مشاركة

الفصل التالت

مؤلف: Jamaleddine
last update تاريخ النشر: 2026-10-02 04:39:16

الثمن الذي دفعه الآخرون

في صباح اليوم التالي، وصل إلى آية تحويل بقيمة خمسين ألف درهم.

أرسلت صورة الإشعار إلى لميس من دون كلمة شكر، وأتبعتها برسالة قصيرة:

«استعدت مال أمي. أتمنى أن يستعيد الآخرون أموالهم أيضًا.»

قرأت لميس الرسالة أكثر من مرة.

كان من المفترض أن تشعر بالارتياح. كريم وفى بوعده، وآية لم تخسر شيئًا، والمشكلة التي بدت في الأمس بداية فضيحة انتهت بتحويل مصرفي واحد.

ومع ذلك، توقفت عيناها عند كلمة «الآخرون».

كتبت:

«هل تعرفين أشخاصًا آخرين طالبوا باسترجاع أموالهم؟»

ظهرت علامة أن آية قرأت الرسالة، لكنها لم تجب.

أغلقت لميس الهاتف وحاولت العودة إلى عملها. فتحت تقريرًا عن إحدى الحملات الإعلانية، قرأت السطر الأول ثلاث مرات، ثم اكتشفت أنها لا تعرف ماذا قرأت.

كانت الصورة المزورة التي وجدتها في موقع «خطوة» تعود إلى رأسها كلما حاولت التركيز.

استطاعت مراسلة المركز الأصلي والسؤال عنها. استطاعت إرسالها إلى ريانا، أو استدعاء كريم ومواجهته. لكنها في كل مرة اقتربت من فعل ذلك، تذكرت رسالته: «هل تصدقينني الآن؟»

لقد أعاد المال.

قالت لنفسها إن مصمم الموقع ربما استعمل صورة جاهزة من الإنترنت. يحدث ذلك كثيرًا، ولا يعني أن المشروع كله كذبة. ولو أرسلت الصورة إلى ريانا، فستتعامل معها كدليل نهائي قبل أن تسمع أي تفسير.

أما كريم، فقد وعدها بملفات المشاركين.

فتحت بريدها الإلكتروني.

لم تصل الملفات.

اتصلت به، فلم يجب.

وبعد دقائق، وصلتها رسالة صوتية منه:

— صباح الخير، يا أجمل امرأة غاضبة. أنا بين اجتماعين، ولم أنم إلا ساعتين كي أنهي ما طلبته. أعطيني حتى المساء، وستكون الملفات كلها عندك. وبالمناسبة، آية أخذت مالها كاملًا رغم أن القانون لا يلزمني بذلك. فعلت هذا من أجلك، فلا تسمحي لريانا بأن تقنعك أنني الوحش الذي تتمنى رؤيته.

انتهت الرسالة بضحكة خفيفة وقبلة أرسلها عبر الهاتف.

استمعت لميس إليها مرة ثانية.

لم يقل شيئًا عن الصورة، لأنه لا يعرف أنها وجدتها. ولم يكن في صوته ارتباك رجل خائف من انكشافه، بل تعب شخص يعمل بجد ويشعر أن أحدًا لا يقدّر ما يفعله.

هكذا فسرت الأمر.

حذفت صورة الإعلان المزور من شاشة حاسوبها، لكنها لم تستطع حذفها من ذاكرتها.

دخلت مساعدتها وأخبرتها أن اجتماع مجلس الإدارة سيبدأ بعد عشر دقائق. حملت لميس ملفاتها ونهضت. وقبل خروجها، مرّت بعينيها على باقة الورد التي بدأت أوراقها تذبل.

نزعت منها زهرة بيضاء، ثم ألقتها في سلة المهملات.

لم تعرف إن كانت غاضبة من كريم، أم من نفسها لأنها لا تزال تنتظر تفسيره.

---

جلست ريانا وهناء في مطعم صغير قرب المستشفى وقت استراحة هناء.

كانت هناء تحرك الملعقة داخل فنجانها منذ دقائق من دون أن تشرب، بينما ظلت ريانا تقرأ الرسائل التي أرسلتها آية.

