مشاركة

الفصل التاني

مؤلف: Jamaleddine
last update تاريخ النشر: 2026-10-02 04:38:25

التفسير الذي أرادت تصديقه

دخلت الفتاة إلى المكتب بخطوات مترددة، وظلت واقفة قرب الباب كأن الأرض اللامعة لا تسمح لحذائها القديم بالاقتراب أكثر.

كانت أصغر مما بدت من خلف الزجاج. وجهها شاحب من قلة النوم، وشعرها مربوط على عجل، وأصابعها مطبقة حول الملف الأزرق حتى ابيضت مفاصلها.

أشارت لميس إلى المقعد.

— تفضلي.

جلست الفتاة على الحافة، وبقي ظهرها مستقيمًا على نحو متعب.

— ما اسمك؟

— آية.

— أخبرتني موظفة الاستقبال أنك دفعت مالًا لمشروع «خطوة».

أومأت آية، ثم فتحت الملف وأخرجت إيصالًا بنكيًا.

— خمسون ألف درهم.

توقفت عينا لميس عند الرقم.

— خمسون ألفًا؟

— كانت أمي تدخرها منذ سنوات.

قالتها الفتاة بسرعة، كأنها تخشى أن تسألها لميس من أين حصلت على المبلغ.

أضافت:

— باعت بعض حليها أيضًا. لم تكن تريد أن تعطيني المال في البداية، لكنني أريتها المقطع الذي ظهرتِ فيه.

خفضت لميس عينيها إلى المطوية فوق المكتب.

— ماذا وعدكم كريم؟

— تدريب لمدة شهرين، ثم يساعدنا على إنشاء مشاريعنا. قال إن أفضل الأفكار ستحصل على تمويل، وإن من لا يُقبل مشروعه سيسترجع جزءًا كبيرًا من المبلغ.

— وهل وقّعت عقدًا؟

أخرجت آية عدة أوراق.

— وقّعت هذه.

مدت لميس يدها إليها، لكنها توقفت قبل أن تلمسها.

كان أول ما خطر لها أن تهاتف ريانا. العقود لغتها، وهي الأقدر على اكتشاف ما يخفيه هذا الملف.

لكن صوتًا آخر داخلها قال إن استدعاء ريانا الآن يعني الاعتراف بأنها كانت محقة بشأن كريم منذ البداية.

أخذت لميس الأوراق وبدأت تقرأها وحدها.

حمل العقد اسم مؤسسة تدعى «خطوة للتطوير»، ولم يظهر اسم كريم إلا بصفته مديرًا للبرنامج. لم يُذكر اسم شركة «أفق» في أي بند، ولم يوجد ضمان صريح بإعادة المال. وفي الصفحة الأخيرة، كان توقيع آية واضحًا تحت عبارة تؤكد معرفتها بأن الرسوم لا تُسترد بعد بدء دراسة المشروع.

رفعت لميس رأسها.

— العقد يقول إن المبلغ غير قابل للاسترجاع بعد بدء العمل على الفكرة.

اشتد وجه آية.

— لكنه لم يبدأ.

— ربما بدأوا دراسة المشروع من دون حضورك.

— لم يسألني أحد عن فكرتي أصلًا.

— كيف دفعت مبلغًا كهذا قبل أن تتأكدي من التفاصيل؟

خرج السؤال من فم لميس قبل أن تفكر فيه.

تغيرت ملامح آية، ونظرت إليها كما لو أنها تلقت صفعة.

قالت بصوت خافت:

— لأنك قلت إنك تثقين به.

شعرت لميس بالخجل، لكنها أخفته بالنظر إلى الأوراق.

— أنا تحدثت عن معرفتي بكريم. لم أقل إن شركة «أفق» مسؤولة عن المشروع.

سحبت آية المطوية ووضعتها أمامها.

— مكتوب هنا إنها تضمنه.

— هذه الجملة أضيفت من دون علمي.

— وكيف كان عليّ أن أعرف ذلك؟

لم تجد لميس جوابًا.

قالت آية:

— أنت تعرفين شكل إعلانات شركتك وشعارها، أما أنا فلا أعرف الفرق بين إعلان حقيقي وآخر كاذب. رأيت امرأة ناجحة تقول إنها تثق برجل، فقلت لنفسي إنها لا يمكن أن تخاطر باسمها من أجل شخص غير جدير بالثقة.

