؟!» أجاب الجني، والألم يمزقه: — «آه... من وسط القصر يا مولاي... الأوامر جاءتني من داخل قصرك...» وعلى إثر كلماته، غرز يده الأخرى في صدره، فانفجر يصرخ حتى انقطع صوته. قال آزار بحدة: — «هل تعي ما يخرج من فمك؟!» أجاب الجني بصوت متقطع: — «أقسم بالله العلي العظيم، رب العرش الكريم، أنني لا أكذب...» أفلته آزار، وهو يعتصر غضبًا، بينما راحت عيناه تتابعان اللقطات وهي تمر أمامه واحدة تلو الأخرى. كانت هذه إحدى قواه، لكنه لم يكن يستخدمها داخل قصره، لثقته بأهل قصره وعدم شكه في ولائهم. وفجأة، فتح عينيه بصدمة، وعقد حاجبيه، والشرر يتطاير من عينيه. ثم أشار بيديه، فظهر غولان ضخمان، مرعبان، وحملاه بعيدًا. أما الجني المسكين، فقد بات مصيره محتومًا... --- سار آزار باتجاه حور... اقترب منها، ثم وضع يده، التي كانت ضخمة جدًا، على وجهها، يتلمس وجنتيها برفق، قبل أن يضع يده فوق رأسها. وأ
كان زيرافيل غاضب بشدة، ورويا إلى جانبه ليست أقل منه... فمنذ تلك الليلة، لم يسمعوا أي خبر عن المارد، وكأن الأرض انشقت وابتلعته. صرخ زيرافيل بعصبية: — «آآآآآه! سأقتلك! سأقتلك أيها المارد! سأخنقك...!» أجابته رويا محاولةً تهدئته: — «سنجد حلًّا، فقط اهدأ...» لكنه انقضّ عليها فجأة، وأمسك بخناقها، رافعًا إياها نحو الحائط، ثم أخذ يعتصر عنقها حتى كادت عيناها تجحظان، وازرقّ وجهها من شدة الاختناق. قال زيرافيل باحتقار: — «كم أضعت من الوقت وأنا أتبعكِ، أيتها العجوز الشمطاء، بينما لا أحصد سوى الخيبات... يبدو أنه لم يعد يُرجى منكِ أيّة فائدة.» ثم ألقاها أرضًا واختفى في لمح البصر. نهضت رويا وهي تسعل بشدة وتلهث، ثم توعدت بصوت حاقد: — «سأنتقم منكم! سأنتقم منكم جميعًا! سأريكم من هي رويا التي احتقرتموها، وما هي قيمتها... سأنتقم منكم جميعًا حتى الموت!» وظلت تضحك بهستيريا وجنون، وتارةً أخرى كانت تجهش بالبكاء، وكأن عقلها قد ضاع بين الانتقام والانهيار... --- في مكان آخر، دخلت الخادمة مسرعة وهي تلهث: — «جلالتكِ! جلالتكِ! لقد وجدت من يقوم بالمهمة... أعطيته حُزَمًا من الذهب والعنبر الخالص، وأمرته
أغمضت حور عينيها، واستسلمت للهواء من حولها.كانت تستمتع بكل لحظة.مرة تصرخ من شدة الحماس، ومرة تضحك، ومرة تفتح عينيها لتتأمل السماء، ثم تعود فتغمضهما وهي تضحك من قلبها.وهكذا...مضت الليلة بين السماء والنجوم والقمر، حتى بدأ ضوء الفجر يشق الظلام.وعندما عاد آزار بها، كانت حور قد أنهكها التعب.ما إن وصلت حتى سقطت على الفراش من شدة الإرهاق، ولم تمضِ سوى لحظات حتى غلبها النوم.ومرت الأيام...وصارت كل ليلة .وهما يقتربان من بعضهما أكثر فأكثر، أو بالأحرى... كانت حور هي التي تجد نفسها تقترب منه يومًا بعد يوم.أصبحت تحكي له كل شيء.كل ما حدث معها، كل ما تخشاه، كل ما تتمناه، وحتى الأشياء الصغيرة التي لم تكن تجد من تتحدث إليه بشأنها.صار آزار صديق أسرارها.أما هو، فكان دائمًا إلى جانبها، يستمع إليها بصبر، دون أن يقاطعها أو يسخر من مشاعرها.وكلما تمنت شيئًا، وجد طريقة لتحقيقه لها.حتى أصبحت تشعر أن وجوده بالقرب منها أمر طبيعي، وكأنها تعرفه منذ سنوات.وفي إحدى الليالي، دخل آزار المكان كعادته.ما إن شعرت حور بوجوده حتى التفتت إليه.— ٱزار؟ابتسم:— أجل.. كيف عرفتِ؟أخذت حور تدور بعينيها في أرجاء ا