قالت هناء:

— أعاد إليها المال. ربما خاف فعلًا من الفضيحة وأراد إنهاء الأمر.

— لم يُعد إليها مالها لأنه اعترف بحقها. أعاده لأن وصولها إلى مكتب لميس جعله يخاف.

— النتيجة واحدة بالنسبة إلى أمها.

وضعت ريانا الهاتف فوق الطاولة.

— ليست واحدة. إذا سرق رجل عشرة أشخاص، ثم أعاد المال إلى الشخص الوحيد الذي اشتكى، فهذا لا يجعله بريئًا. يجعله حذرًا.

تنهدت هناء.

— هل أجابتك لميس؟

— لا.

— ربما تحتاج إلى وقت.

— لميس لا تستعمل الوقت للتفكير حين يتعلق الأمر بالرجال. تستعمله لصناعة أعذار أفضل.

سكتت هناء. كانت تعرف أن ريانا قاسية في كلماتها، لكنها تعرف أيضًا أن القسوة لم تكن خالية من الخوف.

سألت:

— هل تواصلتِ مع مشاركين آخرين؟

— آية أرسلت إليّ أسماء أربعة. اثنان رفضا الكلام، والثالث قال إن المشروع يسير جيدًا، والرابعة أغلقت الهاتف حين عرفت أنني محامية.

— ربما لا توجد قضية أصلًا.

— وربما أخبرهم أحد أن الكلام معنا سيحرمهم من أموالهم.

حدقت هناء في صديقتها.

— ماذا ستفعلين؟

— سأبحث من دون أن أخبر لميس.

— ستغضب.

— هي غاضبة أصلًا.

— قد تعتبره خيانة.

ابتسمت ريانا بمرارة.

— الغريب أنها تعتبر بحثي عن الحقيقة خيانة، ولا تعتبر كذبه عليها خيانة حتى الآن.

رن هاتف هناء.

كانت لميس.

أجابت بسرعة:

— هل أنت بخير؟

جاء صوت لميس جافًا:

— هل ريانا معك؟

نظرت هناء إلى صديقتها.

— نعم.

— ضعي الهاتف على المكبر.

فعلت.

قالت لميس:

— وصلني بريد من آية. أخبرتني أنك طلبت منها أسماء المشاركين.

أجابت ريانا:

— صحيح.

— طلبت منك ألا تتدخلي قبل أن أحصل على الملفات.

— وأنت وافقت على الانتظار. أنا لم أوافق.

— هذه شركتي وسمعتي وعلاقتي.

— وأموال الناس ليست واحدة منها.

اشتدت قبضة لميس حول هاتفها.

— أعاد إليها كريم مالها كاملًا.

— ومن أين جاء بالمال؟

توقفت.

— ماذا تقصدين؟

— إذا كان المشروع أنفق رسومها على دراسة فكرتها كما يدعي، فمن أين أعاد خمسين ألفًا خلال ساعات؟ من حسابه؟ من أموال مشترك جديد؟ أم أنك دفعت له ولم تخبرينا؟

شعرت لميس بالإهانة.

— هل تظنين أنني قد أدفع له سرًا؟

— ظننت أنك لن تسمحي له باستعمال اسم شركتك، ثم رأيت صورتك فوق إعلانه.

قالت هناء:

— ريانا، اهدئي.

لكن لميس قالت:

— لا. دعيها تكمل. من الواضح أنها تعرفني أكثر مما أعرف نفسي.

أجابتها ريانا:

— لو كنت أعرفك أكثر منك، لما كنت خائفة عليك إلى هذا الحد.

ساد الصمت بينهن.

شعرت لميس بشيء يلين داخلها، لكنها قاومته.

قالت:

— سأحل الأمر بطريقتي. وأريدك أن تتوقفي عن التواصل مع المشاركين.

— لن أفعل.

— ريانا!

— إذا كانوا ضحايا فلهم الحق في محامية، حتى لو كان الرجل الذي يخافون منه حبيب صديقتي.

أنهت لميس الاتصال.

وضعت الهاتف فوق مكتبها بقوة، ثم بقيت تنظر إليه. كانت تريد من هناء أن تعيد الاتصال، أو من ريانا أن ترسل اعتذارًا، لكن الشاشة ظلت مظلمة.