توقفت قليلًا، ثم أضافت:

— ظننت أنك تعرفينه.

أصابتها العبارة في موضع أعمق من الاتهام.

لم تقل آية: «ظننت أنك صادقة.» قالت: «ظننت أنك تعرفينه.»

أغلقت لميس العقد.

— سأتحقق من كل شيء.

— متى؟

— قريبًا.

— انتظرت شهرين. المكتب الذي سجلنا فيه أغلق، ورقم الهاتف لا يجيب منذ أسبوع.

رفعت لميس رأسها بسرعة.

— أي مكتب؟

أخرجت آية بطاقة تحمل عنوانًا في وسط المدينة.

— ذهبت إليه أمس، فوجدت الباب مقفلًا. صاحب العمارة قال إنهم نقلوا الأثاث ليلًا.

شعرت لميس ببرودة تسري في أطرافها.

أمسكت هاتفها واتصلت بكريم. ظل يرن حتى انقطع الاتصال.

حاولت مرة أخرى.

لا جواب.

راقبت آية وجهها، فابتعدت لميس نحو النافذة حتى لا ترى القلق الذي لم تستطع إخفاءه.

اتصلت للمرة الثالثة.

جاءها صوته أخيرًا، محاطًا بضجيج سيارات:

— حبيبتي، أنا في اجتماع. سأتصل بك لاحقًا.

قالت قبل أن يغلق:

— مكتب «خطوة» مغلق.

ساد الصمت لحظة.

— من أخبرك؟

— فتاة اسمها آية تجلس أمامي الآن. دفعت خمسين ألف درهم، وتقول إنكم اختفيتم.

تنهد كريم.

— كنت أعرف أنها ستأتي إليك.

نظرت لميس إلى الفتاة.

— تعرفها؟

— بالطبع. مشروعها رُفض لأنها قدمت فكرة منسوخة، فغضبت وطالبت باسترجاع المال كاملًا.

نهضت آية.

— هذا كذب!

أبعدت لميس الهاتف قليلًا، لكن كريم كان قد سمعها.

قال بنبرة باردة:

— وضعتِ المكالمة على مكبر الصوت؟

— أجبها فقط. لماذا أغلقتم المكتب؟

— لأن عقد الإيجار انتهى، وانتقلنا إلى مقر أكبر. لو قرأت رسائلها لعرفت، لكنها حظرت أرقامنا بعد أن هددتنا.

حدقت آية فيهاتف لميس.

— لم أحظر أحدًا. هاتفي معي، تستطيعين رؤيته.

قال كريم:

— لميس، لن أناقش ملف مشتركة غاضبة أمامها. هناك خصوصية وعقود. أمهليني ساعة وسآتي إليك بكل الوثائق.

— أريدك هنا الآن.

خفض صوته:

— هل تتحدثين معي بهذه الطريقة لأنها أمامك، أم لأن صديقتيك ملأتا رأسك بالشك؟

شدت لميس قبضتها حول الهاتف.

— لا علاقة لريانا وهناء بالأمر.

— بل لهما كل العلاقة. منذ دخلت حياتك وهما تنتظران خطئي الأول لتقولا إنهما كانتا على حق.

نظرَت لميس إلى آية، فرأت الدموع تتجمع في عينيها.

قالت بحزم:

— لديك ساعة.

أنهت المكالمة قبل أن يجيب.

عادت إلى مكتبها وفتحت الحاسوب.

— أعطني أسماء المشاركين الآخرين.

— لماذا؟

— سأتواصل معهم.

ترددت آية.

— الأستاذ كريم قال إن مشاركة معلومات المجموعة مخالفة للعقد.

— قبل دقيقة قلت إنه كاذب، والآن تطيعين تعليماته؟

احمر وجه الفتاة.

— أنا لا أطيعه. أنا خائفة.

تغيرت نبرة لميس.

— ممّ؟

نظرت آية إلى باب المكتب، ثم خفضت صوتها.

— بعد أن طالبت بمالي، اتصل بي رجل لا أعرفه. قال إن اتهام مشروع تدعمه «أفق» قد يدمر مستقبلي، وإن الشركات تتبادل أسماء الأشخاص الذين يثيرون المشكلات.

توقفت أنفاس لميس.

— هل احتفظت بالرقم؟

أومأت.

— وهل أخبرت كريم؟

— قال إنه لا يعرف شيئًا، لكنه نصحني بأن أتوقف قبل أن أخسر أكثر من المال.

