Masukرنَّ جرس الاستراحة، فانتشر صوته في أرجاء المدرسة، وما هي إلا لحظات حتى بدأت المقاعد تُفرغ، وارتفعت أصوات الطلاب في الممرات. حمل الجميع حقائبهم وطعامهم، وخرجوا من الصف جماعات، بينما بقي بعضهم يتحدث عن الشجار الذي حدث قبل قليل.
أما ألكسندر، فوقف بجانب طاولته، ثم التفت نحو الفتاة المنبوذة التي كانت لا تزال جالسة في مكانها. اقترب منها ومد يده إليها بابتسامة ودودة. — أنا ألكسندر... وأنتِ، ما اسمك؟ كانت الفتاة منهمكة في ترتيب أغراضها، ولم تنتبه إليه في البداية. أخرجت إحدى سماعتيها من أذنها، ثم رفعت عينيها نحوه وسألته بفتور: — ماذا قلت؟ لم أسمعك. ابتسم ألكسندر من جديد، وكأنه لم ينزعج من برودها، وأعاد كلامه بوضوح: — قلت: أنا ألكسندر، وأنتِ ما اسمك؟ توقفت للحظة، ثم نهضت من مقعدها وأغلقت حقيبتها. نظرت إليه نظرة قصيرة خالية من الاهتمام، وقالت ببرود: — ما شأنك؟ ثم تجاوزته ومضت نحو الباب دون أن تلتفت خلفها. بقي ألكسندر واقفًا في مكانه، ويده لا تزال ممدودة للحظة قبل أن يخفضها ببطء. نظر إلى يده، ثم ضحك بخفة وهز رأسه. بعدها أدخل يديه في جيبي بنطاله، وأدار نظره نحو الباب الذي اختفت خلفه. ظهرت على وجهه ابتسامة صغيرة، وقال بصوت منخفض وكأنه يتحدى نفسه: — سأجعلك صديقتي... مهما كلّفني الأمر. ثم غادر الصف. --- في قاعة الطعام، كانت الأجواء مختلفة تمامًا. امتلأت الطاولات بالطلاب، وتعالت أصوات الحديث والضحكات، بينما كان كل طالب يحمل طعامه ويتجه إلى المكان الذي اعتاد الجلوس فيه. دخلت الفتاة المنبوذة القاعة وهي تحمل طعامها بيدها. لم تنظر إلى أحد. كانت تسير بهدوء بين الطاولات حتى وصلت إلى مكانها المعتاد. سحبت الكرسي، وكادت تجلس، لكن الطلاب الذين كانوا بالقرب منها تبادلوا النظرات سريعًا. نهض أحدهم، ثم قالت فتاة وهي تحمل طعامها: — هيا بنا، لا أريد الجلوس معها. تحركوا جميعًا بعيدًا عنها، تاركين الطاولة فارغة. توقفت للحظة، ونظرت إلى المقاعد التي أُفرغت أمامها. لم يتغير تعبير وجهها. كانت قد اعتادت هذا المشهد منذ وقت طويل، حتى أصبح بالنسبة إليها شيئًا متكررًا لا يستحق الحزن أو الغضب. جلست بهدوء، ووضعت طعامها أمامها، ثم بدأت تتناول طعامها وكأن شيئًا لم يحدث. وبعد لحظات، ظهر ألكسندر. كان يحمل طعامه، وعندما رأى الطاولة الفارغة أمامها، لم يتردد. سحب الكرسي المقابل لها وجلس. رفعت الفتاة المنبوذة عينيها إليه باستغراب. ظل ألكسندر يتناول طعامه بهدوء، وكأنه لم يفعل شيئًا غير طبيعي. ترددت قليلًا، ثم قالت بصوت منخفض: — هل ستجلس معي؟ رفع ألكسندر رأسه إليها وقال: — ماذا؟ لم أسمعك، ماذا قلتِ؟ أخفضت عينيها إلى طعامها، وأجابت ببرود: — لا شيء. أكمل طعامك. ابتسم ألكسندر ابتسامة صغيرة، ثم عاد إلى طعامه دون أن يضغط عليها بالمزيد من الأسئلة. وفي تلك اللحظة، بدا أن شيئًا بسيطًا قد تغيّر في نظراتها نحوه، رغم أنها لم تسمح لذلك التغيير بأن يظهر على وجهها. --- أما إيفان، فكان لا يزال في الصف. كان مستلقيًا على طاولته، وقد غلبه النوم بعد ما حدث. لم يخرج مع بقية الطلاب، وبقي الصف شبه فارغ، لا يُسمع فيه سوى أصوات المدرسة البعيدة من خلف الباب. وبعد فترة قصيرة، فُتح الباب بهدوء. دخلت فتاة لم ينتبه إليها أحد، وكانت تحمل بيدها زجاجة عصير وبعض الخبز المقرمش. تقدمت نحو طاولة إيفان، وضعت الطعام أمامه، ثم تركت رسالة صغيرة بجانبه وغادرت دون أن توقظه. مر وقت قصير قبل أن يتحرك إيفان. رفع رأسه ببطء، وفرك عينيه، ثم لمح العصير والخبز أمامه. توقفت عيناه عليهما باهتمام. — همم؟ مد يده وأخذ الرسالة، ثم فتحها. قرأ ما كُتب فيها: «كُل جيدًا واعتنِ بصحتك، أيها الطالب المغفل. لن يفيدك النوم طوال الوقت. لا أعرف إن كنت تحب الخبز أم العصير، لكنني فعلت ما استطعت.» ارتسمت على وجه إيفان ابتسامة خفيفة. لم تكن هذه المرة الأولى التي يجد فيها طعامًا ورسالة بهذه الطريقة. كان الأمر يتكرر دائمًا، لكن الشخص الذي يتركها لم يظهر أمامه قط. أخذ إيفان زجاجة العصير، وأخذ يتأملها للحظات، ثم رفع عينيه نحو باب الصف. كانت في نظرته هذه المرة لمعة فضول حقيقية. قال لنفسه بابتسامة ساخرة: — أريد أن أعرف من يكون هذا الشخص... ثم أضاف وهو ينظر إلى الخبز: — لقد أصبحت متشوقًا لرؤيته.حلّ المساء، وعادت الفتاة المنبوذة من المدرسة بخطوات هادئة، بينما كان اليكسندر يسير خلفها على مسافة قصيرة، واضعًا يديه في جيوب معطفه، يراقب الطريق بصمت. كان الهواء باردًا قليلًا، والشارع أكثر هدوءًا من المعتاد. لم يكن يُسمع سوى وقع خطواتهما المتتابعة وأصوات السيارات البعيدة. وفجأة، توقفت الفتاة المنبوذة. رفع اليكسندر رأسه باستغراب، فرأى أمامها جروًا صغيرًا أبيض اللون، يقف بالقرب من أحد المنازل، وكان ينبح بصوت ضعيف ومتقطع. ما إن رأته حتى تغيرت ملامحها. لأول مرة منذ بداية الطريق، بدت على وجهها علامات فرح واضحة. أسرعت نحوه، ثم جلست على ركبتيها أمامه ومدت يدها لتداعب فروه الناعم. — هل تبحث عن أهلك؟ توقف الجرو عن النباح، وأخذ ينظر إليها بعينين بريئتين. ابتسمت له الفتاة المنبوذة ابتسامة صغيرة، ثم مررت أصابعها فوق رأسه. — لا تخف... أنا هنا. حرك الجرو ذيله، واقترب منها أكثر. ضحكت بخفة. — وأنت؟ لماذا أنت هنا وحدك؟ أنت ما زلت صغيرًا... أين صاحبك؟ حملته بين ذراعيها ونهضت، ثم أخذت تدور به ببطء، وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة مشرقة لم يعتد اليكسندر رؤيتها منها. — أنت ناع
