เข้าสู่ระบบفي صباح اليوم التالي، أعلن الجد عبد القادر قراره دون مقدمات.كان الجميع يجلس حول مائدة الفطور عندما وضع فنجان القهوة على الطاولة وقال:— "اليوم يخرج معايا للسوق."رفعت ريم رأسها فورًا.— "إدريان؟"— "إيه."ثم نظر إلى إدريان وأضاف:— "لازم يشوف الدنيا."لم يفهم إدريان الكلمات، لكنه فهم أن الحديث عنه.فالتفت إلى ريم.— "What happened?"— "جدي راح يديك للسوق."رفع حاجبه.— "Market?"— "إيه."— "Why?"ابتسم الجد ابتسامة صغيرة وهو ينظر إليه.أما ريم فقالت:— "باش تتعلم الحياة الحقيقية."بعد أقل من ساعة كانوا يسيرون في أحد الأسواق الشعبية القديمة.ومنذ اللحظة الأولى شعر إدريان وكأنه دخل عالمًا جديدًا بالكامل.كانت الأزقة تضج بالحياة.الباعة ينادون بأصوات مرتفعة.الناس يتحركون في كل اتجاه.الألوان تملأ المكان.أقمشة زاهية.فواكه مرصوصة بعناية.توابل بألوان حمراء وصفراء وبرتقالية.وسلال مليئة بالتمر والزيتون.أما الروائح...فكانت قصة أخرى.رائحة القهوة المحمصة.والنعناع.والخبز الساخن.والتوابل.والعطور التقليدية.امتزجت كلها في الهواء حتى بدا السوق وكأنه كائن حي يتنفس.توقف إدريان أكثر من مر
أمير الثلج والمحاجباستيقظ إدريان على صوتٍ لم يسمعه طوال حياته.في البداية ظنّ أنه ما يزال يحلم.فتح عينيه ببطء بينما كانت خيوط الفجر الأولى تتسلل من بين ستائر الغرفة. بقي مستلقيًا للحظات طويلة ينظر إلى السقف الأبيض، محاولًا أن يستوعب أين هو.لم تكن هناك أسقف مزخرفة بالذهب.ولا لوحات زيتية لملوك راحلين.ولا خدم ينتظرون أوامره خلف الأبواب.كان هناك فقط سقف بسيط.وغرفة هادئة.ومن خلف النافذة ارتفع صوت المؤذن ينساب فوق المدينة كلها بنبرة عميقة مهيبة.جلس ببطء فوق السرير.وأصغى.لم يفهم الكلمات، لكنه شعر بشيء غريب يتحرك داخله.شيء يشبه السكينة.شيء يشبه الحنين إلى مكان لم يره من قبل.اقترب من النافذة وفتحها قليلًا.فاندفع هواء الصباح البارد إلى الغرفة.ورافقته روائح لا تشبه شيئًا عرفه في حياته.رائحة خبز طازج.وقهوة.وتراب مبلل بندى الفجر.وفي الشارع بدأت الحياة تستيقظ بهدوء.رجل يكنس أمام متجره.امرأة تسقي النباتات في شرفتها.أطفال يحملون حقائب مدرسية أكبر من أحجامهم.راقب المشهد طويلًا.ثم تمتم:— "This world wakes differently."حين نزل إلى الطابق السفلي كان البيت قد امتلأ بالحركة.سمع
كان إدريان قد واجه جيوشًا كاملة.شهد مؤامرات داخل القصر.جلس في قاعات امتلأت بالنبلاء الذين كانوا يبتسمون له بينما يخفون الخناجر خلف ظهورهم.لكنه في تلك اللحظة...أدرك أن شيئًا من ذلك كله لم يُعِدّه لما ينتظره.وقف أمام باب منزل ريم.وأمام نظرات أمها التي كانت تراقبه من أعلى إلى أسفل بعينين لا يفوتهما شيء.تلك النظرة التي تمتلكها الأمهات حين يشعرن أن هناك كارثة تقف بجوار بناتهن.