هذه المرة لم تجد لميس تفسيرًا سريعًا.

نهضت واتجهت إلى الباب.

— ستبقين هنا حتى يأتي.

سألت آية بخوف:

— هل ستخبرينه بما قلته؟

توقفت يد لميس فوق المقبض.

كان السؤال طبيعيًا، لكنها سمعته كأنه اعتراف بعدم الثقة بها.

— لا. لن أخبره بشيء قبل أن أسمع الطرفين.

قالت آية:

— أنا أمامك ومعي الإيصالات والعقد والرسالة والرقم. كم دليلًا أحتاج حتى أصبح «طرفًا» يُصدّق، لا فتاة غاضبة كما وصفني؟

لم تجب لميس.

خرجت إلى مكتب مساعدتها وطلبت منها إلغاء بقية الاجتماعات. وبينما كانت تتحدث، انفتح المصعد وظهرت ريانا تحمل حقيبتها القانونية، وخلفها هناء التي لا تزال بملابس العمل.

حدقت لميس فيهما.

— من اتصل بكما؟

أجابت هناء:

— موظفة الاستقبال. قالت إنك ألغيت اجتماعاتك، وإنك تبدين متوترة.

أضافت ريانا وهي تنظر عبر الزجاج إلى آية:

— ومن الواضح أنها أحسنت الاتصال.

قالت لميس:

— لا أحتاج إلى محامية.

— لم أسألك إن كنت تحتاجين. أريد أن أعرف لماذا توجد فتاة تبكي في مكتبك، ولماذا تحمل إعلانًا عليه شعار شركتك.

دخلت ريانا، وتناولت المطوية من فوق الطاولة. قرأت الجملة الصغيرة في أسفلها، ثم رفعت عينيها إلى لميس.

— هل سمحت بهذا؟

— لا.

— إذن نحن أمام استعمال غير مشروع لاسم الشركة وعلامتها.

— ربما يكون خطأ من المصمم.

ضحكت ريانا مرة واحدة بلا مرح.

— بالطبع. والشعار مشى وحده إلى الإعلان، وكتب الضمان بيده.

قالت لميس بحدة:

— قلت ربما. كريم سيأتي بالملفات.

اقتربت ريانا منها.

— قبل أن يصل ويمنحك تفسيرًا جاهزًا، أريد نسخة من هاتف آية والعقد والمطوية وتسجيل المكالمة إن وُجد.

قالت لميس:

— لن نحول الأمر إلى قضية قبل أن نفهمه.

— بل سنحفظ الأدلة قبل أن يعرف أننا فهمناه.

تدخلت هناء:

— دعونا لا نتشاجر أمام آية.

جلست إلى جانب الفتاة وناولتها كوب ماء. كانت هناء الوحيدة التي لم تسألها في البداية عن العقد أو المال، بل سألتها:

— هل تعرف أمك ما حدث؟

انكسر وجه آية.

— لا. أخبرتها أن المشروع تأخر فقط.

— لماذا؟

— لأنها باعت أساورها من أجلي. لا أستطيع العودة إليها وأقول إنني أضعت كل شيء.

وضعت هناء يدها فوق يدها.

— أنت لم تضيعيه وحدك.

نظرت آية إلى لميس، لكنها لم تقل شيئًا.

شعرت لميس أن العبارة موجهة إليها أيضًا.

بعد خمسين دقيقة، دخل كريم.

لم يحمل الزهور هذه المرة. جاء بملف أسود، وخلفه رجل نحيل قدمه باسم شريف، المسؤول المالي للمشروع.

ألقى نظرة سريعة على آية، ثم اقترب من لميس.

— هل يمكن أن نتحدث وحدنا؟

قالت ريانا:

— لا.

التفت إليها.

— لم أوجه السؤال إليك.

أجابته لميس:

— سنتحدث أمام الجميع.

ظهر الألم على وجهه.

— حتى أنت؟

كرهت الطريقة التي قال بها العبارة. لم يسأل لماذا، بل جعل قرارها وقوفًا ضده.

جلس ووضع الملف أمامها.

— هذه عقود المشاركين، وهذه مصاريف المشروع، وهذا إشعار تغيير المقر.

أخذت ريانا الإشعار.

— تاريخه صباح اليوم.

قال شريف بسرعة:

— تأخرنا في إصداره بسبب مشكلة إدارية.

قلبت ريانا الورقة.

