LOGINالفصل الثالث: القواعد التي بدأت تتغير
في تلك الليلة، عادت ليان إلى القصر وهي تحمل سؤالًا واحدًا لم تستطع التخلص منه. لماذا شعرت بالحزن عندما تحدث سليم عن انتهاء زواجهما؟ كان من المفترض أن يكون الأمر بسيطًا. عام واحد. ثم ينتهي العقد. تعود هي إلى حياتها. ويعود هو إلى وحدته. هذا ما اتفقا عليه. فلماذا، عندما قال إن هذا هو الاتفاق، شعرت وكأن شيئًا بداخلها قد خسر قبل أن يبدأ؟ دخلت غرفتها وأغلقت الباب. وضعت حقيبتها على الكرسي، ثم وقفت أمام المرآة. «أنتِ مجنونة.» قالتها لنفسها. ثم ضحكت بخفوت. «رجل لا تعرفينه منذ أكثر من أيام قليلة، ومتزوجة منه بسبب سر يخص والدتك، وأنتِ تفكرين في انتهاء الزواج؟» جلست على السرير. لكن المشكلة لم تكن في التفكير. المشكلة أن عقلها كان يعود إلى لحظات صغيرة لا علاقة لها بالأسرار. يده حين أمسك بها في الشارع. طريقته عندما قال لها: لن ألمسك. نظراته عندما أخبرته أنها خائفة. وابتسامته النادرة عندما جلسا إلى مائدة الإفطار. أشياء بسيطة. لكنها كانت تتسلل إلى قلبها دون استئذان. رن هاتفها. نظرت إلى الشاشة. رسالة من سليم. هل وصلتِ إلى غرفتك؟ حدقت فيها طويلًا. كتبت: نعم. وصل الرد سريعًا: جيد. نامي. ابتسمت دون إرادة. كتبت: وأنت؟ تأخر الرد قليلًا. ثم: سأحاول. وضعت الهاتف بجوارها. لكنها لم تستطع النوم. --- في الجهة الأخرى من القصر، كان سليم جالسًا في مكتبه. الملف القديم أمامه. صورة ليان. وصورة والدتها. وصورة والدته. ثلاث نساء. ثلاثة أسرار. وحقيقة واحدة لم يكن مستعدًا للاعتراف بها. أنه لم يعد ينظر إلى ليان باعتبارها مجرد ابنة الرجل الذي أنقذ حياته. كان يشعر تجاهها بشيء آخر. شيء بدأ منذ اللحظة التي وقفت فيها أمامه عند الباب. كان يستطيع أن ينسحب. كان يستطيع أن يطلب من محاميه تنفيذ وصية والدها دون أن يتزوجها. لكنه لم يفعل. كان هناك سبب منطقي. الحماية. التهديد. الوصية. لكن الحقيقة الأعمق كانت أبسط. حين رأى ليان للمرة الأولى، لم يستطع تجاهلها. ولم يكن ذلك يشبهه. سليم الراوي لم يكن يسمح لأحد بالاقتراب منه. منذ وفاة المرأة التي أحبها قبل سنوات، أغلق الباب تمامًا. لكن ليان لم تحاول اقتحامه. كانت فقط تقف أمامه بعناد، وتطلب الحقيقة. وربما لهذا السبب بدأ يخاف منها أكثر مما يخاف من أعدائه. لأنها استطاعت الوصول إلى مكان داخله لم يصل إليه أحد منذ سنوات. أمسك هاتفه. فتح محادثته معها. ظل يكتب ثم يمسح. تصبحين على خير. مسحها. كتب: هل تحتاجين شيئًا؟ مسحها. ثم أغلق الهاتف. قال لنفسه: «هذا جنون.» --- في الصباح، كانت ليان في المطبخ عندما دخل سليم. كان يرتدي بدلة رمادية. نظرت إليه ثم إلى الساعة. «أنت تستيقظ مبكرًا جدًا.» «وأنتِ؟» «لم أنم جيدًا.» توقف. «لماذا؟» «لا أعرف.» عرف. لكنه لم يقل شيئًا. جلس. وضعت داليا الإفطار أمامهما. قالت: «هل أضع الإفطار للسيد سليم في المكتب؟» قال: «لا. سأفطر هنا.» نظرت ليان إليه. «أنت عادة تفطر وحدك؟» «نعم.» «إذن لماذا اليوم؟» نظر إليها. «لأنك هنا.» سكتت. تدخلت داليا بابتسامة صغيرة ثم غادرت. قالت ليان: «أنت تقول أشياء غريبة أحيانًا.» «وأنتِ تسألين أسئلة كثيرة.» «هذا لأنك لا تجيب.» «أجيب عندما يكون السؤال مهمًا.» «إذن سأطرح سؤالًا مهمًا.» رفع عينيه. «تفضلي.» «هل ندمت على الزواج مني؟» توقف. كان السؤال أبسط مما توقع. لكنه لم يكن سهلًا. قال: «لا.» نظرت إليه. «حقًا؟» «نعم.» «حتى الآن؟» «حتى الآن.» «لماذا؟» تأخر قليلًا. «لأنني أشعر أن وجودك هنا ليس مزعجًا كما توقعت.» ابتسمت. «هذا ألطف إطراء سمعته في حياتي.» ضحك. «أنا لست جيدًا في الإطراء.» «واضح.» ثم عادت إلى طعامها. لكنها كانت سعيدة. بشكل لم ترد الاعتراف به. --- بعد الإفطار، قال سليم: «لدينا موعد.» «مع من؟» «محامي والدك.» «لماذا؟» «وصلت وثيقة جديدة.» ذهبت معه. في الطريق، لم يتحدثا كثيرًا. لكن يده كانت على المقود، وليان لاحظت أنها كانت تقترب أحيانًا من يدها الموضوعة على المقعد. وفي إحدى المنعطفات، ارتطمت يدها بيده. سحبتها بسرعة. قال: «آسف.» «لا بأس.» صمت. ثم قال: «كنت أفكر.» «في ماذا؟» «في القواعد.» «أي قواعد؟» «القواعد التي وضعناها للزواج.» «ماذا عنها؟» «ربما نحتاج إلى تعديلها.» نظرت إليه. «لماذا؟» «لأن الظروف تغيرت.» «أي قاعدة؟» «قاعدة عدم التدخل في حياة الآخر.» «هل خالفتها؟» «أنتِ الآن جزء من حياتي.» سكتت. كانت جملة بسيطة. لكنها جعلت قلبها يخفق. «وأنت جزء من حياتي أيضًا.» قالتها بهدوء. نظر إليها للحظة. ثم عاد إلى الطريق. --- كان المحامي ينتظرهما. فتح ملفًا. قال: «هناك مستند تركه والد الآنسة ليان، لكنه طلب ألا يُفتح إلا بعد إتمام الزواج.» نظرت ليان إلى سليم. قال: «افتحه.» فتح المحامي الملف. كانت رسالة. قرأها: > «ليان، إذا كنتِ تقرئين هذه الرسالة، فهذا يعني أنك أصبحتِ زوجة سليم. أعرف أن الأمر قد يبدو قاسيًا، لكنني لم أجد طريقة أخرى لحمايتك. هناك شيء أخفيته عنك طوال حياتك. والدتك لم تمت. وأنا لم أتركها. هي من اختارت الرحيل.» توقفت ليان. «ماذا؟» أكمل المحامي: > «لم أستطع أن أخبرك لأنها كانت تخشى أن يصل إليك الرجل الذي كان يلاحقها. هذا الرجل هو أحد أفراد عائلة الراوي.» رفعت ليان رأسها. نظرت إلى سليم. كانت ملامحه متصلبة. أكمل المحامي: > «لكنني لم أكن أريدك أن تكرهي عائلة الراوي. لأن سليم تحديدًا لا علاقة له بما حدث. بل هو الشخص الوحيد الذي أستطيع أن أثق بأنه سيحميك.» ثم كانت الجملة الأخيرة: > «إذا سألتِ عن سبب اختياري لسليم، فالإجابة موجودة في الشيء الذي تركته لك والدتك.» رفع المحامي رأسه. «ما هو الشيء؟» قالت ليان: «لا أعرف.» لكن سليم عرف. نظر إليها. «القلادة.» --- عادا إلى القصر. بحثا عن القلادة التي وجداها في مكتب والدها. كانت فضية، بسيطة. وضعتها ليان حول عنقها. قال سليم: «انتظري.» اقترب. رفع القلادة. كان هناك