بعد دقائق، ظهر إشعار جديد.

لم يكن من أي منهما.

كان من كريم:

«لدي مفاجأة لك الليلة. ارتدي الفستان الأسود الذي أحبّه، وثقي بي هذه المرة من دون أسئلة.»

قرأتها لميس وهي لا تزال غاضبة من ريانا.

وجاءت الدعوة في اللحظة المثالية؛ اللحظة التي احتاجت فيها إلى أن تثبت لنفسها أن صديقتها مخطئة، وأن الثقة ليست دائمًا غباءً.

كتبت:

«أين؟»

وصلها عنوان فندق كبير، ثم أضاف كريم:

«في الثامنة. لا تتأخري كما أفعل أنا.»

ابتسمت رغمًا عنها.

---

حين وصلت لميس إلى الفندق، أدركت أن الأمر ليس عشاءً خاصًا.

كانت القاعة الكبرى مضاءة بالكامل، وعند مدخلها ثبتت لوحة ضخمة تحمل شعار «خطوة». وقف مصورون قرب السجاد الأحمر، واستقبلها شريف بابتسامة متوترة.

توقفت لميس.

— ما هذا؟

— الحفل الرسمي لإطلاق المرحلة الثانية.

— كريم قال إنها مفاجأة.

— وهي كذلك.

بحثت بعينيها عنه، فرأته بين مجموعة من رجال الأعمال. كان يرتدي بدلة داكنة، ويتحدث بثقة إلى رجل تعرفه لميس جيدًا.

نادر السالمي.

عضو مجلس إدارة «أفق»، والرجل الذي وقف في صفها قبل عام حين حاول بعض الشركاء إزاحتها عن الإدارة.

تقدم نادر نحوها وصافحها بحرارة.

— أخيرًا وصلت صاحبة الفضل.

نظرت إلى كريم.

— لم تخبرني أن الأستاذ نادر يشارك في المشروع.

أجاب كريم:

— أردت أن تفاجئي.

قال نادر مبتسمًا:

— كريم شاب طموح. حين أخبرني أنك تدعمينه، عرفت أن المشروع يستحق الاهتمام.

انتقلت عينا لميس من نادر إلى كريم.

— أخبرته أنني أدعمك؟

اقترب كريم منها وقال بصوت منخفض:

— أنت ظهرت في المقطع. ماذا كان سيظن؟

— كان يمكن أن يظن ما قلته بالضبط، لا أكثر.

تدخل نادر وهو يضحك:

— لا تكوني محامية أكثر من صديقتك. نحن في حفل، لا في اجتماع مجلس.

لم تعجبها العبارة، لكنها ابتسمت احترامًا له.

وضع كريم يده خلف ظهرها وقادها نحو القاعة.

— استمتعي الليلة فقط. غدًا اسأليني عن كل شيء.

قالت:

— قلت ذلك أمس.

— وأرسلت لك الملفات.

فتحت حقيبتها وأخرجت هاتفها. وجدت بريدًا وصل قبل دقائق، يحمل ملفًا كبيرًا بعنوان «وثائق المشروع».

أراها كريم الشاشة.

— هل اطمأننت الآن؟

لم تفتح الملف. كانت القاعة تمتلئ، والكاميرات تتجه نحوهما، ونادر يسير إلى جانبهما. شعرت أنها إن بدأت مراجعة الأوراق في تلك اللحظة ستبدو فعلًا امرأة عاجزة عن الثقة بأي أحد.

أعادت الهاتف إلى حقيبتها.

— سأقرأه لاحقًا.

ابتسم كريم.

— هذا كل ما أطلبه.

جلست لميس في الصف الأمامي إلى جوار نادر. بدأ الحفل بعرض قصير عن الشباب والبطالة والأفكار التي تموت بسبب غياب التمويل. ظهرت صور متدربين، وقاعات حديثة، ومشاريع ناجحة.

راقبت لميس الصور بدقة، تبحث بينها عن صورة أخرى مسروقة، لكنها لم تتعرف إلى شيء.

ثم صعد كريم إلى المنصة.

تحدث عن طفولته، وعن والده الذي مات قبل أن يحقق مشروعه، وعن الشباب الذين لا يفشلون بسبب ضعف أفكارهم بل لأن أحدًا لم يقل لهم إنه يؤمن بهم.