— وختم المؤسسة فوق توقيع مطبوع.

تدخل كريم:

— لسنا في محكمة.

— ليس بعد.

أخرج من الملف عقد آية، وفتحه على الصفحة الأخيرة.

— وقّعت بنفسها أن الرسوم لا تُسترد بعد دراسة المشروع.

قالت آية:

— لم تدرسوا شيئًا!

فتح شريف حاسوبه، وعرض تقريرًا يحمل اسم مشروعها. احتوى على تحليل للسوق وتقدير للتكاليف وصفحات من الملاحظات.

اتسعت عينا آية.

— لم أعطكم هذه التفاصيل.

قال كريم:

— كانت موجودة في استمارة التسجيل.

— لم أكتب هذا!

دفعت الحاسوب بعيدًا عنها.

راجعت لميس التقرير. بدا منظمًا ومهنيًا. كان دليلًا واضحًا يمكن لمسه، على عكس خوف آية وكلماتها المتقطعة.

سألت كريم:

— لماذا لم يصل إليها؟

— لأنها أوقفت التواصل معنا قبل إتمام التقييم.

صرخت آية:

— أنتم من توقف عن الرد!

قال كريم بهدوء:

— أملك سجل مكالمات يثبت أننا اتصلنا بك.

فتح هاتفه وأظهر عدة محاولات اتصال برقم يحمل اسمها.

أخرجت آية هاتفها.

— لا توجد عندي أي مكالمة من هذا الرقم.

قال شريف:

— ربما حظرته ونسيَت.

رفعت ريانا نظرها إليه.

— أو ربما غيرتم اسم رقم آخر إلى اسمها قبل دخولكم.

توتر وجهه.

أما لميس، فبقيت تحدق في الهاتفين. كان لكل طرف دليل يناقض الآخر، لكنها لم تكن محايدة كما أرادت أن تصدق. آية فتاة رأتها للمرة الأولى، أما كريم فكان الرجل الذي يعرف خوفها من المستشفيات، ويترك لها الضوء مضاءً حين تنام، ويتذكر ذكرى وفاة والدها قبل أن تتذكرها هي.

حين يعجز العقل عن الحسم، ينحاز القلب إلى الذكريات.

قال كريم:

— سأعيد إليها جزءًا من المبلغ، رغم أنها خرقت العقد. ليس لأنني مخطئ، بل احترامًا لك.

انتفضت آية.

— لا أريد صدقة!

أجابها:

— وأنا لا أريد أن أتهم بالسرقة لأن مشروعك لم يُقبل.

وقفت آية، وجمعت أوراقها بيدين مرتجفتين.

قالت للميس:

— أنت لا تتحققين من الحقيقة. أنت تبحثين عن أقل كذبة تؤلمك كي تصدقيها.

حاولت هناء إيقافها، لكنها سحبت يدها.

وقبل أن تخرج، التفتت إلى لميس.

— احتفظي بمالك وباسمك وبالرجل الذي تعرفينه أكثر منا جميعًا. أريد فقط مال أمي.

أُغلق الباب خلفها.

ساد الصمت.

قال كريم:

— أرأيتِ كيف تتصرف؟

نظرت ريانا إلى لميس.

— السؤال ليس كيف تتصرف هي. السؤال: ماذا ستفعلين أنت؟

كان بإمكان لميس تجميد المقطع علنًا، وإصدار بيان ينفي أي علاقة لشركتها بالمشروع، وتسليم الملف لريانا.

لكن كريم وقف أمامها محاطًا بالأوراق والتقارير، ينظر إليها كمن ينتظر أن تختار بينه وبين من يتهمه.

قالت لميس:

— ستعيدون إلى آية مالها كاملًا.

فتح شريف فمه معترضًا، لكن كريم أوقفه.

— كما تريدين.

— وسترسلان إليّ ملفات جميع المشاركين.

— بالطبع.

— وسيتوقف استعمال اسمي وشعار الشركة من هذه اللحظة.

مد كريم يده نحوها.

— أعدك.

لم تصافحه.

لكنها لم تتصل بالشرطة، ولم تسمح لريانا بإرسال إنذار قانوني، ولم تنشر بيانًا ينفي الضمان.

اختارت حلًا لا يدينه ولا يبرئه؛ حلًا يبقي الباب مفتوحًا أمامه.

خرج كريم وشريف. بقيت ريانا واقفة في منتصف المكتب.