جزء صغير في الخلف. ضغط عليه. انفتح. خرجت منه قطعة ورق دقيقة للغاية. فتحتها ليان. كانت هناك كلمات قليلة: إلى ابنتي. وتحتها: إذا كنتِ تقرئين هذا، فقد كبرتِ. توقفت ليان. بدأت دموعها تنزل. قالت: «هذه أمي.» كان سليم يقف بجانبها. تابعت القراءة: > «لم أتركك لأنني لم أحبك. تركتك لأنني أحببتك أكثر مما أحببت نفسي.» أغلقت ليان عينيها. وضعت يدها على فمها. ثم أكملت: > «كنت أظن أن ابتعادي سيحميك. لكنني لا أعرف إن كنت فعلت الصواب. والدك سيحاول أن يجعلك تعتقدين أنني مت. سامحيني.» انفجرت ليان بالبكاء. لم تعرف كيف تمنع نفسها. جلس سليم بجوارها. لم يقل شيئًا. فقط تركها تبكي. وبعد لحظات، رفعت رأسها. «أنا أكرهها.» قال: «من حقك.» «وأشتاق إليها.» «من حقك أيضًا.» «كيف يمكنني أن أكره شخصًا وأشتاق إليه في الوقت نفسه؟» «لأنك ابنتها.» نظرت إليه. «هل كنت تشتاق إلى أمك؟» صمت. ثم قال: «كل يوم.» كانت الإجابة صادقة جدًا. وضعت ليان يدها فوق يده دون تفكير. تجمد. نظرت إلى يده. ثم إليه. لم تسحب يدها. وهو لم يسحبها. بقيا هكذا للحظات. ثم قال: «سنجدها.» همست: «معًا؟» «معًا.» --- في تلك الليلة، كانت ليان تقف في الشرفة. كان الهواء باردًا. خرج سليم. وقف بجانبها. «لماذا لم تنامي؟» «أفكر.» «في أمك؟» «في كل شيء.» صمت. قالت: «هل تعرف ماذا أخاف؟» «ماذا؟» «أن أجدها ولا تحبني.» التفت إليها. «هذا مستحيل.» «كيف تعرف؟» «لأنني رأيت أمًا تبحث عن ابنتها.» «ماذا؟» «قبل سنوات.» «أمي؟» «نعم.» اقتربت منه. «أين؟» «في الإسكندرية.» «متى؟» «منذ عامين.» «لماذا لم تخبرني؟» «لأنني كنت أراقب المكان.» «هل تحدثت معها؟» «لا.» «لماذا؟» «لأنها اختفت قبل أن أصل إليها.» «هل تركت شيئًا؟» «نعم.» «ماذا؟» أخرج هاتفه. عرض عليها صورة قديمة. كانت هناك امرأة تقف أمام البحر. أمها. وفي يدها... نفس القلادة. شهقت ليان. «كانت تملكها.» «نعم.» «إذن لماذا تركتها؟» «ربما أرادت أن تصل إليك.» ثم نظر إليها. «وربما كانت تعرف أنني سأساعدك.» «أنت؟» «والدك كان يثق بي.» «وأنا بدأت أثق بك.» توقفت الكلمات بينهما. نظر إليها. «ليان...» «ماذا؟» «لا تفعلي ذلك بسرعة.» «ماذا؟» «الثقة.» ابتسمت بحزن. «أنا لم أقل إنني أثق بك تمامًا.» «جيد.» «لكنني أريد أن أفعل.» نظر إليها. ولم يستطع منع نفسه من الابتسام. --- في اليوم التالي، خرجت ليان من القصر برفقة داليا. كان سليم قد ذهب إلى الشركة. وعندما عادت، وجدت باقة زهور أمام باب غرفتها. توقفت. كانت وردًا أبيض. وبداخلها بطاقة. فتحتها. إلى زوجة الرجل الذي لا يحب النساء. ابتسمت. لكن ابتسامتها اختفت عندما قرأت الجملة التالية: استمتعي بزواجك... لأنه لن يستمر طويلًا. ركضت إلى سليم. اتصلت به. رد فورًا. «ماذا حدث؟» «هناك رسالة.» «أين أنت؟» «في القصر.» «لا تتحركي.» «سليم...» «قلت لا تتحركي.» وصل بعد أقل من عشرين دقيقة. أخذ البطاقة. قرأها. ثم نظر إليها. «من أين