كان خطيبًا بارعًا. جعل بعض الحاضرين يبتسمون، ومسح آخرون أعينهم.

وفي نهاية كلمته، أُطفئت الأنوار وظهر مقطع لميس على الشاشة العملاقة.

«وأنا أثق به، وأدعوكم إلى أن تثقوا به أيضًا.»

ملأ صوتها القاعة.

اشتعل التصفيق.

بقيت لميس جامدة في مقعدها. لم يخبرها أنه سيعرض المقطع هنا، إلى جانب مستثمرين وصحافيين وأشخاص يستعدون لدفع أموالهم.

مد كريم يده نحوها من فوق المنصة.

— وأطلب من المرأة التي منحت هذا المشروع ثقتها أن تشاركني هذه اللحظة.

سلط الضوء عليها.

التفتت الوجوه والكاميرات نحوها.

همست لنادر:

— لم نتفق على هذا.

أجاب مبتسمًا:

— لا تحرجيه الآن. الشاب يريد تكريمك.

كان بإمكانها أن تبقى في مقعدها. كان بإمكانها أن تهز رأسها وتطلب إكمال الحفل من دونها.

لكن رفضها أمام الجميع سيحوّل الأسئلة نحوها، وقد يبدو اعترافًا بأن المشروع مشبوه. كما أن كريم ظل واقفًا فوق المنصة، ويده ممدودة، وفي عينيه رجاء لم تره إلا هي.

نهضت.

رافقها التصفيق حتى وصلت إليه.

أمسك يدها، وقال أمام الحضور:

— لميس لم تمنح «خطوة» صوتها فقط. كانت شريكتي في كل لحظة شك، والسبب الذي جعلني أواصل حين أراد الآخرون أن أتوقف.

لم تكن الجملة كاذبة تمامًا. وهذا ما جعلها أخطر.

اقتربت صحافية من حافة المنصة وسألت:

— هل نفهم من كلامك أن شركة «أفق» شريك رسمي في المشروع؟

شد كريم على يد لميس.

نظر إليها منتظرًا.

أخذت الميكروفون.

قال عقلها: «انفي فورًا.»

وقال خوفها: «إذا أنكرت الآن، ستدمرينه أمام الجميع، وربما تضر بالشباب الذين انضموا فعلًا.»

ابتسمت ابتسامة صغيرة.

— «أفق» ليست شريكًا تعاقديًا في المشروع.

ارتخت يد كريم قليلًا.

كان يمكن أن تتوقف هنا.

لكن الصمت الذي تلا الجملة بدا لها اتهامًا علنيًا، فأضافت:

— غير أنني أدعم كريم شخصيًا، وأؤمن بأن مشروعه يستحق فرصة حقيقية.

عاد التصفيق أقوى.

رفع كريم يدها أمام الكاميرات، ثم أعلن فتح باب التسجيل للمرحلة الثانية.

ظهرت على الشاشة أرقام الحسابات، وباقات الاشتراك، وعدّاد إلكتروني يعرض عدد المقاعد المتبقية.

فهمت لميس متأخرة لماذا كان يحتاج إلى وجودها.

لم يكن الحفل لتكريمها.

كانت هي آخر جزء في عملية البيع.

همست له من دون أن تفقد ابتسامتها أمام الكاميرات:

— قلت إنك لن تستعمل المقطع لجمع المال.

أجاب وهو يواصل التلويح للحضور:

— لم أجبر أحدًا على الدفع. منحتهم فقط سببًا للاستماع.

— استعملتني.

التفت نحوها قليلًا، وبقيت ابتسامته ثابتة.

— جعلتك جزءًا من نجاحي. لماذا تصرين على رؤية الحب إهانة؟

قبل أن تجيبه، اقترب نادر وصافحهما أمام المصورين.

قال كريم للحاضرين:

— لدينا مفاجأة أخرى. بفضل ثقة شركائنا، سنضاعف عدد المقبولين هذا العام.

ارتفع التصفيق مجددًا.

نظرت لميس إلى الشاشة.

كان عداد التسجيل يتحرك بسرعة.