قلب إيفان مشغّل الـMP3 بين أصابعه ببطء، وأخذ يتأمله للحظات، وكأن ملمسه أعاد إليه ذكرى ظلّت عالقة في مكان بعيد من ذاكرته.ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة، لم تكن ابتسامة سخرية هذه المرة، بل كانت تحمل شيئًا من الحنين.رفع عينيه نحو الفتاة المنبوذة وقال بهدوء:— لقد أهديتكِ هذا عندما كنا طفلين... أتتذكرين؟ما إن سمعت كلماته حتى توترت.تشنجت أصابعها دون وعي، وقبضت على طرف تنورتها، بينما بقيت عيناها معلقتين به.أما إيفان، فظل ينظر إليها، ثم قال بصوت أكثر هدوءًا:— أتتذكرين عندما أحضركِ أبي إلى منزلنا؟صمت قليلًا، وكأن الصورة بدأت تتشكل أمام عينيه من جديد.— كان ذلك أجمل يوم بالنسبة إليّ...ثم ابتسم.وانسحب الحاضر من حوله شيئًا فشيئًا، لتعود ذاكرته إلى ما قبل عشر سنوات.قبل عشر سنوات...كان منزل عائلة إيفان هادئًا في ذلك الصباح، وأشعة الشمس تتسلل عبر النوافذ الكبيرة لتنعكس على أرضية الصالون اللامعة.كان إيفان الصغير في غرفته عندما سمع صوت والده يناديه من الأسفل.— إيفان! انزل يا بني، لقد أحضرت لكِ صديقة لطيفة.اتسعت عينا إيفان بحماس.ترك ما كان يفعله واندفع خارج غرفته، ثم بدأ يركض على الد
كانت الفتاة المنبوذة جالسةً في مقعدها بصمت، تحدّق أمامها بشرود، بينما كان اليكسندر قد خرج، على الأرجح، إلى الحمّام.مرّت الدقائق بطيئةً وثقيلة، ولم يدخل الأستاذ إلى الفصل بعد. أخذ الضجر يتسلل إليها شيئًا فشيئًا، فتنفست بضيق، ثم ألقت نظرة سريعة حولها.لم يكن إيفان في مكانه أيضًا.لقد جاء معهم في وقت سابق، لكنها لم تره منذ ذلك الحين، ولم يظهر حتى الآن في الفصل.تنهدت بهدوء، ثم وقفت عن مقعدها.أخرجت سماعاتها، ووضعتها فوق أذنيها، بينما وضعت مشغّل الـMP3 الصغير في جيبها، ثم غادرت الفصل دون أن تلفت انتباه أحد.سارت في الممر الهادئ بخطوات متثاقلة، وكانت أصوات الطلاب المتناثرة تصلها مكتومةً عبر السماعات. وبينما كانت ترفع عينيها تبحث عن إيفان، ظهرت أمامها ميلينا وصوفيا.كانت كل واحدة منهما تشبك ذراعها بذراع الأخرى، وتسيران معًا وهما تتحدثان وتضحكان.ما إن لمحَتا الفتاة المنبوذة حتى خفتت ضحكاتهما، وتبادلت الاثنتان نظرةً ذات مغزى.لم تهتم الفتاة المنبوذة، وأرادت تجاوزهما دون كلمة.لكن، وقبل أن تخطو خطوة أخرى، مدت ميلينا ساقها فجأة أمامها.لم تنتبه الفتاة المنبوذة إلى ما فعلته إلا بعد فوات الأو
وضع اليكسندر يديه في جيبي معطفه، ثم حرّك إحدى ساقيه بملل، وأطلق صفيرًا قصيرًا وهو يرفع ذقنه بغرور، وكأنه يتحدث عن أمر محسوم لا يقبل النقاش. — لماذا سنُعجب بشكلك أصلًا؟ رغم أنني أوسم منك. التفت إليه إيفان ببطء، وعلى شفتيه ابتسامة ماكرة توحي بأنه لم يأخذ كلامه على محمل الجد. رفع إحدى يديه ووضعها خلف رقبته، ثم قال بنبرة ساخرة: — لأنني رأيتكم تنظرون إليّ بدهشة، لذلك قلت هذا. لم يرد اليكسندر، واكتفى بنظرة جانبية متعالية. في تلك اللحظة، تقدمت الفتاة المنبوذة نحو الدراجة النارية بخطوات هادئة، ثم وقفت أمام إيفان ونظرت إليه ببرود تام. — ما الذي أتى بك إلى هنا؟ اذهب في طريقك. رفع إيفان حاجبه، ثم أجابها بنبرة هادئة تحمل شيئًا من المزاح: — إنها صدفة، ألم يعجبك الأمر؟ لكن حسنًا كما تريدين... إلا أن قلبي لن يفرط بكما. وقبل أن ترد، جاء صوت اليكسندر من بعيد، مرتفعًا وواضحًا: — فرّط بنا! نحن لا نريد مساعدتك! كان إيفان على وشك وضع الخوذة على رأسه، إلا أن الفتاة المنبوذة نظرت إلى الساعة في معصمها، واتسعت عيناها قليلًا حين أدركت الوقت. — لا، لا، توقف! سنذهب معك. توقفت يد إيفان في الهواء، ثم
---نظرت الفتاة المنبوذة إلى الورقة الموضوعة بجانب الثلاجة، ثم مدت يدها وأخذتها بتردد. فتحتها وبدأت تقرأ ما كُتب فيها سطرًا بعد آخر.ومع استمرارها في القراءة، ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة دون أن تشعر.لكنها سرعان ما انتبهت إلى نفسها، فعادت ملامحها الباردة إلى وجهها وكأن شيئًا لم يحدث.وضعت الورقة جانبًا، ثم وضعت يديها على خصرها، وأخذت تحرك قدمها بضيق وهي تحدق في الثلاجة الممتلئة أمامها.تنفست بعمق، وقالت لنفسها بنبرة ساخطة:— ماذا أفعل الآن بهذه البلوى التي سقطت فوق رأسي؟!ثم حدقت في الرفوف لحظة أخرى، وتذكرت ما فعله اليكسندر في منزلها.قطبت حاجبيها وقالت بانزعاج:— ولم يكتفِ بذلك... بل عبث بدفتري أيضًا، وأخذ قلمي واستخدمه!هزت رأسها بضيق، ثم استدارت وغادرت المطبخ.دخلت غرفتها، واتجهت مباشرة إلى الحمام. فتحت الصنبور، وغسلت وجهها بالماء البارد، ثم أمسكت فرشاة أسنانها وبدأت بتنظيف أسنانها بحركات قوية، وكأنها تفرغ فيها كل انزعاجها.وبعد دقائق، غسلت فمها، ثم خرجت وهي تجفف وجهها بمنشفة صغيرة.لكنها توقفت عند عتبة غرفتها.أخذت تتفحص المكان بنظرة طويلة.كانت الملابس مبعثرة هنا وهناك، والكت
---ثم ألقى أليكسندر نظرة أخيرة نحو الفتاة المنبوذة، ليتأكد من أنها ما تزال غارقة في نومها. كانت ملامحها هادئة على غير عادتها، وشعرها مبعثر قليلًا حول وجهها.التفت بعدها نحو حقيبتها الموضوعة على الأريكة، فتردد للحظة، ثم اقترب منها وفتحها بحذر. أخرج قلمًا وورقة صغيرة، واتجه بهما إلى المطبخ.وقف أمام الثلاجة، وأسند الورقة إلى الطاولة، ثم طواها إلى نصفين وبدأ يكتب بخط واضح:> «أرجوكِ، لا تغضبي مني بسبب ما فعلته. أعلم أنكِ قد تظنين أنني أشفق عليكِ، لكن الأمر ليس كذلك. أنا فقط أردت مساعدتك، لا أكثر.ولكي لا تنزعجي مني، اعتبري كل ما اشتريته لكِ دينًا عليكِ، ويمكنكِ إعادته إليّ عندما تستطيعين. ولا تنسي أنني أحضرت لكِ البيتزا التي تحبينها، لقد وضعتها في الثلاجة، فسخنيها عندما تستيقظين وتناوليها. لا أريدكِ أن تبقي جائعة.»توقف عن الكتابة قليلًا، وحدّق في الكلمات أمامه، ثم أضاف بابتسامة صغيرة:> «وأرجوكِ، لا تفكري كثيرًا في الأمر. لم أفعل شيئًا يستحق الشكر.»طوى الورقة بعناية، ووضعها في مكان واضح بجوار الثلاجة، حتى تكون أول ما تقع عليه عيناها عندما تستيقظ.ثم اتجه نحو المكتبة الصغيرة الموجودة ف