共有

السابع والخمسون

作者: Noona
last update 公開日: 2026-06-25 02:33:23

امتزجت قطرة العرق الساقطة من جبين عماد بالحبر الأزرق على الورقة، فاصطبغت المساحة المحيطة بالكلمات بتموجات باهتة. لم يكن هناك مجال للتفكير في بلاغة الجمل أو جماليات التشبيه؛ كان الأمر أشبه بتقرير شرطة يدونه رجل يركض لإنقاذ حياته. الأنفاس خلف الباب ظلت مسموعة، ثقيلة ومنتظمة، كأنها محرك ضخم يعمل بالحد الأدنى من طاقته في انتظار إشارة الانطلاق.

تحرك مقبض الباب مجدداً، لكن هذه المرة بصوت معدني حاد أشار إلى أن القفل الداخلي قد تحلل ببساطة، وكأن المادة الحديدية فقدت صلابتها الواقعية لتتحول إلى مجرد وصف واهن على الورق. تراجعت سارة خطوة، ممسكة بملفها الأصفر القديم، وعيناها مثبتتان على الشق المظلم الذي بدأ يتسع.

لم يكن القادم كائناً هلامياً، بل كان رجلاً حقيقياً، يرتدي حلة رمادية مهترئة تعود لثقبة التسعينيات، ربطة عنقه منسوجة بخيوط صوفية خشنة، وملامحه جامدة كأنه تمثال شمعي أُعيد تحريكه على عجل. كان عماد يعرف هذا الوجه؛ إنه **"الأستاذ رفعت"**، الجار الذي كان يقطن في الشقة المقابلة لهم عندما كان عماد طفلاً في السابعة من عمره، الرجل الذي قيل إنه سافر فجأة إلى الخارج وانقطعت أخباره منذ عقود.

دخل رفعت الشقة بخطوات بطيئة، حاملاً في يده حقيبة دبلومات جلدية سوداء تنبعث منها رائحة أوراق الكربون القديمة. لم ينظر إلى عماد أو سارة، بل اتجه مباشرة نحو مقعد مالك الفارغ وجلس عليه بهدوء، واضعاً حقيبته على طرف المكتب المشترك.

> "الكتابة بدون وعي بالهيكل العام خطيئة يا بني،" قالها رفعت بصوت جاف وخالٍ من النبرة العاطفية، كأنه يقرأ بيان نعي. "الكاتب الأول لم يمتلك الشجاعة لإنهاء هذا الفصل، وتركنا معلقين في شققنا، ننتظر أن يتحرك القلم لنحصل على دقيقة واحدة من الحياة العادية."

تأهب عماد، وقلمه ما زال مثبتاً فوق السطر: "أستاذ رفعت؟ أنت اختفيت عام 1999... والدتي بحثت عنك، والجميع قال إنك بعت الشقة."

التفت رفعت ببطء، ونظر إلى عماد بعينين زجاجيتين لا ترمشان:

> "أنا لم أبع شيئاً. أنا جُمدت في 'فقرة وصفية' في الصفحة الثامنة والأربعين من المسودة الأولى. عندما توقف الكاتب عن تدوين يوميات الشارع، بقيت واقفاً في الصالة ممسكاً بمقبض حقيبتي لستة وعشرين عاماً. والآن، لأنك بدأت تكتب باللون الأزرق العادي وتصف ما تراه، تحركت دورتي الدموية مجدداً. لكن هذا لا يكفي... هناك آخرون قادمون من الممرات الخلفية للبناية."

صوت حفيف غريب بدأ يتصاعد من منور البناية؛ صوت يشبه تقليب آلاف الصفحات دفعة واحدة، يمتزج بأصوات خطوات جماعية تصعد السلالم الرخامية بقوة.

نظرت سارة من شق الباب، ثم التفتت إلى عماد بوجه شاحب:

> "عماد، الشارع بالخارج بدأ يتغير. المباني المحيطة بوسط البلد تفقد تفاصيلها الرمادية، إنها تتحول إلى كتل بيضاء مصمتة، كأن أحداً يمرر مساحة عملاقة على خط الأفق. الشخصيات الثانوية التي ذكرها الكاتب الأول في الهوامش العابرة —الباعة الجائلون، عمال المقاهي، المارة المنسيون— كلهم يستيقظون الآن ويتجهون نحو شقتك. إنهم يريدون مساحة في النص ليثبتوا وجودهم قبل أن يحل المحو الكامل."