— التقرير الذي عرضاه عن مشروع آية، قالت.

— ماذا عنه؟

— كُتب بسرعة. الخطوط مختلفة، وترقيم الصفحات يبدأ من الصفحة الثالثة.

قالت لميس:

— ربما حذفا الغلاف والفهرس.

— أو ربما أعداه خلال الساعة التي منحتها لكريم.

تعبت لميس من الشك، ومن نظرة ريانا، ومن الخوف الذي بدأ يكبر داخلها.

— يكفي.

اقتربت هناء منها.

— لا أحد منا يريد أن يكون على حق يا لميس.

— لكنكما تتصرفان كأنكما تنتظران سقوطه.

أجابت ريانا:

— نحن ننتظر فقط أن تتوقفي عن الوقوف تحته.

أشاحت لميس بوجهها نحو النافذة.

غادرت ريانا، ولحقت بها هناء بعد أن ضغطت برفق على كتف لميس.

بقي المكتب صامتًا حتى المساء.

وقبل أن تغادر، فتحت لميس حاسوبها وبحثت عن اسم مؤسسة «خطوة». ظهر موقع أنيق أُنشئ منذ أشهر، وصفحات مليئة بصور الدورات والشباب المبتسمين وشهادات النجاح.

كادت تشعر بالارتياح.

ثم انتبهت إلى إحدى الصور.

كبّرتها.

كان كريم يقف في الخلف إلى جانب شريف، وأمامهما مجموعة مختلفة من الشباب. حمل الجدار خلفهم اسم مشروع آخر، لا «خطوة».

بحثت عن الصورة باستعمال محرك الصور، فظهرت النسخة الأصلية في إعلان قديم لمركز تدريب في مدينة أخرى.

استُبدل شعار المركز بشعار مشروع كريم.

ظلت لميس تحدق في الصورة.

وصلتها رسالة منه في اللحظة نفسها:

«أعدتُ إلى آية مالها. هل تصدقينني الآن؟»

رأت الدليل أمامها، وقرأت سؤاله فوق الهاتف.

كان عليها أن ترسل الصورة إلى ريانا.

لكنها أغلقت صفحة البحث أولًا، ثم كتبت:

«شكرًا لأنك لم تخذلني.»

ترددت قبل الإرسال.

كانت لا تزال قادرة على حذف الكلمات، وعلى العودة إلى الصورة، وعلى اختيار الحقيقة التي رأتها بعينيها.

ضغطت زر الإرسال.

وفي مكان آخر، قرأ كريم رسالتها، ثم التفت إلى شريف وقال:

— أخبرتك. هي لا تصدقني لأنني بارع في الكذب... بل لأنها تحتاج إلى أن يكون ما أقوله صحيحًا.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل الحادي عشر

    الفصل الحادي عشرمن يجلس على رأس الطاولةعند السادسة والنصف صباحًا، كان الطبيب يطلب من لميس أن تعود إلى غرفة الفحص، بينما كانت هي تغسل الدم عن وجهها داخل حمام المستشفى.لم تنم، ولم تبدل ثيابها. اكتفت باستعارة سترة سوداء من هناء لتخفي بقع الدم التي غطت قميصها، وربطت شعرها إلى الخلف.وقفت أمام المرآة.كانت هناك خدوش صغيرة فوق جبينها، وهالة داكنة تحت عينيها، ورائحة دخان لا تزال عالقة بشعرها.لم تبدُ كرئيسة شركة تستعد لاجتماع مجلس الإدارة.بدت كناجية خرجت لتوّها من حريق، ولم تحصل بعد على الوقت الكافي لتفهم ما الذي احترق بداخلها.طرقت ريانا الباب.— بقيت ساعة ونصف.خرجت لميس.كانت ريانا تحمل ملفًا سميكًا، بينما حمل آدم الحاسوب والهاتف الذي أعطته سارة لهما. أما هناء فبقيت في المستشفى إلى جوار سارة ويزن، بعدما وعدت لميس أن تتصل بها فور خروج كريم من تأثير التخدير.قالت ريانا:— حصلت على جلسة عاجلة، لكن القاضي لن ينظر في طلب تجميد التفويض قبل التاسعة والنصف.— الاجتماع في الثامنة.— أعرف.— إذن سيحصلون على ساعة ونصف.— إذا دخلتِ الاجتماع وأثبتنا أن توقيعك استُعمل بطريق الاحتيال، يمكننا تعطيل ا

