تسجيل الدخولكنت أساعده في رعاية ابنته، لكنه لم يكلف نفسه حتى عناء إعادتها إليّ، بل ويطلب مني أن أذهب لاصطحابها بنفسي!ومع ذلك، فقد اشتقت أنا ودينا إلى جمانة كثيرًا، لذا وافقت على طلبه.بعد أن أنهيت المكالمة، أوصيت دينا بألا تفتح الباب لأي شخص وهي وحدها في المنزل، ثم جهزت لها الكثير من الوجبات الخفيفة، وشغلت لها الرسوم المتحركة على الجهاز اللوحي.عندها فقط شعرت بالارتياح الكافي للخروج واصطحاب جمانة.عندما وصلت إلى نادي التاج الذهبي، اصطحبني أحد الندل إلى غرفة خاصة داخل النادي.لكنني تجمدت في مكاني عندما فتحت الباب.لم يكن لجمانة أي أثر في الداخل، ولم أجد سوى ثائر وتميم وهيثم.تحت الإضاءة الصفراء الدافئة، كان تميم جالسًا في منتصف الأريكة، يحمل كأسًا من الشراب، وما إن وقعت عيناه عليّ حتى ازدادت نظراته عمقًا وظلمة.أما هيثم، فما إن رآني أدخل حتى لمس طرف أنفه في حرج خفيف.أدركت أن هيثم ربما خدعني، فاستدرت لأغادر.لكن ثائر اعترض طريقي، وعلى وجهه علامات الفرح، وقال: "شروق، أنا من طلبت من هيثم أن يخدعكِ ويحضركِ إلى هنا. لقد رتبت لجمانة أن تلعب في منطقة الألعاب بالطابق السفلي. اجلسي معنا قليلًا!"نظرت إليه
تصبب العرق من جبين فادي، وقال بصوت مرتجف: "لقد نجح ثائر في إبرام اتفاقية تعاون مع مجموعة الخطاب ومجموعة رسلان! إنه مشروع الطاقة الجديدة نفسه الذي رفضت مجموعة الخطاب التعاون معنا بشأنه سابقًا، لكنها قررت الآن إسناده إلى ثائر. وليس هذا فحسب، بل حصل أيضًا على القرض الخارجي الذي بذلنا جهودًا مضنية للحصول عليه دون جدوى!"ضاقت عينا حازم بشدة، وقبض يديه بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه ثم مالت إلى الزرقة.إذن، هكذا جرت الأمور!كان ينبغي له أن يتوقع ذلك منذ البداية، فتميم لن يترك الأمر يمر دون رد!وفجأة، انجلت الحقيقة أمام عينيه، فقال: "كنت أتساءل كيف جاءت هذه الضربة بهذه السرعة والقوة، واستهدفت نقطة حساسة مباشرة، فهذا ليس من مستوى قدرات ثائر إطلاقًا! أما إن كان تميم وراء الأمر، فلا عجب إذًا!"وفي تلك اللحظة، دوى طرق على الباب، وتبعه صوت ثائر اللامبالي من الخارج: "أخي العزيز، هل أنت هنا؟ هل يمكنني الدخول؟"اشتعل حازم غيظًا حتى كاد يطحن أسنانه من شدة الغضب، فتظاهر بأنه لم يسمع شيئًا، لكنه أشار إلى فادي ليفتح الباب.فتح فادي الباب، ووقف معترضًا المدخل، ثم قال بغضب: "سيد ثائر! هذا مكتب الرئيس التنفيذي
في مجموعة الرشيد.دخل حازم من الباب الدوار بخطوات سريعة، ولا تزال آثار إرهاق السفر بادية على ملامحه، لكنها تبددت فور أن استشعر الأجواء المشحونة بالتوتر التي خيمت على المكان.كان فادي ينتظره بالفعل عند المصعد المخصص لرئيس الشركة.وما إن دخلا المكتب حتى بدأ فادي يرفع تقريره بوجه يكسوه الارتباك الشديد: "سيد حازم، لقد انكشفت مخالفات تتعلق باختلاس أموال المشروع الذي تعمل عليه في غرب المدينة، وعقد مجلس الإدارة اجتماعًا طارئًا صباح اليوم، ويناقش عدد من المساهمين القدامى حاليًا قرار عزلك من منصبك!"توقف حازم في مكانه، وفتح على الفور الملف الذي سلمه إليه فادي قبل قليل، فرأى بالفعل الختم الرسمي للحكومة على أمر يقضي بوقف العمل في مشروع غرب المدينة حتى يتم إجراء الإصلاحات اللازمة.ولم يكن هذا كل شيء، فقد ضُخت بالفعل استثمارات ضخمة في المراحل التحضيرية للمشروع، والآن بعد توقف العمل فيه، لم يكن غريبًا أن يفقد أولئك المساهمون صوابهم من شدة القلق.ألقى حازم بالملف على سطح المكتب بعنف، فتبعثرت الأوراق على الأرض.كان يظن سابقًا أن ثائر ليس سوى شاب مستهتر يعتمد على والده، ولا يستطيع إثارة أي متاعب تذكر.