تحول الطقس داخل الغرفة إلى برودة قارصة. بدأ بخار الأنفاس يظهر مع كل كلمة ينطقونها. وضع عماد القلم على الورقة وبدأ يكتب بـسرعة أكبر، واصفاً المشهد بواقعية فوتوغرافية:

```

"يجلس رفعت على المقعد وعيناه مثبتتان على الجدار. تدخل سارة إلى المطبخ لتبحث عن مصدر البرودة، بينما يحاول عماد تثبيت الورقة بيده اليسرى التي بدأت تفقد إحساسها باللمس..."

```

مع كل جملة يكتبها، كان يشعر بثقل يزداد في معصمه، كأن الحبر الأزرق يستمد لزوجته من طاقته الجسدية مباشرة.

وسط جلبة الخطوات في الخارج، اندفع رجل ضخم الجثة عبر الباب، يرتدي قميصاً مخططاً بجيوب كثيرة تحتوي على أقلام تحبير وهواتف قديمة بلا شاشات. كان يتصبب عرقاً رغماً عن البرودة، ويحمل في يده لفة ضخمة من خرائط التخطيط العمراني.

> "أغلقوا المنافذ!" صرخ الرجل وهو يدفع خزانة الكتب الخشبية لتسد الممر. "الفهارس تلفت بالكامل! أنا المهندس عاصم... أنا من خططت أبعاد هذه الشقة والشوارع المحيطة بها في المسودة الهندسية للرواية. النظام السردي ينهار يا جماعة؛ النص لم يعد يحتمل هذا العدد من الشخصيات الحقيقية في مساحة غرفة واحدة!"

تنحى عاصم جانباً، وفتح خرائطه فوق السرير، مشيراً بأصبعه الغليظ إلى نقاط متقاطعة:

> "هنا... شقة عماد هي المركز الدلالي. إذا توقفت يا بني عن الكتابة لثلاث ثوانٍ، ستتداخل الجدران مع جدران الشقة المجاورة، وسنصبح جميعاً كتلة واحدة من اللحم والورق المكبوس. يجب أن تجد مخرجاً واقعياً... حدثاً منطقياً يخرجنا من هذه البناية."

سألته سارة وهي تدقق في الخرائط: "وكيف نخرج والشارع بالخارج قد تحول إلى بياض ممسوح؟"

أجاب عاصم وهو يخرج قلم رصاص ثقيل الوزن:

> "يجب أن يكتب عماد عن 'حادث سير' أو 'حريق في المحول الكهربائي الرئيسي للحي'. حدث ضخم يجبر النص على الانتقال إلى بيئة أخرى؛ إلى مستشفى، أو قسم شرطة، أو أي مكان عام يجبر العالم الخارجي على إعادة التشكل لاستيعاب الحدث. الواقع لا يعود بالهدوء، بل بالصدمات."

التفت عماد إلى الأستاذ رفعت، الذي كان يجلس بلا حراك كأنه ينتظر حكماً بالإعدام، ثم نظر إلى سارة وعاصم. الأصوات خلف خزانة الكتب أصبحت صراخاً بشرياً حقيقياً؛ أصوات جيران قدامى، وأشخاص لا يعرفهم، كلهم يطالبون بذكر أسمائهم في السطور لكي لا يتلاشوا في البياض القادم من أطراف المدينة.

وضع عماد سن القلم الأزرق على الصفحة الجديدة. شعر بالخوف من أن تحوير الأحداث بهذا الشكل العنيف قد يقضي على صديقه مالك، الذي ربما يكون عالقاً الآن في مكان ما في ذلك الشارع المتجمد.

كتب عماد أولى كلمات المناورة الجديدة:

```

"فجأة، دوي انفجار مكتوم من أسفل العقار. اهتزت الأرضية الخشبية لغرفة عماد، وتصاعدت رائحة أسلاك محترقة من منور البناية. تحرك الأستاذ رفعت من مقعده فزعاً، بينما جذب المهندس عاصم سارة نحو السلم الخلفي..."

```

بمجرد إتمام الجملة، انطلق صوت إنذار سيارة من الشارع بالخارج... صوت حقيقي، حاد، يكسر الصمت المطبق الذي كان يلف القاهرة. تبعته أصوات صرخات متباعدة لأشخاص حقيقيين بدأوا يستعيدون حركتهم مع عودة تدفق الأحداث الحركية.