جاءت؟» «كانت أمام غرفتي.» «من دخل البيت؟» استدعى الحراس. لكن أحدًا لم يعرف. عاد إليها. «هل لمستِ الزهور؟» «لا.» «جيد.» ثم نظر إلى عينيها. «هل أنت خائفة؟» «نعم.» اقترب. «انظري إليّ.» نظرت إليه. «لن يحدث لك شيء.» «كيف تعرف؟» «لأنني لن أسمح بذلك.» كانت الجملة أقوى من كل تطميناته السابقة. ولم تستطع ليان منع نفسها من الاقتراب منه. وضعت رأسها على صدره. تجمد سليم. لم يكن يتوقع ذلك. لكنه بعد لحظة رفع ذراعه ووضعها حول كتفها. لم يتحدث. فقط احتضنها. وكان ذلك أول احتضان بينهما. احتضان لم يكن جزءًا من العقد. ولا من الاتفاق. ولا من الحماية. كان شيئًا حقيقيًا. شعرت ليان بالأمان. وسليم شعر بشيء أخطر. أنه لا يريد أن يتركها. ابتعدت بعد لحظات. رفعت عينيها إليه. «آسفة.» «لماذا؟» «لا أعرف.» «لا تعتذري.» ثم قال: «إذا خفتِ مرة أخرى، تعالي إليّ.» نظرت إليه. «حتى بعد انتهاء السنة؟» تغير وجهه. «لا تفكري في النهاية الآن.» «لماذا؟» اقترب قليلًا. «لأنني بدأت أكره فكرة النهاية.» لم تجب. لكن قلبها فعل. --- في تلك الليلة، جلس سليم وحده في مكتبه. فتح درجًا قديمًا. أخرج صورة المرأة التي أحبها في الماضي. نظر إليها طويلًا. ثم وضعها جانبًا. وأخرج صورة ليان. كانت الصورة قد التقطت لها في إحدى المناسبات قبل أن يعرفها. ظل ينظر إليها. ثم قال لنفسه: «ماذا فعلتِ بي؟» لم يكن يعرف. لكن شيئًا واحدًا أصبح واضحًا. ليان لم تعد مجرد زوجة مؤقتة. ولم تعد مجرد ابنة الرجل الذي أنقذ حياته. لقد أصبحت المرأة التي يخشى أن يخسرها. وفي الخارج، كانت ليان تقف خلف باب مكتبه دون أن يعرف. كانت قد جاءت لتشكره. لكنها سمعت صوته. وسمعت جملته الأخيرة. «ماذا فعلتِ بي؟» وضعت يدها على صدرها. ولم تعرف أن سليم، في تلك اللحظة، كان قد بدأ يخسر المعركة التي أقسم ألا يخوضها. معركة الحب.الفصل الثلاثون: الاسم المكتوب أسفل العقدكان البيت هادئًا على نحو مخيف.لم يكن هدوء البيوت التي ينام أهلها، بل هدوء الأماكن التي تخفي شيئًا وتنتظر أن يأتي من يكشفه.وقفت ليان عند البوابة، ويد سليم ممسكة بيدها.كانت تعرف أن وراء هذه الجدران إجابات كثيرة، لكنها لم تكن تعرف إن كانت مستعدة لسماعها.قال سليم بهدوء:«لو أردتِ أن نعود، سنعود.»نظرت إليه.«هل تريد العودة؟»«لا.»«إذن لا تسألني.»ابتسم.«كنت أعرف إجابتك.»«لماذا؟»«لأنك عندما تخافين، تصبحين أكثر شجاعة.»خفضت عينيها.«وأنت عندما تخاف، تصبح أكثر عنادًا.»«ربما.»«بل بالتأكيد.»فتحا الباب.دخلا.---كانت رائحة الخشب القديم والرطوبة تملأ المكان.أضواء قليلة كانت مضاءة في الممر.قال سليم:«إنها تعرف أننا هنا.»«نعم.»«لكنها لا تختبئ.»«لأنها تريدنا أن ندخل.»«وهذا أكثر ما يقلقني.»تقدما ببطء.وصل صوت امرأة من الطابق العلوي:«كنت أعلم أنك ستأتين يا ليان.»توقفت ليان.عرفت الصوت.جدتها.ليلى.صعدت الدرج، وسليم خلفها.عندما وصلا إلى الطابق الثاني، كانت امرأة مسنة تقف عند نهاية الممر.شعرها أبيض، لكنها كانت تقف باستقامة.لم تكن تبدو ام
