เข้าสู่ระบบفي صباح اليوم التالي، لم تستيقظ المدينة على خيوط الشمس الهادئة، بل على دوي هتافات غاضبة وصوت تحطم الزجاج. أمام أحد أشهر وأفخم مطاعم سلسلة "الحسيني" في ساحة العاصمة، تجمهر المئات من المواطنين والطلاب الغاضبين. تطايرت الحجارة لتخترق الواجهات الزجاجية الفاخرة محولة إياها إلى شظايا متناثرة، وانطلقت عبوات الطلاء الأحمر لتلطخ الجدران الرخامية البيضاء، فتسيل منها كدماء ضحايا وهميين. رددت الحناجر الغاضبة هتافات تطالب بالقصاص من "الوحش" الذي يختطف أبناءهم من المدارس، ورفعت اللافتات التي تندد بسطوة المال فوق القانون. لقد نجحت شرارة "خليل" الرقمية في إشعال حريق مجتمعي حقيقي، حريق لا يمكن إطفاؤه بالرصاص أو الرشاوى. في تلك الأثناء، داخل المكتب الرئيسي لقلعة الحسيني، كان الجد "نادر" يقف أمام شاشة التلفاز الضخمة، يراقب الفوضى التي تجتاح الشوارع بوجه خالٍ تماماً من التعبير، مستنداً بكلتا يديه على عصاه الفضية. فُتح الباب بعنف، ودخل "جاد" بخطوات ثقيلة، وعروق رقبته بارزة من فرط الغضب الذي يغلي في دمه، وخلفه والده "أمجد" الذي بدا متجهماً ومترقباً. "دعني أنزل إليهم يا جدي!" زمجر جاد بصوته
في زاوية مظلمة من شقة كئيبة تفوح منها رائحة القهوة الباردة والسجائر المحترقة، لم تكن هناك إضاءة سوى الوهج الأزرق البارد المنبعث من أربع شاشات حواسيب متراصة. هناك، وسط هذه الفوضى، كان يجلس "خليل". لم يعد ذلك الشاب الجامعي الأنيق، اللعوب، والواثق من نفسه الذي اعتاد الإيقاع بالفتيات. لقد تحول إلى طيف باهت؛ وجهه شاحب كالموتى، عيناه غائرتان بشدة تحيط بهما هالات سوداء عميقة، وشعره مشعث وكأنه لم يذق طعم النوم منذ أسابيع. كان يحدق بهوس مجنون في إحدى الشاشات. المقطع المعروض كان يعاد مراراً وتكراراً ببطء.. مقطع فيديو مهتز صوّره أحد الطلاب خلسة، يُظهر "جاد الحسيني" بسترته السوداء، يسحل "سيف" من شعره عبر باحة المدرسة الثانوية في وضح النهار، بينما تقف سيارة الشرطة في الخلفية بلا حراك! مع كل إعادة للمقطع، كانت دقات قلب خليل تتسارع، وتتجلى أمامه كوابيسه الخاصة. تذكر زمجرة مروحية "غضب الليل"، تذكر برودة هواء المحيط الأسود تحته، وتذكر نفسه وهو راكع على ركبتيه، يبكي كطفل مذعور، يقبل الأقدام ويتوسل من أجل حياته أمام جاد ونادر الحسيني. وجرمه الوحيد؟ أنه أحب "سمر" وحاول التقرب منها. أغمض خليل عيني
انتهى حفل العشاء الذي بدا لـ "سمر" وكأنه حلم دافئ اقتُطع من قصة خيالية. ودّعت عائلة الحسيني بقلب يفيض بمشاعر متناقضة أربكت كيانها؛ فالجدة فاطمة طبعت قبلة حنونة على جبينها، وديما عانقتها بود غريب وعيناها تلمعان بإعجاب خفي وكأنها تعرفها منذ سنوات، وحتى أمجد ونادر ودعاها بابتسامات وقورة لا تليق إلا بملوك متوجين. خرجت سمر إلى باحة القصر الخارجي وهي تلف معطفها الخفيف حول كتفيها فوق فستانها الأزرق، تتوقع رؤية سيارة "الرولز رويس" والسائق بانتظارها كما جاءت. لكنها توقفت في مكانها حين رأت "جاد" يقف مسنداً ظهره إلى سيارة رياضية سوداء لامعة، يطوي أكمام قميصه الحريري ببطء وجاذبية طاغية. أشار جاد للسائق بالانصراف، ثم فتح باب سيارته الرياضية بنفسه، ونظر إليها بعينين داكنتين تبتلعان أضواء القصر، وقال بنبرة هادئة لا تقبل النقاش: "سأوصلكِ بنفسي." لم تجادل سمر. كانت أضعف من أن تقاوم سحره الليلة. ركبت في المقعد المجاور له، وجلس هو خلف المقود. انطلقت السيارة بسلاسة وهدير منخفض لتشق طريقها في شوارع المدينة المظلمة. كان الصمت داخل المقصورة الفاخرة مشحوناً بكهرباء التوتر. كانت سمر تنظر من النا
تسعدني دائما قراءة تعليقاتكم وتوقعاتكم لمسار القصة. إذا كنتم من محبي القراءة المتواصلة وتكرهون الانتظار اليومي للفصول، أنصحكم في اثناء الانتظار بقراءة روايتي الأخرى "الأرملة السوداء". الرواية مكتملة تماما وجاهزة لتقرأوها دفعة واحدة دون أي توقف، ولا انتظار للتحديث. أعتبرها من أقوى كتاباتي، وهي مليئة بأحداث ستحبس أنفاسكم وتجعلكم تقرأون دون توقف.