لكن الغرفة بدأت تميل؛ تراجعت الجدران إلى الخلف وكأن أبعاد الشقة تتسع لتتحول إلى ممر طويل لا نهاية له، بينما بدأ الحبر الأزرق في القلم ينفد، تاركاً الكلمات الأخيرة باهتة ورمادية، على حافة الاختفاء وسط ضباب الواقع الجديد الذي لم يكتمل بناؤه بعد.

بدون نهاية

この本を無料で読み続ける
コードをスキャンしてアプリをダウンロード

最新チャプター

  • اللقاء المجنون   الثاني والستون

    سحب مالك القلم من بين أصابع عماد برعشة عنيفة، واضعاً سنه على ظهر العقد. كان الصمت المطبق الذي خيّم على الطاولة أثقل من أن يتحمله بشر. لكن قبل أن يخط مالك حرفاً واحداً، وقعت خطى ثقيلة، منتظمة، آتية من عمق الممر المظلم، لتكسر حدة المشهد.ظهر من بين الظلال رجل مسن، يرتدي حلة رمادية مهترئة تعود لثقبة التسعينيات، ويربط عنقه بخيوط صوفية خشنة، حاملاً في يده حقيبة دبلومات جلدية سوداء. لم يكن وهماً هذه المرة، بل كان الأستاذ رفعت بشحمه ولحمه، ملامحه خطتها تجاعيد السنين الحقيقية، وعيناه لم تعودا زجاجيتين، بل كانتا تحملان عتاباً حياً.انعقد لسان عماد، بينما شهقت سارة وهي تتراجع خطوة للخلف: "الأستاذ رفعت؟! أنت... أنت عايش؟"التفت رفعت نحو نجوى، متجاهلاً ذهول الشباب، ووضع حقيبته الثقيلة فوق عقد الإخلاء مباشرة، ليحجب السطور الباردة. قال بصوت هادئ يحمل نبرة القانون القديم: "البيوع التي تبنى على الإكراه والتدليس باطلة يا أستاذة نجوى. شقة الست سارة ليست إيجاراً قديماً عادياً، هذا العقار مسجل كأثر لغوي ومعماري، ولا تملك أي شركة استثمار حق هدمه بموجب قرار المحافظة الصادر الأسبوع الماضي. وأخو سارة باع لكِ

  • اللقاء المجنون   الحادي والستون

    اندفعت أخيرًا لتكملة اللغز الغامض الذي انطلقت في صدع الزمن. بمجرد أن تلامست الحروف المطبوعة بالعنف باستخدام الورق الصقيل، نهار السقف الزجاجي الذي يعرض أرقام المبيعات، ومعه تلاشت الرف الشافهقة والخطوط الثائرة التي تلوثها رماد نفضته ريح عاتية. لم يقع عماد في الفراغ لغوي هذه المرة باللون الأخضر، بل شعر بارتطام جسده الصلب بكرسي بلاستيكي اللون. استنشق غريبًا ثقيلًا مخنوقًا برائحة عوادم السيارات، وصوت كلكيت الميكروباصات، وراخاخ عرقسوس يتجول في ليل القاهرة الخانق. لقد وهبوا إلى أرض الواقع. ليست الرواية الحقيقية، بل هي الرواية الشعبية المصرية الحقيقية، وتحديداً في "مقهى تكعيبة" بالممر المحاذي لشارع هدى شعراوي وسط البلد. كان الوقت يتجاوز منتصف الليل، والطقس رطباً وحاراً، والناس من حولهم يجلسون ويدخنون الشيشة ويتحدثون في السياسة وأسعار العروض بلامبالاة عابرة. جلسة عماد على الكرسي، يتصبب عرقاً حقيقياً لزجاً، ولم الحبر الأزرق العادي في جيبه قد حبره ولوّث قميصه ببقعة دكنت فوق قلبه. بجانبه، كانت سارة تجلس على مقعد مجاور، ومع ذلك لم تظهر ملابس عسكرية ولا تحمل الملف الأصفر؛ كانت ترتدي رداء نسائي أ