الفصل التاسع والعشرون: السر الذي لا يملكه أحدلم تنم ليان تلك الليلة.كانت جملة إياد تتردد في رأسها بلا توقف:«السر الوحيد الذي يمكن أن يجعل زواجكما مستحيلًا.»جلست قرب النافذة، بينما كانت المدينة تستيقظ ببطء خلف الزجاج. لم تعد تعرف أي شيء على وجه اليقين.أمها حية.إياد حي.فارس اختفى.جدتها التي قيل إنها ماتت ما زالت حية.والرجل الذي ظنته والدها لم يكن والدها.أما سليم...فكان الشيء الوحيد الذي بقي ثابتًا وسط كل هذه الفوضى.أو هكذا كانت تتمنى.فتح باب الغرفة.كان سليم يقف هناك.«لم تنامي.»لم تنظر إليه.«وأنت؟»«لا.»جلس إلى جوارها.ظل صامتًا.ثم قالت:«هل تخاف؟»«نعم.»التفتت إليه.«من ماذا؟»«من أن يأتي اليوم الذي أضطر فيه إلى الاختيار بين الحقيقة وبينك.»«لن يحدث.»«كيف تعرفين؟»«لأنني لن أجعلك تختار.»نظر إليها طويلًا.«وأنا لن أجعلك تختارين.»ابتسمت.«إذن نحن متفقان.»«على شيء واحد.»«ما هو؟»«أننا لن نصدق أي شخص بسهولة.»أومأت.«حتى آباؤنا.»«خصوصًا آباؤنا.»ضحكت رغم توترها.ثم قالت:«سليم.»«نعم؟»«إذا اكتشفنا أن زواجنا غير ممكن...»توقف.«لا تكملي.»«لكن...»«لا أريد أن أسمع
الفصل الثامن والعشرون: الرجل الذي مات مرتينلم تصرخ ليان.لم تستطع.ظلّت واقفة في مكانها، وعيناها معلقتان بالرجل الذي خرج من الظلام، بينما كان عقلها يرفض الصورة التي تراها أمامه.وجهه لم يكن غريبًا.لقد رأته عشرات المرات.في الصور القديمة.في التسجيلات.في أحلام أمها.في الحكايات التي رواها سليم عن أب لم يعرفه قط.كان هو نفسه.الشعر الذي شاب قليلًا.الملامح الحادة.العينان اللتان تحملان شيئًا من عيني سليم.لكن الرجل كان أكبر سنًا مما كان في الصور.وأكثر تعبًا.وأكثر حزنًا.قال بصوت منخفض:«سليم.»ارتجفت شفتا سليم.لم يتحرك.كان يحدق فيه كما لو أن أمامه شبحًا.قال:«أبي؟»لم يجب الرجل.فقط نظر إليه.ثم قال:«كنت أتمنى ألا تعرفني بهذه الطريقة.»تقدم سليم خطوة.«أنت ميت.»«أعرف.»«رأيت شهادة وفاتك.»«كانت مزورة.»«دفنوك.»«لم أُدفن.»«رأيت القبر.»«كان هناك رجل آخر.»هز سليم رأسه.«لا.»اقترب أكثر.«لا يمكن.»قال إياد:«يمكن.»رفع سليم يده إلى وجهه، وكأنه يحاول أن يستوعب ما يحدث.أما ليان فكانت تنظر إلى سلمى.كانت أمها تبكي.قالت ليان:«كنتِ تعرفين.»رفعت سلمى عينيها.«نعم.»«كنت تعرفين
الفصل السابع والعشرون: الخزنة التي اختارت صاحبيهالم يكن الطريق إلى المنزل القديم طويلًا، لكنه بدا لليان أطول طريق قطعته في حياتها.جلست إلى جوار سليم في المقعد الأمامي، بينما كانت سلمى وآدم ونادين في السيارة الأخرى خلفهما.لم يتحدث أحد.كان المطر يضرب زجاج السيارة بقوة، والمساحات تتحرك ذهابًا وإيابًا، كأنها تحاول أن تمحو عن الطريق شيئًا لا يريد أن يختفي.وضعت ليان يدها على يد سليم.التفت إليها للحظة.«خائفة؟»ابتسمت ابتسامة صغيرة.«كنت سأقول لا.»«لكن؟»«لكنني تعلمت ألا أكذب عليك.»