ابتسم إدريان ابتسامة دبلوماسية كان قد أتقنها عبر سنوات الحكم.وقال بإنجليزيته المهذبة:— "Good evening, Madam."نظرت إليه أم ريم.ثم نظرت إلى ريم.ثم قالت:— "واش قال؟"أجابت ريم بسرعة:— "راه يسلم عليك."— "آه."ثم عادت تنظر إليه.— "ومنين راه جاي؟"كادت ريم تختنق.أما إدريان فابتسم منتظرًا الترجمة.همست له:— "She's asking where you're from."رد بهدوء:— "My kingdom."أغلقت ريم عينيها للحظة.— "يا ربي..."— "What?"— "ماكانش مملكة يا إدريان."— "There is."— "ما نقدرش نشرح هذي."بعد دقائق قليلة...كانا جالسين داخل غرفة الجلوس.وكان إدريان يراقب المكان بصمت.كل شيء مختلف.تمامًا.لا ثريات ضخمة.لا جدران مذهبة
كان المطر ينهمر فوق أرصفة المكتبة القديمة بهدوءٍ يشبه الذكريات.خارج النوافذ الطويلة كانت مدينة الجزائر تمضي في مساءٍ عادي من أمسيات الشتاء؛ أضواء السيارات تنعكس فوق الإسفلت المبتل، وأصوات المارة تختلط بصفير الريح القادمة من جهة البحر.أما داخل المكتبة...فلم يكن شيء عاديًا.وقفت ريم في منتصف القاعة، عاجزة عن الحركة.أنفاسها متسارعة.وقلبها يضرب صدرها بعنف.لأن الرجل الذي كانت تراه أمامها لم يكن حلمًا.ولم يكن طيفًا.ولم يكن ذكرى.كان إدريان.بلحمه ودمه.بمعطفه الأسود الطويل.بشعره الداكن المرتب بعناية.وبالعينين الرماديتين اللتين حفظتهما أكثر مما حفظت ملامح وجهها في المرآة.لثوانٍ طويلة نسيت كيف تتنفس.وكأن عقلها يرفض تصديق ما تراه.لكن إدريان ابتسم.ابتسامته الصغيرة التي كانت نادرة في قصره حتى إن الخدم كانوا يعتبرون ظهورها حدثًا تاريخيًا.وقال بإنجليزيته الهادئة:— "You are staring at me."رمشت ريم عدة مرات.ثم قالت بسرعة:— "أكيد راح نطالع فيك! يا راجل خرجت من كتاب!"رفع حاجبيه.ثم نظر حوله إلى المكتبة.— "And yet... I think this place is stranger."ضحكت رغم الدموع التي ملأت عينيها
مرت ثلاثة أسابيع منذ استيقاظ ريم في مكتبة العاصمة القديمة.كانت الحياة تبدو كما كانت — الناس تمر، الكتب تُرتّب، والوقت يسير.لكن شيئًا ما تغيّر…كل شيء صار بلا طعم، بلا لون.المدينة التي كانت تراها جميلة، صارت باهتة كصورةٍ فقدت نصف ألوانها.كانت تجلس كل يوم في الركن نفسه من المكتبة، حيث سقط الكتاب أول مرة.تحمل كوب قهوتها، تحدّق في الباب الخشبيّ وكأنها تنتظر أن يُفتح من تلقاء نفسه.همست وهي تبتسم بمرارة:– «ما بقاش حتى أثر… غير الحنين. حتى النار اللي في عينيه، راحت معاه.»رفعت عينيها إلى الرفّ الأعلى، فإذا بالكتاب الغامض يظهر من جديد —نظيف، لامع، كأنه لم يُمس من قبل.اقتربت منه بخوفٍ عجيب، مزيجٍ من الرجاء والرهبة،لكن قبل أن تلمسه، انفتح الباب الخلفيّ للمكتبة ببطء.دخل رجل طويل يرتدي معطفًا أسود طويلًا، يحمل مظلةً أنيقة.كان المطر يتساقط خلفه، ورائحة المطر تعبق بالمكان.قال بصوتٍ هادئٍ فيه تلك النغمة المألوفة التي اخترقت قلبها فورًا:– «It always rains… when you cry, doesn’t it?»تجمدت في مكانها، تنظر إليه وكأنها ترى شبحًا من الذاكرة.اقترب بخطواتٍ واثقة،خلع قبعته،وابتسم بتلك الابت