  • اللقاء المجنون   الفصل الستون

    الممر الخلفي لم يكن يؤدي إلى مطبخ "جروبي" بمفهومه الواقعي، بل كان دهليزاً لغوياً ضيقاً، جدرانه مبنية من أسطر متراصة لكلمات متلاحمة وكثيفة. البرودة التي كانت تلف الشقة بالداخل تحولت هنا إلى رطوبة خانقة برائحة العفن والورق المخزن في أقبية رطبة لقرون.كان عماد يركض في المقدمة، يده اليمنى تقبض على يد سارة بقوة تزداد مع كل خطوة، كأن تلك القبضة هي الحبل السري الوحيد الذي يبقيهما في عالم الأحياء، بينما يده اليسرى تجر مالك الذي كان جسده يترنح، يثقل خفةً وثقلاً بدوره حسب الكلمات التي يمرون بها."سرعتكم تتناقص في الجمل القصيرة!" صرخت نادية من خلفهم، وهي تحاول جاهدة موازنة الكاميرا الثقيلة على كتفها بينما تتعثر في هوامش سفلية نُسيت كمطبات في أرضية الممر. "عليك أن تصف الركض بعبارات طويلة يا عماد! الحركة تحتاج إلى إطناب لغوي لكي نمتلك مساحة زمنية أكبر!"التفت عماد برأسه أثناء الركض، فرأى خلف نادية مرأى يوقف الدماء في العروق. الجدار الرمادي للممحاة لم يعد مجرد مساحة مصمتة؛ لقد اتخذ شكلاً هلامياً عملاقاً، وبدأت تبرز منه أذرع مصنوعة من شفرات حادة تشبه مقصات التصحيح المطبعي. وخلف هذا المسخ، كان يتقدم

  • اللقاء المجنون   التاسع والخمسون

    تصلب عماد في مكانه. واجهة "جروبي" الزجاجية العريقة لم تتشقق كزجاج عادي، بل انشقت إلى خطوط طولية وعرضية تشبه مربعات التقطيع اللغوي، تفرز خلفها الفراغ الأبيض المرعب الذي بدأ يبتلع الكراسي الخيزرانية طاولة تلو الأخرى."مالك!" صرخ عماد، واندفع نحو الركن المظلم.لكن سارة جذبت معطفه بقوة، وعيناها تفيضان بدموع لم تكن زرقاء ولا سوداء، بل كانت شفافة تماما، كأن مشاعرها هي الشيء الحقيقي الوحيد المتبقي في هذا العالم الزائف. "عماد، لا تقترب منه هكذا! انظر إلى يده... إنه لا يكتب، إنه يُجبر على الكتابة!"بالفعل، كانت يد مالك تتحرك بحركات اهتزازية عنيفة، وقلمه الأحمر يرسم خطوطًا عشوائية فوق الرخام، تنبثق منها جمل حادة تلغي وجودهم: *(وفجأة، نسيت سارة اسم عماد... وفجأة، تلاشت الرغبة في النجاة).*في تلك اللحظة القاتلة، وأمام هذا المحو الوشيك، حدث شيء لم يحسب له النص حسابًا. التقت عينا عماد بعيني سارة وسط الغبار الرمادي المتساقط. في عمق هذا الرعب، ولدت نبرة غريبة من السكون؛ تذكر عماد فجأة مسودة قديمة جداً، قصة حب مبتورة كتبها في مراهقته قبل أن يمزقها الكاتب الأول ويعيد تدويرهما كشخصيتين غريبتين في رواية

  • اللقاء المجنون   الثامن والخمسون

    ارتجف سن القلم في يد عماد، وأخذ الخط الأزرق يبهت مفسحاً المجال لخدوش جافة على وجه الورقة المصقولة. كان الجفاف يتسلل إلى النص كأنه جفاف في عروقه هو. انتبه إلى أن ميلان الغرفة لم يكن مجرد وهم بصري؛ لقد أصبحت الجدران تمتد طوليًا بنسب غير هندسية، كأنما مُطَّت أبعاد المكان على شاشة عرض سينمائي مشوهة. خزانة الكتب الخشبية التي دفعها المهندس عاصم بدأت تهتز، ليس بفعل دفع الحشود بالخارج، بل لأن الحواف الخشبية نفسها أخذت تفقد تماسكها، ملقية بظلال مستطيلة شائهة على الأرضية."المداد ينفد!" هتف عاصم بصوت متحشرج وهو يحاول تثبيت الخرائط التي بدأت أطرافها تتآكل وتتحول إلى رقع بيضاء خاوية. "عماد، لا تسمح للسطر بأن ينقطع! إذا جف القلم قبل أن نصل إلى الشارع، سنبقى عالقين في هذا الممر اللانهائي.. سنصبح مجرد هوامش سقطت سهوًا بين الفصول!"التفتت سارة نحو عماد، وقد انعكس ضوء أزرق باهت منبعث من الشق المتسع للجدار على وجهها الشاحب. صرخت فوق صوت النفير الخارجي: "عماد! اكتب بأي شيء! دمك، عرقك، أو اضغط على الورقة حتى تتمزق! المهم ألا يتوقف التدفق السردي!"في تلك اللحظة، تحرك الأستاذ رفعت. لم تكن حركته آدمية بالكا