سبعة مشتركين.

ثم اثنا عشر.

ثم ثمانية عشر.

كل رقم جديد كان يعني شخصًا دفع ماله بعد أن رآها تقف إلى جانب كريم.

اهتز هاتفها داخل حقيبتها مرات متتالية. وحين ابتعدت عن المنصة، فتحته.

كانت ريانا قد أرسلت إليها رابط البث المباشر ورسالة واحدة:

«انزلي من تلك المنصة الآن.»

لكن لميس لم تنزل.

بقيت حتى انتهى التصوير، وصافحت الحاضرين، والتقطت الصور إلى جانب كريم، لأنها أقنعت نفسها أن الانسحاب في منتصف الحفل سيضر بالمشتركين أكثر مما يحميهم.

عند منتصف الليل، عادت إلى منزلها وفتحت بريد المشروع الذي أرسله كريم.

كان الملف محميًا بكلمة مرور.

اتصلت به.

لم يجب.

أرسلت إليه تطلب كلمة المرور، فظهرت علامة أنه قرأ الرسالة من دون رد.

بعد دقائق، وصلتها رسالة من رقم مجهول:

«شكرًا لك، سيدتي لميس. بعت قطعة الأرض التي تركها أبي كي أدفع رسوم انضمام ابني. لم أكن لأغامر لولا ضمانك.»

قرأت الرسالة، ثم أعادت قراءتها.

كتبت بسرعة:

«أنا لم أضمن المشروع. من أعطاك رقمي؟»

لكن الرسالة لم تصل؛ فقد أغلق صاحب الرقم هاتفه.

وقفت أمام المرآة، لا تزال ترتدي الفستان الأسود الذي يحبه كريم. في الصور التي بدأت تنتشر على المواقع، بدت سعيدة وواثقة، ويدها داخل يده، وخلفهما شعار «خطوة».

كانت تعرف أنها لم توقع عقدًا واحدًا.

لكنها فهمت، وهي ترى صورتها تتكرر أمامها، أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى توقيع كي يصبح مسؤولًا.

أحيانًا يكفي أن يقف صامتًا إلى جانب الكذبة، فتتولى الكاميرات كتابة اسمه تحتها.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل الحادي عشر

    الفصل الحادي عشرمن يجلس على رأس الطاولةعند السادسة والنصف صباحًا، كان الطبيب يطلب من لميس أن تعود إلى غرفة الفحص، بينما كانت هي تغسل الدم عن وجهها داخل حمام المستشفى.لم تنم، ولم تبدل ثيابها. اكتفت باستعارة سترة سوداء من هناء لتخفي بقع الدم التي غطت قميصها، وربطت شعرها إلى الخلف.وقفت أمام المرآة.كانت هناك خدوش صغيرة فوق جبينها، وهالة داكنة تحت عينيها، ورائحة دخان لا تزال عالقة بشعرها.لم تبدُ كرئيسة شركة تستعد لاجتماع مجلس الإدارة.بدت كناجية خرجت لتوّها من حريق، ولم تحصل بعد على الوقت الكافي لتفهم ما الذي احترق بداخلها.طرقت ريانا الباب.— بقيت ساعة ونصف.خرجت لميس.كانت ريانا تحمل ملفًا سميكًا، بينما حمل آدم الحاسوب والهاتف الذي أعطته سارة لهما. أما هناء فبقيت في المستشفى إلى جوار سارة ويزن، بعدما وعدت لميس أن تتصل بها فور خروج كريم من تأثير التخدير.قالت ريانا:— حصلت على جلسة عاجلة، لكن القاضي لن ينظر في طلب تجميد التفويض قبل التاسعة والنصف.— الاجتماع في الثامنة.— أعرف.— إذن سيحصلون على ساعة ونصف.— إذا دخلتِ الاجتماع وأثبتنا أن توقيعك استُعمل بطريق الاحتيال، يمكننا تعطيل ا