ابتسم.«إذن قولي الحقيقة.»«أنا خائفة جدًا.»ضغط على يدها.«وأنا أيضًا.»رفعت حاجبها.«أنت؟»«نعم.»«أنت لا تخاف.»«كنت أظن ذلك.»«ومتى اكتشفت العكس؟»نظر إليها.«منذ أن أصبحتِ تعنين لي شيئًا يمكن أن أخسره.»صمتت.ثم قالت:«لن تخسرني.»«وعد؟»«وعد.»عاد ينظر إلى الطريق.لكن ليان لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير في الكلمات التي قالتها أمها قبل دقائق.ليلى منصور.جدتها.المرأة التي قيل إنها ماتت قبل ولادتها.المرأة التي شاركت في تزوير شهادة ميلادها.والأخطر من ذلك...أنها ما زالت حية.قالت ليان:«سليم.»«نع
الفصل السادس والعشرون: المرأة التي حملت سرّ أميلم تستطع ليان أن تتحرك.كانت المرأة تقف في نهاية الدرج، تحت ضوء مصباح ضعيف يتدلى من السقف، وملامحها تحمل شيئًا مألوفًا بصورة أربكتها.لم تكن تشبه سلمى.لكن عينيها...عيناها كانتا تشبهان عيني ليان.قالت المرأة مرة أخرى:«أنا المرأة التي كان يجب أن تكون أمك.»تقدم سليم خطوة.«من أنتِ؟»نظرت إليه طويلًا.«أنت تشبه إياد.»تغير وجهه.«كنتِ تعرفين أبي؟»«أكثر مما تتخيل.»قالت ليان:«قلتِ إنك كان يجب أن تكوني أمي.»أومأت المرأة.«اسمي نادين.»«نادين ماذا؟»«نادين الراوي.»شهقت ليان.التفتت إلى سليم.«الراوي؟»قالت نادين:«نعم.»اقتربت ليان منها.«كيف تكونين أمي؟»«لست أمك بالدم.»«إذن ماذا تقصدين؟»تنهدت.«كنت الزوجة الأولى لإياد.»نظر سليم إليها.«زوجة أبي؟»«نعم.»«لكن أمي كانت سلمى.»«أعرف.»«إذن لماذا قلتِ إنك كان يجب أن تكوني أمي؟»خفضت رأسها.«لأن إياد كان يعتقد أنني سأربيك.»ساد الصمت.قال سليم:«ماذا حدث؟»«قبل ولادتك بأشهر، اكتشفت أنني لا أستطيع الإنجاب.»ثم نظرت إلى ليان.«وعندما حملت سلمى...»توقفت.«طلب مني إياد أن أحميها.»قالت ليا
الفصل الخامس والعشرون: الزواج الذي لم يكن يجب أن يحدثظل صوت آدم معلقًا في الغرفة حتى بعد أن توقف جهاز التسجيل.لم تتحرك ليان.كانت تحدق في الجهاز الصغير فوق الطاولة، وكأنها تنتظر أن يعود الصوت مرة أخرى ويصحح الجملة الأخيرة.لكن شيئًا لم يحدث.فقط الصمت.ثم صوت خطوات في الممر.استدار سليم.كان يونس يقف عند الباب.لم يكن يحمل سلاحًا هذه المرة.وهذا جعله أكثر خطورة.قال بهدوء:«الآن فهمتما.»رفعت ليان رأسها.«ماذا نفهم؟»نظر إليها.«أن زواجكما لم يكن يجب أن يحدث.»اقترب سليم منه.«تكلم.»«ليس هنا.»«بل هنا.»«سليم...»«كل حياتي كانت أكاذيب. أمي، أبي، عائلتي، طفولتي. والآن تقول إن زواجي من ليان كان خطأ؟ أريد أن أعرف لماذا.»ابتسم يونس.«لأنكما كنتما جزءًا من اتفاق قديم.»قالت ليان:«أي اتفاق؟»نظر إليها.«اتفاق بين والدتك وعائلتي.»«أمي لم تكن لتوافق على شيء يؤذيني.»«لم يكن الاتفاق يؤذيك.»«إذن ماذا كان؟»صمت.ثم قال:«كان الهدف أن تتزوجي رجلًا من عائلة الراوي.»تجمدت ليان.نظرت إلى سليم.«لكنني تزوجت سليم.»«وهنا المشكلة.»قال سليم:«ما المشكلة؟»أجاب يونس:«أنك لست الراوي الذي كان الا