كان المساء في القصر يهبط ببطءٍ، كوشاحٍ من حريرٍ ثقيلٍ يغطي كل شيءٍ بالسكينة والرهبة.السماء رمادية، المطر يوشك أن يبدأ، والرياح تتسلل من بين النوافذ العالية كأنها همسٌ من الماضي.في جناحها، جلست ريم قرب الموقد، تنظر إلى النار كأنها تقرأ فيها مستقبلها.كانت الغرفة مضاءة بوهجٍ خافت، والظلال تتراقص على الجدران المزخرفة بالذهب والورود المنحوتة.بين يديها كتابٌ قديمٌ وجدته في مكتبة القصر — غلافه من الجلد البنيّ، تتوسطه علامةٌ تشبه الهلال المفتوح.اقترب منها إدريان، بصمتٍ يشبه الخوف.قال وهو ينظر إلى الكتاب:– «I know that cover… it appeared the day you arrived here.»رفعت رأسها نحوه، وعيناها تلمعان بقلقٍ ناعم:– «Oui… هادا هو. الكتاب لي دخلني لهنا.»جلس بجانبها، ناظرًا إلى الغلاف كما لو كان ينظر إلى شيءٍ حيّ.قال ببطءٍ:– «The royal scholar found something.He says this book isn’t from our time… nor from this world.It’s a passage — a bridge.»سكتت لحظة، ثم همست:– «يعني… يقدر يرجّعني لعالمي؟»– «Maybe. But once it opens again… it might not close.»أغمضت عينيها، تتنفس بعمقٍ كمن يحاول أن يو
لم يكن الصباح التالي للفجر مختلفًا في ملامحه،لكن في جوّه شيءٌ تغيّر — كأن النسيم يحمل همسًا لا يُسمع إلا بالروح.في القصر، كان الجميع يتحرك بنشاطٍ غير عادي.الخدم يلمّعون الممرات، البوابون يبدّلون الرايات،والوصيفات يتحدثن بصوتٍ خافتٍ عن "أمرٍ غريبٍ ستعلنه الملكة قريبًا".أما ريم، فكانت تجلس قرب ا
ليالٍ عدّة مرّت بعد الحادثة، لكنّ القصر لم يعد كما كان.الأعين تراقب، الهمسات تتكاثر، والخوف يتسلّل في الممرات الطويلة كدخانٍ لا يُرى.منذ أن أنقذت ريم الملك، صار اسمها على كل لسان — وإن لم يُذكر رسميًا في التقارير، فإنّ الخدم والنبلاء تداولوا القصة في الخفاء، وأضافوا إليها ما شاءوا من الخيال."قال
في صباحٍ غائمٍ ثقيل، كانت نوافذ القصر ترتجف تحت صفير الرياح.السماء رمادية كأنها تُخفي شيئًا، والطيور صامتة على غير عادتها.لكن داخل القاعة الملكية، كان كل شيء هادئًا... في الظاهر فقط.كانت ريم تجلس على الأرض قرب المدفأة، تحاول فكّ عقدة في خيط حريري أضاعها أحد الخدم الصغار.وجهها منحنٍ، أصابعها تتح
في صباحٍ غارقٍ في الضباب، كان القصر الملكي يستعد لحفلٍ صغير على شرف بعض الزوار الفرنسيين.الأروقة تفوح برائحة العود الفاخر، والستائر المخملية بلون النبيذ تنساب من النوافذ العالية، بينما الخدم يهرولون في صمتٍ منظم.في قلب هذه الجلبة، كانت ريم جالسة قرب النافذة في قاعة القراءة، تمارس طريقتها العجيبة