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل العاشر

    الفصل العاشرما لا يصلحه الندمظل الضوء الأحمر فوق باب غرفة العمليات مشتعلًا.جلست لميس على المقعد المقابل له، ويداها فوق ركبتيها. كان الدم قد جف بين أصابعها وتحت أظافرها، لكن رائحته بقيت عالقة بها، كأن جسد كريم لم يعد خلف ذلك الباب، بل ما زال فوقها يحميها من الرصاصة.اقتربت منها ممرضة تحمل قطعة قماش مبللة.— يمكنك تنظيف يديك.نظرت لميس إليها من دون أن تمد يدها.قالت الممرضة بلطف:— لن يساعده بقاؤك هكذا.أخذت لميس قطعة القماش أخيرًا.مسحت كفها مرة، فظهر الجلد تحت الدم. أعادتها مرة ثانية، ثم توقفت حين تذكرت أصابع كريم الباردة وهي تنفلت من يدها داخل سيارة الإسعاف.تركت القماش إلى جوارها.وصلت ريانا مسرعة، وخلفها آدم والمفتش سليم.كانت ريانا لا تزال ترتدي الثياب نفسها التي دخلت بها المبنى، وقد غطى الرماد كتفها وشعرها. وقفت أمام لميس، ثم انحنت قليلًا لتتفحص وجهها.— هل فحصك الطبيب؟— أنا بخير.— هذا ليس جوابًا.— لم تصبني الرصاصة.— والدخان؟— قلت إنني بخير.جلست ريانا إلى جانبها.— حسنًا. سأؤجل صراخي إلى أن ينتهي الطبيب، لكنني أعدك أنه سيكون طويلًا ومهينًا.لميس لم تبتسم.سألت المفتش:—

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل التاسع

    الفصل التاسعثمن الحقيقةبقيت لميس لحظة تحت جسد كريم، عاجزة عن التمييز بين صوت الرصاص وصوت الدم الذي يضرب داخل أذنيها.كان الظلام كثيفًا، ورائحة البارود تملأ الممر. امتدت يد من العتمة نحو بطاقة الدخول الملقاة قرب أصابعها.أطبقت لميس كفها عليها قبل أن تصل إليها اليد.جاء صوت نادر غاضبًا:— خذوها منها!تحرك ظلّان في الممر.حاولت لميس الزحف إلى الخلف، لكن ثقل كريم فوق ساقيها أعاقها. وضعت يدًا خلف كتفه وجرّته معها، تاركة فوق الأرض خطًا داكنًا لم تستطع رؤيته، لكنها شعرت بحرارته تحت أصابعها.همست قرب أذنه:— كريم... افتح عينيك.لم يجب.اقتربت الخطوات.ضمّت البطاقة داخل قبضتها حتى حفرت حافتها في جلدها. لم تعد مجرد قطعة تفتح الأبواب؛ أصبحت الشيء الذي أُصيب رجل من أجله، واختُطف طفل بسببه، وكادت شركتها تُنتزع منها من دون أن تفهم كيف.انحنت يد تبحث في الظلام فوق الأرض.حبست لميس أنفاسها.ثم اشتعل ضوء أحمر متقطع عند نهاية الممر، وتبعه صوت نظام الطوارئ:«تحذير. تم اكتشاف حريق في الطابق السادس عشر. يرجى إخلاء المبنى فورًا.»ظهر أحد الرجال للحظة تحت الضوء الأحمر. كان يرتدي قناعًا أسود ويحمل عبوة معد

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل التامن

    الفصل الثامنالباب الأخيرقرأَت لميس طلب كريم للمرة الثالثة:«أحضري معك بطاقة الدخول إلى شركة أفق. من دونها لن نستطيع إثبات شيء ضد نادر.»كان واضحًا الآن أن الذاكرة لم تكن تحمل دليلًا، وأنه لم يطلب بطاقة الدخول كي يحميها، بل كي يكمل ما بدأه.ومع ذلك، كتبت:«متى وأين؟»أمسكت ريانا الهاتف قبل أن ترسل.— ماذا تفعلين؟— أجعله يعتقد أنني ما زلت أصدقه.— أنت لا تجيدين التمثيل معه.— أجيده في الاجتماعات مع رجال أخطر منه.قالت مريم:— لكنه لا يعرفك داخل الاجتماعات فقط. يعرف متى تخافين، ومتى تكذبين، وأي كلمة تجعلك تترددين.أجابت لميس:— وأنا أعرف الآن ماذا يريد.قالت ريانا:— معرفتك بما يريد لا تعني أنك لن تمنحيه إياه. لقد عرفتِ أنه يكذب أكثر من مرة، وفي كل مرة وجدتِ سببًا جديدًا للعودة.تدخل آدم:— يمكننا استعمال طلبه لصالحنا.التفتوا إليه.كان قد وصل إلى المقهى بعدما أنهى فحص الذاكرة، وجلس في الطرف الآخر من الطاولة، يراقب النقاش من دون أن يتدخل حتى تلك اللحظة.قالت ريانا:— ماذا تقترح؟— نعطيه بطاقة تبدو حقيقية، لكن صلاحيتها محدودة. إذا حاول استعمالها، نعرف الباب الذي يقف أمامه والوقت الدقيق