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل العاشر

    الفصل العاشرما لا يصلحه الندمظل الضوء الأحمر فوق باب غرفة العمليات مشتعلًا.جلست لميس على المقعد المقابل له، ويداها فوق ركبتيها. كان الدم قد جف بين أصابعها وتحت أظافرها، لكن رائحته بقيت عالقة بها، كأن جسد كريم لم يعد خلف ذلك الباب، بل ما زال فوقها يحميها من الرصاصة.اقتربت منها ممرضة تحمل قطعة قماش مبللة.— يمكنك تنظيف يديك.نظرت لميس إليها من دون أن تمد يدها.قالت الممرضة بلطف:— لن يساعده بقاؤك هكذا.أخذت لميس قطعة القماش أخيرًا.مسحت كفها مرة، فظهر الجلد تحت الدم. أعادتها مرة ثانية، ثم توقفت حين تذكرت أصابع كريم الباردة وهي تنفلت من يدها داخل سيارة الإسعاف.تركت القماش إلى جوارها.وصلت ريانا مسرعة، وخلفها آدم والمفتش سليم.كانت ريانا لا تزال ترتدي الثياب نفسها التي دخلت بها المبنى، وقد غطى الرماد كتفها وشعرها. وقفت أمام لميس، ثم انحنت قليلًا لتتفحص وجهها.— هل فحصك الطبيب؟— أنا بخير.— هذا ليس جوابًا.— لم تصبني الرصاصة.— والدخان؟— قلت إنني بخير.جلست ريانا إلى جانبها.— حسنًا. سأؤجل صراخي إلى أن ينتهي الطبيب، لكنني أعدك أنه سيكون طويلًا ومهينًا.لميس لم تبتسم.سألت المفتش:—

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل التاسع

    الفصل التاسعثمن الحقيقةبقيت لميس لحظة تحت جسد كريم، عاجزة عن التمييز بين صوت الرصاص وصوت الدم الذي يضرب داخل أذنيها.كان الظلام كثيفًا، ورائحة البارود تملأ الممر. امتدت يد من العتمة نحو بطاقة الدخول الملقاة قرب أصابعها.أطبقت لميس كفها عليها قبل أن تصل إليها اليد.جاء صوت نادر غاضبًا:— خذوها منها!تحرك ظلّان في الممر.حاولت لميس الزحف إلى الخلف، لكن ثقل كريم فوق ساقيها أعاقها. وضعت يدًا خلف كتفه وجرّته معها، تاركة فوق الأرض خطًا داكنًا لم تستطع رؤيته، لكنها شعرت بحرارته تحت أصابعها.همست قرب أذنه:— كريم... افتح عينيك.لم يجب.اقتربت الخطوات.ضمّت البطاقة داخل قبضتها حتى حفرت حافتها في جلدها. لم تعد مجرد قطعة تفتح الأبواب؛ أصبحت الشيء الذي أُصيب رجل من أجله، واختُطف طفل بسببه، وكادت شركتها تُنتزع منها من دون أن تفهم كيف.انحنت يد تبحث في الظلام فوق الأرض.حبست لميس أنفاسها.ثم اشتعل ضوء أحمر متقطع عند نهاية الممر، وتبعه صوت نظام الطوارئ:«تحذير. تم اكتشاف حريق في الطابق السادس عشر. يرجى إخلاء المبنى فورًا.»ظهر أحد الرجال للحظة تحت الضوء الأحمر. كان يرتدي قناعًا أسود ويحمل عبوة معد