على مائدة الطعام الملكية الممتدة في قاعة القصر، كان صوت اصطدام الشوك الفضية بالأطباق الخزفية يمتزج بأحاديث هادئة وضحكات صافية. لم يكن الجو مشحوناً بالتوتر أو تحفه حراسة مسلحة كما تخيلت "سمر" في كوابيسها، بل كان يفيض بدفء عائلي آسر لم تعهده من قبل. كان الجد "نادر الحسيني" يجلس على رأس المائدة، وبدلاً من أن يتحدث عن صفقات مشبوهة أو أوامر دموية، كان يوجه حديثه لسمر باهتمام أبوي خالص، يسألها عن طموحاتها وتفوقها الجامعي، ويستمع لإجاباتها بإصغاء تام واحترام جعلها تشعر وكأنها شخصية بالغة الأهمية. وبجواره، كانت الجدة "فاطمة" تتأكد بين الحين والآخر من أن أطباق سمر ممتلئة بأشهى المأكولات، وتعاملها برقة وتوقير يليقان بأميرة. أما "ديما"، فقد كانت تجلس بجوار زوجها "أمجد". كانت ديما قد وصلت ظهر ذلك اليوم من الريف، حيث تقسم وقتها بين القصر وبين مزرعة والدها "محمود الدالي" للبقاء بجوار ابنتها "مرح" في فترة نقاهتها وعلاجها. ورغم الإرهاق الخفي في عيني ديما، إلا أن رؤية ابنها "جاد" يجلس بجوار هذه الفتاة الفاتنة أعاد الحياة والبريق إلى ملامحها. كانت ديما، بغريزة الأم وشغف المرأة الرومانسية، تراقب
تجاوزت سيارة الرولز رويس البوابات الحديدية الشاهقة، لتسير ببطء عبر ممر طويل تحيط به أشجار ضخمة ونوافير تضيء عتمة الليل. كانت "سمر" تنظر من النافذة الزجاجية، وأنفاسها تتسارع مع كل متر تقطعه السيارة داخل هذه المملكة المصغرة. لقد أصابتها ذات نوبة الرهبة التي اجتاحت "فارس" قبل ساعات؛ فهذا لم يكن مجرد قصر لأحد الأثرياء، بل كان حصناً أسطورياً ينضح بالهيبة والفخامة المطلقة. توقفت السيارة أمام المدخل الرخامي العريض. فُتح لها الباب، ونزلت سمر بخطوات مرتعشة رغم كعبها العالي. كانت تتوقع أن تسمع موسيقى صاخبة، وأن ترى عشرات السيارات الفارهة لضيوف من النخبة، ونساءً يرتدين فساتين باهظة يتحدثن بتصنع في حفل (Gala) أسطوري كما توهمت. لكن المكان كان هادئاً جداً. لا ضجيج، لا حشود، فقط سكون فخم وإضاءة دافئة. استقبلها رئيس الخدم بانحناءة وقورة، وقادها عبر أروقة القصر التي تزينها لوحات كلاسيكية وتحف نادرة. كان صوت كعبها يتردد على الأرضية الرخامية، يرافقه دقات قلبها التي تقرع كالطبول. "تفضلي يا آنسة سمر، إنهم بانتظارك." قال الخادم، وفتح باباً خشبياً مزدوجاً وضخماً. دخلت سمر، لتتبخر كل توقعات
كانت ديما تجوب غرفتها الضيقة جيئة وذهاباً كأنها نمرة حبيسة تحرث الأرض بقدميها. هذه المرة، لم يكن الصراع مجرد أفكار عابرة، بل كانت معركة طاحنة تمزقها من الداخل؛ بين تربيتها الريفية الصارمة وأخلاقها المحافظة من جهة، وبين ذلك الفضول الأسود والشهوة الغامضة التي استيقظت بداخلها من جهة أخرى. كانت تتش
بعد أيام في صباح يوم دراسي غير اعتيادي،كان المدرج الرئيسي للجامعة يضج بالهمسات والترقب. الجميع يعلم أن المعيد الجديد ليس مجرد أكاديمي متفوق، بل هو "أمجد"، خريج الجامعة الاستثنائي، والابن الوحيد للملياردير الذي يمتلك نصف أسهم هذه الجامعة.في الصف الأول، جلست "نوال" تضع ساقاً فوق أخرى، مرتدية تنور
في الليالي الثلاث التالية، كانت ديما تستلقي في فراشها ويداها معقودتان فوق بطنها بقلق. كانت تخشى أن يأتي "أنور" مجدداً، وأن تضطر لخوض تلك المعركة الطاحنة مع فضولها، خاصة بعد اكتشافها لذلك الثقب الشيطاني خلف اللوحة.لكن... أنور لم يأتِ.مرت الليلة تلو الأخرى، وغرفة ندى هادئة تماماً. في البداية، تنفست
كان صوت عجلات القطار وهي تضرب القضبان الحديدية أشبه بنبضات قلب "ديما" المتسارعة.جلست بجوار النافذة، تسند رأسها على الزجاج البارد، وتراقب قريتها الوادعة وهي تتلاشى في الأفق، ليحل محلها غابة من الأسمنت والزجاج. المدينة!لأول مرة في حياتها ذات التسعة عشر عاماً، تغادر ديما قريتها. ورغم فستانها القطني