  • اللقاء المجنون   السابع والخمسون

    امتزجت قطرة العرق الساقطة من جبين عماد بالحبر الأزرق على الورقة، فاصطبغت المساحة المحيطة بالكلمات بتموجات باهتة. لم يكن هناك مجال للتفكير في بلاغة الجمل أو جماليات التشبيه؛ كان الأمر أشبه بتقرير شرطة يدونه رجل يركض لإنقاذ حياته. الأنفاس خلف الباب ظلت مسموعة، ثقيلة ومنتظمة، كأنها محرك ضخم يعمل بالحد الأدنى من طاقته في انتظار إشارة الانطلاق.تحرك مقبض الباب مجدداً، لكن هذه المرة بصوت معدني حاد أشار إلى أن القفل الداخلي قد تحلل ببساطة، وكأن المادة الحديدية فقدت صلابتها الواقعية لتتحول إلى مجرد وصف واهن على الورق. تراجعت سارة خطوة، ممسكة بملفها الأصفر القديم، وعيناها مثبتتان على الشق المظلم الذي بدأ يتسع.لم يكن القادم كائناً هلامياً، بل كان رجلاً حقيقياً، يرتدي حلة رمادية مهترئة تعود لثقبة التسعينيات، ربطة عنقه منسوجة بخيوط صوفية خشنة، وملامحه جامدة كأنه تمثال شمعي أُعيد تحريكه على عجل. كان عماد يعرف هذا الوجه؛ إنه **"الأستاذ رفعت"**، الجار الذي كان يقطن في الشقة المقابلة لهم عندما كان عماد طفلاً في السابعة من عمره، الرجل الذي قيل إنه سافر فجأة إلى الخارج وانقطعت أخباره منذ عقود.دخل رفع

  • اللقاء المجنون   التاسع والأربعون

    كان الألم الذي يعصف بـ "مالك" أكبر من أن يستوعبه جسد بائد. لم يكن ألمًا عضويًا، بل كان وجع الفكرة وهي تُعصر لتتحول إلى نص جامد. السلك الفضي تغلغل تمامًا، وباتت شرايينه تنبض بالحبر المذاب بدلًا من الدماء. في تلك اللحظة، لم يعد يرى بياض الهامش كفراغ، بل كـ **مخرن لا نهائي للقصص المنسية**.على الجانب

  • اللقاء المجنون   الثامن والاربعون

    انفتح الباب الحبري المعلق في الفراغ، ولم يكن خلفه نور أو ظلام، بل كان خلفه "اللاشيء"؛ مساحة بيضاء مرعبة خالية من الأسطر، تشبه صفحة بكر لم تلمسها ريشة كاتب بعد. اندفعت الدوامة السائلة من الحبر والرماد نحو ذلك الانفتاح، جارفةً معها جسدي مالك وعماد اللذين فقدا القدرة على المقاومة. في تلك اللحظة، لم يع

  • اللقاء المجنون   السابع والاربعون

    لم تكن البرودة الخارقة الصادرة من عنق عماد هي ما يهدد حياة مالك الآن، بل ذلك الإحساس الغريب الذي سرى في كفّه فور ملامسته للسلك الفضي. لم يكن ملمسه معدنياً؛ كان أشبه بالإمساك بعصبٍ عارٍ ينبض بالطاقة الخام. ومع تجمّد الزمن، شعر مالك بوعيه يتمدد فجأة عبر هذا السلك، ليري خلف النسيج المرئي للغرفة.لم يع

  • اللقاء المجنون   السادس والاربعون

    الدخان المتصاعد من الخارطة لم يكن دخاناً عادياً؛ كان رماداً رمادياً كثيفاً يحمل رائحة الأزمنة المنسية، وكأنه نتاج احتراق آلاف الحكايات دفعة واحدة. النار التي اندلعت في أطراف الخارطة لم تحرق الورق فحسب، بل بدأت تلتهم السطور والأرقام الهندسية المرسومة عليها، ومع كل سنتيمتر تحوله النار إلى رماد، كان ا

続きを読む
無料で面白い小説を探して読んでみましょう
GoodNovel アプリで人気小説に無料で!お好きな本をダウンロードして、いつでもどこでも読みましょう!
アプリで無料で本を読む
コードをスキャンしてアプリで読む
DMCA.com Protection Status