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل السابع

    الفصل السابعالمرأة التي سبقتهااستيقظت لميس في الخامسة صباحًا، مع أنها لم تنم إلا بعد الثالثة.كان اسم مريم آخر ما رأته على شاشة هاتفها، وأول ما عاد إلى ذهنها حين فتحت عينيها.جلست في سريرها وأعادت قراءة الرسالة:«إذا أردت أن تعرفي كيف ستنتهي قصتك، تعالي واسمعي كيف انتهت قصتي أنا.»أسفلها عنوان مقهى وموعد عند العاشرة.لم تجب.وضعت الهاتف جانبًا، ثم مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت الذاكرة الإلكترونية التي أعطاها لها كريم.قطعة صغيرة سوداء، لا تحمل اسمًا ولا علامة. وعدها بأنها تضم الأدلة التي ستعيد إليها شركتها، بينما أخبرتها ريانا أنها قد تكون مجرد حبل آخر يربطها به.فتحت حاسوبها، ثم توقفت قبل إدخال الذاكرة.تذكرت تحذيره: «لا تفتحيها على جهاز متصل بالإنترنت.»نزعتها من يدها كما لو أنها احترقت.لأول مرة منذ بداية الأزمة، لم تعرف أي التحذيرين تخاف أكثر: تحذير الرجل الذي كذب عليها، أم تحذير الصديقة التي لم تكذب قط.---في الثامنة، دخلت مكتب ريانا.كانت المحامية تقف قرب النافذة تتحدث في الهاتف. توقفت عندما رأت لميس، وأنهت المكالمة سريعًا.لم تقل صباح الخير.وضعت لميس الذاكرة فوق المكتب.— أري

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل السادس

    الفصل السادسكل امرأة عرفت رجلًا آخربقي السؤال معلقًا عند باب الشقة:— من هذه يا كريم؟لم يجب.انتقلت عينا المرأة بينه وبين لميس. كان الطفل مستلقيًا فوق كتفها، يعبث بأصابع صغيرة في خصلات شعرها، غير مدرك أن كلمة واحدة منه هدمت حياة ثلاثتهم.قالت لميس:— نعم، من أنا يا كريم؟فتح فمه، ثم نظر إلى المرأة.— سارة، خذي يزن إلى الغرفة. سأتحدث معك لاحقًا.اشتد وجهها.— سألتك من هذه.قال بنبرة أكثر صرامة:— ليس أمام الطفل.نزل يزن من بين ذراعي أمه، واتجه نحو كريم بخطوات متعثرة. انحنى والده وحمله، فتشبث الطفل بعنقه كما لو أن وجوده بين ذراعيه أمر معتاد.راقبت لميس المشهد، وشعرت بأن كل لحظة أخبرها فيها كريم أنه وحيد عادت لتقف أمامها وتسخر منها.سألته:— كم عمره؟رفع كريم عينيه إليها.— ثلاث سنوات.ثلاث سنوات.كانت تعرف عنه نوع القهوة التي يشربها، والندبة الصغيرة قرب كتفه، واسم أستاذ الرياضيات الذي كان يكرهه في المدرسة. أخبرها عن موت والده، وعن أمه التي لم تفهم أحلامه، وعن خطيبته القديمة التي خانته.لكنه لم يجد خلال أربعة أشهر جملة واحدة يخبرها فيها أن له طفلًا.قالت سارة ببطء:— لماذا تسألين عن ع

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status