عندما تذكر حازم كيف عاد إليها آنذاك وأخبرها بأنه يريد الزواج منها، وكيف عجزت عن إخفاء فرحتها وسعادتها، شعر وكأن خنجرًا يمزق قلبه، فاجتاحه الندم والألم.كان يعلم جيدًا مدى حبها له، لكنه تظاهر بالجهل، واستغل حبها دون أدنى وخز من ضمير، وأمعن في إيذائها، حتى انتهى بهما المطاف إلى ما وصلا إليه اليوم، فبات إصلاح ما انكسر بينهما مستحيلًا.تشوشت رؤيته قليلًا، فرفع رأسه وأغمض عينيه بقوة.بعد وقت طويل، أخرج هاتفه والتقط صورة للنقوش المحفورة على الصخرة.لكن لم يظهر في الصورة سوى صخرة تكسوها آثار الزمن وكتابات باهتة، أما تلك الفتاة التي كانت ابتسامتها تتفتح كالزهور، فلم يكن لها وجود فيها.فتح تويتر، وراحت أصابعه ترتجف قليلًا وهو يكتب منشوره، لكنه لم يكتب في النهاية سوى ثلاث كلمات: "ما زلت أتذكر."وفي اللحظة التي ضغط فيها زر النشر، ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة من نفسه.لقد حظرته شروق، ولم يعد أمامه سوى هذه الطريقة ليذكرها بالأيام الجميلة التي عاشاها معًا.وخلال الأيام التالية، سار حازم على خطى الماضي، وزار جميع المدن التي سافر إليها مع شروق.كانت جميعها مدنًا قريبة من مدينة الفيروز، فعائلة الشريف
شحب وجه فريال بشدة.لم أعرها أي نظرة أخرى، وأمسكت بيد دينا، واتجهنا نحو سيارتي.بعد أن أجلست دينا بأمان في مقعد الأطفال، شغلت المحرك، ولمحت في المرآة الخلفية فريال لا تزال واقفة في مكانها.بعد أن انطلقت بالسيارة، سألتني دينا بحذر: "أمي، هل... هل اختفى أبي فعلًا؟ عندما اختفيت في المرة الماضية، شعرت بقلق شديد عليك."كانت تخشى أن أغضب، فلم تجرؤ على التصريح بأنها قلقة على والدها.لكنني فهمت ما كانت تلمح إليه، فقلت: "دينا، إنه والدكِ، ومن الطبيعي أن تقلقي عليه، لكنه رجل بالغ، ويستطيع حماية نفسه. إذا عجزت جدتك عن العثور عليه، فستبلغ الشرطة بالتأكيد."عندئذ فقط تنفست دينا الصعداء، لكن وجهها الصغير كان يحمل مسحة من الهم لا تتناسب مع سنها. نظرت إليها عبر المرآة الخلفية، فشعرت بغصة ألم وحزن في قلبي....في مدينة السراة.أوقف حازم سيارته على جانب الطريق الساحلي، ثم أخذ يسير بخطوات متأنية فوق الرمال الناعمة.هبت نسائم البحر حاملة معها رائحة الملح والرطوبة، وفي لحظة شرود، رأى بعين الخيال تلك الفتاة ذات الشعر المربوط على شكل ذيل حصان عال، والتي جثت فوق إحدى الصخور، تنقش عليها حروفًا بكل تركيز.أسرع
عندما سمع حازم ذلك، قال بازدراء: "ثائر؟ وهل يمر يوم دون أن يثير فيه المتاعب؟ لم يهدأ له بال يومًا منذ أن وطئت قدماه مجموعة الرشيد."استدار في مكانه، وقد امتلأت عيناه بالاحتقار، وتابع: "إنه مجرد شاب مستهتر تسلل إلى الشركة مستغلًا كونه ابنًا غير شرعي لأبي، فماذا يستطيع أن يفعل غير الأكل والشرب واللهو واللجوء إلى بعض الحيل الرخيصة التي لا تستحق الذكر؟ أتراه قادرًا على إحداث أي اضطراب يذكر؟"قال فادي بنبرة جادة، محاولًا إقناعه مجددًا: "لكن الأمر مختلف هذه المرة يا سيد حازم. لقد تواصل هذه المرة مع السيد بركات والسيد مخلص، وهما من المساهمين القدامى الذين ساعدوا بشكل عظيم في بناء مجموعة الرشيد، ولكلمتهما وزن كبير في مجلس الإدارة."لم يكن حازم يعير ثائر أي اهتمام.قال ساخرًا: "حتى لو استعان بأعظم رجل في الدنيا، فسيظل ابنًا غير شرعي لا نفع منه. لا تقلق، فأنا أعرف جيدًا حدود قدراته، ولن يفوت الأوان على تلقينه درسًا حين أعود!"أنهى المكالمة، ثم أمسك بهاتفه ليحجز تذاكر السفر بنفسه.كانت وجهته الأولى مدينة السراة، وهي المدينة التي سافر إليها مع شروق لأول مرة بمفردهما، وتقع بالقرب من مدينة الفيروز.