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل التامن

    الفصل الثامنالباب الأخيرقرأَت لميس طلب كريم للمرة الثالثة:«أحضري معك بطاقة الدخول إلى شركة أفق. من دونها لن نستطيع إثبات شيء ضد نادر.»كان واضحًا الآن أن الذاكرة لم تكن تحمل دليلًا، وأنه لم يطلب بطاقة الدخول كي يحميها، بل كي يكمل ما بدأه.ومع ذلك، كتبت:«متى وأين؟»أمسكت ريانا الهاتف قبل أن ترسل.— ماذا تفعلين؟— أجعله يعتقد أنني ما زلت أصدقه.— أنت لا تجيدين التمثيل معه.— أجيده في الاجتماعات مع رجال أخطر منه.قالت مريم:— لكنه لا يعرفك داخل الاجتماعات فقط. يعرف متى تخافين، ومتى تكذبين، وأي كلمة تجعلك تترددين.أجابت لميس:— وأنا أعرف الآن ماذا يريد.قالت ريانا:— معرفتك بما يريد لا تعني أنك لن تمنحيه إياه. لقد عرفتِ أنه يكذب أكثر من مرة، وفي كل مرة وجدتِ سببًا جديدًا للعودة.تدخل آدم:— يمكننا استعمال طلبه لصالحنا.التفتوا إليه.كان قد وصل إلى المقهى بعدما أنهى فحص الذاكرة، وجلس في الطرف الآخر من الطاولة، يراقب النقاش من دون أن يتدخل حتى تلك اللحظة.قالت ريانا:— ماذا تقترح؟— نعطيه بطاقة تبدو حقيقية، لكن صلاحيتها محدودة. إذا حاول استعمالها، نعرف الباب الذي يقف أمامه والوقت الدقيق

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل السابع

    الفصل السابعالمرأة التي سبقتهااستيقظت لميس في الخامسة صباحًا، مع أنها لم تنم إلا بعد الثالثة.كان اسم مريم آخر ما رأته على شاشة هاتفها، وأول ما عاد إلى ذهنها حين فتحت عينيها.جلست في سريرها وأعادت قراءة الرسالة:«إذا أردت أن تعرفي كيف ستنتهي قصتك، تعالي واسمعي كيف انتهت قصتي أنا.»أسفلها عنوان مقهى وموعد عند العاشرة.لم تجب.وضعت الهاتف جانبًا، ثم مدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت الذاكرة الإلكترونية التي أعطاها لها كريم.قطعة صغيرة سوداء، لا تحمل اسمًا ولا علامة. وعدها بأنها تضم الأدلة التي ستعيد إليها شركتها، بينما أخبرتها ريانا أنها قد تكون مجرد حبل آخر يربطها به.فتحت حاسوبها، ثم توقفت قبل إدخال الذاكرة.تذكرت تحذيره: «لا تفتحيها على جهاز متصل بالإنترنت.»نزعتها من يدها كما لو أنها احترقت.لأول مرة منذ بداية الأزمة، لم تعرف أي التحذيرين تخاف أكثر: تحذير الرجل الذي كذب عليها، أم تحذير الصديقة التي لم تكذب قط.---في الثامنة، دخلت مكتب ريانا.كانت المحامية تقف قرب النافذة تتحدث في الهاتف. توقفت عندما رأت لميس، وأنهت المكالمة سريعًا.لم تقل صباح الخير.وضعت لميس الذاكرة فوق المكتب.— أري

  • الفرق بين الحب والغباء    الفصل السادس

    الفصل السادسكل امرأة عرفت رجلًا آخربقي السؤال معلقًا عند باب الشقة:— من هذه يا كريم؟لم يجب.انتقلت عينا المرأة بينه وبين لميس. كان الطفل مستلقيًا فوق كتفها، يعبث بأصابع صغيرة في خصلات شعرها، غير مدرك أن كلمة واحدة منه هدمت حياة ثلاثتهم.قالت لميس:— نعم، من أنا يا كريم؟فتح فمه، ثم نظر إلى المرأة.— سارة، خذي يزن إلى الغرفة. سأتحدث معك لاحقًا.اشتد وجهها.— سألتك من هذه.قال بنبرة أكثر صرامة:— ليس أمام الطفل.نزل يزن من بين ذراعي أمه، واتجه نحو كريم بخطوات متعثرة. انحنى والده وحمله، فتشبث الطفل بعنقه كما لو أن وجوده بين ذراعيه أمر معتاد.راقبت لميس المشهد، وشعرت بأن كل لحظة أخبرها فيها كريم أنه وحيد عادت لتقف أمامها وتسخر منها.سألته:— كم عمره؟رفع كريم عينيه إليها.— ثلاث سنوات.ثلاث سنوات.كانت تعرف عنه نوع القهوة التي يشربها، والندبة الصغيرة قرب كتفه، واسم أستاذ الرياضيات الذي كان يكرهه في المدرسة. أخبرها عن موت والده، وعن أمه التي لم تفهم أحلامه، وعن خطيبته القديمة التي خانته.لكنه لم يجد خلال أربعة أشهر جملة واحدة يخبرها فيها أن له طفلًا.قالت سارة ببطء:— لماذا تسألين عن ع

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status